المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الكاتب العراقي علي حسين عبيد

  
ناظم السعود
  



ينطبق على ( الأديب متعدد المشاغل والاهتمامات والمحن ) علي حسين عبيد التوصيف الجيلي الشائع ا- جيل الحرب )ليس لأنه انطلق مع زملائه الشباب خلال الثمانينات بل لكونه يشعل حروبه الداخلية ويواجه أزماته الخاصة والعامة بكل صرامة وشجاعة وشمولية فكأنه يظهر لي منذور لحروب متقدة باستمرار قليل منها يظهر على سطح الواقع والورقة أما النسبة الغالبة فلا تظهر لأنها موقدة الأوار تجيش في الأعماق عاكسة صاحبها في ( أجيال ) أدبية تستنسخ ذاتها في كل آن!
علي حسين عبيد من القلة الذين التقيتهم خلال العقدين الأخيرين وحّق على ذاكرتي الهرمة ألا تنساهم ليس فقط لأنه معبأ بمواهب ظاهرة وأخرى مدخرة ( ربما لحياة نؤاسيه تقع خلف المحيط الأطلسي !) بل لأنه يمتلك فضائل المجاهرة والبوح والإصرار وانتظار ما لا يأتي ، واقرب برهان على ذلك ما ذكره صراحة في هذا الحوار من أقوال هي اقرب إلى الاعترافات المباشرة بل والصادمة لمن لا يعرفه ! وبالرغم من انه أنجز تسعة كتب إلا انه لم ينشر منها إلا ثلاثة ورهن البقية بذمة غيب قد لا يأتي أبدا او لن يحضره مطلقا! وفي حواري هذا اقتطفت من علي حسين عبيد سلة حوارية مترعة بالورود والأسئلة والأشواك معا ويسرني ان اظهر اضمامة مجتزأة منها :

* مع انك باشرت الجلجلة الأدبية قبل أكثر من ربع قرن واقترنت بالوصال السردي ( رواية وقصة ) أكثر من بقية الاجناسيات الا أنني أجدك تعوّل كثيرا على عبارة هاوزمان التي ترى ( إن الشعر هو محاولة لتنسيق أحزان العالم ) فلماذا اتكأت على الشعر لتنسق أحزان العالم مع انك قاص وروائي ؟ وهل السرد بجناحية يفشل بأداء دوره في هذا العالم ؟
_ أنت وأنا والجميع ربما نتفق على أن القارئ العربي يفضل أن يتلقى الشعر قبل غيره سمعا وقراءة وأن السمع لديه قد اعتاد موسيقى الشكل العمودي وما يبثه في النفس من تفعيل عاطفي وحماسة او شجن او اعتداد بالنفس وما شابه، لذلك كنت في بداياتي أشبه غالبية من رام الخوض في يمّ الأدب المتلاطم، فبدأت شاعرا -او هكذا يُقال- ونشرت عددا من القصائد (الاولية) في صفحة أصدقاء مجلة الطليعة الأدبية في العراق ثم واظبت على نشر الشعر في مجلة المجالس المصورة الكويتية وفي مجلة فنون العراقية كمبتدئ.
كنت في حينها أحاول أن أمتص رمضاء الجدب العاطفي من خلال كتابة ونشر الشعر (الغض) وكانت الأحزان تتسق فعلا وتتشذب وكنت أتوازن عاطفيا مع العالم من خلال الشعر مع انني لم أكن ادرك – طبعا- بأن الشعر هو الذي يقوم بهذه المهمة التي حددها هاوسمان قبل عقود طويلة.
لكنني ما لبثت أن شعرت بمحدودية مساحة (الشعر) وعدم قدرته على احتواء عوالمي الشاسعة المترامية، ولم أكن أعرف في وقتها ان القصور لا يقع على عاتق الشعر بل على ضعف موهبتي حينها وضيق الافق وانحساره لدي، وهكذا وجدتني أهرب من الشعر الى فضاء اوسع للتعبير وأقل مراقبة وضوابط كالقافية والوزن وما شابه.
فطرقت باب السرد في قصة (العجوز) وكانت بطلتها جدتي الهازئة الساخرة دوما من كل ما هو خارج عالمها من نساء او رجال او غيرهم! ولا زلت احتفظ بهذه القصة التي ارسلتها للنشر في المجالس والطليعة الادبية، فرُفضت لأنها غير صالحة للنشر، وكانت تلك بداية الطريق الى قصة (الحلم/ وهي القصة –الرسمية- الاولى التي نُشرت في مساحة الكتّاب -المحترفين- بمجلة الطليعة الادبية العراقية في العدد 11 من عام 1983) التي ظللتُ اشتغل عليها (شطبا واضافة وتغييرا) ثلاثة اعوام مع انها لم تتجاوز ثلاث صفحات، وهكذا كنت مضطرا وليس باغيا لمغادرة فضاء الشعر الحسير كما كنت اظنه الى فضاء السرد الذي كان ولا يزال يمتص حماقاتي المتواصلة.

* اتصالا بالسؤال السابق هل لي ان اعرف منك ان كان ثمة دور باق او وظيفة حقيقية ملموسة للأدب في عصرنا الراهن المكتظ بفخاخ العولمة والاتصالات وعربدة العسكرتاريا وضياع الأوطان وهيمنة الدكتاتوريات؟ وهل بإمكان الأديب ان يقوم بدور المخلص للإنسان ومكابداته؟

