المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

الروائي نجم والي لــ( القصة العراقية )

  
حاوره عدنان حسين أحمد
  
عدسة باسم العزاوي
  
- أنتمي إلى المهمّشين الذين يعيشون في القاع، وأعتبر نفسي صوتهم الأدبي

- الكاتب ليس كائناً خارقاً يضع يده على خده بانتظار مجيء الساحرات




بالتعاون مع المكتبة العامة في مدينة لاهاي أقامت رابطة بابل للكتاب والفنانين العراقيين في هولندا أمسية ثقافية للقاص والروائي العراقي نجم والي الذي قدّم شهادة قيّمة وجريئة عن تجربته الإبداعية في كتابة القصة القصيرة والرواية. كما توقف عند أبرز المناهل والمشارب الثقافية التي أمدّت تجربته بنسغ حيوي واضح يمكن تلمّس آثاره بسهولة أثناء قراءة نصوصه الإبداعية. وقبل الخوض في تفاصيل محاضرته أجد من المناسب أن نعرّج على أسلوب نجم والي ونزعته في الكتابة من خلال النبذة التعريفية التي قدّمها كاتب هذه السطور خلال الأمسية إذ جاء في متن التقديم : ( تحتل تجربة القاص والروائي نجم والي مكانة مهمة في المشهد الثقافي العراقي. فعلى الرغم من أنه عاش نصف حياته حتى الآن موزعاً ما بين أسبانيا وألمانيا إلاّ أنه كان يستدير بعينيه إلى تلك البلاد التي قُدِّر لها أن تبقى مشتعلةً مثل كرة من نار لا تُريح ولا تستريح. كان يعود إلى ألواح ذاكرته الكثيفة المتأججة لينهل من معينها الذي لا ينضب أبداً. وإذا توخينا الدقة فإن العراقيين يتمتعون بذاكرة مشتركة لا يحسدون عليها وإن اختلفت التفاصيل وتباينت المكونات أو المعطيات التي تكوّن النواة الحقيقية التي تشكل كل ذاكرة على حدة. وربما يكون نجم والي هو واحد من الكتاب العراقيين القلائل الذين لا يجدون ضيراً في الكشف عن أسرار الذاكرة الفردية والجماعية أو فضح الذات الإنسانية التي تميل إلى التكتم والتستر والإنزواء. من هنا يشعر القارئ بمصداقية نجم والي، ويطمئن إليه، ويمضي معه في رحلة النص الذي يكشف المستور والمحجوب، ويفصح عن المسكوت عنه، ويستنطق المغيّب، ويعيد المحذوف إلى نصابه الصحيح، لتكتمل الصورة، ويمتلئ الفراغ بالدلالة المغيّبة أو المعطّلة عن قصد. لا شك أن نجم والي يشترك مع الكثير من الكتاب العراقيين تحديداً، والعرب والأجانب بعامة، بشروط الكتابة الفنية بشقيها التقليدي والحداثي، ولكنه يتميز على الكثيرين منهم بروحه الفكهة، وأسلوبه التهكمي، وجملته الساخرة، وسرعة البديهة لديه. وربما يكون من المناسب جداً أن أحيلكم إلى قراءة روايته الجديدة الموسومة ب ( تل اللحم ) تلك الرواية الكفيلة بأن تُخرج كل الصارمين والجادين عن طورهم ووقارهم الزائف، وتقذف بهم في فضاء من الأريحية والصدق والمكاشفة مع الذات. أنا فرح بصدور هذه الرواية تحديداً لأن نجم والي يختط لنفسه طريقاً مغايرة فيها الكثير من الاستثناء والتفرد الذي أشار إليه بعض النقاد المنصفين الذين أعربوا عن إعجابهم بروايتيه السابقتين ( الحرب في حي الطرب ) و ( مكان اسمه كميت ) ناهيك عن المكانة المرموقة التي تحتلها مجاميعه القصصية القصيرة ( ليلة ماري الأخيرة ) و ( فالس مع ماتيلدا ) فضلاً عن مجموعته القصصية القصيرة التي كتبها بالألمانية مباشرة وأعني بها ( هنا . . في تلك المدينة البعيدة ). وربما يكون نجم والي هو أحد أبرز الكتاب العراقيين الذين سلطوا الكثير من الضوء على الحياة الاجتماعية الموبوءة التي لوّثها النظام الشمولي المتخلف في الاثنين والثلاثين سنة الأخيرة من عمر العراق. فليس هناك تابو يمنعه، أو مؤسسة دينية تخيفه، أو شرطي تافه يحذره. لقد أجهز نجم والي على كل التابوات دفعة واحدة، بل هو نفسه لم ينجُ من نفسه. )

· هل الكتابة حرفة أم موهبة؟



لابد من الاعتراف أولاً بأن الروائي نجم والي قد زجّ الحضور في خانق ضيّق أربكهم بعض الشيء من خلال عنوان محاضرته المراوغ الذي انضوى تحت صياغة صادمة هي ( الكتابة. . أجمل حرفة في العالم ). فهل الكتابة حرفة حقاً مثلها مثل أية حرفة أخرى، أم أنها موهبة تحتاج إلى رعاية ورفد وقراءة وتجارب حياتية لا حد لها؟ نجم والي يجزم بأنه بدأ الكتابة بعفوية مثلما بدأ بالتدخين. وأن الأمر لا يحتاج إلى تخريجات معقّدة تذهب بنا إلى مسارات الموهبة وما تنطوي عليه من غموض وإشكالات كبيرة. بل أن والي يبسّط الأمر إلى الدرجة التي يتساءل فيها سؤالاً بريئاً وطبيعياً في الوقت ذاته مفاده: ( إذا كان الآخرون يكتبون، فلماذا لا أكتب أنا ؟ ) واستدراكاً لهذا التساؤل نقول: إن من حق أي إنسان أن يكتب، ولكن ما مدى الإبداع الذي تنطوي عليه أية كتابة؟ بل ما هي القيمة الإبداعية لما ينتجه كتاب محترفون قد يكرسون كل حياتهم للكتابة؟ أعني ليس بالضرورة أن يكون كل ما يكتبه كاتب محترف إبداعاً؟ من هنا يبدأ الإشكال. إن هذا التساؤل الطريف والمثير في آنٍ معاً يذكّرني بما قاله الروائي المصري صنع الله إبراهيم بأن ( الكتابة هي صنعة تحتاج إلى إتقان ولا تحتاج إلى موهبة ) وقد أثار هذا الاستنتاج في وقتها جدلاً طويلاً في ذات المكتبة التي تستضيف اليوم نجم والي. ومن الطريف أن صنع الله إبراهيم قد شبّه الكاتب ( بصانع الأحذية الماهر ) وقال: ( لا فرق عندي بين الشخص الذي يجوّد في صناعة الأحذية وبين الكاتب الذي يجوّد في صناعة العمل الأدبي، فكلاهما شغل وصنعة يتطلبان الدقة والإتقان. ) في حين أن نجم والي قد قارن ( الكاتب الذي يشتغل على مادته بالنجار الذي يصنع الكراسي بطريقة أنيقة ) وهو يمضي أبعد من ذلك حينما يقول: ( كل البشر عندهم أيادٍ متشابهة. الأيدي تخدم لكتابة ( الوصايا السبع ) و ( الكوميديا الإلهية ) و ( ألف ليلة وليلة ) ولعزف قطعة موسيقية مثل كونسيرت ( آرانخويز ) ولرسم لوحة مثل ( الموناليزا ) ولنحت تمثال مثل ( العبد العانس ) مثلما تخدم في صنع صواريخ ( العباس ) و ( الحسين ) وصناعة الأسلحة الكيمياوية، والنابالم، والقنبلة الذرية، والقتل بالسكين، وممارسة العادة السرّية. ) إذاً فالروائي نجم والي لا يعتقد بوجود الإلهام كفكرة واضحة المعالم، بل أنه يعتبر الكاتب ( ليس كائناً خارقاً، غير عادي، يضع يده على خده بانتظار مجيء الساحرات ) إنه صاحب عمل لا يختلف عن أي عمل آخر، ولكنه يفرّق بين الصناعة والإبداع من خلال مقولة ( ليس كل ما يصنع إبداعاً، ولكن كل إبداع هو صناعة ). ثمة أفكار أخرى جميلة وصادمة تستحق الوقوف عندها، غير أن المجال لا يتسع لها الآن، آملين أن تناولها لاحقاً بدراسة منفصلة. كما ألتمس عذر الأخوة السائلين ( د الناقد. علي إبراهيم، القاص علي محمد، السيد فريد بطاي، والشاعر طعمة المدحجي الذين أثروا المحاضرة بأسئلتهم القيّمة، لكنها ، مع الأسف الشديد لا تنسجم مع سياق الحوار الذي أجريته مع القاص والروائي نجم والي والذي تمّ على مرحلتين: الأولى في المحاضرة نفسها وهي تشتمل على الأسئلة الثمانية الأولى، والثانية عندما إستكملت الجزء الثاني من الحوار في منزل الفنان الفوتوغرافي باسم العزاوي الذي كان هو الآخر يحاور( نجم والي ) من خلال الرسم بالضوء،أو الاقتناص بالعين الثالثة. ولا غرابة في القول إن ( العزاوي ) قد التقط ل ( لوالي ) 308صورة بكاميرته الرقمية ( الديجيتال ) خلال الحوار الذي امتد لساعات الصباح الأولى قبل أن يسرقنا النعاس إلى أسرّة القلق. وكم كانت دهشتنا كبيرة حينما اكتشفنا أننا قد رحلنا في أغلب طيات عالمه القصصي والروائي وإن جاء التركيز على ( تل اللحم ) فهي الرواية التي أثارت الكثير من ردود الأفعال السلبية والإيجابية. قبل انتصاف النهار كان ( العزاوي ) يراجع بفرح خفي رصيده من الصور الكثيرة التي انتقلت إلى شاشة الكومبيوتر بسرعة الضوء، بينما انهمكتُ أنا في تفريغ الحوار من أشرطة التسجيل لأضعه أمام القارئ الكريم. وفيما يلي الحوار:





· الخروج من الرماد

· تعتمد رواية ( تل اللحم ) على بناء معماري توراتي، فالبداية هي سفر التكوين، والنهاية هي سفر التثنية، فيما تشكل الأسفار الثلاثة الأخرى، سفر الخروج واللاوّيين وسفر العدد المتن الذي يقوم عليه هيكل الرواية. ما المقصود من هذا البناء المعماري؟ وهل ثمة إحالات ميثيولوجية لأسطرة الواقع المعاصرة أو لأسطرة الأحداث المعاصرة يقتضيها النص الروائي شكلاً ومضموناً؟



- أحياناً يجلس المرء ويخطط لإحالات مثيولوجية قبل الشروع بالكتابة. أما أنا حينما كتبت ( تل اللحم ) لم أخطط لأية إحالات مثيولوجية. في البدء قسّمت الرواية إلى فصول. وصادف في الفترة نفسها أنني كنت في زيارة عند أحد الأصدقاء. وكان لديه الكتاب المقدس باللغة العربية. تناولت الكتاب وبدأت أقرأ فيه حتى ساعة متأخرة من الصباح. ووقتها لم أكن أنتهيت من كتابة الرواية، إذ كنت منشغلاً في فصولها الأخيرة. الغريب أنني وجدت أن بدايات ونهايات الفصول في الرواية تتشابه مع بدايات ونهايات الأسفار الخمسة من الكتاب المقدس. إن استيقاظ الشخص في بداية ( تل اللحم ) هو بمثابة الاستيقاظ الذي يشبه بداية تكوين العالم. فما أن يستيقظ هذا الشخص حتى يعي العالم كله. هكذا بدأت أجد حالات متوازية، ليس بالضرورة أن تكون متطابقة، ممكن أن أسحبها، ليس بالمعنى المثيولوجي الديني، إلى النص الروائي. هناك توازي بالحدث والترقب والسر. بالمناسبة، أن الكتاب المقدس، وهذا اكتشاف شخصي وربما يكون عاماً، يُقرأ مثلما تُقرأ الرواية البوليسية التي فيها سر ينكشف في النهاية. إن هذه اللعبة الغامضة أو السر هو الذي يشدك إلى الكتاب المقدس. وبالنسبة لي هو الذي دفعني لاكتشاف هذا التشابه الذي من الأفضل أن نطلق عليه توازي. بعد ذلك بدأت أشتغل على القصة بشكل واع. ومن خلال قراءاتي المتكررة بدأت تتولد عندي الإحالات المثيولوجية. إن عملية الكتابة في ( تل اللحم ) هي عملية غريبة حقاً، إذ بدأت تتشكل شخصيات أخرى لم أكن أفكر بها من قبل، ولكنها ناجمة عن قراءتي للكتاب المقدس، أو متأثرة به إلى حد ما، بوعي أو بدون وعي. ومع الوقت رحت أكتشف أنني ومنذ أكثر عشرين عاماً مشبع بالكثير من قصص العهد القديم، لأنني أعيش وأتحرك وأعمل وسط مجتمع مسيحي، في أوروبا، من غير المهم أنه يطلق على نفسه اليوم ( علماني )، لأن الدين قبل أن يكون ميثولوجيا، هو الطريق التي ينظم فيها مجتمع ما نفسه. والكثير من الطقوس الدينية بقيت على حالها لم تتغير. خذ عطلة يوم الجمعة أو يوم السبت أو يوم الأحد، لكل دين عطلته..الخ من الأشياء. وفي أثناء الكتابة بدأت أتذكر، بل صار عندي خلط بين الذاكرة القديمة وما يحدث الآن. العهد القديم كما تقول العديد من المصادر حُرر بعد النفي البابلي، وأن كتابته كانت استجابة لما تدعوه البنية التاريخية – السياسية – الثقافية – الدينية: مخطط سفر التثنية؛ وهذا يعني، التسلسل التالي: تحالف الرب مع شعبه، كفر هذا الشعب، عقاب الرب له، ثم تضرع الرب، وفي النهاية مغفرة الرب..ألا تتحدث الفصول الخمسة للرواية بالثيمة نفسها؟ مع الفارق أن موسى في العهد القديم بعد أن يقود شعبه للأرض الموعودة يموت ويُدفن ولا يسمح له الله بدخول الأرض الموعودة، أنه شخصية تراجيدية بالفعل؛ بينما مرايا سيد مسلط تخرج من رماد توأمها معالي سيد مسلط، وتقود الراوي إلى خارج المقبرة. إذاً، إذا كان الجانب المثيولوجي موجوداً، فهو موجود كجزء من أجزاء أخرى عديدة، وليس هو العنصر الطاغي المهيمن. فأنا، كما تعرف، أكتب أصلاً ضد هذه الفكرة. نحن عندنا كتاب كثيرون يبدأون من المثيولوجيا كأساس تنبني عليه الشخصيات، في حين أن الميثولوجيا تدخل عندي نتيجة للأرث التاريخي - الثقافي، الشخصي والعام، عند شخوص الرواية، وعندي كراوٍ، لأنني بالتالي جزء من شخصياتي كلها. وهذا فرق كبير.



· الوقود البشري

· ولكن ماذا عن شخصية عسلة اليهودية، ألم تأتِ هي من الميثولوجيا مثلاً، لأنها تحمل الكثير من الملامح الأسطورية؟



- كلا. عسلة اليهودية لم تأتِ من الميثولوجيا. إنها امرأة عرفتها في طفولتي، كانت تدور في أحياء مدينة العمارة، تبيع القماش على النساء. شخصية لطيفة، أحببتها جداً. كانت شخصيتها تثير الفضول، فهي اليهودية الوحيدة التي ظلت في مدينة العمارة، بعد جرائم الهجوم على اليهود وحرق وسلب بيوتهم وطردهم. ربما لذلك السبب تذكرتها، لأن شخصيتها بالنسبة لي، تقترب من الأسطورة. طبعاً في الرواية أخذت شخصيتها أبعاداً أخرى، فأنا لم أكن يوماً معنياً برسم بورتريهات، إنما ما يهمني هو النمط Typus، النموذج، وليس هناك أفضل من شخصية عسلة اليهودية لمساعدتي بالذهاب إلى ما أريده. الصديق قيس قاسم، لاحظ بشكل ملفت للنظر، أن أغلبية النساء في الرواية ضد الحمل، وكأنهن بسلوكهن يقفن موقفاً مضاداً للحرب على طريقتهن، لا يردن تزويد الحرب بالوقود البشري، لأن السلطة في العراق كانت آنذاك تشجع الإنجاب، بل أنها تمنح أوسمة الشجاعة والتقدير للنساء الولودات. عسلة اليهودية بتصنيعها حبوب منع الحمل من طب الأعشاب لقرية بكاملها هي بالتالي شخصية ضد الحرب.









· إسترتيجية القص

· ثمة حكواتيين كثيرين في ( تل اللحم ) وجيهة، معالي، نجمة، إفطيّم بي دي، محمد طالب النقشبندي، أسيد لوتي، عسلة اللاوي، مرايا سيد مسلط، نجم والي. ألا تعتقد أن هناك نوع من التناقض بين البنية الحكواتية والبنية الروائية، أم أنك سعيت إلى تذويب المفهوم الحكواتي أو الصيغة الحكواتية إلى صيغة سردية تتماشى مع البنية الروائية الحديثة التي تعتمد على تداخل الأزمنة والأمكنة والأحداث والشخوص، مثلما تعتمد على الاستعادة الذهنية، والسينارسيت، وقطع الحدث والمعاودة إليه وما إلى ذلك من شروط فنية؟



- أنا أستخدم الصيغة الحكواتية في النص الروائي لأنني أجد فيها الكثير من الحركة والفعالية. هكذا أبدأ بخلطها وتحريكها من جديد ضمن علاقته بالبناء الروائي بشكل عام. كانت جداتنا عندما يحكين لنا قصصاً كنّ يسردنها كل يوم بطريقة مختلفة. أي أن إستراتيجية الحكي أو القص أو الروي كانت تمنح السامع لذة ومتعة كبيرتين. وهذه اللذة ناجمة عن تنويع طريقة الروي واختلافها وعدم ميلها إلى الرتابة والثبات. ونحن في سلوكنا اليومي، عندما نحكي، يختلط في ما نرويه، ما حدث، وما أردنا له أو خططنا له أن يحدث، وما لم يحدث، وما حدث عكس توقعنا، ألا ترى معي كم هو الحكي معقد؟ حتى في الغيبة أو النميمة ننقل الخبر بطريقة مغايرة للأصل. فهناك دائماً راوٍ ينقل الخبر، ومروى له أو متلقي يستلم الخبر، وهناك خبر أو رسالة. لكن التحريف أو التلاعب بالخبر قد يصل إلى درجة لا علاقة لها بالخبر الأصلي. من أجل تجسيد ذلك كله، عليك كراوٍ اللجوء لكل الوسائل الممكنة، أنت مثل من يتقصى الأثر، مثل من يبحث عن المعرفة، من الصعب عليه التوقف بمكان، أو الأقتصاد بالوسائل التي تساعده على الذهاب بعيداً، حيث يعتقد أن عليه أن يذهب. أنا وأقول باعتزاز، حكواتي منذ طفولتي. وكما في الحياة، عليك أن تشد المتلقي عندما تريد منه أن يصغي إليك. أنت عندك معلومة، تريد أن تقولها؛ وكلما كانت طريقتك ممتعة، كلما نجحت بتوصيلها. بالضبط، المتعة بالحكي هي التي جعلتني أكتب رواية بهذا الحجم،( (407صفحة من القطع الكبير.

· الكوميديا السوداء

· في ( تل اللحم ) يقترب الحكي من اللعب، وكأن كل شخص يلعب مجرد دورٍ معينٍ في الحياة عن طريق القص أو الحكي. هل تعمدت ذلك؟



- نعم. فبقدر ما آلمتني كتابة ( تل اللحم )، فإنها وفي أماكن متفرقة أمتعتني جداً. للأسف في الأدب الروائي العربي الحديث ليس هناك ميل ملحوظ للكوميديا السوداء، للعب، باستثناءات قليلة فقط، أنا يعجبني اللعب، وليكن لعب الأطفال القريب من العبث. واللعب في ( تل اللحم ) يكتمل في وجوهه العديدة، عبر سلوك الشخوص أنفسهم. فهنا، يتبادل جميعهم الأدوار. كل واحد منهم يروي قصة الآخر من دون أن يدري. عندما يتحدث الشخص عن نفسه فهو في حقيقة الأمر يتقمص شخصية رجل آخر ويتحدث على هذا الأساس، أي أنه يروي قصة غيرة متذرعاً أنها قصته. لقد تعمدت في هذا الأسلوب الذي نمارسه كثيراً في حياتنا اليومية. وهذه الطريقة بالمناسبة توفر عنصر الشد والجذب والإمتاع.





