المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع محمود عبدالوهاب

  


حاوره في البصرة/ يحيى البطاط


عندما اقترحت فكرة إجراء حوار على القاص العراقي محمود عبدالوهاب، لم يرفض الفكرة، ولم يقبلها على الفور أيضاً، لكنه ظل يلعب معي طيلة ثلاثة أشهر، مرة يقول دعني أقرأ أسئلتك أولاً قبل أن نباشر بإجراء الحوار، ومرة أخرى يقول، لم العجلة لنتعرف أولاً على طبيعة المحاور التي سيدور حولها الأسئلة، ومرة ثالثة أبدى إعجابه بإصراري على مطاردته لإجراء الحوار، ملمحاً بأنه لا يتعامل مع الصحافيين إلا بعد أن يختبر ثقافتهم وقدراتهم الحوارية، وفي المرة الرابعة قال: إن الحوارات الأدبية تختلف عن سواها من الحوارات، لذا دعنا نتأمل ما هو الجديد الذي يمكن أن نتحدث عنه.

لم ينفد صبري مع القاص السبعيني المخضرم محمود عبدالوهاب، بل زادني تمنعه إصراراً على أن أطارده بأسئلتي أينما ألتقيه، حتى أتفقنا أخيراً على أن نجري أول الأمر حواراً تمهيدياً نتناول فيه شتى المواضيع التي يمكن أن نرشح منها ما يصلح لإجراء المقابلة فيما بعد، أي عندما نجري الحوار الحقيقي، وطيلة تلك المناوشات تشكلت نويات أسئلتي التي تطرقت إلى حياة وإبداع هذا الأديب الذي اشتهر بين أدباء العراق بسرعة بديهته وقدرته على ابتكار النكتة في أكثر المواقف دراماتيكية.

من الكتب التي صدرت لـ "عبدالوهاب" خلال رحلته الطويلة مع الكتابة والقراءة نذكر كتابه الشهير: ثريا النص/ مدخل إلى قراءة العنوان القصصي، ومجموعة قصصية بعنوان رائحة الشتاء، ورواية "رغوة السحاب"، وكتاب نقدي تحت عنوان "دراسات نقدية في الحوار القصصي"، وترجمات لعدد من كتاب القصة العالميين أمثال جون شتاينبك، وارسكين كالدويل، وهيمنغواي، وقصائد من الشعر الصيني. كما يعكف الآن على متابعة إصدار رواية جديدة بعنوان "سيرة بحجم الكف".

تتميز لغة القاص محمود عبدالوهاب بالاقتصاد والبناء المحكم، فهو يكره الثرثرة في الكتابة، وتتمتع نصوصه بأجواء مدينية حميمة، يتنقل خلالها بين حديقة البيت، ومطاعم وبارات المدينة، وباصاتها، وأزقتها وشوارعها، وغالباً ما يتخذ وضعية المراقب، الذي يرصد الحدث وتفاصيله الدقيقة بعيني حكيم، يغوص بين طيات الحوار، والتفاتات الأبطال وأحاديثهم الباطنية والظاهرية، ليمسك بخيوط الدراما المبثوثة هنا وهناك، ويقدم في نهاية الأمر خلاصة الأشياء، وجوهر الأفكار في قالب قصصي بسيط، لكنه مدهش ومحكم.

سألت محمود عبدالوهاب في بداية حديثي:

· لكل كاتب أمكنته المفضلة التي يمارس فيها طقوس إبداعه، فما هي الأماكن الأثيرة إلى نفسك؟

- أعجز عن الكتابة في غير مدينتي البصرة، أشعر بصعوبة الكتابة في مكان آخر، جربت ذلك في أثناء سفري لبعض المدن والبلدان العربية مثل القاهرة، ودمشق، وبيروت والإمارات وغيرها، كما جربتها في مدن غير عربية مثل وارشو وبراغ وبودابست وسواها.. ولم أنجح. قد تبلغ الصعوبة أحياناً حد العسر، خاصة كتابة القصة بوصفها عملاً إبداعياً، اكتشفت أن الكتابة خارج البيت، وربما حتى في مكان لم اعتد الكتابة فيه في البيت نفسه، عملاً عسيراً.

· وهل ستتوقف عن الكتابة لو كنت بعيدأ عن بيتك؟ ألا يجعلك هذا الانضباط الطقوسي، إن صحت التسمية، تخسر فرصا لا تعوض للتعبير.