_ سأقسم لك بنصف عمري الأخير، أي منذ أن ابتليت بالخوض في يمّ الادب والى الآن، بأنني لم أيأس يوما من الدور الهام الذي يلعبه الادب في صناعة مجتمع يرتكز الى منظومة سلوك وأفكار راقية، ولعلك تقرأ ذلك في عيون الناس بل في عيون أشدهم جهالة، إن الناس البسطاء وقليلي الوعي يحترمون الادباء والادب، فحين يعرفون ان فلانا كاتبا او شاعرا وان له كتبا مطبوعة سيحترمونه في التعامل والسلوك الفوري قبل ان يقرؤوه حتى، لذا أقول إن العيب ليس في الأدب أبدا ولا بالمتلقي النخبوي او البسيط، بل ربما يتحمل منتِج الأدب النسبة الاكبر من تراجع او ضمور دور ووظيفة الأدب، وإذا سألتني الآن من يصنع من؟ هل الادب يصنع المجتمع أم العكس؟ سأقول لك من دون تفكير، بأن الادب والفكر والادباء والمفكرين هم من يصنعون المجتمع وليس العكس، ومع اننا جميعا نتفق على ان الاديب ومنتج الثقافة عموما يرتبط بمنظومة حركية شاملة للمجتمع وانه (ماديا) غالبا ما يكون الحلقة الأضعف، لكنني أقول بأن القصور الفادح الذي يتمتع به منتج الثقافة (الاديب والفنان وغيرهما) هو الذي يتسبب بإنتاج مجتمع ضامر متردٍ كسول وليس العكس ابدا.
إن الدكتاتوريات ما كان لها الرسوخ في مجتمعاتنا العربية لو توفر لنا الأدباء الأفذاذ، فحتى عباقرتنا من الادباء والمثقفين عموما عندما يناهضون السياسي المتخلف فإنهم سرعان ما يرمون بأنفسهم في أحضان الطرف المعارض حتى لو كان دكتاتورا بدوره! ليحكموا على انفسهم بالموت والفشل المسبق.
ولكن سيبقى الامل قائما بالدور التنويري للأدب، وسيبقى نبعا لا ينضب في تقديم البدائل الأفضل دائما، غير أن العقبة التي كانت ولا تزال قائمة، هو غياب المشرّع والمشروع الادبي القادر على التغلغل في اعماق الناس وذواتهم لكسبهم واقناعهم بأن تشريعات الأدب هي الأجدى في صنع المجتمع الأرقى.

* من بكالوريوس علوم سياسية الى بكالوريوس في العلوم العسكرية الى ضابط برتبة نقيب في القوة الجوية العراقية السابقة ثم سائق سيارة أجرة... كيف تفسر او تجمع كل هذه المتناقضات او المضحكات ( في قول اخر) في مقطع زمني واحد ؟ وإذا كانت الأمور بخواتيمها فإلى ماذا تدل ( خواتيمك ) وهل تراك سترميها على مشجب نظرية المؤامرة والتحولات الموضوعية ام ثمة يد لسوء اختيارات الذات فيما جرى ؟!

_ ثمة علاقة ما بين الفوضى والنظام، لعلهما يلتقيان بوقوعهما في أقصى الطرفين المتباعدين، ربما تطرق لذلك فاليري حين قال ( خطران يتهددان العالم الفوضى والنظام) ، فعندما يغيب الدليل الذي يتقدم خطواتك في عالم التيه، فإنك لا ريب ستبقى تحت رحمة المصادفة والقدر وقليل من سعيك الذي يُصعب عليك بلورة اتجاهه لا سيما في مفازات العمر الأولى، لذلك توزع مسار حياتي في اتجاهات عديدة منها ما صنعه التيه بغياب الدليل ومنها ما صنعه السعي الذي كافأني بالحصول على شهادة (السادس الأدبي بإسلوب الامتحان الخارجي ثم الحصول على مقعد في كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد القسم المسائي/ عام 1980 ثم حصولي على البكلوريوس عام 1984) مع سعيي الحثيث في علاقتي مع الادب والادباء والدأب على القراءة والمتابعة والكتابة ومحاولات النشر التي غالبا ما تكون فاشلة ومرتدة في بداية الطريق .
غير ان التيه ولّد الفوضى فأنزلتني بدورها من كرسي الملوكية الى سيارة الاجرة التي صارت مصدرا لرزقي وعائلتي في أقسى سنوات الحصار، أما كرسي الملوكية فأعني به (إذا أردت أن تكون ملكا فكن ضابطا عراقيا) هذه المقولة كانت شائعة بين العراقيين لا سيما أفراد الجيش، فصرت ضابطا فنيا في القوة الجوية العراقية بسعيي ودأبي الدراسي ثم بسبب التيه والفوضى أسقطتُ من ذلك الكرسي الملكي كوني ضابطا غير مرغوب به الى كرسي (الموسكوفج/ سيارة الاجرة التي قدتها أربع سنوات متواصلة ويعرفها معظم أدباء كربلاء والعراق).
لذا أنا لا أعترف بحس المؤامرة وليس لها أي دور في هذه المتغيرات المتضاربة في مسار حياتي، أما الخواتيم فهي واضحة وضوح الشمس لي على الاقل، ( نزق، حكمة/ نظام، فوضى/ صمت، ضجيج/ خسارات، ربح/جوع، تخمة/ جدب، رواء/ سكر، صلاة / كسل، جموح/ ووووووووووووووووووووو...............حيااااااااااااااااااااااااااااااااااااااة ثم م ، و، ت).

* لك ماض طويل في العمل الاتحادي الأدبي : انتسابا وممارسة بين العراقي والعربي والكربلائي ولكن فجأة حصلت انتفاضتك وتركت خلفك العناوين .. أكانت هذه مراجعة منك لمرحلة معينة لها ظروفها الملزمة للانتساب والاندغام في الهم الاتحادي والنقابي ولم تعد قائمة ألان ؟ ام تراها ثورة داخلية ولحظة مراجعة مع النفس أوصلتك إلى ان العناوين التي ألتزمتها أصبحت مجدبة ولا يرجى منها أي فائدة تذكر؟
_ إنني أرشح الشطر الثاني من سؤالك هذا كإجابة أكثر دقة من غيرها، فحين أصبحت رئيسا لاتحاد الادباء في كربلاء، لم يضف لي هذا بعدا ابداعيا يرفع من قامتي، وأقصد المنجز الابداعي الصرف (أي الكتابة حصرا) نعم إستطعت أن أعمل مع الهيئة الادارية في حينها على اقامة انشطة ثقافية راقية كما حدث مع الشاعر موفق محمد او القاص جاسم عاصي، او الشاعر الراحل كزار حنتوش وزوجته الشاعرة رسمية، كذلك معك انت (ناظم السعود) حين حللت علينا ضيفا ساحرا مع فريقك المسرحي الادبي الجدير بالاحترام والابهار ومنهم الفنان فوق العادة (جبار محيبس)، عدا ذلك لم يكن العمل في الاتحادات مجديا ولا يضيف للأديب منجزا ابداعيا ملموسا.
لذلك أقول لك إنها فعلا ثورة داخلية ولحظة مراجعة مع النفس أوصلتني الى المحيط الأطلسي هروبا من بيتي وجسدي ووطني، وكانت تلك من مخلفات التيه والفوضى التي غالبا ما تقتحم خطي الرتيب المستقيم فتكسره بنزق هام بل وضروري لي ولمن يرغب أن يكون حقيقيا!!.