· الحقيقة الصافية

· ما هي الأسباب التي دعتك لاستخدام الأسماء الصريحة أو المحورة في ( تل اللحم ) هل لثراء هذه الأسماء أو لمقاصصتها في النص الروائي لأسباب شخصية أو سياسية أو فكرية، ولماذا لم تكتبها كما هي فعبد الرزاق الشيخ مخفر يحيلنا إلى حسب الشيخ جعفر، ومثير صفير يحيلنا إلى منير بشير. كيف تفلسف فكرة استخدام الأسماء الصريحة أو المحوّرة قليلاً؟

- استخدام الأسماء هو جزء من رغبتي باللعب، واستفزاز مخيلة القاريء. اعرف أنها لعبة خطرة، وفيها الكثير من المجازفة، لأن هناك من يذهب في التأويل بعيداً، حسب هواه، كما حدث وأن أولّ أحدهم شخصية ( معالي سيد مسلط )، لظنه بأنها ولأنها عاهرة، شخصية سلبية، ولذلك سميتها هكذا، لأنني أردت الإساءة عن طريق هذا الإسم لشخص معين. وينسى أنها أكثر شخصياتي الروائية حزناً، وأنها ليست شخصية سطحية، يمكن تصنيفها بسهولة على طريقة النقد العربي التقليدي، ( شخصية سلبية )، كلا معالي ليست شخصية سيئة السمعة، كما أنها ليست كما يفكر البعض معتمداً على أحكام أخلاقية رجعية مسبقة، ( عاهرة )، سلبية تتقبل ما يفعله الآخرون، على العكس، معالي، امرأة مثلها مثل شخصياتي النسائية الأخرى التي أحبها، شخصية حيوية، فاعلة، وهي من الناحية الأخلاقية، اكثر نبلاً من الذكور الذين ينعتونها بالصفات السيئة. على أية حال ليس من الضروري الإشارة لكل شخصية، ومن تمثل، فذلك ما أتركه للقاريء. انا كما قلت، وأن تأويل كل شخصية أمر خاص بكل قاريء، تفرضه عليه المشاعر التي يملكها أثناء القراءة، الأمر ذاته يحدث لأي عمل فني: لوحة، مسرحية، هندسة معمارية..ألخ، أن اغلب استنتاجتنا، إن لم تكن معظمها تخضع في النهاية للمشاعر، كما كتب باسكال ذات مرة، وكل تأويل ذاتي دائماً، يترك المجال مفتوحاً، لا يفرض ما يُطلق عليه بالـ ( الحقيقة الصافية )، الحكم الواحد المطلق، لأن الحقيقة تُستخلص فقط عبر النقاشات، عبر الآراء المختلفة. ومن الناحية التاريخية من حق الكاتب المنفي، كما هي الحال معي، أن يملك نظرته الخاصة لما دار ويدور هناك في وطنه السابق، وهذه النظرة، هي في الحقيقة مساهمة منه في تشكيل صورة أخرى لتاريخ زماننا الحاضر وللسايكولوجية الاجتماعية التي تأسس ويتأسس عليها، غير الصورة التي سعت وتسعى السلطة لتثبيتها عبر كتبتها وماكنة دعايتها الأيديولوجية. من الصعب على غير المنفي معرفة ذلك، وحتى أولئك القادمين الجدد، سيحتاجون زمناً طويلاً، لكي يتحرروا مما تعلموه هناك، ويفهمون ما أعنيه. لأن المنفي أكثر من غيره، يعرف أن تأرجحه الوجودي، انتشاره الطليق في البرية، يسمح له بالنظر لحرية لكل ما تراه عيناه. كل إسم يتأرجح في التاريخ، أو تتأرجح صورته في التاريخ، وأن الكاتب أو الفنان المنفي سيدافع عن نفسه أكثر من غيره، منذ البداية، ضد تثبيت صورة معينة لما يجب أن يكتبه، أو الحدود التي لا يحق له المساس بها. ولست بحاجة للقول، إلى اية درجة تتنازع الآراء بتقييم شخصيات تاريخية أو حاضرة (أليس جمال عبدالناصر وصدام حسين وصلاح الدين الأيوبي شخصيات مقدسة بعرف آلاف ( المناضلين العرب ). وأعتقد أن أي مجتمع مفتوح ويتوسم الديموقراطية يعترف بحق النظر لكل شخصية تارخية كانت أم معاصرة، بنظرة ذاتية تقيمه بصورة مختلفة. ولتوضيح ذلك أكثر، فأنا يمكنني أن أختلف مع هذا الشخص أو ذاك ( تلك أمور تحدث)، إلا انني لم ولا أفكر اثناء الكتابة الروائية بالإنتقام ( أدبياً ) من هذا الشخص أو ذاك (أو أتصل بأحد تلفونياً وأهدده بالقتل، أو أرسل له اشخاصاً يلقونه درساً أو أشي به للسلطات). وبقدر تعلق الأمر ببعض الشخوص في ( تل اللحم )، فإن الأمر يدور حول حيوات تتقاطع مصيرها هناك، شخوص ذوو ملامح محددة، ومن غير المهم الأسم الذي تحمله، فأنا لا أرسم بورتريهاً لهذا الشخص ( بالذات ) أو( ذاك )، إنما يتعلق الأمر بأنماط، تمر بأوضاع تراجيدية، والقاريء هو الذي سيحكم، فيما إذا كان الأمر يتعلق بإنسان حي بعينه، يعرفه، أو يتعلق الأمر أكثر بنموذج يحمله على التفكير أبعد من ذلك، على تشكيل شخصية أخرى، اكثر نموذجية، يمكن أن يلتقي بها بجواره، في المقهى، في مكان العمل، في الشارع..ألخ، كان بإمكاني طبعاً أن أكتب في مقدمة الرواية ( إذا حدث أي تشابه بين الأسماء في الرواية وأسماء في الواقع فأنه من محض الصدفة أو الخيال ) وهذا التقليد نراه ليس في الروايات فقط، وإنما في الأفلام السينمائية التي تنفي علاقة هذه الأسماء بالواقع خوفاً من هذه المشاكل. لكني لم أفعل، وإذا فعلت ذلك في المستقبل، فسأكتب: ( أي تشابه بين الشخصيات وشخصية في الواقع ليس محض صدفة ). ربما ما أقوله يصدم البعض، لكن من الأفضل قول ما يجب أن يُقال بهذه الطريقة المكشوفة. ففي النهاية، أن ما يصدم، يوقظ ما هو مكبوت عند المتلقي، فكرياً وحسياً وجمالياً، سلباً، في حالة رفضه لما يُكشف، لما هو غير مألوف بالنسبة إليه، ولتشبث الذات بالتابوات التي صنعتها لنفسها واستبطنتها من مجتمع ينتج محرماته؛ وإيجابياً، عندما تُفهم الصدمة، كتحطيم لكل تابو، لكل صنم، أو كما هي الحالة العراقية بصورة خاصة، كإشارة نذير ضد السباحة مع التيار، التي نعرف إلى اين قادتنا: إلى القتل والدمار وإغتصاب النساء، إلى تهجير آلاف العوائل ( الفيّلية )، وإلى معسكرات الإبادة للأكراد، إلى إعتقال آلاف المعارضين وقتلهم وإلى نفي وهجرة الملايين إلى الخارج..و…إلى حربين طويلتين، ناهيك عن الحروب القادمة الأخرى التي ما زالت تنتظر بقية العراقيين الذين ما زالوا على قيد الحياة أو أولئك الذين سيولدون بعد في بلاد وادي الانتظارين.



· ثنائية الظهور الاختفاء

· هناك بعض الشخصيات تتكرر في أكثر من نص روائي مثل ملهم الذي يتكرر في رواية ( الحرب في حي الطرب ) و ( تل اللحم ) وماجدة عبد الحميد تتكرر في رواية ( مكان أسمه كميت ) و ( تل اللحم ) وفي بعض مجاميعك القصصية . هل هناك ضرورة فنية تستدعي هذا التكرار أم أنك تحاول ترسيخ بعض الشخصيات المحببة لديك في ذاكرة القراء؟

- تتكرر شخصية ملهم لسبب بسيط وهو ذكرى لصديق عزيز عليّ، أو عربون صداقة لشخص أحبه وأحترم صداقته. وهناك شخصيات أخرى ( واقعية ) تخرج عن جانبها الواقعي لتصل حد الأسطرة ثم تصبح شخصية روائية ضمن اللعبة الفنية المتقنة. لقد أحببت شخصية ملهم لأنها شخصية سرّية وغامضة. فهو يظهر في كل الأعمال مثل أفلام هتيشكوك ويختفي، ولكن هذا الدور الصغير الذي يناط به هو دور مؤثر. وهذا الجانب ربما مأخوذ من السينما أو من هتيشكوك تحديداً. إن عملية ظهور واختفاء ملهم هي شبه استفزاز أدبي. ترى هل يظهر بشكل مقنع فعلاً ويختفي بشكل أكثر إقناعاً. هو على الصعيد الواقعي شخصية غائبة لأنه ما يزال أسيراً في إيران. بالمناسبة أن خالة ملهم هي الشاعرة نازك الملائكة، وأن علاقتي به، تعود إلى سنوات الدراسة في كلية الآداب – قسم اللغات الأوروبية. هناك الكثير من التفاصيل الصغيرة، ويكذب أي روائي إذا يقول إنني لا أستخدم هذه التفاصيل التي هي جزء مهم من مخزون الكاتب. ولكن الشيء المهم هو كيفية استخدام هذه التفاصيل. ثمة كتاب ينقلون الواقع بشكل فوتوغرافي، يرسمون بورتريهات، بينما هناك كتاب، أستطيع وضع نفسي بينهم، يأخذون الناس كأنماط في سلوك معين. وهنا يأخذ العمل الروائي طابعاً آخر، إذ تخضع الشخصيةإلى تطور درامي، تمر بمصائب، وتناقضات، ومحن، وتقاطع مصائر. شخصيات مثل ملهم وماجدة عبد الحميد ومعالي هي في النهاية شخصيات روائية بالفعل، وإن عرفتها ذات يوم. فعلى الرغم من أن ملهم هو ليس شخصية رئيسية مثل ماجدة عبد الحميد أو معالي ولكنه ليس شخصية ثانوية أيضاً، ولا أستطيع التكهن فيما إذا سيظهر في رواية أخرى أم لا. بالمناسبة أن ظهوره في القصص والروايات يأتي عفوياً ومن دون تخطيط مسبق. ففي ( تل اللحم ) يظهر بشكل عجيب، بل أن الرواية نفسها تُختتم بجمل مستعارة من ملهم. أعتقد أن هذا الظهور والاختفاء له علاقة بأعماقي ودواخلي، وربما هو أيضاً تحية وفاء لصديق عزيز.