- أشعر أن المكان الذي أكتب فيه جزء من عملية الكتابة، أشعر بالألفة والطمأنينة وكأن المكان حاضنة للقصة التي أنا بصدد تحريرها. إن هذا الالتزام والانضباط في العملية الإبداعية كثيراً ما يسبب لي عدم ارتياح، بمعنى أنني أشعر بدافع يشدني إلى الكتابة خارج المكان الذي ألفته، غير أن شعوراً مضاد يبعدني عن مباشرتها، هذه المشاعر المتضاربة تستدعي أن أكتفي بتخطيطات أولية أسجلها في دفتر صغير، خاصة مع تلك النصوص التي كتبتها عن أماكن وفي مدن خارج العراق. على أمل أن أستعيد تلك التجارب وأبعث بمكوناتها ووحداتها القصصية بعد عودتي من السفر، وقد فعلت ذلك في معظم قصص مجموعتي (رائحة الشتاء).

· وهل يرتبط الإنجاز الإبداعي لديك، بطقوس أخرى غير المكان؟

- المكان جزء من هذه الطقوس، وعندما أشعر بالتأزم والتوق إلى الكتابة أحمل معي الأوراق والأقلام ومستلزمات الكتابة الأخرى، أنا لا أكتب القصة في دفتر بل أفضل كتابتها في أوراق منفصلة. أشعر أن الدفتر متماسك وأوراقه تمنحني شعوراً كما لو أن هذه الكتابة ستكون المسودة الأخيرة للقصة، أما الأوراق البيض المنفردة فإنها تبعث في نفسي فضاء واسعاً يحفزني بقوة، تماماً كما لو أنني في ساحة عامة، وداخل مرجل الحياة نفسها.

· تبدو وكأنك طفل يحمل ألعابه ويبتعد عن عيون الآخرين؟

- عندما أحمل مستلزمات الكتابة أشعر بأن ما هو خارجي قد تلاشى تماماً، وأنني أصبحت كتلة متماسكة، أشعر ببراءة وبهجة الطفل الذي يحمل ألعابه وينزوي، في زاويته بعيداً عن ضجيج البيت. أكتب بالقلم الرصاص أولاً، وأسترجع المسودة مرات عديدة، وربما تكون المسودة الأخيرة بالقلم الرصاص قبل طبعها بالكمبيوتر، وفي أحايين أخرى أكتب المسودة الأخيرة بالقلم الحبر، ويلازمني في أثناء ذلك الضجر، ذلك أن الكتابة بمادة الحبر تشبه إصدار حكم نهائي على القصة، وعلى الرغم من رغبتي من نشرها أبقى ألاحقها. الكتابة بالقلم الرصاص قابلة للتعديل، هناك أيضاً عناصر طقسية أخرى تلازمني في أثناء عملية الكتابة، مثلاً أن لا تكون المنضدة فخمة لأنها تضفي أجواء رسمية. أنا أرغب بالكتابة على منضدة بسيطة وذات مساحة محددة، تكفي للأوراق. ومن الطريف أنني أحمل مع أوراقي مسطرة وممحاة ومبراة. أشعر أن أي مبدع حين يفقد دهشة الطفولة يفقد أيضاً تلقائية الكتابة.

· ولكن معروف أن نصوصك القصصية تتميز بحرفية ، ومهارة في صياغة الجمل، والاقتصاد اللغوي، أنت حريص على تقديم قصة ذات معمار رصين ومتماسك، كل هذا لا يتفق مع أسميته دهشة الطفولة؟

- الطفولة التي أعنيها، تتعلق بالأجواء الخارجية للمكان ومستلزمات الكتابة والمشاعر الداخلية، أما التكثيف وما أسميته بالمهارة، فإنهما يأتيان من تحول ذلك الطفل عندما يركب ألعابه مثل المكعبات، فإنه هنا يستعمل شيئاً ما قد يكون خارج الطفولة، أي أنني أريد أقول أن الطفولة تحفيز وما يأتي في النص وعي، والوعي هو الذي يعمل على بناء القصة على وفق وحدات سردية ولغة أرى أنها ينبغي أن تكون بمستوى تجربتي الشخصي، ومن هنا قد يبدو ذلك تعارضاً لكنني أرى أن هذا التعارض قائم أو حادث عند كل كاتب، فهو قبل الكتابة غيره في أثناء الكتابة.