* أراك تنشغل كثيرا بالصحافة ككتابة ونشر ووظيفة إلا ترى في هذا الانشغال ما يفتت او يضعف تواصلك الأدبي ( بصمتك الرئيسة في هذا العالم) ؟ ثم الم تسمع مقولة طه حسين ( الصحافة مفسدة للأدب) ؟!
_ ربما أنت لا تعرف كم أمقت العمل الصحفي، غير أن المشكلة ان هذه المهنة الغريبة أصبحت مصدر رزق وحيد أعتاش عليه مع عائلتي الكبيرة نسبيا مع متطلبات دراسات الكلية والاعداية والابتدائية للبنات والاولاد وما شابه، لم أصدق أن الكتابة للصحافة ستكون معيلي الوحيد ولم اكن اتوقع ذلك قط، أما أن يقول عليها طه حسين كذلك، فهي ليست مفسدة للادب فحسب بل وقاتلة له، فلقد سرقت مني الكتابة الصحفية وقتا وجهدا وطاقات قد لا تعوَّض حتى الموت، وقد لا تصدق حين اقول لك بأن عملي الصحفي الآن يتطلب مني كتابة يومية لأكثر من عمود ومقال او رأي او وجهة نظر سياسية او اجتماعة او ثقافية وما شابه، وحين أحصي ما قمت بكتابته هذا اليوم او ذاك او الذي يليهما فإنني أجد نفسي خاويا تماما وحزينا لأنني أختزن فكرة رواية او قصة او دراسة نقدية ولا يتاح لي تدوينها لأن هذا يعني وأد مسبق لمصدر الرزق العائلي الوحيد!!.

* اعرف ان لك مجموعة قصصية بعنوان (امرأة على الرصيف) منجزة منذ عام 1988 ولكنها لم تصدر في كتاب حتى ألان رغم انك نشرت جميع قصصها فرادى في الصحف والمجلات .. فهل توجز لي هل ثمة دوافع نفسية او ضغوطات مجتمعية او رقابية حالت دون صدورها في كتاب منذ 21سنة؟

_ يتذكر بعض كتاب القصة المنتمين الى ما اصطلح عليه بجيل الحرب او الجيل الثمانيني، إنني لم ألق بنفسي في احضان القصة التعبوية، كنت حذرا ومترددا منها وشهودي على ذلك القاصون عبد الستار البيضاني و حميد المختار و جاسم عاصي، لا اقول هذا من باب المزايدات فقد كتبت قصة حرب بعنوان (رائحة الأب) ونشرتها يوم 27/1/1987 في جريدة كان يدير صفحتها الثقافية آنذاك القاص ثامر معيوف، وقد أخبرني في حينها أن مسؤولا كبيرا في الدولة طلب منه آنذاك أن لا ينشر قصص الحرب (الانسانية) بمعنى القصص التي تركز على المآسي المباشرة التي توقعها الحرب بالناس، واذكر ايضا احتفاء الشاعر سعد جاسم بي يوم نشرها، وكنت في وقتها حاضرا في الساحة من خلال قصصي القصيرة التي انشرها باستمرار في جريدة العراق حين كان الاستاذ المرحوم (احمد شبيب/ ابو صارم) مسؤلا عن صفحتها الثقافية، وحينذاك عام 1988 جمعت قصصي المنشورة كلها ولم يكن بينها من قصص الحرب سوى رائحة الاب ووضعت لها عنوان (امرأة على الرصيف) وهي احدى قصص المجموعة وكلفت صديقي الشاعر علاوي كاظم كشيش بتسليمها الى القاص الراحل (موسى كريدي) الذي كان يعمل رئيسا لتحرير الموسوعة الصغيرة آنذاك في دار الشؤون الثقافية من اجل نشرها، وغبت قرابة الستة اشهر كوني كنت ضابطا في الجيش، وحين وصلتُ الى دار الشؤون بعد أشهر كي أسأل عن مصير (إمرأة الرصيف)، أخبرني احد العاملين في قسم النشر آنذاك بعدم صلاحية المجموعة للنشر ونصحني بإضافة بعض قصص الحرب لها وتغيير عنوانها من (امرأة على الرصيف) الى عنوان اعلامي يتناسب مع المرحلة السياسية آنذاك.
إذن فالاسباب رقابية بالدرجة الاولى وليست هناك رقابة نفسية او اجتماعية، وبالمناسبة توزعت بعض قصص (امرأة على الرصيف) على مجموعتين هما (كائن الفردوس/ التي صدرت عام 2001 ) و (الاقبية السرية/ عام 2009) وبعضها ينتظر أن يدسّ نفسه في مجاميع قصصية قادمة .

* السؤال السابق يدفعني لان أسالك عن سيرتك مع الرقابة بشقيها الداخلي والخارجي وهل كانت ايجابية ساندة ام تراها كانت سالبة ومعوقة؟