· نفس الشيء فعلته مع زوجتك، الممثلة والمغنية انعام، فأنت ذكرتها مرتين في سياق تذكر أغنية رافائل البيرتي ( ضلت طريقها الحمامة). أليس كذلك؟



- نعم…تلك كانت من أجمل لحظات كتابة الرواية، أن أتذكر المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء في حياتي، وكأن إهداء الرواية لها لا يكفي..وسأبوح لك بسر..لولا وجود إنعام، ومعرفتي أنها هنا، تحيطني مثل الهواء، وتتابع كل سطر أكتبه، لما استطعت كتابة ( تل اللحم ) ولما كنت مواظباً على الكتابة.



· قدرة التخيّيل

· تركز كثيراً في أعمالك الروائية والقصصية على الجانب الحسي أو الإيروتيكي، وهذا ليس عيباً أو قصوراً، ولكن ألا تعتقد أن هذا الإفراط الحسي قد يغيّب الجانب التخييلي لدى الكاتب أو يحد من حضوره في الأقل؟



- لماذا يحد الإغراق في الجانب الحسي من خيال الكاتب؟ أنا أقول، نحن لا نأتي إلى الواقع من المخيلة، إنما العكس. وحتى عندما تقلعنا المخيلة من الحسي والواقعي، كما أشرت انت في التقديم، فإننا نحلق وأرجلنا ما تزال تلامس الأرض، ولو بأطرافها. ألا نختلف عن بعض عندما نصف شيئاً واحداً؟. لأن كل واحد سيصف الشيء من الزاوية التي يراه فيها. هكذا هو الوصف الحسي أيضاً، من غير المهم كيف يصفه الكاتب، يظل جانب منه غير مكتشف، الجانب الذي له له علاقة بالجانب الذي تكشفه أنت، بالجانب الذي يرتبط بكل كمتلقي. وكما تعرف فأنا أنتبه إلى الأمور الصغيرة التي يهملها البعض، لأنها باعتقاده صغيرة. إن الاهتمام بهذه الجوانب الصغيرة صار جزءاً من حرفتي، وهي لها علاقة بالجانب الحسي، فضلاً عن أنها تفجّر قدرة التخييل عند المتلقي.



· حارس مدرسة

· ما هي الأسباب التي دفعتك للصمت قرابة ثماني سنوات؟ هل جاء الصمت نتيجة ظروف شخصية أم هو ناتج عن أسباب موضوعية؟



- للسكوت سببان. السبب الذي في العراق هو غير السبب خارج العراق. في فترة السبعينات، بعد الجبهة الوطنية كانت هناك حالة من الانفراج النسبي امتدت من عام 1973إلى1977 ثم بدأت الملاحقات تشتد بعد تلك الفترة وتفاقمت في 30 آذار عام 1978 بإعدام (31) مواطناً متهماً بالانتماء إلى الحزب الشيوعي، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل سواء أكانوا شيوعيين أو غير شيوعيين. وحتى لو كانوا شيوعيين أصلاً فإن هذا لا يبرر إعدامهم على الإطلاق. فالإعدام عقوبة مرفوضة وغير إنسانية بتاتاً، ولكنها على أية حال تجسد سلوك السلطة المرعب فقد أعدمت في عام 1969 عدداً من المواطنين العراقيين اليهود بحجة أنهم جواسيس. في فترة الرعب التي سيطرت عام 1978 كنت طالباً في الجامعة في السنة الدراسية الرابعة، وكانت آخر قصة كتبتها هي ( طقوس مسائية ). وكان لدي بعض الأصدقاء المقربين وبالذات ملهم الذي كان يسكن في حي البلديات. بالمناسبة لم يكن ملهم شخصاً معارضاً، ولكنه كان ينطوي على خصوصية نادرة. كنا نقوم ببعض النزهات أو السفرات القريبة في ضواحي بغداد، أو ننظم جلسات سهر بسيطة هنا وهناك. وعندما كتبت هذه القصة قلت لأحد أصدقائي ستكون هذه آخر قصة أكتبها وبعدها أتوقف عن الكتابة من دون أن أدري هل سأغادر العراق أم لا. قبل هذا التاريخ كنت قد سافرت إلى باريس عام 1976، وبقيت في باريس لمدة شهرين، ولكنني عدت لأسباب مالية، إذ غادرت العراق وقتها وكان معي (60) دولاراً فقط! كنت واهماً من أنني أستطيع أن أواصل حياتي في باريس بهذا المبلغ البسيط. كان عمري (20) سنة. وعندما كتبت ( طقوس مسائية ) في شهر آذار ( مارس ) عام 1978 . وكنت أعرف أنني سأساق إلى الخدمة العسكرية في الشهر الثامن، عرفت أن حبل الأنشوطة سوف يلتف حول عنقي. لأنه في الجيش من الممكن أن تقودك أبسط تهمة إلى حتفك، أن تفضي بك إلى الإعدام. هذا هو أحد أسباب الصمت في داخل العراق. وربما يكون نوعاً من الاحتجاج الداخلي ضد النظام القمعي. أنا أعتقد أن من يعيش في بلد ديكتاتوري ويخضع لضغط شديد عليه أما أن يصمت أو أن يغادر، فليس بالضرورة أن يكون الإنسان كاتباً. أنا عندما أتحدث عن حرفة الكتابة لا أعتبرها شيئاً إلهياً، ولا أعتبرها سبباً لضياعي الشخصي، ولكن عندما أكتب، عليّ أن احترم هذه المهنة، ألا أساوم، لا في الكتابة ولا في السلوك. وإذا وصلت المسألة لحد المساومة فعليّ أن أختار مهنة أخرى. والدليل على ذلك، أنني اشتغلت في العراق حارس مدرسة، بعد طردي من العمل في القسم الثقافي بإذاعة بغداد، ومن مجلة الإذاعة والتلفزيون، والسبب ليس عدم كفاءتي وإنما لأنني رفضت الإنتماء للحزب الحاكم. لا أريد أن أسرد هنا قصة حياتي كلها، فربما هناك بعض الأسماء التي لا يعجبها تذكيرها بأدوارها. على أية حال كانت فترة ما بعد منتصف السبعينات هي فترة تطهير الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات من العاملين من غير البعثيين. آنذاك قررت مزاولة أية مهنة ممكنة. ربما كانت فكرة عبثية أو وجودية. وبالفعل ذهبنا إلى مكتب العمل الكائن قرب مجلة ( ألف باء ) وقدمنا أوراقنا فحصلنا جميعاً على مهنة ( حارس ). كنا مجموعة طريفة من طلاب الجامعة. وكان من نصيبي أن أكون حارساً في حي القشلة في شارع الكفاح. لاحقاً تحولت المدرسة إلى مأوى للفارين من الخدمة العسكرية، للمطاردين أو المطلوبين من السلطة. وأود أن أذكر في هذا السياق، بأنني عدا ذلك، كنت مقلاً في النشر لسبب بسيط هو أن ما كنت أكتبه لا يجد مكاناً للنشر في الصحف والمجلات العراقية. كانت كتاباتي تمس المحرمات الثلاثة ( الدين والجنس والسياسة ) وأنت تعرف خطورة من يمس المحرمات الثلاثة إذا كان جنديا في الجيش أو خارجه. وحتى مجلة ( الأديب المعاصر ) التي ربما هي الدورية الوحيدة التي كان يمكن للكاتب العراقي المستقل أن ينشر فيها لأن هيأة تحريرها مختلفة الاتجاهات والمشارب السياسية، لم أستطع النشر فيها بسهولة، ففي المرة الأولى رُفضت قصة لي من قبل أحد هيأة تحرير المجلة، ناقداً كان في ذلك الوقت شيوعياً، يعيش الآن في الخارج، لأن القصة، التي كان أسمها ( صهيل بشري )، حسب ما جاء في تعليقه، تدعو لعقم البروليتاريا، تخيل أي هراء!!، وفي المرة الثانية لحسن الحظ وقعت قصة ( طقوس مسائية )، في يد الروائي فؤاد التكرلي، الذي كان في هيأة تحرير المجلة أيضاً، فأعجبته وقرر نشرها مباشرة. كانت القصة الوحيدة التي نشرتها في الأديب المعاصر، والقصة الأخيرة التي كتبتها في العراق، ولم أكتب بعدها إلا ( الحرب في حي الطرب).



