المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





معارف... تشكيل
 

في الذكرى الثالثة و الخمسين على رحيل جواد سليم

  
وقفة عند العلامات التشكيلية في التصوير و الفن الجداري *
  
عادل كامل
  


















(( ولد جواد سليم في بغداد عام 1920 النحات والرسام ومؤسس جماعة بغداد للفن الحديث، وصاحب أشهر نصب في بغداد والشرق " نصب الحرية " )).



[1]

لم يكتسب (الكهف) موقعه في الدراسات الحديثة (علم الأجناس/ الآثار/الدراسات الايكولوجية/ واستخدام التقانات الأكثر حداثة)، كمأوى ـ بصفته حدا ً فاصلا ً عن عصر البرية/ وجمع القوت/ وقد غدا أقدم ذاكرة/ إلى جانب القبر، لنشوء مفهوم السكن، والحماية ـ أو للمخلفات التي تركها، كالعظام، والأدوات، ومحتويات مواقد النار، بالمستوى ذاته الذي حفره، ونقشه، ولونه، في رسوماته فوق جدران تلك الكهوف، والمغارات. ومع أن هذا العصر يتوزع على مناطق شاسعة من الأرض (منها المغارات والكهوف المكتشفة في ليبيا،المغرب العربي،الجزائر،العراق، وفلسطين)، إلا أن المشترك العام للمخلفات، والآثار، لا تقلل من أهمية وجود اختلافات، فيها، وتحديدا ً، في المنجز الشبيه بما سيطلق عليه، منذ زمن قريب، بالفن. ولم تخف هذه الدراسات أن اثر الايكولوجية (مجموع المؤثرات والعوامل والمكونات التي صاغت هوية وعلامات ذلك العصر) المتماثل، لم يؤد إلى نماذج متماثلة، حد التطابق، أو حد الاستنساخ. تلك الرسومات، إلى جانب ما هو مشترك، لم تخف تمايزها، على صعيد الأسلوب ـ والهوية في الأخير.

[2]

والسياق ذاته لم يخف مدى تميز تلك الحضارات القديمة بفنونها، على الرغم من ظهور نزعة التأثر والتأثير بين الحضارات المختلفة، وبين عصر وآخر. فلم تكن ثمة عزلة، أو حدود فاصلة، أو جدران للعزل بين شعب وشعب، أو بين قارة وقارة أخرى. فالوعي لم يكن قد بلغ ذروته في ممارسة المحو، بل مازال، حتى في حدود الصراع، والتكيف، وبقاء الأكثر قدرة على مواجهة المخاطر، يجد في الحياة المشتركة، عاملا ً لصياغة حياة مجتمعية، ومتحضرة. فآثار حضارة وادي الرافدين، والحضارات التي ظهر في الهند، والصين، واليونان، تلفت النظر إلى وجود سمات شكلية، ومرمزة، وجمالية مشتركة، منحها اختلافها، وفي الوقت نفسه، آفاقا ً لصياغة رؤية تتجانس فيها الفلسفة، والأفكار، دون إهمال الخصائص التي يتركها التكنيك، والخامات، والأسلوبية في الأخير.
ولا مناص أن لوسائل الاتصال، مع تطور التبادل الاقتصادي، والمعرفي، والحروب، الهجرات، ونشوء المراكز الكبرى، أثره في فنون الأقاليم منفردة، مثلما في المفاهيم العامة. ولعل نظام، وسياق (التناص/ التنصيص/ التركيب) لم يتميز كما تميز في عصر (الحداثة) ـ منذ خمسة قرون ـ وبلغ ذروته، في تحول العالم إلى: قرية. فقد غدا من الصعب أن تحافظ الهوية، على تعريفها القديم، بالانغلاق. لكن هذا الانشغال، بمخاطر محو الخصائص الايكولوجية ـ والعلاماتية، لكل شعب من الشعوب، سيحافظ على الهوية في قدرتها على أن تكون علامة كوكبية ـ عالمية. فلم تعد القرى، أو المدن قيد الاستيقاظ، قادرة على إنتاج (حداثتها) بمعزل عما يحدث في مراكز الحداثة، ذلك لأنها ليست قادرة على (التكيف) في الوجود، بمعزل عن النظام العالمي نفسه. ومع مخاطر عمل أنظمة (الهيمنة) (الأشكال الكلاسية للاستعمار) في عالمنا الحديث، إلا أن (الهوية) ـ المضادة للمحو ـ ليست محض علامات تجعل من الاختلاف غاية لها، وإنما ـ مع نشوء بذور الوعي بالتنظيم الفني والرهافة والتحسس المبكرة ـ تعمل على صياغات بنى تتوازن فيها الموروثات البشرية ـ العامة والخاصة ـ بالإبداع كجزء من اشتغالات المخيال، في عصر العولمة، وما ستفضي إليه نهاياتها، من استبعاد للتصادم، والمحو، نحو عصر تحقق فيه الموجودات وجودها.