_ أظن ان ثمة تناقضا بين الطرفين، الرقابة الخارجية والداخلية، فالخارجية كانت رقابة منحطة تمتلك من سمات السقوط الادبي والاخلاقي الكثير، بحيث انها افضت الى تعطيل بعض الكتب التي انجزتها في وقت مبكر من رحلتي مع الكتابة، ولعل بعض الادباء يعيش الحالة التي أعيشها بهذا الخصوص، فحين تُنشر لي قصة سأسارع لكتابة أخرى بحيث تتوفر الظروف الابداعية للكتابة مدفوعة بتشجيع النشر والمكافأة والتحفيز المعنوي وما شاكل، فكيف لو انطبق هذا الفعل على الكتب كمجاميع او روايات وليس على قصص منفردة، ولكن الامر لا ينحصر بالرقابة الخارجية بل هنالك شبكة العلاقات بين الادباء لا سيما من يتبوأ منهم منصبا في دار الشؤون الثقافية او وزارة الثقافة او غيرهما من المراكز المتنفذة، على انني لن أنكر إنتباه المؤسسة الثقافية السابقة لي بشخص الشاعر (سامي مهدي) ولكن بعد عشرين عاما من التهميش والاقصاء لدرجة انني لم استطع نشر مجموعتي القصصية الاولى إلاّ بعد عقدين من الكتابة والحراك في الوسط الادبي.
أما بخصوص الرقابة الداخلية فأنا أفضّل أن اسميها (رقابة التحريض وليس التقويض) فكانت ذاتي تحرضني على المخالفة غالبا، فكنت أتقصّد صنع المخالفات، ربما من باب (خالف تُعرَف) في اول الامر لكنني ما لبثت أن جعلت من حراكي الاجتماعي في الوسط الادبي خلافيا ظاهرا للعيان، وكان يجمعني هذا مع عدد من الادباء المرموقين منهم الشاعرين الراحليْن عقيل علي وكزار حنتوش، والشعراء حسن النواب وماجد موجد وماجد عدّام، وغيرهم، لذلك أقول إذا كانت هناك رقابة داخلية فقد عملت باتجاه التحريض وليس الاعاقة او التقويض.

* استوقفتني في روايتك ( طقوس التنامي ) عدة ملاحظات منها تعدد زوايا السرد من قبل شخوص الرواية مثل: الأب إبراهيم / هيثم – الشهيد- / الابن علي/ وحكايات عبد الرحمن/ زكية/ فاضل/ سعدية .. الا يمكن وفق هذا الفضاء السردي والحكائي ان نصف هذه الرواية وفق نمط الرواية الإطارية؟ ام تراك تضعها في نمط الرواية التاريخية لأنها تخص السرد بمرحلة تاريخية معلومة عاشها العراق في نهايات القرن الماضي؟

_ نعم يمكن أن نضع طقوس التسامي ضمن النمط التأريخي كونها توثّق تجربة عصيبة عاشها العراقيون في سنوات الحصار الاممي التي جاوزت العقد، وعلى الرغم من انني عرضت فيها لتجربتي الشخصية عندما كنت ضابطا في تسعينيات القرن الماضي إلاّ انني حرصت على أن أرسم مشاهد حقيقية لقذارة الحرب وما تخلفه من ويل وعسف على من لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وقد أعطيتها نَفَسا واقعيا وحرصت على ذلك بشدة لأنني أعرف أن التأريخ ربما يكون قاصرا عن توثيق بعض الوقائع التي تفضح وحشية الانسان من دون مسميات أخرى، وأعرف أن الادب او الرواية مهما غابت او غُيّبَتْ فإنها ستظهر ذات يوم وتقول للآخرين، في الاعوام المحصورة بين 1991 وعام 2001 من تأريخ العراق وامريكا والعالم حدثت هذه الوقائع التي تلقي ولو ضوء شحيحا على مآسي تلك الحرب، حتى لو جاءت في ضوء تجربة فردية كتجربتي.

* ألا ترى ان الكتابة الأدبية تفقد الكثير من سماتها الفنية والفكرية والجمالية ان هي نشطت بملاحقة ومتابعة الحدث لحظة وقوعه او أثناء توابعه وتفاعلاته الساخنة من دون انتظار فترة زمنية يتم استيعاب واستخلاص مسوغاته وخفاياه وخططه المستترة؟ ثم الا تفقد الكتابة تلك ادبيتها وتنضاف الى الأنماط الصحفية والإعلامية؟

_ هناك قدر كبير من الصحة في هذا الرأي أثبتته الوقائع، بيد أن الامر ينطوي على جانب من الخطورة، بكلمة أخرى ربما يتسبب تأخير التعامل مع الحدث آنيا بضياع جوانب أخرى هامة ربما تتعلق بسخونة الحدث ومعالجته آنيا.
على أن هذا الجانب يتعلق بقدرة السارد الفنية في التعامل مع مادته، بمعنى ان الكاتب كلما كان واعيا ومدركا للكيفية التي يتعامل بها فنيا مع الحدث كلما كان اكثر قدرة على تقديم عمل ادبي يُشار له بالبنان، ولعل العجالة في المعالجة والتناول سوف تتسبب بنوع من الاقحام المفتعل داخل المتن السردي عموما مما يقود الى الترهل بوضوح سافر.
لذلك أرى أن الامر ينطوي على خسائر في كلا الخيارين، فإذا اختار الكاتب معالجة الحدث وهو لا يزال طازجا، فإنه يفقد بذلك فرصة التأني والتبلور الفني حيث تضؤل سمة الصدق وتتراجع وصية جورج ديهاميل لولده التي قال له فيها (وعندما تأتيك فكرة كتاب، وتجد في نفسك ميلا وفي وقتك متسعا لعمله إلقِ بنفسك اليه بكل قواك ولكن لا تنس أن تعيش أولا .. عش بحرارة ثلاثة أشهر لتكتب ثلاثة أيام وتنتج ثلاث صفحات)*.
أما في حالة التأني فهناك خسائر ايضا، ربما من بينها خمول ذاكرة المتلقي وعدم رغبته في التعامل مع حدث طمرته الازمان والامكنة على حد سواء، وثمة خطر السبق الذي قد يحققه كاتب ما على حساب تأني الآخر.

* قصتك الجميلة (حدائق الضوء ) تعكس تجربة ذاتية بالغة الخصوصية نعرفها جميعا لكنني أرى ان القصة لم تستوعب رهبة الموقف او غرائبيته بالرغم من جمال السرد ورشاقة الإيحاء ولكن ان وجزت التجربة ( ومن ثم القصة ) بهذه التخريجة:
الوطن طاردا .. يؤدي إلى النزوح الى ملاذ خارجي
الملاذ الخارجي يصبح طاردا .. والوطن الطارد يصبح ملاذا !!
فهل توافقني على هذه المعادلة الكوميدية المعكوسة؟