· هل تتذكر القصة؟



- نعم. كانت شبه صرخة واحتجاج. رويت فيها قصة فتاة جاءت من الجنوب، وتعيش أحزانها الشخصية الغامضة، وهذه الظروف مشابهة للظروف التي عشتها أنا، كان عندها حنين لشيء غامض. وقد اخترت طالبتين من كلية التربية، وكانت هذه الكلية مغلقة في تلك السنوات. كانت هاتان الطالبتان تدرسان في قسم البايلوجي. تبقران بطون العصافير وتحنطنها. وعندما تتابع ما تقومان به، تشعر بالحزن، تتذكر أخاها الذي يرجع من حرب الشمال أو حرب كردستان، التي لا يأتي على ذكرها أحد في الأدب العراقي. أنا تكلمت عنها في الأديب المعاصر. ثم أُغلقت الأديب المعاصر ليس بسبب قصتي، وعادت بعد فترة بثوب جديد. وبعدها تقوضت الجبهة الوطنية، وحدث ما حدث. عندما كنت في الجيش كنت أسعى قدر الإمكان ألا يعرف أحد من الجنود أو الضباط أنني كاتب ولي علاقة بالأدب. هكذا واظبت على صمتي. ومع أنني لزمت الصمت إلا أنني لم أنجُ بنفسي من تحرشات الآخرين. فذات يوم شاهدني سامي مهدي في اتحاد الأدباء، وهو طبعاً كان يرفض أن ينشر لي أية قصة في مجلة ( الأقلام ) التي كان يرأس تحريرها. فعندما عرف أني أصبحت جندياً قال لي، أعطني قصة من قصصك لكي أنشرها في ( الأقلام ) فأنت قاص جيد. أنا متأكد أنه كان يكذب، وهو لا يعتبرني قاصاً جيداً، ولا يريد أن ينشر لي أي مادة. وأنا لست بحاجة للحصول على شهادة منه، لأن شخصاً مثله لن ينتج غير الشر، وإذا مدحك عليك أن تراجع نفسك، وألا تنام، حتى تجد الخطأ الذي ارتكبته وحمله على مدحك. فقلت له أنا كتبت قصة أو قصتين ولا أعتبر نفسي قاصاً محترفاً. قال، كلا، أنت لديك موقف من النشر. أما في الخارج فلصمتي أسباب أخرى. في عام 1980 عندما غادرت العراق اتجهت لدراسة الأدب الألماني مباشرة. وفي أثناء الدراسة أصابتني حالة ذهول. فثمة فرق كبير بين الأدب الذي كنا نعرفه هناك وبين الأدب الذي أدرسه بلغته الأصلية، وبالذات أدب المنفى الألماني. وبالمقارنة بما كُتب شعرت وقتها أنني لا أمتلك تجربة بذلك الحجم لكي أكتبها أو شيئاً مهماً ينبغي أن أقوله. وهذه طبعاً قناعة شخصية. وكنت أردد مع نفسي إذا كان عليّ أن أقدّم شيئاً فينبغي أن أقدم شيئاً ذا قيمة. لذلك أصررت على تعلّم اللغة الألمانية وإتقانها أولاً، والتعمق في قراءة الأدب الألماني. فعلاً صمتُّ لفترة طويلة حتى جاءت ( الحرب في حي الطرب ) كانت أول رواية تحكي عن الحرب من وجهة نظر أخرى مغايرة لما كان يكتبه الأدباء العراقيون في الداخل. كتبت الرواية ببساطة وعفوية، ولم أتوقع النجاح الذي لاقته، وهي ما تزال تُقرأ بتلهف، من غير المهم هجوم البعض عليها، والذين للمفارقة مدحوها في مناسبات أخرى. وبالمناسبة من أطرف المواقف الطريفة التي تبين الوضع الكوميدي للحالة الثقافية العامة، هي أن أحد النقاد مدح الرواية في صحيفة ( الوفاق ) باسم مستعار وشتمها باسمه الصريح في صحيفة أخرى! على أية حال تلك هي الأسباب التي جعلتني أصمت لمدة سبع سنوات في داخل العراق وخارجه. وكما أسلفت إذا استدعت الحالة أن تصمت فأصمت أفضل بكثير من أن تكتب أطناناً من الكذب تمرره على نفسك وعلى الآخرين.



· هل صحيح ما يُشاع عنك، بأنك كنت تكتب قصصاً جنسية للجنود؟



- نعم، كانت فترة حرجة في حياتي. في ذلك الوقت حدثت لي مشاكل مادية. فخطرت في ذهني فكرة كتابة قصص جنسية للجنود مقابل مبلغ من المال. قد تكون فكرة عبثية وفيها شيء من الطيش والتهور، لكنها في الوقت ذاته كانت ممتعة وجميلة يسرت لي فرص العيش في بحبوحة.



· الرومانسية الثورية

· هل لك أن تتحدث لنا عن طبيعة علاقتك بالأدب الإسباني. وما هي الأسباب والمعطيات التي دفعتك لتعلم اللغة الإسبانية ودراسة الأدب الإسباني؟



- عندما أنهيت دراستي للأدب الألماني عام 1986 فكرت بتعلم اللغة الإسبانية وهو في الحقيقة حلم قديم أن نقرأ بعض الكتب بلغاتها الأصلية كأن نقرأ غارسيا لوركا بالإسبانية ورامبو بالفرنسية، فضلاً عن تأثيرات أخرى فعندما كنا شباباً كنا نحلم بالسفر إلى باريس أولاً، ثم تأتي مدريد ثانياً فقد كنا نتذكر الرومانسية الثورية التي أثارتها بنا فكرة التطوع في الكتائب الأممية لنصرة الجمهوريين في الحرب الأهلية الأسبانية ومقتل لوركا الغامض. إضافة إلى ترجمة بعض الكتب إلى العربية مثل ( مائة عام من العزلة ) الرواية التي أشبهها بالكوميديا الإلهية التي أخرجت اللغة الإيطالية عن إطار اللاتينية. أعتقد أن ( مائة عام من العزلة ) جعلت اللغة الإسبانية يُنظر إليها بمنظار آخر. وهذه هي عبقرية بعض الكتب المهمة في التاريخ. كنت أريد في حقيقة الأمر أن أتعلم اللغة الفرنسية لكن كل محاولاتي كانت تبوء بالفشل. في العام 1986 كنت منشغلاً بأطروحة الماجستير في الأدب الألماني، وكانت عندي صديقة ألمانية تركتني وسافرت إلى إسبانيا لكي تتعلم اللغة الإسبانية. كنت وقتها متضايقاً من الامتحانات فذهبت إلى مكتبة مجاورة واشتريت كتاباً لنيرودا ( عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة ) وكان الكتاب باللغتين الألمانية والإسبانية. أعجبتني القصائد جداً، وكنت أقرأها أول مرة وهي من ترجمة محمود صبح، وكأنها اكتشاف جديد، رغم تاريخ الترجمة البعيد، وذلك يعود على ما أعتقد إلى أن علاقتي في تلك الفترة بما كان يُنشر باللغة العربية كانت ضعيفة جداً، لا تنسى أن التواجد الصحفي والإعلامي العربي كان منحسراً في أروربا، وليس كما هو عليه الآن. بل أن الأدباء العراقيين والعرب كانوا معدودين. حسناً، قلت في نفسي أن هذه القصائد جميلة وربما تكون أجمل لو اقرأها بالنص الأصلي. في نفس اليوم، ذهبت إلى مطعم الجامعة، ومعي الكتاب. وبالصدفة التقيت هناك بفتاة أعرفها منذ الفصل الدراسي الأول، وكان بيننا نوع من الود والصداقة. ودار حديث حار بيننا. سألتها عن سر هذه الغيبة قالت أنها تدرس اللغة الإسبانية في مدينة ( ملقا ). وحينما سألتني عن مشاريعي المستقبلية، تذكرت الكتاب وقصائد نيرودا، فقلت لها أريد أن أتعلم اللغة الإسبانية. طبعاً كانت هي منزعجة من ( ملقا ) فقالت إياك أن تذهب إلى ( ملقا ) فقلت لها كلا، أنا أفكر إما بغرناطة أو مدريد. تساءلت وعلى ماذا سيعتمد قراري، فقلت لها سيعتمد على أين سأجد غرفة للإيجار. في تلك اللحظة تدخلت فتاة كانت تتناول وجبة غداءها بجانبنا فقالت أنا عندي لك غرفة في مدريد. اكتشفت أنها اسبانية متزوجة من ألماني ولها صديقة في مدريد تؤجر غرفاً للطلاب. طلبت مني الفتاة النهوض مباشرة، والاتصال بصديقتها من كابينة تلفون قريبة. كل شيء جرى بسرعة، هكذا ذهبت إلى مدريد لكي أدرس كورس لغة لمدة ثلاثة أشهر، لكن هذا الكورس امتد لمدة ثلاث سنوات. تعلمت اللغة الإسبانية بسرعة لأن الناس هناك، الإسبان لطفاء، انهم مثل سكان البحر المتوسط الباقين، يقيمون علاقات اجتماعية سريعة، ثرثارون خلافاً لسكان شمال أوروبا. رجعت إلى ألمانيا وأكملت الماجستير بزمن قياسي كي أعود إلى إسبانيا ثانية. في إسبانيا تعمقت علاقتي بالأدب الإسباني وأدب أميركا اللاتينية، وبالذات الأدب الإسباني الحديث الذي كُتب بعد مرحلة التحول الديمقراطي. وهو أدب مهم لم يُترجم إلى العربية مع الأسف لأن الكتب التي تترجم عندنا هي فقط الكتب الأكثر مبيعاً. إن الذي يعرف اللغة الأصلية تتاح له فرصة عظيمة للتعرف على الثقافة الإسبانية. ففي اللغة الإسبانية تنتج يومياً عشرات الروايات والكتب المهمة. إن الجملة الروائية أو القصصية التي أكتبها تحمل مؤثرات هذه الثقافة الكبيرة. لقد تغيرت حتى رؤيتي وطريقة تفكيري في الحياة. المتعة أيضاً لا تكمن في الأدب فقط وإنما هناك أدباء أسبان أو من أمريكا اللاتينية يكتبون أعمدة جميلة في الصحف والمجلات. أعمدة لاذعة وفكهة لها علاقة بالحياة، ليس مثل الأعمدة الجافة والمكرورة والإنشائية التي تُكتب في صحافتنا العربية.



