المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

درس الذاكرة الفني

  
علي النجار
  















أنيليس ماري فرانك, الطفلة اليهودية الألمانية الأصل التي خبأتها عائلة هولندية في احد منازل أمستردام, خلف خزانة كتب منزلها عام(1942), خوفا من اكتشافها من قبل النازيين الذين كانوا يحتلون المدينة. واقعة احتضانها من قبل عائلة أمستردامية. وإخفائها أسفل دارهم لحوالي أربعة أعوام, حتى سقوط النازية. و كانت الناجية الوحيدة من عائلتها. حادثة لا تختلف كثيرا عن العديد من حوادث إنقاذ عائلات, أو أطفال يهود. في ذلك الزمن الصعب. ما ميز هذه الحادثة الإنسانية. هو تحولها إلى أسطورة في نظر العالم المتمدن. ليتحول مكانها إلى معلم تذكاري سياحي. في البدء لم افهم ما يفعل هؤلاء الناس الذين ينتظرون دورهم على الرصيف الضيق. ومعظم أرصفة أمستردام ضيقة لوجود شبكة السواقي وجسورها الكثيفة. فلا معلم واضح للزيارة أو التسوق. لقد كان سرداب البناية مقصدهم, حيث مكان اختفاء الطفلة.

أوردت هذه الحادثة, كذكرى وتذكرة في نظر الوجدان الإنساني. وأنا أتصفح وأشاهد كل يوم جبل مآسينا العراقية. يا ترى كم تذكار للمجازر المتكررة التي يتعرض لها شعبنا ومنذ عدة عقود. أليست حادثة المواطن العراقي ( أيمن حسن) الذي أخفى نفسه قسرا اثنا وعشرون عاما تحت الأرض, خوفا من إعدامه في زمن الدكتاتورية. لمجرد كونه معارض للسلطة. أفظع وأعمق أثرا من حادثة (أنيليس). ألا يجدر بالسلطة الجديدة ( الديمقراطية ) والتي كان( أيمن ) احد منتمى أحزابها النافذة, أن تحافظ على موقع احتجازه, حفرته البائسة في كل المقاييس, ذات المتر في مترين أسفل منزله. لتجعل منها ومن دارتها معلما من معالم ارث الدكتاتورية, تلحقه بمؤسسة المتاحف, مع كل وثائقه المادية والخطية والصورية. لقد تمثلت في أيمن وطأة المأساة التي ألمت بغالبية الشعب العراقي في الزمن الدكتاتوري. ألا يجد بنا أن نحتفظ بروحها ( أثرها ) حيا ليحكي لأجيالنا وللعالم بعض مما الم بنا من كوارث إنسانية, لا أن يحرم الضحية (أيمن ) حتى من حقوقه المدنية المستحقة, بعد التغيير. كيف لأيمن أن يعيش قهرين. وأية مذلة هذه. أنا لا أدري أن كانت أنيليس حية أم متوفاة. لكنها سوف تبقى حية بفضل يقظة الضمير الإنساني. ويقظة فعله. بالوقت الذي أعلنا فيه موت أيمن مرتين. يا لخسارتنا.
كان من المفروض أيضا أن نحافظ على موقع جريمة سبايكر, أن لا نزيل آثار دماء المجزرة الأعنف التي مر بها زمننا الحاضر. أن نثبت أثرها وآثارها بكل الوسائل. أن نعتبر موقعها أرضا محرمة, متحفا موضعيا وأرشيفيا شاهد على بشاعة الجريمة وقساوتها. أن يتم انجاز نصب للألم الإنساني, ليمثلها. لا كما سذاجة الأنصاب الجديدة. وهي دعوة لمفكرينا و فنانينا. لعمل يوازي فعل الكارثة. فأساليب الفن المعاصر, إضافة للمادة الفنية لم تتخلى عن الفكر أيضا. لنجمع شتات هذا الفعل حتى يتضخم كما أثر الألم الذي يتضخم هو الآخر. نحن مدانون أيضا بتقصيرنا عن الالتفات إلى مسؤوليتنا في تعريف أنفسنا والعالم بكوارثنا, باللغة الأكثر بلاغة. و نخشى أن تتبخر آثار مآسينا, ونتبخر نحن أيضا معها. ويبقى الفعل الغفل وحده هو المنتصر.
في زيارة لي لمدينة(كدانسك) البولونية عام (1977 ) لفت انتباهي جسم ( دبابة ) متوقف بالقرب من احد جسور المدينة المتعددة. لقد كانت وقفتها غير طبيعة, مثيرة للتساؤل. ثم أدركت بأنها إحدى آليات الحرب العالمية الثانية, توقفت حيث هي واقفة بعد إعلان انتهاء الحرب, ولكي لا تنسى ذكراها. تحولت إلى نصب من أنصاب الحرب. درس لنا, نحن الذين تعودنا على إزالة كل الأنصاب التي لا تتفق وسياسة الأحزاب أو الحكومات المتعاقبة. بدون النظر للدرس التاريخي لهذه الأنصاب الحية.