_ تلك هي الحقيقة أيها الصديق، فالوطن كالأب أو كالأم مهما ساءت علاقة الابن بهما فإنها تبقى أقل سوءً مما قد يحدث مع المكونات الاخرى بمختلف انواعها ومسمياتها ومعانيها، فحين ساءت علاقتي مع نفسي وجسدي وبيتي ووطني، صنّع لي خيالي النافر ابدا حلولا اخرى فورية، وكان من بينها أن أركل الوطن الاب والام بقدمي وأطير بجناحين مختلفين لكنهما متعاضدين ألا وهما جناح الخيال وجناح الواقع، وقمت بهذا فعلا ووصلت الى الملاذ الواقعي الذي حركني خيالي إليه، وهناك وجدت ان العراك مع جسدي وبيتي ووطني أرحم بكثير من ملاذ (خيالواقعي) ليس هناك أقسى منه خداعا وتدميرا للذات .
نعم عاد الوطن ليصبح ملاذا، على الرغم من انه لا يزال ينوء بثقل الساسة الطارئين.
أما تجربتي في قصة (حدائق الضوء) فالحقيقة أن هذه القصة تعاضدت مع مشاهد اخرى كثيرة ليست حركية فحسب بل وجدانية بما تحمله هذه المفردة من سعة وشمول، فتولّدت مجموعة من السرودات وانضمت الى بعضها فتكونت منها رواية حملت عنوان (تايتنك عصرية) أعتقد انها استوعبت رهبة الحدث وغرائبيته .

* تقوم قصتك ( كائن الفردوس ) على تشبث البطل ( الحزين والمعزول ) بحلم طائر الفردوس والتماهي معه بمقطع شعوري متخيل هربا من مناخ ضاغط ..كما ان القصة الأولى التي نشرتها كان عنوانها ( الحلم ) قبل أكثر من ربع قرن .. فهل يشكل الحلم محض استغاثة مستطيلة بين الطفولة الغضة وبين الكهولة الحزينة؟ وهل ثمة صدى لهذه الاستغاثة الممتدة؟

_ لا أتذكر من الذي قال أن الملموس باليد لا يعدو كونه وهما لا اكثر، وبذلك أحال الحياة كلها الى وهم، و وفقا لهذا القول ليس ثمة فوارق جوهرية بين الحلم والوهم، وأنا كما راقبت نفسي طيلة نصف قرن تقريبا أميل الى الاثنين (الوهم والحلم) أكثر من الواقع، ولعلك أعرف بالسبب من غيرك، فالواقع بالنسبة لنا فرع من فروع الجحيم، لا يمكن أن نتحاشى لظاه إلا بعقار الحلم او الوهم، وهكذا كانت (كائن الفردوس) محاولة بائسة لدحر الجحيم، وهكذا كانت (الحلم) محاولة أكثر بؤسا من سابقتها كونها شكّلت المنطلق السردي لكاتب يريد أن يفتح أسرار الكون بسردياته التي لا تعدو كونها أكاذيب قد تنطلي على الآخرين كما يقول غابريل غارثيا ماكيز، إننا أيها الصديق نعيش في كون مسحور مكلل بالاحلام والاكاذيب والاوهام، والكارثة أنك لا تجد مفرا من منادمة هذا الكون صاغرا بل متذللا لجبروته، فما عساك ان تفعل سوى أن تكتب وتكذب وتندب حتى آخر الأنفاس؟!!.

* مرة قال الروائي الراحل فؤاد التكرلي عن روايته الرجع البعيد " أنها مجرد ثيمة تقليدية كتبت وفق تقنية غير تقليدية" فهل يمكن أن نقول القول ذاته عن قصصك ورواياتك ؟ ام أن لك تقنية خاصة في السرد وعملت على تحقيقها في نصوصك؟
_ إن المشكلة التي نعاني منها نحن معشر الساردين اللاحقين، أننا لا نتمتع باليسر والبساطة التي يتمتع بها فؤاد التكرلي مثلا او القوة التي يتمتع بها محمد خضير او الانسيابية التي تسم اعمال بهاء طاهر الحائز على جائزة بوكر العربية في دورتها الاولى قبل عامين عن روايته النقية المذهلة (واحة الغروب) هذا الروائي العربي المصري يتمتع بإسلوب لا انقى ولا ألذ منه حتى وهو يخوض في شبكة معقدة من العلاقات والقناعات بين الغرب والشرق عبر بطلة روايته كاترين، كما اننا نفتقر للصدق مع أنفسنا، ولذلك كل منا حين يكتب قصة او رواية يعتقد انها إنجاز لايُضاهى.
وحين أتحدث بهذه الصيغة فأنا لا أميل لتقريع الذات ولا اشعر بالدونية ازاء أحد، إنما اشعر حتى هذه اللحظة بأنني لم أكتب ما يمكن أن أطلق عليه (بتقنية خاصة) نعم لقد كتبت عشرات القصص واصدرت مجموعتين وكتبت ثلاث روايات فازت احداها بجائزة مهمة وكتبت ونشرت عشرات الدراسات والمقالات في نقد الشعر وفن السرد، غير أنني لم أزل أفتقد لنقاء فؤاد التكرلي ولقوة محمد خضير ولسهولة ونبوغ بهاء طاهر، بل لا زلت في مضمار التكوين الى الآن.
لذلك لا استطيع القول بأنني اكتب وفق التقانة الكتابية التي تعتمد كذا نظرية وتنتهج كذا إسلوب، ولعل جل ما أتمناه هو أن يقرأني قارئ ما ويذكر اسمي ويقول لي إنني قرأت لك القصة الفلانية وتمتعت بها، وحتى هذه اللحظة لم أنس القبلة التي طبعها الشاعر (هادي الربيعي) على خدي وقال لي (أهنئك على قصتك كائن الفردوس) حين قرأها منشورة في مجلة ألف باء العراقية.