· طفولة متخيلة

· في رواية ( مكان اسمه كميت ) تصف تفاصيل المكان وكأنك عشت فيه لفترة زمنية طويلة. هل لك أن تتحدث لنا عن الضرورة الفنية في توظيفك لهذه التفاصيل المكانية الدقيقة في النص الروائي؟ وهل سيكتب نجم والي عملاً عن مدينة طفولته؟*



- أتذكر ( كميت ) وأنا طفل صغير. كانت جدة أبي ( ماتنراد ) تعيش هناك حتى وفاتها. لقد رفضت أن تعيش مع أحد أبنائها أو بناتها، إذ وجدت من المناسب أن تعيل نفسها بنفسها. وكل النساء في عائلتي من جهة أبي كنّ قويات، يشتغلن ، ويعتمدن على أنفسهنّ في الحياة. فـ ( ماتنراد ) مثلاً، كانت تصنع من سعف النخيل أشياء كثيرة، وكانت تخيط العباءات. ما أزال أتذكر بيتها، وقد وصفته الرواية بدقة. كانت علاقتي بها حميمة جداً، وعندما ماتت كان عمري سبع سنوات. لذلك أتذكرها جيداً. لم يكن ( كميت ) يعنيني كمكان بتفاصيله، بل أن ما يعنيني فيه هو الحرية التي يمنحني إياها بوصفه نموذجاً لفضاء صغير، مهمل، مثله مثل الفضاءات الأخرى المهملة في العراق والموزعة بين المجتمع الريفي والمجتمع المديني. أنا أنظر إلى المجتمع العراقي كله كمجتمع ريفي على الرغم من أن جزءاً كبيراً منه يسكن في المدينة. لذلك أنا لا تعنيني بغداد كثيراً، لأنني كما قلت لا أصف المكان كبورتريه وإنما كنمط. أنا لم أكتب حتى الآن عن أماكن طفولتي الموزعة بين العمارة والبصرة، لكنني كتبت مجموعة قصصية عن البصرة لأنها مدينة متخيلة أكثر منها مدينة واقعية. وربما يصح القول أنني وزعت طفولتي في كل المدن الصغيرة التي كتبت عنها. أنا أظن أيضاً أنني سأظل أحمل مدينة طفولتي ( المتخيلة ) طوال حياتي، وستجد ملامح منها في هذا المكان أو ذاك. من جهة أخرى أنا أشبه الكتابة عن مدينة الطفولة بمثل ذلك الذي يستلم رسالة حب ولا يريد أن يفتحها لكي لا ينتهي منها، أو يقرأ كل مرة جزءاً بسيطاً منها. هل يمكنك تصور المخيلة التي تثيرها عندنا هكذا رسالة؟. الشيء ذاته يحدث مع مدينة الطفولة. وأنها لمفارقة تستحق الدراسة، هي أن معظم الأدباء والفنانين كرسوا عملاً إبداعياً واحداً لمدن طفولتهم، لكنهم أنجزوه عند اقترابهم من الموت. أتذكر فلليني الذي ظل يحمل مدينته رميني طوال حياته وفي كل أفلامه، حتى آخر فيلم أخرجه قبل أن يموت. ربما أكتب عن العمارة ذات يوم. أنا أعرف أن المدينة التي غادرتها تبقى مثل وهم لم أنتهِ منه، وحينما أضعه على الورق ينتهي ويتلاشى تماماً.

· صوت المهمشين

· في رواية( الحرب في حي الطرب ) تميل إلى تعرية الشخصيات المهمشة، المأزومة، المتوترة التي نبذها المجتمع، علماً بأن هذه الشخصيات تحمل بين طياتها ثراءً غريباً تمثل من خلاله وجدان الأمة أو المجتمع العراقي. ما الذي دعاك إلى تبني هذه الشخصيات المهمشة، والكشف عن مكنونها السري؟



- أعتقد أن المهمشين هم أساس كل مجتمع، وهم مقياس نجاح أي مجتمع ديمقراطي. ربما جاءت علاقتي مع المهمشين من وضعنا نحن الكتاب والفنانين العراقيين أو العرب. فنحن مهمشمون بشكل تعيس. فالذي يريد أن يدرس المسرح هو بالنسبة إلى أهله ليس أكثر من ( كاولي )، والذي يريد أن يغني لا قيمة اجتماعية له. فحتى المطربين المؤسسين أمثال داخل حسن و حضيري أبو عزيز هم أناس مهمشين غير أن ثراءهم الداخلي وإحساسهم بالحرية هو الذي وفر لهم سعادتهم الداخلية وجعلهم يبدعون. لذلك كان هؤلاء الناس يثيرون انتباهي. في مدننا كان هناك مجانين كنا نرميهم بالحجارة، بينما كانت الأساطير التي تنسج حول بعضهم تؤكد بأنهم إما كانوا فطاحل في الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء، أو أن بعضهم كان عاشقاً ولهاناً ولا يريد أن يتزوج بغير المرأة التي أحبها. إذاً هذه الشخصيات نموذجية وقد اتخذت قراراً واعياً في حياتها تُحترم عليه. في حين ينظر لهم المجتمع على أنهم أناس منحطون وفي الحضيض.. أنا عندما أكتب عن المهمشين أحاول أن أصدم القارئ وأقول له أن هذه الشخصيات التي ينظر لها المجتمع على أنها منحطة مثل العاهرة التي يتصورونها تعيش في الدرك الأسفل، هي أكثر صدقاً ونبلاً وشرفاً من المتسلقين، من الانتهازيين، من كل أولئك الذين يتهمونها بالسقوط؛ أنها صادقة مع نفسها، وتحترم مهنتها، ولا تشعر بالذنب عندما تمارس عملها اليومي، في حين أن الشخص الذي يذهب لها، الشخص الذي يخون زوجته سراً ويدعي النبل هو شخص منحط وغير صريح ولا يحترم زوجته أو عائلته. وأنه بكل بساطه يكذب على نفسه وعلى زوجته وعائلته. أن نسبة الرجال المتزوجين الذين يذهبون إلى بيوت الدعارة تتجاوز %90 من الزبائن المدمنين على الدعارة وهذا يعني أنهم يسمحون لأنفسهم بممارسة الخيانة الزوجية، بينما يقلبون الدنيا عاليها سافلها إذا اكتشفوا أن زوجاتهم يمارسن المثل أيضاً. وهذا الجانب أسميه باللاعدالة. وفي النهاية أنا أعتبر نفسي منتمياً إلى المهمشين الذين يعيشون في القاع، بل أنني صوتهم الأدبي والإنساني الصادق.



· جيل الخرئب

· درست الأدب الألماني لمدة سبع سنوات، وتعمقت في قراءة أبرز نماذجه الإبداعية. هل تستطيع أن تؤشر لنا الأعمال الأدبية التي أثارت انتباهك، وخلفت بصماتها عليك؟ وما هي الأصوات الأدبية المهمة التي زلزلت تفكيرك وذائقتك وأثرت عليك في كتاباتك اللاحقة؟

- إن تجربة الأدب الألماني هي تجربة غنية جداً. وأنا أول مرة أقرأ أدباً بلغته الأصلية. وقبل ذلك كنا ونحن شباب نقرأ هذا الأدب مترجماً في العراق. عندما قرأت كافكا بلغته الأصلية كانت بالنسبة لي متعة لا تصدق. فمهما أقول عن عظمة الترجمة، ودور المترجم كوسيط ثقافي يقوم بمهمة إبداعية عظيمة، إلا أن قراءة النص بلغته الأصلية تشكل متعة أكبر. هناك أعمال كثيرة لكافكا غير مترجمة إلى العربية قرأتها باللغة الألمانية وتأثرت بها. وهناك كتاب آخرون لا يمكن حصرهم لم تترجم أعمالهم إلى العربية، أكتشفتهم للمرة الأولى، مثل راينر ماريا لينتز الذي كتبت أطروحة الماجستير في الأدب الألماني عن مسرحياته ، وجورج بوشنير، صاحب مسرحيات عديدة وكبيرة، منها مسرحية ( موت دانتون ) ومسرحية ( فويتزك ) المشهورة، التي بالمناسبة سرق مخرج عراقي معروف نصها المترجم من مجلة ( الحياة المسرحية ) الصادرة في القاهرة في العام 1954ونشرها بكتاب باسمه تحت عنوان ( مندلي ). بالإضافة إلى ذلك درست ما كتبه ( جيل الخرائب )، جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذين تحمل تجربتهم من الناحية الشكلية شبهاً بتجربة الكتّاب العراقيين، منهم فولفغانغ بورشيرت، التي تعكف زوجتي إنعام على ترجمة أعماله، لأنها ايضاً تحب ما يكتبه حد البكاء. هناك أيضاً هاينرش بول الذي كنت أجد في قراءة أعماله لذة كبيرة. وبالمناسبة فإن معظم أعمال بول تدور عن الحرب، لأنه كان جندياً في شبابه في الحرب العالمية الثانية. أما بالنسبة لغونتر غراس فلم أقرأ أعماله جميعاً. فضلاً عن ذلك فقد اهتممت بدراسة أدب المنفى الألماني،والسبب لأن معظم الأدب الألماني الحديث نشأ في المنفى. قرأت كل مدرسة بريشت المسرحية التي تبلورت في داخل ألمانيا، وهذا هو الذي شجعني أن أنظر لدراستي وكأنني أتهيأ لمشروع أريد أن أنجزه في المستقبل. ترى هل يمكننا نحن المنفيين العراقيين أن ننشئ أدب منفى بهذا المستوى؟ أثر عليّ أريك ريمارك ( كل شيء هاديء في الميدان الغربي )، ( للحب وقت وللحرب وقت ) لأن ريمارك على مستوى السلوك أو الكتابة هو شخصية رائعة جداً. في رواياته يتكلم الجنود بلغة مباشرة غير متكلفة. هذه اللغة السوقية المباشرة حينما تترجم إلى الفصحى تفقد روحها. لذلك تجد في روايتي ( الحرب في حي الطرب ) لغة وسطاً بين الفصحى والعامية. لدى ريمارك تجد لغة عفوية تعطيك الصورة الحقيقية للجندي والسائق أو أي إنسان بسيط تستطيع أن تستشف من خلال كلامه مستواه الاجتماعي والطبقي وحدود تفكيره. إن الحوار دائماً يكون على مستويين، مستوى أفقي ومستوى عمودي. وغالباً ما يكشف المستوى العمودي عن عمق الشخصية. أما المستوى الأفقي فهو ينقل مستوى واقعي غير مبالغ فيه. فالحوار ينبغي أن يعرّف الشخصية، أي أن الشخصيات يجب ألا تكون بمستوى واحد. فمن غير المعقول أن يتحدث الجندي والفنان والبروفيسور والعاهرة والقاضي بلغة واحدة ومستوى واحد. لقد انتبهت لهذه الظاهرة من خلال قراءتي للأدب العالمي، وخاصة الأدب الألماني، رغم أن الفارق في اللغة الألمانية بين العامية والفصحى قليل. ومع ذلك فهناك مصطلحات عامية تستخدم في الحياة اليومية أو في الشارع. بعض الأدباء المبدعين ينقلون هذه المصطلحات إلى الأعمال الأدبية ويضعونها في سياقها الصحيح. هذا الأسلوب نفتقده نحن في الأدب العربي، بينما حاولت أنا أن أعمقه أثناء دراستي للأدب الألماني والإسباني. ثمة كاتبة اهتممت بها جداً اسمها كريستا فولف تُرجمت متأخرة للغة العربية. أول فصل عملته في الجامعة عن الغربة عند كافكا وكريستا فولف. اخترت رواية ( أميركا ) لكافكا، ورواية ( أفكار عن كريستا تيه ) لفولف وهي تتحدث عن مواطنة تعيش الغربة وهي في داخل بلدها. كافكا كتب رواية ( أميركا ) من دون أن يسافر إلى أميركا وهنا تكمن عظمة الرواية. المتخيل فيها شيء لا يصدق. بينما تكتب كريستا عن الغربة. فالإنسان تدهمه الغربة حينما يشعر أن أحداً لا يفهمه، أو أنه هو شخصياً لا يفهم نفسه، أو كما يقول بورخيس، أن القصة (الغربة) تبدأ حينما يتطلع الإنسان في المرآة. وربما سيسأل أحدكم، وماذا عن غونتر غراس؟ فأقول، أن قراءتي له بالألمانية جاءت متأخرة، فأنا لم أقرأه بالعربية. لغة غراس صعبة، وجملته عسيرة الهضم. أنا شخصياً لا أشعر بمتعة أثناء قراءة أعماله. بالمناسبة أنه معروف عندنا كروائي فقط، لكنه شاعر عظيم أيضاً. وعندما أقرأ شعرة أشعر بمتعة أكثر من قراءتي لرواياته. وهذه هي مشكلة غراس، فهو شاعر كبير يكتب رواية. وفي تاريخ الأدب لا أتذكر رواية عظيمة كتبها شاعر. وأغلب تجارب الشعراء في كتابة الرواية هي تجارب فاشلة. قد أكون مخطئاً، ولكنني لا أشعر بمتعة قراءة الروايات التي يكتبها شعراء أفذاذ. عندما أقرأ روايات غراس أشعر أنني مجبر على قراءتها خلافاً لهاينرش بول أو ريمارك أو ماريو برغاس يوسا البيروفاني. على أية حال، اسمح لنفسي أن اقول، في هذا السياق بأن رواية ( الحرب في حي الطرب ) خرجت من تجربتي الشخصية ومن علاقتي التي استمرت لأكثر من خمس سنوات بالأدب الألماني. الآن أكثر قراءاتي للكتب بلغاتها الأصلية. من النادر أن أقرأ كتاباً مترجماً للعربية.