[3]

تفصح يوميات جواد سليم، مثل تجاربه الفنية المبكرة، عن (قلق) يصعب تحديد ماهيته، فيما إذا كان ذاتيا ً، أو يخص حياة الناس عامة، أم لا يمكن فصله عن قضايا الوجود اللسفية. كانت الحرب العالمية الثانية، تستكمل مقدمات خفايا الحرب العالمية الأولى، فالعالم ينقسم، والتقدم التكنولوجي، لا يكترث للضحايا، وآمال الغد، لا تبدو أكثر من سراب. ولم يبتل جواد سليم بوحل الحرب، عن بعد، بل لمسها وعشها، فقد منعته ـ على سبيل المثال ـ من إكمال دراسته في أوروبا. على أن جواد سليم، قبل أن يبلغ ذروته الإبداعية في انجاز نصب الحرية، كان منشغلا ً باستكمال أدواته ووعيه، وان يمسك باللغز الكامن في إبداعات الأزمنة السابقة، ولغز معاصريه، كهنري مور، وجايكومتي، أو بيكاسو.
وربما لم يزداد عشق جواد سليم لبغداد، إلا بعد أن رأى وتأمل وعاش في المدن الكبرى: باريس وروما ولندن، عبر فترات، وهو المشغول بمدن العراق الكبرى، ذات التراث الحضاري المميز، ا لا أن راح يصّورها بمخيال استثمر محفزات الفن، بالدرجة الأولى، إلى جانب اكتشافه لنفسه، وليس لمعرفتها حسب. وبغداديات جواد سليم، بما فيها من لمسات باذخة، ومترفة، وتزويقية، وتميز على صعيد الأسلوب، إلا أنها لم تخف أنها كانت تخفي، وتضمر شيئا ًَ آخر، غير: الأشكال، والإمتاع، وكسب رضا المتلقي. كانت هذه الرسومات تدريبات استثمر فيها، برهافته، وتأملاته، وحدسه في تحديد لغته الفنية: استبعاد التكرار، والنسج وفق درب أخير، مما سمح له بالحفر في الموروث العام، من عصر الكهوف إلى ما بعد الحداثة، مرورا ً بتجارب الشعوب ذات الحضارات المختلفة. على أن هذا الانشغال له مركزه: لغز الانبعاث، بعد لغز الموت، في بناء تجارب تمتلك ديمومتها، إزاء ويلات الحروب، وكوارث الطبيعة، وطغيان بعض الشخصيات البشرية. ولا احد يستطيع أن يحدد رهافة جواد سليم، ورقته، إلا عبر صلابة استثنائية قادته لبناء مدينة، داخل بغداد، مدينة تضمنت مشفراتها، عبر رموزها، وإشاراتها، وعلاماتها، في نصب سكنته أزمنة، وعصور، وقبل ذلك كل ما سيمكث داخل النصب: تدشين كل ما لم يدشن.





