المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

الكاتب أثناء العمل

  
حوار مع هنري ميللر
  
ترجمة :عدنان المبارك
  

في عام 1934 أصدر هنري ميللرالقاطن في باريس ، وكان عمره 42 سنة ، كتابه الأول. و ظهر الكتاب في عام 1961 في بلاد الكاتب - الولاايات المتحدة. لغاية اليوم يثير كتابه الذي حقق أكبر المبيعات البلبلة بسبب المتاعب مع الرقابة . وهذه تتعلق بالبورنوغرافيا والفحشاء مما دفعنا الى أن ننفر من الكلام عن الكتاب.
وليس في هذا الأمر من جديد. فشأن د. ه . لورنس كان ميللر منذ أمد بعيد موضع الهزء وأسطورة في الوقت نفسه. فهذا الكاتب المدافع عنه من قبل النقاد و الفنانين ، و المعبود لدى من يحجّون إليه، و المحاكى بحماس من قبل جماعة ال(بيت نك ) ، هو فوق كل شيء بطل من الحيز الثقافي - أو هو نذلٌ لدى الذين يرون فيه تهديدا للقانون والنظام. حتى أنه يمكن تسميته بطلا شعبيا - متشردا ، نبّيا ومنفيا ، صبيا من بروكلين يسافر الى باريس حين يعود الجميع الى وطنهم، ممثلا للبوهيمية يتضورجوعا ، لكنه يعرف كيف يجابه الوضع الصعب لفنان يبدع في أميركا ، وفي السنوات المتأخرة صار ذلك الحكيم من ( بغ سورBig Sur ) .
إن كامل حياته يمكن حشرها في سلسلة من روايات الصعاليك مكتوبة بضمير الأنا وفي الزمن الحاضر: سنواته المبكرة في بروكلين في ( Black Spring الربيع الأسود ) وعراكاته للعثور على الذات في العشرينات في ( Tropic of Capricon
مدار الجدي ) و في ثلاثة أجزاء ( Rosy Crucifixion الصلب الوردي ) ، المغامرات الباريسية من الثلاثينات في ( Tropic of Cancer مدار السرطان ).
في عام 1939 يسافر الى اليونان لزيارة لورنس دارل L. Durrel . وثمرة الإقامة هناك هي ( The Colossus of Maroussi عملاق ماروسي ) . وتندلع الحرب. ويضطر الى العودة الى أمريكا، وهذه الرحلة ال( أوديسية ) التي إستمرت عاما يسجلها في ( The Air – Conditioned Nightmare الكابوس المكيَّف الهواء ). وبعدها في عام 1944 يقطن على ساحل غير مأهول في كاليفورنيا ممارساً حياة وصفها في
( Big Sur ) و ( Oranges of Nieronymus Bosch برتقالات نيرونيموس بوش ). و الان حين يجذب إسمه أفواجا من الحجاج الى ( بيغ سور ) . وكان عليه أن يهرب من هناك ، ويجول في العالم من جديد .
ميللر البالغ من العمر سبعين سنة يبدو كراهب بوذي بلع طيركناري. يخلق إنطباعا بأنه شخص ذو مشاعر دافئة ومرح. رغم صلعته المحاطة بالشعر الأبييض لاتبدو عليه أيّّ علامة من علامات الشيخوخة. يملك قامة نحيفة ، بصورة مدهشة، هي نموذجية لإنسان شاب. حركاته وإشاراته شبابية أيضا.
صوته جاذب بصورة سحرية، فهو ليّن وذو رنين لكنه خافت ويتصرف بمفتاح موسيقي لشتى التنغيمات. بلاريب هو مدرك لسحره الموسيقي. يتكلم بلهجة بروكلينية ناعمة. غالبما يعمل وقفة بلاغية بأسلوب " سيدي ، أنت موافق ؟ " أو " كما تعرف يا سيدي " و ينهي الجمل بمختلف الأصوات الخافتة من طراز " نعم ...همم...نعم بالتأكيد... همم...”. ولكي نتعرف تماما على شخصية ومباشرية هذا الإنسان ينبغي الإستماع الى تسجيلات لصوته.