· في أية لغات يقرأ نجم والي؟



- بالألمانية والإسبانية والإنكليزية والعربية.



· بين البصرة وماكوندو

· لديك محاولات للكتابة عن الشخصية الأوربية في قصصك. هل من الممكن تطوير هذه التجربة بحيث ننتظر من كاتب عراقي أن يتناول شخصيات أوربية في نتاجه الأدبي؟

- تناولت الشخصية الأوربية في مجموعتي المعنونة ( هنا. . في تلك المدينة البعيدة ) كما تناولتها في بعض كتاباتي الأخرى. عندي رواية مكتوبة بالألمانية مباشرة، أسمها ( مطر في مراكش ) تتحدث عن علاقة حب مستحيلة بين موسيقي جاز، وراقصة تمارس أنواعاً كثيرة من الرقص الحديث ورقص الفلامنكو وكذلك الرقص التعبيري، أو الرقص الراقي. هذه الرواية أحرص ألا تترجم إلى اللغة العربية قبل صدورها في اللغة الألمانية. والعجيب أنني حتى لحظة كتابتي للرواية لم أخطط لها، بأية لغة ستُكتب. ولكن عندما فتحت الكومبيوتر، نقرت أصابعي لوحة المفاتيح اللاتينية. الرواية الجديدة الأخرى التي أشتغل عليها بالعربية فيها شخصية أوربية أيضاً. في مجموعة ( فالس مع ماتيلدا ) هناك شخصات أوروبية عديدة، فلا يمكن تخيل البصرة من دون تخيل الشخصيات الكوزموبوليتية التي كانت تعيش فيها. والمجموعة القصصية كلها قائمة على أساس الربط بين البصرة وماكوندو، بين شط العرب والكاريبي. الكثير من الأصدقاء الذين قرأوا فالس مع ماتيلدا ) أصروا على أنها رواية لأن فيها شخصيات تتكرر، أو قرأوها على أنها قصة واحدة مكتوبة بأشكال مختلفة. أحياناً أكتب قصصاً عديدة هي تكملة لقصة واحدة. البعض من أصدقائي يقولون إن قصصك كلها تصلح أن تكون أسساً لروايات قادمة. إن هذا الربط بين الداخل والخارج، بين البصرة والكاريبي جاء من خلال دراستي للغة الإسبانية وأدب أمريكا اللاتينية ورحلاتي للكاريبي.



· أدخل معنا أيها الأخ

· تتحدث عن الكاريبي في كتاباتك ومقالاتك وأحاديثك وكأنك قادم من هناك؟



- سأقص في هذا السياق حكاية طريفة. في زيارتي الأولى لكولومبيا، التي خرجت منها بريبورتاج رائع نشرته في صحيفة ( الحياة ) في البحث عن (ماكوندو)، كنت ذات مرة في قرية ( لا بارانكيا )، القرية التي كان يعمل فيها والد ماركيز تلغرافاً، هناك، وفي ساعات الليل الأولى، أثار انتباهي كرنفال صغير. وقفت قريباً من حلبة الرقص، في يدي كأس الروم، المشروب المحلي. كنت أرتدي بدلة كاريبية بيضاء وقبعة بنمية وقميص لونه برتقالي غامق. في تلك اللحظة ناداني أحد المشاركين في الكرنفال متصوراً أنني كاريبي فقال ( أدخل معنا أيها الأخ ). عندما أذهب إلى هذه المناطق أشعر بأنني في البصرة، وخاصة في مدينة قرطاجة الهنديات، المكان الوحيد الذي ينافس عند ماركيز، مكاندو، حتى أنه كرس له رواية كاملة له، رواية ( الحب في زمن الكوليرا ). عاش ماركيز طفولته في بيت أجداده في قرطاجة الهنديات. المدينة تشبه البصرة شبهاً لا يصدق، في كل شيء، حتىفي المناخ ودرجة الحرارة والرطوبة. تعرفون الدور الذي يلعبه المناخ في كتاباتي، وخاصة في ( مكان اسمه كميت ). عوداً على الشخصيات الأوربية قال لي الصديق ستار موزان، قبل أيام، في مكالمة تلفونية، أن أحد أصدقائه دخل إلى بيته وتناول ( فالس مع ماتيلدا ) وشرع بالقراءة فقال في الحال: ( بس..هذا الكاتب أوربي، شلون تكول عراقي ).



· نظرة تلقائية

· معظم شخصياتك تكتشف نفسها في أول أيام الحرب، هل هي مصادفة أن يحدث ذلك؟



- كلا. ليست مصادفة، وأنا نفسي أحد تلك الشخصيات. فلولا الحرب لما انتبهت لهذه الشخصيات، ولما انتبهت للكنائس الموجودة في البصرة، وللبرتغاليين الذين يعيشون بيننا، أو للشخصيات المهمشة والصغيرة. الحرب بالرغم من كل كوارثها هي التي أزاحت الغبار عن جانب كان مطموراً في الذاكرة والحياة. كما سلطت الضوء على كثير من البشر الهامشيين، وعليّ أنا بالذات. أشياء صغيرة انتبهت لها فجأة دهمتني مثل شخص يريد أن يموت ليدلي باعترافاته سريعاً. معظم الروايات العظيمة تبدأ بلحظة معينة يريد فيها البطل أن يموت ليقدم اعترافاته ومفاجآته، أو لينفس عن مخزونه الهائل من القصص والحكايات المتراكمة. الحرب هي الموت المفاجئ الذي يدهمنا جميعاً لذلك يسارع الجميع للإدلاء بأسرارهم فتنكشف الأمور، ويظهر إلى السطح ما كان مطموراً. أنا أنظر للحرب نظرة تلقائية غير مؤدلجة وهذا هو الفرق بين كتاباتنا العفوية الصادقة وكتابات الأدباء في الداخل الذين كتبوا عن الحرب وفق منظور إيديولوجي صارم يحاول أن يطمس هذه الروح العفوية. لقد حاول أدباء الداخل المؤدلجين أن يزينوا وجه الحرب، وأن يعتموا على الأشياء الصغيرة التي تكشفها الحرب. إن الذي يقرأ ( ليلة ماري الأخيرة ) و ( فالس مع ماتيلدا ) يكتشف أن الحرب هي المفارقة السوداء التي تكشف لي كل ما كان مألوفاً وعادياً. ولكن القصص تتحول إلى عالم آخر. عالم يبوح عما بداخله، كما يحدث في الحانات، برلمان العراقيين، ومنفاهم المؤقت، الذي يتركون فيه منولوجاتهم على سجيتها.