ربما سيقال أن بغداد ( والعراق برمته ) هي التي صنعت النصب، بعد أن كانت رسوماته البغدادية، تدريبات أنجزها هو بنفسه، ذلك لان جوا سليم كان قد وهب حياته لقوة ما خفية صاغت نصبا ً أعاد لبغداد (وللعراق) علامة لفن لم يطوه النسيان بيسر. إن تلك الموهبة التي صاغت نصب (بغداد) منحت نظام البذرة سياقها الرافديني، فبعد موت دام قرون، تجد (البذرة) أنها غدت شجرة. ففي النصب (الحرية) لم تغب أحلام أزمنة كادت بغداد أن تذهب مع الريح، بل وجدت أنها تستكمل، ما دشن في فجر السلالات، مرورا ً بأرض مازال إنسانها لم يتخل عن استكمال دورة الإنسان فيها، كقدر، لن تفك شفراته، منذ اكتشف جلجامش أن الخلود ليس إشكالية، إلا عبر البناء. ولم نجد موهبة تضافرت فيها أدوات العمل، كموهبة جواد سليم، في صياغة علامة، طالما تم سبر أغوارها وخفاياها، ستقود البحث إلى كل ما لم يدشن بعد.


* جزء من كتاب بالعنوان نفسه لمناسبة بغداد عاصمة للثقافة العربية



****************************************************












د . شوقي الموسوي


اشارات ورموز الجسد المقدس لدى جواد سليم


تـُعد ديمومة الحياة ، المبدأ الوجودي الذي يتجاوز بها الإنسان ، مناطق الحس للوصول إلى الروحي عن طريق الحدس ؛ إذا ما اعتبرنا ان الحقائق اللامادية المُعلنة زائلة لا محالة وبالتالي فهي مزيفة ولا تصلح لان تكون مقياساً للحقيقة ، لذلك حاول الفنان العراقي المُعاصر أن يلجأ إلى عالم آخر أكثر حيوية وجدلية وهو عالم ألذات .. ؛ بوصف إن ألذات أو الذاتية تؤكد ان حدود الزمان والمكان تتحطم فيها وبالتالي تسمح لحرية الإرادة بان تتحرك بتلقائية واعية ، فتصبح الأحداث متواصلة ومتفاعلة ومتجددة دائماً بعيداً عن محاكاة الأقنعة .
هذه الذاتية وما يرافقها من تحولات وطروحات فكرية وأدائية ، قد أحدثت خروقات جدلية في بنية الفن العراقي المُعاصر ، من خلال الانفتاح على مظاهر الفكر الحديث المتوحد في الحضارة والفن ... فقد شهد التشكيل العراقي مع الفنان جواد سليم ، تنوعاً في الطروحات الفنية ، المحتفلة بالثقافات المتجاورة والتي تحيد بذاتية الفنان بعدم الاكتفاء بتحليل الواقع العياني وإعادة صياغته ، وإنما البدء بإنتاج تكوينات خاضعة للتأويل تتجدد بتجدد فعل القراءة في رحلة البحث عن الأعماق .. وبالتالي تكثر الأشكال المتحررة من سطوة العلاقات الأحادية التي تساعد في امتلاك التكوين خاصية الانفلات من المعنى المجازي باتجاه القيم الجمالية المحتفلة بالدلالات الروحية التي تساهم في تعدد القراءات للمشهد الواحد ، محدثةً بذلك تشظيات في الجسد الثقافي والفني .