أقمتُ هذا الحوار معه في أيلول عام 1961 في لندن. جورج ويكز G. Wickes


- في البدء خبرّني يا سيدي كيف تتهيأ الى الكتابة ؟ فهل من أجل ذلك تبري أقلامك مثلما يفعل همنغوي ؟
* كلا ، كلا ، لاشيء من هذا القبيل. على الغالب أبدأ الكتابة بعد الفطورمباشرة. أجلس أمام الآلة الكاتبة وإذا وجدت أني لا أقدرعلى الكتابة ، أتوقف عنها. ولكن عادة لا أحتاج الى أيّ إستعدادات.
- هل هناك أوقات محددة من اليوم أو أيام محددة تعمل فيها بصورة أفضل ؟
* الآن افضل الصباحات ولكن لساعتين أو ثلاث فقط. قديما كنت أعمل من منتصف الليل حتى الفجر لكن هذا الشيء كان في البداية نفسها. منذ قدومي الى باريس إكتشفت أنه من الأحسن كثيرا العمل في الصباح. حينها أقضي فيه ساعات كثيرة. كنت أكتب في الصباح وبعد الغداء آخذ قيلولة ثم أنهض وأعمل من جديد، أحيانا حتى منتصف الليل. وأثناء السنوات العشر الأخيرة أوالخمس عشرة وجدت أنه لاحاجة هناك كي أعمل لساعات بمثل هذا الطول بل على العكس فهذا شيء مضر. ببساطة يتعرض المخ للقحولة.
- هل تكتب بسرعة ؟ وفق بيرليس Perles في كتابه ( My Friend Henry Miller صديقي هنري ميللر ) أنت يا سيدي أحد الذين هم الأسرع في الكتابة على الطابعة من بين المعروفين لديّ .
* نعم ، أشخاص كثيرون يرون ذلك. أكيد أنني أحدث أثناء الكتابة ضجيجا. ربما في الواقع أنا أكتب بسرعة ولكن هذا راجع الى أمور معينة. للحظات يبدو الأمر سهلا وبعدها تحل لحظة العجز وأقضي حينها ساعة لكتابة صفحة واحدة. ولو أنه يحصل نادرا فأنا أترك المقطع الصعب وأواصل الكتابة. بعدها بقليل أعود إليه.
- هل يمكنك القول كم من الوقت إستغرقت كتابة أحد مؤلفاتك المبكرة ؟
* لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال، فأنا لم أعرف أبدا كم من الوقت تأخذه كتابة مؤلف واحد وحتى الآن حين أجلس للمباشرة بعمل ما ، لا أعرف تحديد الوقت. ونحن حين ننظر الى بداية العمل في الكتاب و نهايته نحصل على صورة زائفة. فذلك لايعني أن الكاتب ألفه بدون توقف طوال ذلك الوقت. لنأخذ مثلا ( Sexus ) أو كامل ( الصلب الوردي ). يبدو لي أني بدأت بهما في عام 1940 وما زلت أعمل فيهما. ولكن لامعنى هناك للقول بأني أعمل فيهما بدون إنقطاع ، حتى أني طوال سنوات لم أفكر بهما. إذن من الصعب التعامل مع المسألة بهذه الصورة.
- أنا أعرف بأنك أعدت كتابة ( مدار السرطان ) مرات عدة ، والعمل في الكتاب جاءك بمتاعب هي أكثر من العمل في كتاب آخر لكن كانت تلك ، وهو أمر واضح ، البدايات.أود ، إذن ، أن أسالك أيضاً هل تكتب الآن بسهولة أكبر ؟
* أظن بأن مثل هذه الأسئلة لاتملك معنى كبيرا. فأيّ أهمية لطول الوقت الذي يستغرقه تأليف الكتاب ؟ لو كنتَ قد سألتَ سيمنون Simenon لأعطى جوابا ملموسا.. يبدو لي أنه يحتاج من أربعة الى سبعة أسابيع . وهو قادر على تخطيط الأمر. وعموما فكتبه ذات حجم محدد. عدا ذلك هو أحد الإستثناءات النادرة، هو إنسان حين يقول" والآن في نيتي الجلوس وتأليف كتاب "، يكون قد خضع تماما الى هذه الأمر. إنه ينفصل تماما عن العالم ، ولاعليه أن يفكرأو يعمل أي شيء عدا الكتابة، بينما حياتي لم تجر بهذه الصورة . حين أكتب هناك آلاف الأشياء التي عليّ أن أعملها.