· نصوصك تمنح قارءها إحساساً قوياً بصخب الحياة، وحرارتها، هل لهذا الصخب علاقة بتجاربك الشخصية؟

- في الغالب تكون نويات قصصي جزءاً من تجربتي الشخصية، غير أن التخييل عنصر مهم في بناء القصة، ومن دون هذا التخييل تكون الكتابة سيرة ذاتية، أنا أكتب القصة على قاعدة أو مساحة محدودة من التجربة الشخصية، غير أن معمارها يقوم على عنصر تخييلي، إن مساحة من التجربة قد تكون قاعدة تقوم عليها قصة معظم وحداتها منطلقة من تخييل يمتزج فيه الواقع وعناصر التجربة الشخصية، وقد تكون القصة تركيباً لعناصر متجمعة من مشاهد وتجارب متفرقة، لكنها تكون مضمومة بقوانين السرد في جسد القصة.

· للمرأة حضور غريب في قصصك، تارة يكون حضورها موارباً، ومرة بصورة حلم أو إشارة، وتارة تندفع المرأة بقوة وعنفوان إلى مقدمة الحدث، هل لك أن تحدثني عن هذا الجانب؟

- اعتبر وجود المرأة في القصة مثل وجودها في الحياة فالقصة التي تخلو من المرأة ـ وليس ذلك إلزاماً ـ تعني خلوها من الحياة، برهافة شاعر اشتغل صديق على دراسة المرأة في قصصي ثم أخبرني بعد أن أتم عمله أن المرأة لا تظهر في قصصي مكتملة الصورة في القصة الواحدة، غير أن ملامحها تستبين في أعداد متفرقة من تلك القصص، وقد استنتج هذا الصديق الشاعر، بعد أن جمع الملامح المتفرقة في القصص المتعددة، أن صورة المرأة المهيمنة في قصصي، تأخذ قسمات امرأة مرهفة وأنيقة ومتحضرة أو مدينية، وربما يكون ما أحسست أنت به من أن للمرأة في قصصي حضوراً غريباً وموارباً وحلمياً وإشارياً هو ما توصل إليه ذلك الصديق. من جانبي لم أكن معنياً في أثناء الكتابة بتفاصيل ملامح المرأة التي تأخذ كينونتها في القصة التي أكتبها، فقد كنت أكتفي بالإشارة أو الإيماءة أو الإيحاء بوجودها داخل السرد. أسأل نفسي الآن: هل كنت حريصاً على عدم البوح بلاماتها الفارقة، وهل كان الوعي رقيباً يحجب ملامح امرأ حقيقية تثوي في دفائن الخبرة الذاتية. يبدو ذلك منطقياً، ولكن ليس كل ما هو منطقي واقعاً!! ولكنني أؤكد أن المرأة في نصوصي ليست شكلاً ديكورياً أو تزيينياً، إنها فاعلة ضمن الخطاب القصصي ووحداته السردية.

· حسناً دعني أسألك بطريقة أكثر مباشرة، هل أن العلاقات الفاشلة مع النساء تنتج قصصاً ناجحة؟

- كلنا عانينا مما هو مؤلم عبر تجربة عاطفية عصفت بنا يوماً ما، وربما ما كان مؤلماً هو الأكثر صدقاً، دعني أتحدث بعفوية، إن التعقل أحياناً قد يكون مبعثه الرياء. وإن التجارب العاطفية المخفقة هي الضاربة في الأعماق، ليس ما أقوله قاعدة لكنه ليس استثناءً أيضاً.

· ما رأيك لو حدثتني عن ملامح المرأة في قصصك؟

- أغلبهن يمتلكن واقعاً تاريخياً يأخذ في بنية القصة، واقعاً معدلاً بفعل التخييل، في قصة (يوم في مدينة أخرى) طيف امرأة تخطر بين زبائن المطعم الذي دخلته، وفي قصة (امرأة) ثمة شابة بولونية مسافرة شعرها يتموج مثل حقل قمح، وفي قصة (امتياز العمر) تظهر امرأ الحب الأول الذي بدأ وانتهى مثل لعبة، وفي قصة (الممر) استحضر امرأة الوهم المشتهاة، وفي قصة (يحدث هذا كل صباح) تظهر المعشوقة التي تتخطى عاشقها الذي تجهله، وفي (عابر استثنائي) ثمة امرأة ذات حساسية مفرطة، وفي (سطوح المظلات) ترى عاشقة عابثة، وفي (طيور بنغالية) تظهر امرأة محبة وحالمة.