منذ بواكير الحداثة الأوربية - بحدود أربعينينيات القرن الماضي - وجدت العديد من الدعوات ، تشير إلى أهمية استلهام التراث في الفن ، عبر عمليا ت أدائية تهتم بتجاوز الشكل المرئي الوظيفي والاتجاه نحو الشكل المتخيـّل المنتج للأسئلة التي احتفل بها تاريخ الرسم العراقي المعاصر ، كضرورة داخلية تعيد الإنسان إلى الأعماق ، المتمثلة بالتراث الحضاري القديم ( السومري – الاكدي – البابلي – الآشوري ..) بجانب التراث الإسلامي ..، فقد اعتبر الفنان العراقي – جواد سليم على وجه الخصوص – مسألة التراث قضية إنسانية وغاية أساسية ، تتمفصل بالجذور ، بل عدت كلغة تستنطق ألذات لأجل التواصل والتحاور مع الآخر.
فالتراث هو الروح والجوهر وهو المعنى الكامن خلف المجهول ..، وهو الطيف المتجسد بالروح ، والتي يُحاول من خلالها الفنان جواد سليم أن يمنح أشكاله المعاصرة بعداً حضارياً ، اسطورياً ؛ على اعتبار انه قد تيقن بان التراث لا يُمثل فقط الماضي بل هو صورة حاضرة ، مكتملة بالمستقبل ، وهو غاية مرتبطة بالجذور ، تُعبر عن الوحدة المتنامية التي تحوي خزائن الأفكار الأصيلة ، بعيداً عن القشور . فمن خلال استعانة الفنان " جواد سليم " بآليات الحدس في الفن والفكر ، في طرح أفكاره التشكيلية ، استطاع ان يتحسس ويتلمس أطيافه روحياً ويتجاوز الأمكنة المادية ، ليمنح مفرداته المقترحة ذهنياً والتي تمحورت حول الجسد المقدس ، طابعاً أسطورياً ، يتجاوز الفهم الشكلي وعمليات الاستنساخ ، ليتجه نحو أسرار الرموز والإحالات المشفـّرة بالممارسات الإيمائية للجسد .

فقد اتجه الفن العراقي منذ خمسينيات القرن الماضي باتجاه المفاهيم والأفكار ، بعيداً عن الأقنعة الجاهزة ..، وخاصةً عندما انتبه الفنان إلى التراث الممتليء بالإشارات المثالية المعمقة بالجذور ، التي تربط حاضرنا بماضينا لتقترح منهج يحتفل بالمعاصرة ...؛ إذ اقترح الفنان مفردات تشير إلى العودة إلى التراث والى الأعماق ، كما في جداريته (( نصب الحرية )) الممتلئة بالكثير من المعاني المقدسة المتعلقة بالحضارة والتراث.. بجانب تكوينات الفنان " شاكر حسن آل سعيد " الذي توصل من خلال بحثه عن الاصالة إلى دراسة البيئة والتراث من خلال الجدران واللقى الاثارية في العراق ..، فضلاً عن الفنانين ( فائق حسن - إسماعيل الشيخلي - محمد غنى حكمت - ضياء العزاوي .. ) وغيرهم من الذين جسّدوا رؤاهم التأملية في أسلوب معاصر ، يضيف إلى التراث الحضاري والإسلامي الفني جمالية خالصة تساعد على توظف الفن لصالح الأفكار المثالية ، فتحرك الذاكرة نحو الغد .
جواد سليم قد جسد المعاصرة بأسلوب ملتزم نابع من ضرورات الفنان الداخلية باتجاه الخارج ( الآخر ) من خلال اقتراحه أشكالاً متخيلة ، مرتبط بالمضامين الروحية وفق رؤية معاصرة ، لا تبتعد إلى حدٍ ما عن شفافية الماضي لأجل إنماء الروح ، التي تمنح الأشكال شرعية المعاصرة ، ليمتد التراث كحداثة ، فتنبعث الذاكرة بفعل هذا الامتداد لإنتاج المستحيل . إن زمان الفعل التصويري المُشيّد مُسبقاً في ذهن الفنان ، يختلف عما هو متواجد في الواقع المرئي ؛ على اعتبار ان الفعل يشتغل معرفياً وجمالياً عند جواد ، يخص تمرحل الصورة الفنية لحظة وجودها ، وبالتالي يتم صياغتها وإنتاجها ، لنجد أن البنية الزمانية للصورة قد امتلكت قيماً جمالية لا نجد فيها تشابهاً مع الصورة المرئية (الايقون) ، لان صورة الزمان المقترح والمفترض ، القائم على كيفيات النظام الحركي ، قد خضع لسيطرة الفنان وثقافته الروحانية... بمعنى ان هنالك مقومات زمانية ، تُعبر عن حركة الفن الباطنية في نتاجات جواد سليم ، متمفصلة بمقومات مكانية تؤسس المظهر الحسي المتجلي في المشهد ، لتـُعطي إيحاءاً بالامتداد والانفلات من أصنام البعد المكاني فتقترح فضاءات مثالية ، لتشكل بنية تصميمية متماسكة .
فالزمان الذي استحدثه " جواد سليم " في أغلب نتاجاته الفنية ، متخيّل، سواء أكان في مجال الرسم ( بغداديات – أطفال يلعبون – موسيقيون في الشارع ..) أو النحت ( نصب الحرية ..) أو التصميم ( كتاب قصائد عارية – كتاب أغاني المدينة الميتة ..) أو حتى في الموسيقى ، قد امتلك قيماً انثروبولوجية ، محتفلة بالمعاني والمفردات الإنسانية المختزلة والمستلهمة من وعيه الثقافي بجانب الاستعانة بذاكرته البكرية الممتلئة بالتراث التي أبدعت صورة الزمان الجديد .، لتصبح الحركة عند الفنان ما هي إلا وهماً قائم على تصور ذهني مبني على ما تدركه العين من معاني ورموز .

