المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

حضارة الجسد. قراءة في منحوتات طه وهيب

  
د . شوقي الموسوي
  













ان اللاوعي ضمن تشظيات الذات المعاصرة ، لم يـعُد معزولا في منطقة بعيدة عن الوعي ، إذا ما اعتبرنا إن الإبداع صيرورة ديناميكية بين الوعي واللاوعي من جهة ، وبين وعي ولا وعي القارئ (المتلقي) من الجهة الأخرى ، لتؤلف معا مكونات الجسد الواحد ( الوطن ) وفق حركة تأويلية منفتحة على الآخر المتربص بنا منذ زمان ؟!! والغير منتهية ، ضمن رؤية ثقافية سحرية وانثروبولوجية ، تبدأ بالعطاء لحظة ولوج فكر القارئ النموذجي فضاءات النتاج المتمفصل بالجذور ، والتي تجعل من المثال أنموذج ممتلئ بالديمومة ، كي لا يتلاشى هذا السحر فيصير وهماً .
هذه الرؤية أو ما نسميها بالاستمرارية ، نجدها قد انسحبت على نتاجات الفن العراقي المعاصر،الذي يُحاول جاهداً حماية وجوده من الزوال ، من خلال الحفاظ على تراث الحضارة والمعاصرة عن طريق الاستلهام المستند إلى الحدس ، منذ نتاجات جماعة بغداد للفن الحديث ، مرورا بإبداعات الستينيات والسبعينيات وصولا إلى إبداعات فناني التسعينيات ... وما نتاجات التشكيلي النحات " طه وهيب " المتأخرة ، إلا تأكيد لما تقدم ؛ إذا ما اعتبرنا إن طموح الفنان هو تجاوز نفسه بالرغم من حفاظه على التجربة البصرية لموضوعة الجسد .

فقد حاول الفنان طه وهيب ،أن يستشعر أشكاله في العمق ، لتظهر التكوينات كما لو كانت تتجه ألينا ، مُعتمداً في تغذية أفاريز فكره على ذاكرة المدينة الأسطورية ( أور ، الوركاء ، بابل ، نينوى ... ) فضلا عن إصغاءاته الواعية لترميزات الإنسان الوجودية في نتاجات رواد النحت العراقي المعاصر ( جواد سليم ، محمد غني حكمت ، خالد الرحال ...) فضلا عن تكوينات " منعم فرات " الفطرية .. ، من اجل اقتناص الهوية عن طريق اغتراف الفنان لأقنعة تكويناته وانطباعاته من مجتمعه ، كي لا يبتعد عن القيم الروحية لحضارة الطين ، حتى لا يكون النحت مجرد آلة طيعة بأيدي الغرباء الجدد!!

فالنحات في تجاربه المتأخرة يحاول جاهداً أن يستحضر كيفيات التعبير الغائبة عن البصر ، بجعل مفردات تكويناته ( رجل وامرأة ، ثور ، جِـمال ، جمادات.. ) تتناغم زمانياً مع الفضاء الأحمر المحيط بها ، للتعبير عن محنة الإنسان مع عذاباته المتكررة ... فالأجساد المتهالكة والمنعزلة في الظلام ذات الملمس الوعر في منحوتاته البرونزية والمنفذة مُسبقاً بالطين ، وجدناها أجسادا بلا هوية ، بلا ملامح ( بلا رؤوس ) ( نساء قرويات متوشحات بالحزن ، طفولة ضائعة ، أجساد مُهاجرة الى المجهول .. ) ، يحتضنها تاريخ الصبر والصمت في زمن لا تُعرف له لغة ولا لون ، سوى الحرب !!

فقد أيقظ فينا الفنان من خلال تحميل منحوتاته تضاريس الاغتراب ، ذاكرة الطفولة بجانب ذاكرة الزمن البعيد ، كقيمة نمطية يمكن إيصالها إلى الحاضر ؛ لأنك ــ على حد تعبير باشلار ــ لن تجد أحدا عديم الشعور كليا إزاءها ، فإنها تعيد الإنسان من جديد إلى حس الدهشة إلى الحقائق الأولى في المرات الأولى ، إلى الولادة ...؛ على اعتبار إن الحداثة المعاصرة قد أثارت في نفس الفنان كما أثارت زملائه التسعينيون ، رغبات ثورية قديمة ، قد غلفها ظلام الأمس بالصمت ، كمحاولة منه إلى التعبير عنها من خلال إسقاطها ذاتياً على صفحات الفضاء السالب ، بمنهجية الواقعية السحرية التي ظهرت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي والمُحـمَّلة بالغرائبية الشعرية التي تجعل من النهاية بداية ، وسط تراكمات العصر ؛ كون الفنان قد ابتغى ان يكون باحثا عن لغة جديدة للشكل بدلاً من أن يكون ناسخا للنموذج ، انسجاما مع تطلعاته الفكرية المتواشجة مع مكونات عصره ، سعياً منه إلى تأسيس قيم جمالية جديرة بالتأمل ، لتتخذ فيه بعض الملامح الواقعية صوراً خيالية تحصل فيها عمليات التبسيط والتمويه والتجديد فيتم اقتران الشكل بالمعنى لاقتراح صوراً جديدة تُدرك حدسياً لبلوغ غايات جمالية .