* لديك ( حسب أل cv المنشور ) تسعة كتب منجزة في القصة والرواية والنقد ولم تنشر منها الا ثلاثة كتب فقط ما سبب تغييب كتبك عن النشر والتوزيع ؟ ولماذا لم ترسل كتبك المخطوطة الى خارج العراق لتنشر هناك كما فعل الكثير من زملائك ؟
_ للخمول والكسل والارتباط بالفوضى دوره في هذا المجال، لكنني واظبت على الكتابة والنشر بحماسة على مدى سبع سنوات متواصلة، وكنت كما يشهد الاصدقاء من كتاب القصة او غيرهم حاضرا ونشيطا في ساحة النشر والأنشطة الاخرى وحين تقوّض مشروع النشر لكتابي الاول إعتزلت الوسط الادبي والنشر طيلة خمس سنوات متواصلة، (ويعرف هذا أصدقائي الادباء في كربلاء وبغداد) ثم عدت الى الوسط الادبي في العام 1995 بقصة (نتوء الشيطان) التي اشتركت بها في المسابقة التي اقامها نادي الجمهورية آنذاك وفزت فيها بالجائزة الاولى وحل ثانيا القاص محمد سعدون السباهي وثالثا القاص وارد بدر السالم.
ولو سألتني لماذا أذكر هذه التفاصيل، اقول لكي أثبت بأني من الكتاب النشطين لا اكثر ومع ذلك لم تصدر مجموعتي القصصية الاولى إلاّ في العام 2001، إن مثل هذا التعويق لابد أن يسهم في تعطيل التجربة، أما لماذا لم أرسل كتبي للطبع خارج العراق، فربما يعرف كثيرون أن طبع كتاب في الخارج كان يتطلب مجموعة من العوامل أولها القدرة المالية على الطبع ناهيك عن سلسة من المتطلبات التي تتعلق بشبكة العلاقات الداخلية والخارجية وما شابه.

* أية مراجعة للكتب التي نشرتها تتوصل الى نتيجة لا أظنها في صالحك فهي تحصر النشر في المؤسسة الرسمية وإذا تمنعت الأخيرة عن النشر لأي سبب فانك تحجب كتبك عن النشر والضوء حتى لو استمر هذا الموقف عقودا عديدة !! فكيف تعلل هذا الموقف أتراك تتضامن مع المؤسسة ولو على حساب كتبك؟ ولماذا لم تلجأ الى الطبع على النفقة الخاصة كما فعل ويفعل كبار أدباء العراق أليس هذا أهون وأكثر كرامة لأدبك من الركون إلى مؤسسة غافية وعاطلة بل ومتواطئة ضد كل ما هو أدبي ؟ ثم ما هو مصير كتبك المحبوسة لو قدر الله و ...؟!

_ لا أدري هل يصلح النشر في المؤسسة الرسمية من عدمه كمعيار لقياس مدى أهمية الكاتب او الكتاب معا، فأنت تعرف مثلا ان كبار الكتاب والادباء العراقيين نشروا معظم منجزهم عبر مطابع المؤسسة الرسمية وإذا رغبت بذكر بعض الاسماء سأذكر لك محمد خضير ولطفية الدليمي وعبد الخالق الركابي وغيرهم كثر، الوحيد الذي يشذ عن هذه القاعدة ربما هو الدكتور طه حامد الشبيب، أما الطبع على النفقة الخاصة فأنا أراه أمرا ليس مجديا او كمن يضحك على ذقنه حصرا !!!.
وهنا اود أن أشير الى التقاطع الحاد بين القارئ والكتاب، حيث يشكو الكتاب العرب عموما من قلة مبيعات الكتب بمن فيهم ادونيس، فكيف تريد مني أن أغامر واقتطع من دخل عائلتي لكي أقول ويقول الآخرون وهم قلة إن علي حسين عبيد اصدر الكتاب الفلاني، أما اذا كانت القدرة على الطبع موجودة فذلك أمر آخر، ولقد اتخذت قرارا مع نفسي انني لن ادفع فلسا واحدا من اجل طبع كتاب ادبي يخصني، ليس لأنني لا ارغب بذلك بل لأنني أشعر بنوع من المهزلة في هذا الامر، هذا الموقف ليس وليد الراهن بل منذ سنوات بعيدة، فكيف بنا الآن وقد اتاحت لنا شبكة الانترنيت الوصول الى ابعد قارئ في الارض؟!!
كما انك أعرف بي من غيرك، أنا لم أهادن المؤسسة الرسمية ولا اتضامن معها في هذا المجال، بيد أنني للأسباب الواردة في اعلاه رفضت وارفض طبع كتبي من فلوس أطفالي، اما بخصوص مصير الكتب التي لم تُطبع بعد، فإنني أتذكر مقوله للروائي العربي الراحل محمد شكري يقول فيها (أكتب كلمتك وامض) فالزمن كفيل بإماطة اللثام عنها في يوم ما، وحين مُنعت روايته (الخبز الحافي) من النشر لاكثر من عقد في بلده المغرب ونشرتها الدول الاوربية قبل العربية، فقد ظهرت بعد هذا الإبطاء المتعمَد أكثر إشراقا وقوة.

* هل صحيح انك ذكرت مرة ( ...نحن كما أرى تنقصنا العلاقة الحميمة والحقيقية مع القارئ ) فماذا بقي إذن من مصداقية للكتابة بل ما هو الدافع للكتابة من دون علاقة او حقيقة تضعها بين القارئ ؟