- هل تشتغل كثيرا في النص ، وهل تغيّر الكثير ؟
* مع هذه الأمور ليست الحال واحدة. أنا لا أصحح إطلاقا ولا أراجع النص أثناء الكتابة. يمكن القول إني أكتب شيئا معينا بدون تمحيص، وبعدها حين أبردُ أسمح للنص أن يبقى في مكانه شهرا أو شهرين - أنظرُ إليه بعين طرية. حينها أملك تسلية رائعة. ببساطة أنا أعذبُ النص. ولكن ليس دائما. أحيانا يكون هو بالضبط كما أردته.
- بأي طريقة تستعرض النص ؟
* أدخل تغييرات ، أكمل وأشطب بقلم الحبر. حينها تبدو المخطوطة رائعة ، تماما كما لدى بلزاك. ثم أكتب كل شيء على الطابعة ، وأثناء ذلك أُدخِل تغييرات تالية. أنا أفضل الكتابة على الطابعة بنفسي ، وحتى إذا كان يبدو لي بأنني قد أبدلت كل ما أردت فإن لمس مفاتيح الآلة بحد ذاته ينشط عقلي وبعدها يتبين أنه لاتزال هناك حاجة الى التصحيحات في عمل منته.
- هل تريد القول إنه يحدث بينك والطابعة أمر ما ؟
* نعم ، لهذه الماكنة مفعول المنبّه بصورة ما ، وهي عنصر يشاطرني العمل.
- في ( The Books in My Life الكتب في حياتي ) تقول إن معظم الكتاب و المصوّرين يعملون وهم في وضع غير مريح. هل تعتبر أن ذلك أمرا مساعدا ؟
* بالتأكيد. فقد وصلتُ الى قناعة بأن آخر شيء يفكر به الكاتب أو أيّ خالق آخر هو راحته أثناء العمل. ربما القليل من إنعدام الراحة يساعد ويوقظ. والناس الذين يسمحون لأنفسهم بالعمل في ظروف جيدة غالبما يقررون العمل في ظروف أسوأ.
- أليست هذه ، أحيانا ، محض حالات نفسية ؟ لنأخذ دوستويفسكي مثلا.
* أنا لا أعرف. في الحقيقة كان دوستويفسكي دائما في حالة سيئة لكن يصعب القول بأن ذلك كان عن عمد. أنا أشك كثيرا بهذا الشيء...لا يبدو لي أن هناك أحداً صمم على القيام بهذا الشيء ، ولربما عن لاوعي. أما أنا فاعتبرأن الكثيرين من الكتاب يملكون شيئا يمكن تسميته بالطبيعة الشيطانية. لديهم متاعب دائما ، وليس فقط حين يكتبون أولأنهم يكتبون بل في كل بعد من أبعاد حياتهم – في الزواج والحب والمصالح والماليات ، في كل شيء. وفي الأخيريكون هذا كله مرتبطا فيما بينه ويشكل أجزاءا معيّنة من كلٍّ واحدٍ . إنه بعدٌ للشخصية الخالقة. وليس جميع الشخصيات الخالقة هي هكذا بل بعضها.
- في واحد من كتبك تقول عن ( الإملاء )، عن أن الإنسان هو مأخوذ على وجه التقريب وأن كل شيء يطفح فيه ويسيل منه. كيف تعمل آلية ٌ مثل هذه ؟
- طيب ، هذا شيء نادرا ما يحصل. أحدهم يأخذ المقود والإنسان يستنسخ ببساطة. وبأوضح شكلٍ جرى هذا في عملي عن د.ه. لورنس والذي لم أنهه أبدا ولأنه كان عليّ أن أفكر كثيرا، ولكن هذا العمل تطلب التركيز. وأنا لست قويا في هذا الشيء. أفكاري تأتي من مكان ما خفي وعميق. وحين أكتب لا أعلم أيّ نتاج سيكون. أنا أعرف عن أيّ شيء أريد أن أكتب لكني لا أعير أهمية أكثر من اللزوم لمسألة بأيّ أسلوب يتم ذلك. ولكن في ذلك الكتاب كنت أجابه المشاكل مع الأفكار. كان عليّ أن أمنحها شكلا ما ، مضموناً وإلى آخره. كنت أعمل فيه بحدود سنتين. وكنت مشبعا به، بل صارهاجسي ولم أستطع التوقف عن الكتابة فيه. لم أستطع النوم. إذن في هذا الكتاب بالضبط خضعت بأوضح صورة للإملاء. وحصل الشيء نفسه في ( مدار الجدي ) وفي مقاطع من روايات أخرى. يبدو لي أن من السهل ملاحظتها رغم أنني لا أعرف هل هي بادية لعيان الآخرين.