إذا ما عرفنا بان أقدم نصب تذكاري في إنكلترا ( كمثل) عن الرجال الذين ذهبوا للحرب ولم يعودوا ، قد نفذ في عام (1513)على النوافذ الزجاجية الملونة لكنيسة ميدلتون. من الممكن اعتبار هذا الرسم الكنسي نصبا للجندي المجهول، بالمعنى الحديث، لتلك الواقعة(معركة فلودين). إن كانت الكنيسة تبنت هذا العمل الفني في بنايتها. بالرغم من انه عمل دنيوي. فهذا يعني أن للتضحية من اجل الوطن. أو(الوطن والملك) وقتها, هيبة تدعوا لتوثيقها. بموازاة الحوادث, أو المعجزات الدينية. أنا أتساءل: هل قامت الجهات المعنية في الحكومة أو السلطة الدينية عندنا, بدفن شهداء سبايكر في مقبرة منفصلة. مع إنشاء شاهدة توازي فاجعة الحدث عند بوابتها. أم اختلطت جثامينهم بغيرها. وهل مقبرة الشهداء في وادي سلام النجف. وغيرها من مقابر العراق, تضم جثامين كل شهدائنا. منذ(2003) ولحد الآن. ليرى أناسنا, حجم المأساة الطائفية(عسى أن يتعظوا). ومغامرات بعض الدول في بلادنا. وهل تم التعامل مع هذه المقابر كشواهد تستحق الاهتمام بها كمناطق لها هيبتها. وبما يناسب هذه الهيبة من أنصاب وعلامات دالة ومنشآت توثيقية, ومساحات لراحة الزوار.
أثناء زمن الحرب العرقية الإيرانية. حدثني جاري الشرطي الذي خدم على الساتر الأمامي لخط الجبهة. بأنه ولثلاث ليال, كان يحلم بنفس الحلم. جندي يزوره في المنام متألما من حاله. يخبره بأنهم رابضين على صدره. في صبيحة اليوم الرابع بعد أن حفر هو وجماعته تحت موقعهم, اكتشفوا جثة الجندي. قصة بقدر ما هي مؤلمة لكل الأطراف. هي أيضا معجزة. لكن ماذا حل بسواترنا تلك وآثارها. ما اعرفه, من خلال ما اطلعت عليه, أن إيران حافظت على ارض منطقة الحرب الحرام. المحاذية للحدود العراقية. بآثارها ومخلفاتها, مزارا لآلاف العائلات المفجوعة بفقد أبنائها في حرب الثمانية أعوام العبثية. فهل قتلانا(شهداءنا) غير قتلاهم(شهدائهم). نحن نحتكم للوقائع. والوقائع تقول بأننا رخصنا أنفسنا وللأسف. من قتل في تلك الحرب, لم يقتل برغبته أبدا. وان كانت لديه رغبة. فقد كانت ضحية تلك الظروف الصعبة.
اختلفت وظيفة الأنصاب التذكارية عبر التاريخ. من الإشادة والتمجيد, إلى الإدانة في زمننا الحاضر. وما أكثر إداناتنا. حروب غاشمة, صراعات قومية وقبلية واثنيه. كلها خلفت جروحا وندوبا على جسم العراق أجسادا وأرضا. كيف لنا أن نكون حضاريين. ونحن لا نزال نخوض في وحل كل هذه المخلفات التي لا تزال في انتظار تفكيكها وصولا إلى إدانتها, ومن ثمة نبذها. إن كان الفعل الفني, وزمنه التشكيلي, فعل ثقافي أيضا. إضافة إلى خصائصه ومدلولاته الأخرى. فهو الآخر قادر على تقديم نماذج متقدمة في التعبير عما آلت إليه أحوالنا ضمن هذا الصراع العبثي. أعمال وأفكار فنية تواجه أناسنا مباشرة. ليست بسذاجة فكرتها وإخراجها الرث. بل بما يوازي الحدث, فعلا فنيا قادرا على الإلمام بحجم المأساة, وبما يناسبها من أدوات تنفيذية. لتبقى معلم شاخص للحاضر والمستقبل. سواء كان نصب تذكاري. او أي عمل فني آخر. فالمشاريع الفنية. هي الأخرى أحداث, لا يمكن إغفالها. وربما تؤسس لتقليد يتكرر. أو تحفظ أعمالها متحفيا, أو مؤسساتيا. كشواهد لمرحلة نمر بها.
أنا لا زال اعتقد أن فكرة متحف لمخلفات الدكتاتورية والحروب والصراعات التي تلتها. صالحة للتنفيذ. إن وجدت الإرادة والنية السليمة لتنفيذها, من قبل المؤسسة الثقافية المتحفية. حينما أسست صفحة للتواصل الاجتماعي على الفيس بوك. بمساعدة آخرين. باسم( ذاكرة الموت العراقي) وصلتني العديد من صوراعمال فنانينا التشكيليين التي اشتغلت على مآسينا العراقية. لو توسعت هذه الصفحة وتحولت إلى مشروع قابل لاستقبال ما يستجد من أعمال أخرى ترتقي لمستوى الحدث. حينها سوف نكتشف أن لفنانينا التشكيليين أيضا دور في التعبير عن حوادث ومحن أيامنا المعاصرة. وربما يتأسس عليها نواة متحف خاص لهذه المحن. لم يكن إنشاء متحف مهما كان عنوانه, عبثا. هذا ما نجده في تنوع أغراض وأهداف المتاحف في كل مدن العالم المتمدنة. فالمتحف ذاكرة الشعوب, وأرشيفها. سواء كان تدوينا, او أعمالا فنية, أو لقى أثرية. أو منتجات فولكلورية, أو اثر شخصي يكمل ذاكرة المكان الثقافية. وغير ذلك مما هو معروف. بالوقت الذي نفتقر إلى كل ذلك. إلا اقل من القليل, مما تلف أو نهب او دمر.فهل نرضى أيضا أن ندمر و نفني ذاكرتنا. كما أرادوها لنا. بنهب وحرق وتدمير وسرق ونهب أثارنا وثائقنا, كتبنا وأرشيفنا الصوري والفيلمي.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6411193   Visitors since 7-9-2002