_ ثمة أزمة قراءة في عالمنا العربي، وهذا أمر مؤشر ومعروف، ولعل السبب يكمن في غياب العلاقة الحقيقية بين القارئ والكاتب كما قلت سابقا، مع عدم إغفال الظروف الموضوعية الاخرى التي تكبل شؤون القارئ والكاتب كلا على حدة، وسوف أحاول أن أثبت صحة ما ذهبت إليه حسب قدرتي.
إن كاتبنا العربي كما أتخيله وأحدسه معني بالدرجة الاولى بترميم ذاته كونها تنتمي الى المحيط العام ولا تنفصل عنه، بمعنى أن الكاتب العربي لم يتفوق على الذوات الاخرى التي يرى فيها المحيط المستقبل لآرائه وكتاباته المتنوعة، وبهذا فهو لا يرتقي عليها، فكيف يمكنه أن يكوّن منصة أعلى لذاته كي يطل من خلالها على الآخرين، طبعا انا لا اقصد هنا التعالي والغرور والنرجسية الفارغة، بل ينبغي أن يثق الكاتب العربي بأنه يستطيع أن يقدم فكرا متفردا للاخرين، وإلاّ عليه أن يصبح مثلهم ويتخلى عن وجع الكتابة ومسؤولياتها، وطالما انه يعاني من هذا الامر ويشعر انه لا يزال منشغلا بترميم ذاته ومعالجة نواقصها، فإنه في حالة كهذه لا يستطيع أن يسمو ويقدم ما هو سام للاخرين، وهذا ما يجعله يعيش أزمة العلاقة مع المتلقي.
المتلقي العربي من جهته لم يعِ حتى اللحظة بأنه عامل هدم ووأد للأفكار التي ربما يمكن استقبالها من احد الكتاب عبر كتاباته الادبية او الفكرية او غيرها، وذلك من خلال فقدان الثقة التي تقود بدورها الى العزوف عن القراءة وشراء الكتب وما شابه ناهيك عن الظروف المحبطة للمواطن العربي بسبب ساستهم المتخلفين، ومع هاتين العلاقتين المأزومتين، تلوح لنا عوامل مجهضة أخرى، منها تلكؤ القطاع الخاص في دعم الثقافة وتخوفه من الدخول في هذا المجال بخلاف الحال في الغرب وغيره حيث اصبح الفكر والادب والثقافة سلعة اقتصادية يمكن ان تشكل قوة اقتصادية ربحية كبيرة ومتنامية كأي سلعة اقتصادية اخرى .
لذا فإن هذا الامر لا يتعلق بالعاطفة حصرا، بل ثمة عوامل تتدخل بقوة ووضوح لتعمق الاشكالية القائمة بين المتلقي والكاتب.
* انك مولود في بابل وتعيش في كربلاء ولا اعلم ان كان ثمة أمكنة أخرى خطوت عليها أثناء رحلتك الحياتية فهل كان لهذا التعدد المكاني اثر او تأثير في وعيك وأدبك ؟ وماذا التصق في الذاكرة من صور وأحداث كان لها صدى في نصوصك؟
_ مع أنني أتذكر ما دونه كبار الادباء والكتاب في العالم وفي العالم العربي والعراق، وأتذكر أدب المدن وأدب العواصم، وقد قرأت جماليات المكان لجاستون باشلار أكثر من ثلاث مرات، مع ذلك لا اجدني مدفوعا بالكتابة تحت تأثير المدينة، والحقيقة لا أعرف السبب بصورة واضحة، غير أن المنبت الطفولي والجذور المكانية الاولى تظهر في سروداتي هنا وهناك، ومن يقرأها سيحدس بأنني أتحدَّر من صلب الريف، حيث الانهار والزرع والضرع مفردات وأمكن ة ومشاهد يجدها القارئ في قصصي.
لذا فإنني أغبط كثيرا محمد خضير على كتابه الكبير (بصرياثا) وأحسد شعراء باريس الذين كتبوا عنها اجمل واعمق الاشعار، وأثني على السياب في هذا المضمار وبويب وجيكور وما شابه، كما ان هناك عدد غفير من كتاب القصة العراقيين إنشغلوا بعالم الاهوار فيما كانت الموصل ونينوى وأمكنة الحضارة الآشورية ساحة لسرودات محمود جنداري رحمه الله ونزار عبد الستار.
ولذلك أكرر أنني لم اكتب عن مدينة الولادة ولا عن مدينة العيش بصورة مباشرة لسبب لا ادركه بالتحديد، ولكن يمكنني القول هنا أنني أتمتع بإشكالية التقاطع مع الجذر فيما يخص المكان.

* لقد شكوت أثناء حوار سابق من عدم وجود أديب واحد في العراق يمكن ان نطلق عليه ( أديبا شعبيا ) أي معروف من قبل الشرائح الشعبية كما هو الحال في كثير من دول العالم ..فإلام تعزو هذه القطيعة وكيف بإمكانك ان تتجاوزها لتكون أديبا شعبيا وليس نخبويا كما هو الحال الآن؟!
_ حلمت وما زلت أن أرى اليوم الذي يسترعي فيه سارد عراقي عموم الشعب، كما حصل ذلك مع (يشار كمال) في تركيا، او نجيب محفوظ في مصر، او الراحلة الفرنسية (فرانسواز ساغان) مؤلفة رواية صباح الخير ايها الحزن، او هيجو في البؤساء، او كاتبة (ذهب مع الريح).
حدث ذلك لدينا في الفن، حين استرعى (كاظم الساهر) عموم الناس، وحدث ذلك مع العمل الدرامي الشعبي (تحت موسى الحلاق) والفنانين سليم البصري وحمودي الحارثي، وربما حدث هذا مع الشعر الى حد ما كما هو الحال مع السياب او الجواهري.
ولكن ثمة إشكالية ما تضع أسوارا شاهقة بين السر والساردين من جهة وبين عموم الناس من جهة أخرى، وربما يعيب بعضهم مثل هذه التساؤلات ويرفض أن يتنازل الادب من عليائه وبروجه الى عامة الناس، إن بعضهم يرى في الادب حلية وأتكيت لا يجوز ان يهبط نحو حضيض الناس، جاعلا الادب حكرا على الفن للفن مستكثرا دوره التنويري تاركا ذلك للفكر والفلسفة والعلوم الاخرى.
على ان الامر لا يتعلق فقط بمن لا يسمح للادب بالنزول الى الشارع، بل هناك منظومة علاقات متشابكة تجعل من الصعب وربما من المحال أن نصل الى سارد عراقي يشبه يشار كمال .

* كتبت أكثر من مرة مشيدا بأدباء الجيل التسعيني وخاصة الروائيين منهم لأنهم ((أثبتوا فعلا قدرتهم كما أنهم أسسوا لكتابة رواية عراقية ذات سمات جديدة ..)) حسب تعبيرك ، فهلا أخبرتني من خلال هذا الحوار ما هي السمات الجديدة التي بصمها التسعينيون على الرواية العراقية وكللوها بصفة الجدة ؟.