- هل هي تلك المقاطع التي أسميتها " cadenzas „ ؟
* صحيح أني إستخدمت هذا التعبير. المقاطع التي أتكلم عنها هي ذات جلبة ومكتظة بالكلمات. وكان بمقدوري أن أكتب بهذه الصورة الى ما لانهاية. بالطبع أنا أعتبر أنه ينبغي الكتابة طوال الوقت. وهنا يبدو واضحا الفارق الجوهري والعميق بين الأسلوبين الغربي والشرقي في التفكير والسلوك والنظام. فعلى سبيل المثال إذا كان فنان ال ( زين Zen ) يفكربعمل شيء يكون قبلها قد قام بتمارين طويلة للإنضباط الذاتي والتأمل ، وفي البدء ترجح كفة الفكرة العميقة والهادئة ثم ها أن لا وجود للفكرة بل للصمت ، الفراغ - ويمكن أن تستمرهذه الحال شهورا بل أعواما. لكن حين يبدأ عمله يكون مثل البرق ، ويعرف بالضبط ما يريد ، ويعمل ذلك بأسلوب بالغ الكمال. يبدو لي أنه ينبغي بهذه الصورة ممارسة كل فن. لكن من هو القادر ؟ الحياة التي نمارسها تبدي المقاومة لمهنتنا.
- هل هناك ظروف خاصةعلى الكاتب المقلد لمبارز الِ( زين ) أن يوفرها ؟
* بالتأكيد ، لكن يا ترى من يكترث لهذا الشيء ؟ فيأضعف الأحوال يتمرن كل فنان بنفسه على الأخذ بالنظام و يتهيأ بهذه الصورة أو تلك. لكل واحد طرقه الخاصة. وفي الأخيريعمل أكبر قسم من الكتاب بعيدا عن الماكنة ، عن الطاولة. ولقلتُ حتى أن الكتابة تتم في لحظة هدوء وسكون حين يكون الإنسان سائرا يتنزه أو يحلق ذقنه أو يلعب بشيء أو حتى أثناء الحديث مع أحد لا يعنيه كثيرا. الإنسان يعمل في قضية تكمن هناك في أعماق نفسه، وعقله يعمل أيضا. إذن حين يجلس أمام الماكنة تكون المسألة مجرد طرح.
- قلتَ قبلها إنك تخضع لما هو موجود في داخلك.
* نعم ، بالتأكيد. أرجوك أن تفكر بهذا الأمر. من يخلق كتابا جيدا ؟ لسنا نحن الذين نوقعها بإسمائنا. إذن من هو الفنان ؟ هو إنسان مزوّد بمجسّات ويعرف كيف يمسك بالتيارات الكائنة في الجو ، في الكون ، ويمكن القول إنه يملك ، ببساطة ، هبة المسك . ومن هو الأصيل ؟ كل ما نفعله ، كل ما نفكر به هو موجود – نحن ُمرسِلات لا أكثر ، تستفيد مما هو موجود حولنا. لننظر ولو الى شتى الأفكار المبتكرة ، الإكتشافات العلمية العظيمة التي غالبما ما تنشأ في شتى بقاع العالم تزامناً . الشيء نفسه يخص العناصرالتي تتألف منها القصيدة والرواية الرائعة أو أيّ عمل فني. ها هي معلقة في الهواء رغم أنها لم ُتمنح الصوت بعد. هي بحاجة الى شخص معيّن كونكريتي ، مترجم يقدمها. وهي حقيقة أن بعضهم يسبق عصره. في أزماننا ، وكما يبدو لي ، يوجد في هذا الوضع رجل العلم وليس الخالق. الخالق يجرّ قدميه في المؤخرة.. مخيلته لاتلحق بالعالم.