حيث نجد ان الفنان جواد قد استعان بدلالات الخط ــ المنحني على وجه الخصوص ــ والذي يؤلف مع العناصر الأخرى ، تكوينات دائرية ممتلئة بطاقات حركية كامنة فيها ، ذي أبعاد ذهنية متمفصلة بالبنية الزمانية للمشهد الفني ..، كما في لوحته " كيد النساء " ، التي استقاها من وحي ذاكرة التراث الشعبي .. عندما كثـّف فيها العديد من العلامات والرموز الفلكلورية والحضارية وفق بناء درامي رصين ، يقترب من أسلوب مدرسة بغداد في التصوير الإسلامي ؛ حيث نجد ان مفردة " المرأة " المستلقية ذات الوجه نصف دائري ، قد شكلت علامة مهيمنة على الأجزاء الأخرى ، ويقابلها " رجل " في وضعية جلوس وخضوع للحالة .. يحيط بهم بعض كؤوس الشراب ذات الفوهات النصف دائرة أو هلالية ، مع جزء من فاكهة الـ (الرقي) الذي اتخذ شكل الهلال ، والتي تُحيلنا – الحركة الدائرية – الى الجهة اليمنى للمشهد التصويري فنجد الصندوق الشفاف القائم والذي أحتوى على ثلاثة أشخاص وهم في وضعيات القرفصاء ، يشكلون معاً حركة دائرية يكمل أحدهما الآخر ، عكس اتجاه عقرب الساعة كدلالة على استمرارية الحدث .. هذه التكوينات المفترضة من الفنان تجعل كل تكوين فيها يشابه إلى حدٍ ما دورة تمرحل القمر من الهلال إلى النصف دائرة ومن ثم إلى الاكتمال (البدر) ...؛ بمعنى ان الهيئات الدائرية في اغلب مشاهده تُعطي ايحاءاً بالحركة الكونية ، تشحن الأشكال بمعانٍ عدّة ....؛ على اعتبار ان جواد سليم حاول ان يجد علاقة جدلية بين أجزاء المشهد الواحد ، لتحقيق الوحدة من خلال تنظيم الإيقاع الحركي الحر والمتنامي الذي يضفي صيغة زمانية على التكوين العام . بمعنى ان تفعيل الحركة الإيقاعية في الفضاء التصويري الغير مقيد والمسطح ، يُعطي استمرارية (ديمومة) لحركة الزمان الى خارج حدود الإطار البصري وفق رؤية حركية تزامنية .
تـُمارس الثقافة طقوسها في الفن ، بعد ان حاولت إلى حدٍ ما ، منذ ارتباط الثقافة بالكتابة ، القضاء على خرافة الأشباح ، فمن خلال العلم والعمل الفكري المتواصل ، يعمق الفنان كيانه الروحي بالثقافة ، ليتسامى بالوجود إلى مناطق المثال ، لتمتد العلاقة الجدلية ما بين الجسد كمقولة والفن كثقافة ، إلى جوهر الحضارة ، التي ارتكزت على طروحات الفكر الفلسفي والجمالي والتي تـُحيل صورة الجسد إلى لغة تسبح في فضاء ممتليء بالعلامات والإحالات المقدسة للوصول إلى الصيرورة الفنية التي تقترح تكوينات استثنائية مرتبطة بالجذور والثقافات الأخرى المعاصرة ؛ أي ان الثقافة هنا تُعد معرفة جمالية بجوهر المرئيات وهي جزء لا يتجزأ عن جسد الحضارة ؛ كونها لغة العصر وجذر الإنسان منذُ الأزمنة القديمة ، لتصبح في نهاية البداية ، مرآة الحداثة .