_ في أواخر تسعينيات القرن الماضي كنت شخصيا شديد الحضور في الوسط الثقافي (في العاصمة تحديدا) وكثير التواجد في الانشطة الادبية لا سيما الندوات الخاصة بالسرد الرسمية او تلك التي تتم في الامكنة الادبية الاهلية كالمقاهي والمنتديات مثل منتدى الاسكندرية النشيط آنذاك ومقهى الجماهير التي حفلت بأنشطة ادبية متواصلة دونا عن تواجد شلل من الادباء شعراء وساردون في هذه المقاهي او الامكنة.
وقد تابعت شخصيا تلك اللقاءات الارهاصية التي كانت تجمع بين الروائي الشاب الراحل محمد الحمراني واحمد السعداوي وضياء الخالدي وعلي بدر (حين يكون متواجدا في بغداد) وناظم محمد العبيدي وغيرهم، وكنت استمع لبعض حواراتهم مباشرة او عن طريق صديقي ضياء الخالدي وكانت تصلني شذرات من برامجهم واهدافهم الراهنة والمستقبلية آنذاك.
لقد كانت حركة اولئك الشباب لافتة للنظر، فهم جيل سردي متحمس وفاعل ومنتج في آن وقد ظهرت آنذاك عدد من الاعمال الروائية لبعضهم، منها رواية (الهروب الى اليابسة) لمحمد الحمراني و (البلد الجميل) لاحمد سعداوي و (الطائر والجمجمة) لناظم العبيدي و (بابا سارتر) لعلي بدر وغيرها من الاعمال الرواية التي كانت تفوح بالحماسة، اما السمات التي استطعت ان استشفها من قراءتي لبعض أعمال ذلك الجيل فهي تتمثل بمحاولاتهم على شل يد الرقيب وكسر مقصه أحيانا، من خلال معالجة الحدث الروائي وفق رؤية شبابية جريئة، والى الآن ما زلت أتذكر ما تداوله الادباء من رواد المقهى حول ذلك (المشهد الجنسي) التي اقتطعه مقص الرقيب من رواية علي بدر المقدمة لدار الشؤون في حينها، كما انني استطعت أن أتبين الجدة في في الاسلوب السردي القائم على محاكاة (السرد الصحفي) إن قُبل هذا التعبير، فجاءت رواية احمد سعداوي سلسة رقيقة مكتظة بالاحداث الجسام لكنها خفيفة الظل كما بدت لي في حينها، من هنا كتب بعض المقالات عن موجة هؤلاء الشباب ومنها مقالي مرتكزات السرد في الرواية الشابة وقرأت في هذا المقال رواية الهروب الى اليابسة.
بيد ان نوعا من الفتور او الافتراق لحق بتلك الموجة وتلك الحماسة التي ربما كان للمتغيرات السياسية لعام 2003 دور في شطر او تهشيم هذه المجموعة المتحمسة من الشباب الذين اصبحوا الآن (اسطوات) ولكن يتحركون فرادى بكل أسف.
* أعلن عدد من أدباء العراق ان لديهم مشاريع خاصة في الحقول الإبداعية المختلفة وسعوا الى إثرائها وتخصيبها فمثلا الشاعر حسب الشيخ جعفر عرف بالقصيدة المدورة وفاضل العزاوي بالقصيدة الكونكريتية والبيان الشعري والقاص محمد خضير بالواقعية الافتراضية وخزعل ألماجدي بقصيدة الصورة وطه حامد الشبيب برواية النظير ومفهوم السحرية الواقعية و د حسين سرمك حسن بمنهج في علم نفس الإبداع والراحل عالم سبيط النيلي بالمنهج اللفظي وهناك آخرون لا تحضرني أسماؤهم او مشاريعهم .. هنا أود ان أسالك ان كان لك مشروع أدبي خاص ومتميز يفردك عن هويات الآخرين ويهبك الإضافة الجادة للأدب العراقي؟

_ ربما أجبت عن هذا السؤال ضمنا في الاجوبة السابقة.

* ذكرت أنا في مناسبات كثيرة أني أراك صوتا نقديا مهما أكثر من كونك كاتبا للقصة والرواية برغم إجادتك فيهما إلا أنني ألاحظ عدم انتباهك الجاد لهذا الصوت وحرصك ان تقدم قاصا وروائيا فما هو السبب :أهي الخشية القديمة من وجود قطيعة بينك وبين المتلقي ؟ ام يكون السبب هو الإحساس الداخلي بعدم القدرة على الإضافة والفرادة في مجال النقد ؟

_ بموازاة رحلتي في كتابة القصة او السرد، كنت أكتب المقالة او الانطباع النقدي، وقد جرّبت ذلك في السنوات الأولى، فكتبت مقالا عن رواية (هذا الجانب من المدينة) للكاتب العراقي خضير عبد الامير في مطالع الثمانينيات، ثم كتبت عن (فضاءات الروح) لموسى كريدي رحمه الله، ثم عبرت الى نقد الشعر فكتبت عدا كبيرا من المقالات النقدية، بيد أن الحافز الاساس في هذا الجانب لم يكن البحث عن التفرد في الكتابة النقدية بل لتكوين شبكة من العلاقات مع الادباء العراقيين، بمعنى أن العاطفة كان لها قصب السبق في ذلك، فكنت اكتب مقالاتي سعيا لاقامة علاقة صداقة و(منفعة) متبادلة في آن واحد، ومع مرور الوقت وجدت انني تجاوزت النفعية الى المسؤولية وشعرت أنني (تورطت) في حقل جانبي هو حقل النقد ما كان لي أن أدخله منذ البداية!!
وهكذا وجدت نفسي مضطرا الى تحمل المسؤولية التي ألقيتها بنفسي على نفسي، فتناولت أغلب الادباء العراقيين قصاصين وروائيين وشعراء، وكتبت عن تجاربهم واشتركت في ندوات عديدة ببحوث نقدية عن السرد منها بحث سردي بعنوان (لغة القص والخيال الخلاق) تناولت فيه تجربة احمد خلف وحميد المختار وعبد الستار البيضاني وصلاح زنكنة وغيرهم.
وقد أنجزت كتابا نقديا بعنوان (محاولة لتنسيق احزان العالم) ولا زلت اتابع احيانا بعض الاعمال السردية او الشعرية الجديدة، بيد أنني لم أضع ما يكفي من الاهتمام لكي أرسّخ وجودي النقدي مع انك تراني صوتا مهما في هذا المجال، ولعل السبب يتجذر سايكلوجيا في داخلي.
فأنا –حقيقة- غير مقتنع بدور الناقد ولا ارى تعادلا بين اهميته واهمية من يكتب القصيدة او الرواية، بكلمة أخرى، ارى ان القاص او الشاعر أعلى شأنا من الناقد، قد لا يكون الامر كذلك، لكنني مكبل بهذا الشعور ولعلني اكون خاطئا غير ان هذا الشعور تحديدا هو ما يجعلني مترددا في ترسيخ الاسم النقدي على الاسم الشعري او السردي بقدر ما يتعلق الامر بي على الأقل !

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561477   Visitors since 7-9-2002