· سر غير متوقع

· ثمة شبه كبير موجود بين معالي وأختها التوأم مرايا التي تصغرها بساعة وخمس وعشرين دقيقة. هل كنت تتعمد اللعب على عنصر المفارقة؟ ناهيك عن السر الذي تعتمد عليه كثيراً في البنية الروائية؟



- الرواية الممتعة أو الشخصية الممتعة هي التي تنطوي على أسرار كثيرة كما الحياة. إن الشخصيات الغامضة مثيرة دائماً. والروايات العظيمة غالباً ما تفاجئ القارئ بسر غير متوقع. هذا الشيء ربما تعلمته من قراءاتي الأولى لأرسين لوبين، أو من قراءتي القديمة المنسية أو الجديدة للكتاب المقدس. الرواية البوليسية تقوي عندك عنصر الحبكة، وللأسف لا تلقى الرواية البوليسية عندنا اهتماماً كبيراً. إن الرواية البوليسية مهمة، وهي التي تعلم الحبكة، وتظهر أهمية السر في بنيتها الروائية. أتذكر كاتباً بولونياً يعطيك القاتل ولكنه يخبئ الجثة. في حين أن أغلب الروايات البوليسية تعطيك الجثة وتخبئ القاتل. الرواية الجيدة مثل الحياة فيها سر ومفاجآت. من العرب يكثر من ذلك فقط نجيب محفوظ، ففي رواياته هناك دائماً سر. شيء سوف يحدث، تترقبه ولكن لا تعرف ما هو. وإذا أردت أن تشد القارئ وتمتعه فعليك أن تجيد هذه اللعبة التشويقية. أحياناً وأنا أكتب أدخل في لعبة السر من دون أن أدري بحيث أُفاجأ أنا كما في قضية التوأم معالي ومرايا. أنا لم أخطط لهذه القضية. فجأة دخلت التوأم وغيّرت كل شيء. هذه المفارقات حلوة بدقائقها الصغيرة التي تفتقر إليها أغلبية الروايات العربية مع الأسف. مفارقات الحياة أحياناً لا تصدّق، وأنا أستثمر هذه المفارقات التي تتحول لاحقاً إلى واقع. قبل أيام قرأت خبراً طريفاً في جريدة ( الحياة ) عن افتتاح ( فندق ومطعم الحيارى ) وكنت أنا قد استخدمت هذا الاسم في رواية ( تل اللحم ) أليست هذه مفارقة تحولت لاحقاً إلى واقع حال؟ سأروي أيضاً هنا طرفة أخرى. عندما كنت طالباً في جامعة فلورنسا. ذهبت ذات مرة إلى المحطة كي أقتني الصحف، عند باب المحطة سمعت شخصاً ينادي عليّ ( كامبوس )، ثم ليعانقني بقوة. كان سكراناً. ثم بدأ يتكلم معي بالإيطالية وكنت في بداية أيام تعلمي اللغة الإيطالية لكني رغم ذلك ولقرب اللغة الإيطالية من الإسبانية فهمت منه أننا كنا جنديين في الجيش بثكنة في صقلية. تسرحت أنا وظل هو في الجيش. أقول له أنا كنت جندياً ولكن في المحاويل، في بلاد كان اسمها ( الجمهورية العراقية ). أتعرف أين تقع المحاويل؟ فيضحك ويقول لي أنت دائماً صاحب نكتة. أقول له أنا من العراق. يقول أنظر إلى أين تذهب بنا؟ إلى العراق هذه المرة لأنك تحب ألف ليلة وليلة…ألخ. استثمرت هذا الموقف في قصة ( إلى تيريزا مع أطيب التحيات ). في أغلب قصصي أذكر ( ماكاندو ) أو أربط بين البصرة وماكاندو لكي أقوم بعملية ربط بين المتخيل والواقع، ولكني أفاجأ أحياناً بما يحدث لما أتخيله. مثلاً هناك قصة تخيلتها ولكنني دُهشت حينما تأكد لي لاحقاً أنها حدثت بالفعل وهي قصة الصبي الذي يوصل الناس السكارى إلى بيوتهم على ظهر حمار. أنها قصة متخيلة. لكن، قبل فترة جاءني صديق من البصرة وقال لي من أين تعرف أن هناك مهنة إيصال السكارى على ظهور الحمير في البصرة؟ دهشت حقاً ولم أعرف كيف أرد عليه. وتظل أكبر مفارقة لي، حدثت لي في زيارتي الأخيرة للأردن. تعرفون قصتي ( الرقصة الأولى ) المنشورة في مجموعة ( ليلة ماري الأخيرة )، التي أتحدث فيها عن الملازم ( ملهم ) الذي يشرب مع أحد الجنود. حسناً في عمان إعترف لي علي عبدالأمير، بأنه في الحقيقة يريد أن يشكرني لأنني أنقذت حياته وجعلته يعيش أكثر من سنة بصورة مريحة، دون أن أدري، فسألته، كيف، قال، بأنه عندما كان جندياً، كانت وحدته في حرب كردستان، وهناك كان أحد الضباط الخريجين، الذي عندما عرف به يكتب الشعر، سأله فجأة، فيما إذا كان يعرفني، فأجابه علي ( نعم )، ليضيف له بأنني ( صديقه )، حينها قال له الضابط، منذ اليوم، أنت تخدم عندي في الغرفة، هكذا راح الإثنان يشربان يومياً، يقرءان الشعر، ويتحدثان عن ذكرياتهما الجامعية، وعني، قصص اختلط فيها الكذب مع الحقيقة، هل تعرفون من كان ذلك الضابط؟ انه الملازم أول ( ملهم )، صديقي الذي يظهر في الروايات. فرحت لأنني جعلت شخصاً، على عبدالأمير في هذه الحالة، يعيش أكثر من سنة بشكل مريح، لأنه كان يعرف شخصاً أسمه ( نجم والي )، بسبب اسمي فقط. قصص مثل هذه تمتعني، فيها متعة النص الروائي الذي يجبر المتلقي على العودة إلى الوراء واكتشاف الأشياء من جديد.

· هزات وكوارث

· منجزك الحقيقي بدأ فعلاً في الثمانينات بالرغم من أنك نشرت قصصاً تعود إلى أوائل السبعينات. هل تفضل أن تدرج نفسك ضمن جيل معين، أم أنك تنسف فكرة الأجيال قلباً وقالباً؟



- كلمة جيل هي كلمة غير دقيقة لأن الأجيال في كل العالم لا تقاس بعقود من السنوات، وإنما تقاس على أساس الهزات الاجتماعية والكوارث والحروب. هناك مثلاً جيل ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وفي ألمانيا هناك الجيل العائد من الحرب العالمية الثانية الذي بدأ يكتب وأطلق عليه بـ ( جيل الخرائب ). فعندما نقول جيل الستينات مثلاً فإننا نطمس الحقائق. ففي فترة الستينات هناك عبد الكريم قاسم، والحرس القومي، وعبد السلام عارف، ومجيء البعثيين. أربعة أنظمة لكن ما الذي تغيّر؟ لا شيء، كلهم وجه واحد لعملة واحدة. إذاً نستطيع القول إن النقلة الكبيرة التي حدثت وتعتبر هزة كبيرة هي الحرب العراقية- الإيرانية. لذلك يمكن أن نقول جيل ما قبل الحرب العراقية- الإيرانية وجيل ما بعد الحرب. وفي هذا السياق أنا من الممكن أن أقول إنني بدأت النشر عام1972 . وكان عمري آنذاك ست عشرة سنة. إذ أرسلت أول قصة إلى جريدة ( طريق الشعب )، وكان محررها الثقافي آنذاك سعدي يوسف. أتذكر أنني أرسلتها بالبريد العادي، ونشرها لي سعدي يوسف من دون واسطة شخصية أو حزبية وحتى من دون أن يعرفني شخصياً. على فكرة، حتى الآن، ظلت علاقتي بالنشر بهذا الشكل، معظم المحررين الذين ينشرون لي في الصحف لم يلتقون بي شخصياً. أقول وباعتزاز، انني وجدت لي مكاناً في الصحافة على أساس المادة التي أكتبها وأحصل من خلالها على لقمة العيش. وهذا ما أفتخر به حقاً.



· هل تتذكر تلك القصة، عنوانها وموضوعها؟



- نعم أتذكر، كيف لا؟ كان عنوان القصة ( مستطيل من الضوء من الجانب الآخر ) وكانت قصة قصيرة من صفحة واحدة تتحدث عن النساء والانتظار والحاجة للحنان، للجنس. وهي باختصار تتحدث عن امرأة تأتي إلى موقف الباص وتنتظر زوجها الذي كان جندياً في حرب الشمال، بالتوازي هناك شاب يراقبها، وبيده برتقالتين يلعب بهما. تظل تنتظر. عبثاً، لأن الزوج لا يأتي في النهاية. حينها، تتقدم نحو الشاب فيتقدم هو أيضاً نحوها وتنتهي القصة. الشاب مهمش ومهمل، وهي امرأة مثل كل نساء الجنوب اللواتي ينتظرن أزواجهن الذاهبين إما لحرب الشمال أو المسافرين في الكويت بحثاً عن لقمة العيش.



· المهاجمون قرّائي

· قبل فترة قريبة نُشر على صفحات بعض الجرائد هجوم ضدك وضد رواية ( تل اللحم )، هل تنزعج عندما تقرأ ذلك؟



- كلا. لأن إذا صحّ وإن كل هذا العدد الكير من مهاجمي الرواية، قد قرأوا ليس ( تل اللحم ) وحسب، إنما كل أعمالي السابقة، بل يعرفون حتى ما سأكتبه لاحقاً، بالإضافة إلى متابعتهم لكل ما أكتبه على صفحات الجرائد العربية، في جريدة ( الحياة ) خاصة، فلا يمكنك تخيل مشاعر الغبطة التي تستحوذ عليّ. أولاً أنه شعور جميل أن تعرف بأن ما تكتبه يثير كل هذا الإهتمام، وثانياً أن المهاجمين، يظلون، رغم كل شيء، قرائي، من غير المهم الطريقة التي ينظر فيها كل واحد منهم لما أكتبه. وإذا إفترضنا أن قراءة كل عمل تستغرق ما لا يقل عن يومين، باستثناء ( تل اللحم ) التي تحتاج لوحدها أكثر من اسبوع، فأنني أكون قد أخذت من اعمارهم شهراً واحداً، على الأقل، ناهيك عن انشغالهم اليومي بمتابعتي وملاحقة كل ما أكتب في الصحف اليومية. هل تتخيل المتعة التي سببتها وأسببها لهم (حتى وإن صرحوا بعكسها)؟ فأنا أعتقد أن كاتباً لا يقول شيئاً مهماً وممتعاً، لن يغري أحداً بقراءته. انا كاتب مقروء إذاً، وهذا ما لا تقوله أرقام المبيعات التي أرسلتها لي دار الساقي قبل اسبوعين، مع أول شيك في حياتي بالقبض على حقوق التأليف من دار نشر عربية: (904) نسخة فقط من ( تل اللحم ) للفترة الواقعة بين يونيو وديسمبر 2001، رغم غلاء سعر الرواية وحجمها الضخم: (407) صفحة من القطع الكبير. أنا كاتب مقروء إذاً، وذلك يسعدني، وتزداد سعادتي، خاصة إذا كان بعض الذين يهاجمون كتاباتي، سبق لهم وأن كالوا لها المديح على صفحة أكثر من جريدة وفي رسائلهم الخاصة لي!
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6460575   Visitors since 7-9-2002