· حسناً، ذا أنت تثير شهيتي وتجعلني أكثر طمعاً؟

- (يضحك) أنا من وافق على استجوابي، فاسأل ما شئت؟

· أريد تفصيلاً حول ما تحدثت عنه، كيف يحدث أن تتحول المرأة إلى بطلة في قصتك، أريد مثالاً تطبيقياً؟

- أعترف، لم يستجوبني أحد كما تفعل أنت الآن، لكنني سأجيبك.

جمعتني في السبعينيات من القرن الماضي أمسية مع شابة بولونية في وارشو تتمطى بجسدها على درجة واطئة من درجات سلم قصر الثقافة والعلوم، ووسط مرج منبسط وهواء أيلول العذب، حدقت إلى عينيها قائلاً: "أنت تمتلكين عينين كرستاليتين" انتفضت الشابة وقالت: "أنت شاعر إذاً!!". ومن يومها ولسنوات لم نفترق. أرتني نصب (آدم مسكيوفيتش) شاعر بولونيا الكبير، وبيت الموسيقار (شوبان)، وبيت (مدام كوري) وأخبرتني أن اسم الشارع الذي تقع فيه شقتي هو اسم لكاتب قصص أطفال، شاركتها زيارة المتاحف والمعارض ودور الكتب، كنت أسميها مداعباً (الكتاب ذا الشعر الأشقر) ومن تلك اللحظة قادتني عيناها إلى كل ما هو جميل، لأنها علمتني أن الحياة مهما طالت فهي بمثابة رحلة قصيرة على هذه الأرض التي لا تستحق أحزاننا. تلك الشابة دخلت إحدى قصصي وربما امتدت ملامحها إلى عدد آخر من القصص التي كتبتها.

· وما سر امتناعك عن الارتباط بامرأة واحدة، رغم أنك قطعت شوطاً لا يستهان به في رحلة العمر؟

- أنت تشير إلى عزوبتي لكن هذا لا يعني هذا أنني أخلو من تجارب مع النساء، فالعزوبية لا تعني النفور من المرأة... في الحقيقة لم يسألني أحد مثل أسئلتك، كنت دائماً أسأل عن أسئلة هيأت إجاباتي عنها سلفاً، فمجتمعنا في الغالب متطفل، ولا بد من الدفاع عن النفس وتهيئة أجابات مناسبة لمثل هذه المواقف.

· حسناً دعني أسألك عن أمر آخر: الخبرات المؤلمة تترك أثرها في إبداع الأديب، لماذا لا تحظى الخبرات السعيدة بمثل هذا الشرف؟

- من قال أن الخبرات السعيدة لا تخلق إبداعاً؟ أليست تلك الخبرات مثيراً خارجياً للكتابة كما الخبرات المؤلمة؟. أحس بأن هذه المقولة من بقايا (إرث) الفكر الرومانسي. إن الخبرات المؤلمة قد تخلق إبداعاً كبيراً لكن ذلك يتوقف على تأزم المبدع مع تلك الخبرة وعلى ما يمتلكه من قدرات تعبيرية وتقنيات لتأسيس بلاغة نصية تعادل خبراته المؤلمة غير ان ما قلته أنت من أن الخبرات السعيدة لا تخلق إبداعاً لا يعدو أن يكون قولاً مطلقاً وحكماً عاماً، أنا واثق أن له استثناءاً في بعض الأعمال الأدبية، الذي أراه أن كلا الخبرتين (السعيدة والمؤلمة) لا تبقى راكدة في ذات المبدع لأنها من فيوضات النفس، وذات المبدع لا تهدأ ما لم تبح بها.

· أصدرت كتاباً غريباً من نوعه بعنوان (ثريا النص) تتحدث فيه عن أهمية العنوان في النصوص الأدبية، ما أسباب اختيارك لهذا الموضوع، وما هي النتائج التي توصلت إليها؟