هذه القيم الجمالية وجدها الفنان " طــه " في تخطيطاته الأولية واعتبرها أثمن من النتاج المنتهي نفسه ؛ كونها تحوي طاقات هائلة من الإحساسات والانطباعات الأولية ذات التلقائية المتضمنة الفكرة الأولى المرتبطة بالجذر الأول في اليوم الأول ، فهو يرسم من اجل النحت ..... فالمهم هنا ، هو في إظهار المضمون ككل على حساب القشور من خلال عمليات التبسيط والتحريف والترميز لصالح التعبير لإحداث تحولاً بنائياً في التكوين العام يخدم الجوهر لأجل السماح لعناصر التكوين النحتي ، بان تمتلك طاقات سحرية تنفتح على خارج حدود الرؤية المكانية لحضارة الجسد ، لاستحصال فكرة ماورائية ، بعيدا عن المحاكاة المباشرة التي تجلب إلى النص التشكيلي أسطورة اسمها الوهم .
ثمة تلاحم بين أجزاء تكويناته النحتية الممتلئة بالمضامين الإنسانية بحدود موضوعة الجسد ، سعى إليها الفنان من أجل أسطرة مفرداته المقترحة ، التي تتمرحل بالذهن من الصورة الطبيعية إلى الايقونية فالحدسية ؛ كمحاولة منه إلى إضفاء بعض إشارات المثالية على المشهد الواقعي العام التي تدخل في تأسيس الصيرورة الفنية من خلال توحيد الأجزاء معاً بالمعنى .... فمثلا نجد هنالك دمجاً في القوائم مع بعضها البعض ـــ في مشهد تشكيلي مكون من شكل حيواني (جَـمَـل) مع شكلين آدميين ، يشتركون معا بقوائم أربعة ، فضلا عن مشهد يضم ثوراً محمولاً على أكتاف شخصين وقد اشتركوا أيضا بقوائم أربعة ـــ والى آخره من هذه اللانهائية من حالات الدمج أو التواشج أو الالتحام العضوي، المقصودة من قبل الفنان والمحمّلة بعذابات ( الوطن والحب والألم والضمير والغربة والأمل والموت والنخيل... ) من اجل توحيد مكونات الجسد المتشظي ، على حساب أقنعة الآخر !!!.. كما في منحوتة الشخص المحني الرأس الذي يحمل أمتعته الدنيوية بيد ويرفع باليد الأخرى جعبة كبيرة الحجم ، كأنها المومياء التي تخفي خفاياها عبر العصور ،.. فضلا عن منحوتة لجسد مكبل بالقيود ، جالس في زورق صغير (مشحوف) مرصع بالثقوب ، وهو يتأمل المصير الأحمر بهدوء !! ، وسط زحمة الركام اللانهائي من الألم ... بالإضافة إلى كائنات تتضرع إلى الخالق ، تصلي للشهيد مع نساء حالمات بالمجهول الذي طرز أجسادهن بالشقوق كالوشم الراسخ على صفحات التاريخ .
فالفنان " وهيب " مع زملائه قد أطلقوا العنان لأمتدادات المخيلة التاريخية والآثارية والمعرفية في أغلب التجارب المتأخرة ، من أجل تأسيس تكوينات نحتية ذات المنحى الأسطوري إلى حدٍ ما ، تتفاعل مع الفضاء لتخضع لزمن ذهني لا بصري المحيط بها والتي تشكل معا ، مديات بلا حافات ، لا نهائية من الوحدات التصويرية والفترات البعيدة عن التكرار والممتلئة بالصيرورة الناتجة عن تداعيات الحركة الدائبة في الإيقاع والتي تجعل من التكاثر قانونا للوجود الفكري ، وفق ما تحمله الأجزاء من مضامين وحكم .


السيرة الذاتية للفنان :

ــ طه وهيب
ــ مواليد 1964
ــ بكالوريوس فنون تشكيلية في النحت / 1988
ــ عضو جمعية التشكيليين العراقيين
ــ عضو نقابة الفنانين العراقيين
ــ عضو الرابطة الدولية للفنون IAA


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6224967   Visitors since 7-9-2002