وبتعدد الثقافات تتنوع الدلالات المهتمة بموضوعة الجسد ، عبر ألازمنة الشرقية ، لمواجهة القوى اللامرئية الكبيرة ، فيصبح الجسد عرضة للتحولات الفكرية والجمالية التي تحّول الطبيعي إلى ثقافي .. فيصير الجسد ذي الاقترانات الايمائية لنشاطات اللاوعي بمثابة خطاب أو لغة للعصر الجديد .. " جواد سليم " برؤيته الثاقبة ، أقترح نصوصاً تشكيلية تصور أجساداً لها حضورها الغائب – لوحة الشجرة القتيلة ولوحة صبيان يأكلان الرقي مثلا - عندما تيقن بان الفن لديه ، ما هو إلا تكثيف الأحاسيس إلى مُدركات ومن ثم إلى أشكال (ثقافة) ، عبر آلية حدسية في الأداء الفني ، تبدأ بالتحوير والتبسيط ومن ثم الاختزال لصالح الزمان التصويري المُقترح ، الذي يتخطى الأبعاد المكانية الطبيعية لتحقيق فكرة التزامن التي ترتقي بالجسد من حالته المرئية المُعلنة إلى الحالة المثالية المخفية ، المتحررة إلى حدٍ ما من الأنموذج ... بمعنى ان الفنان " جواد سليم " في أكثر روائعه التشكيلية ، قد جعل من ثقافته المتراكمة ، لغةً وحوار مع الآخر، تبدأ بالتأمل في أشياءه قبل رسمها أو نحتها أو كتابتها ومن ثم التمعن في المفهوم المعرفي والجمالي الخاص بها والكيفية التي يتم بها فلسفتها، ليتسنى له إذكاء تكويناته الجسدية ، بشحنات ذاتية تستنطق المعنى المسكون بالقوى اللامرئية من اللامعنى الكامن في الأعماق .
ان محاولة الفنان العراقي اعتماد الحياة الباطنية الروحية في الإبداع ، هي مثال للديمومة التي تقر ضمناً مبدأ الحرية ، المُشتغل في حياة الصورة الفنية ، دون الاستغناء عن حياة الخارج ... فقد احتوت نتاجات الفنان " جواد سليم " في النحت والرسم ، على طاقات التعبير الخاصة بالجسد الأنثوي الخصوبي، الذي اعتبره الفنان رمز لمعنى هذا الوجود الخليقي مما فيه من إشارات للمثال وتعددية في القيم الجمالية والفكرية والحضارية ..؛ فمن خلال تخطيطاته التحضيرية نُلاحظ ان الفنان يمجد النزعة التعبيرية للكلمة والصوت والصورة لصالح الجوهر، لتستوعب مجريات الكيان الاجتماعي في المشهد الفني المشفـّر بالممارسات الإيمائية ؛ بمعنى انه كان مقتنعاً بالوظيفة الاجتماعية والثقافية لفنه ، وعلى وجه الخصوص في عمله الفني الرائع ملحمة (( نصب الحرية )) بتكويناته الاسطورية المُغلفة بالحداثة والذي اصطحبنا معه كالسندباد نحو الحريات ، يُترجم لنا زماننا ، ليسحبنا بعد حين بروحيته الشفافة ، نحو تأملات الصمت والأسئلة النبيلة التي تنتج الهوية ..؛ حيث صور الفنان في هذا النصب عذابات الجسد المنتصر في رحلة البحث عن الحرية ، وفق رؤيته الذاتية الحدسية ،المُشتغلة على الجدل والجدلية بين ثنائيات الوجود ( الأرض والسماء – الجسد والروح – المرأة والرجل – الأسود والأبيض – الحياة والموت ...) ، ابتداءأً من منحوتة الحصان الجامح المعبر عن يقظة الإنسان المتطلع إلى الآتي ، ومنحوتة الأبطال الثائرين وهم في حركة هائجة باتجاه مركز ثقل العمل الفني ، بجانب الطفل الذي رمز له الفنان بالأمل ، مروراً بالأجساد المتهالكة التي تمثل الضحايا ( الباكية – الشهيد – الام الولود – السجين السياسي..) التي مهدت السبيل إلى الحرية المنتظرة ، وصولاً إلى فكرة السلام المنشود .