- لم يكن (ثريا النص- مدخل إلى دراسة العنوان القصصي) عملاً تنظيرياً، ولم يكن حافزه معرفياً محضاً، فقد شرعت أول مرة أبحث عما يعنيني من الطرائق والإجراءات لاختيار العنوانات التي تصلح لعدد من القصص التي أكتبها، فالباعث إذا كان عملياً وحِرَفياً، غير أن ما بدأ محدوداً أخذ يكتسب بالبحث والاستقصاء طابع الاتساع والمعرفة والتنظيم ولم يكتف بما بدأ، وقد حمل الكتاب عدداً من النتائج التي ترى في العنوان بنية مفتقرة إلى النص الذي يقع تحتها وإن العنوان مفتاح تأويلي أو إشارة تضيء طريق القراءة، وهو في النصوص الحديثة غالباً ما يتكتم على الدلالة ويتصف بالانغلاق النسبي وإنه لا يبحث عن جمالية التركيب اللغوي بقدر ما يسعى إلى الدلالة. لقد تناولت عدد من المجلات الثقافية والصحف داخل العراق وخارجه (ثريا النص) عند صدوره عام 1995 بالتعربف والدراسة وكتب عنه القاص عبدالإله عبدالقادر في إحدى الصحف الإماراتية مشيراً إلى أن (ثريا النص) أول كتاب يدرس العنوان القصصي. إنني أسعى الآن إلى إعادة طبع الكتاب طبعة مزيدة بملاحق تطبيقية كتبتها بعد صدور الكتاب وشاركت بقراءتها في مؤتمرات أدبية ومواسم ثقافية.

· مارست كتابة القصة القصيرة والرواية، أي التقنيات الكتابية أقرب إلى نفسك، وهل ترى أن مصير كاتب القصة القصيرة ينتهي بالضرورة إلى عالم الرواية؟

- يتحكم بالتقنيات ما تتطلبه الضرورة الفنية لأي منجز إبداعي فالتقنية مؤثر بلاغي –لا بمعناه التقليدي أو المدرسي- يتخلق بضرورة التكوين البنائي. لا أستطيع أن أجيب عما أفضله من التقنيات ما لم أكن متأزماً في لحظة الكتابة، وأمام عمل أكتبه في تلك اللحظة، فالكتابة تكاد صراعاً تجهل مساره، غير أن الخطاب السردي سواء أكان قصة أم رواية، يثرى عندما يغور في ما وراء بنيته السطحية عبر وحداته الوظيفية وتقنياته بعيداً عن التفسير. تسأل أيضاً عن كاتب القصة وهل ينتهي مصيره إلى روائي؟ قد يحدث هذا ولكن ليس دائماً، خذ مثلاً الكاتب الأرجنتيني (بورخس) فقد كرس أعماله كلها لكتابة القصة القصيرة، إنه يجد نفسه حلزوناً في قوقعة القصة القصيرة ويكتفي.

· أين تضع كتابة السيرة الذاتية بين اهتماماتك؟ وهل ترى فيها ضرورة فنية وتاريخية؟

- تأتي كتابة السيرة الذاتية متأخرة غالباً، لأنها تشترط اكتمال الخبرة وانتظامها فلكي تكتب لا بد أن يكون عندك ما تقوله، وما تقوله ينبغي أن يكون نافعاً، أشعر كما لو أن كتابة السيرة (اعترافاً أخيراً) تحمل في أهدافها ونتائجها تطهيراً للذات ودرساً للآخر. إنها ليست ضرورة بل أكثر فهي حاجة ضاغطة. بدأت بكتابة سيرتي الذاتية مؤخراً، لم أنجز منها سوى صفحات غير أني أطمح إلى أن يكون ما أكتبه مغايراً أو شكلاً إبداعياً يتضمن وقائع الحياة وتحولات الكتابة معاً بعيداً عن الزمن الخطي في سرد الأحداث، لا أدري كيف سيكون ذلك المنجز، أنت تعرف أن ما تكتبه لا تستطيع أن تخوض في تفاصيله ما لم يصبح منجزاً مكتملاً.

· لنعد إلى البدايات، دعني أسألك عن الشرارات أو الجمرات الأولى التي بعثت الوخزة الأولى التي أدت إلى تورطك في عملية الكتابة الإبداعية؟

- من الطبيعي أن تكون تلك الجمرات أو الشرارت التي بعثت الوخزة الأولى للإبداع، هي مثيرات الكتابة. أليس كذلك؟ ما أسميته أنت الجمرة، هي شرارة النار التي تطايرت من احتكاك حصاة بحصاة، ومنها بدأت الدهشة الأولى في الحياة، من تحديق المراهق إلى ما حوله، واستجابته لضغوطها في رهافة ذلك العمر الغض: الحب الرومانسي الأول وأحلام اليقضة وتضخم ذات المراهق، والمواقف المستفزة، بدأت من قدرات محدودة سرعان ما أخذت بالثبات والاتساع، إنها البدايات،... "افتح ياسمسم" وفغرت المغارة الملأى بالحكايات كوتها للدخول إلى العالم السحري. تلك هي البدايات.




- عن موقع آبسو.



 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057051   Visitors since 7-9-2002