هذه الجدلية المتصاعدة والمحتفظة بجماليات المكان المتخيل ، قد جعلت المشهد مُمتليء بالقيم الإنسانية النبيلة والرموز الفكرية ذات المرجعيات الحضارية ، بجانب امتلاكه لحضوره الثقافي المشروع على صفحات التشكيل العراقي المُعاصر ، فقد صورت الاجساد المتراكبة ( الفتاة – الشهيد – الجندي – الثور – الشجرة – قرص الشمس ...) باسلوب بانورامي يعتمد التسطيح والتحوير لأجزاء المشهد لإحالتها إلى أشكال هلالية متنوعة ومتنامية حركياً عبر التفاعل المتصاعد ما بين المركز والأطراف ... فالفنان جواد مرتبط – على حد قول الأستاذ شاكر حسن آل سعيد – بالعقل الرياضي السومري الذي توصل إلى توطيد العلاقة مع الحركة المحيطة بالسكون المركزي لأسباب خليقية تأملية بحته .
فقد كانت لهيمنة الجسد المقدّس ، المستعير لخصائصه الفنية من مملكة الوجود في مشهد النصب ، قد أحدثت تحولاً فكرياً وجمالياً وأدائياً نحو الداخل ، بعد ان كان الفن سابقاً موجه باتجاه الخارج (النموذج) ؛ اذ طرحت هذه المنحوتات ملامح وعي تشكيلي غير مطابق لايقونية الجسد .. فالجسد هُنا قد استحضر الثقافة وصار يقود الذات باتجاه الحركة الكونية ، فلم يعد الجمال الحقيقي مُقتصراً على ظاهرية المرئي (الجسد) وإنما تعداه نحو الأعماق (الروح) ، لتكون وظيفة الجسد – على حد تعبير افلاطون – إيقاظ الحب ، الطاقة الكامنة فيه تبعث في الروح قوة مُحركة تسمو إلى المثال ؛ على اعتبار أن الجسد وإحالاته المُشفرّة بالحركة ضرورة داخلية لترجمة ما لم يُترجم .. فالفنان قد استعان بهذا الجسد من أجل الارتقاء بالمرئي إلى مديات بلا حافات ؛ بوصف إن الجميل لا يُرى إلا عندما يتموضع في جسدٍ ما .
فموضوعة الجسد لدى جواد ، قد أصبحت تمثل نقطة تحول وارتكاز رياضي في فنه أولاً وثانياً في تاريخ الحركة التشكيلية العراقي المعاصرة ، تجعل من ألذات والخيال وجوداً حقيقياً يمتلك جوهر المرئيات قبل الولوج في تمظهراتها الجزئية ...؛ لان فكرة المرئي – على حد تعبير غوغان – هي التي تجعل الجسد ملائماً للرسم والذاكرة لا تحتفظ بكل التفاصيل الجزئية ، بل ما يُثير الروح والقلب فقط .. ومن هنا نلاحظ أن التكوينات الجسدية المتهالكة في هذا النصب ، تنتمي إلى الرمز أكثر من انتمائها إلى المكان ، كونها أطياف كُتب لها البقاء والحضور .



 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6451281   Visitors since 7-9-2002