- كيف تفسر حقيقة أن بعض الناس فقط يخلق ؟ أنغوس ولسن Angus Wilson يعتبر أن الفنان يكتب بسبب صدمة trauma ما وهو يستغل فنه كنوع من العلاج للتغلب على الحالة العصبية. ألدوس هكسلي يذكر بدوره أمرا معاكسا وهو أن الفنان يملك صحة نفسية كاملة وأن الحالة العصبية تكون عائقا له ككاتب. هل لديك رأيك في هذه القضية ؟
* أظن أن الأمر يعتمد على الفنان. لايبدو لي أنه بالأمكان صياغة إستنتاجات عامة في هذه المسألة. في الأخير الكاتب هو إنسان مثل الآخرين تماما وقد يكون مريضا بالأعصاب أو غير مريض، بعبارة أخرى لاتفسرعصبيته وما تتكون منه شخصيته ، كتابته. يخيل إلي أن هذه القضية هي أكثر تعقيدا وأنا لا أحاول حتى الكلام عنها.. قلتُ إن الكاتب هو إنسان يملك مجسّات وإذا كان يعرف حقا من هو ، إنه متواضع يرى نفسه كشخص وُهِب قابلية معينة يكون هدفها خدمة الآخرين. ليس هناك من دواع للفخر. فإسمه لا يعني شيئا ، وأناه هي صفر ، إنه مجرد أداة في عملية طويلة.
- متى إكتشفت في نفسك هذه القابلية ؟ ومتى بدأتَ الكتابة ؟
* بدأت كما أظن حين كنت أعمل ل(Western Union). في كل الأحوال عندما جاء كتابي الأول. أثناءها كتبتُ أيضا نصوصا صغيرة ، ولكن الأمر بدأ حقا حين تركت العمل في ( ويسترن يونين ) أي في عام 1924 . آنذاك قررت أن أكون كاتبا و التكرس التام لهذا الشيء.
- أي لغاية ظهور ( مدار السرطان ) كنتَ تكتب طوال عشر سنوات ؟
* بالطبع ، تقريبا. من بين ماكتبته آنذاك روايتان أو ثلاث. أكيد روايتين قبل ( مدار السرطان ).
- هل يمكنك الكلام عن تلك الفترة ؟
* أنا أتكلم كثيرا عنها في ثلاثية ( الصلب الوردي )، في أجزائها ( Sexus ) و ( Plexus ) و( Nexus ) كما هناك كلام عنها في القسم الأخير من الجزء الثالث. وصفتُ جميع مهاناتي في ذلك الزمن – حياتي الفيزيقية ، متاعبي. كنتُ أعمل كالثور أو إذا كان ممكنا القول : كنت أتحرك في الضباب . لم أفقه ما كنت أفعله وما كان هوهدفي. كانت نيتي كتابة رواية ، روايتي الرابعة بينما في الواقع لم أصل الى أي شيء. زوجتي كانت تسألني بعد عودتها الى البيت : ( كيف الحال ؟ ) ( لم أسمح لها أبدا بالنظر الى ما في آلة الكتابة ). ( رائع ) كنت أجيب. وتسأل هي : ( وأين أنت الآن ؟ ). رغم تخطيطي لكتابة الكثير من الصفحات كتبتُ ثلاث أو أربع فقط ، لكني تكلمت كما لو أنني أملك مائة أو مائة وخمسين. رويت ما كنت ما أفعله خالقا رواية بصورة إرتجالية. و كانت هي تستمع وتشجعني. كانت تعلم بأني أكذب. في اليوم التالي عادت وقالت : ( كيف هو الجزء الذي رويت لي عنه ؟ ). كما ترى ياسيدي كل شيء كان كذبا ، شيئا أخترعناه نحن الإثنين سوية. كان شيئا رائعا حقا ، رائعا ...
- متى إعتبرت أن كل هذه الروايات البيوغرافية هي كلٌّ واحدٌ ؟
* في عام 1927 حين سافرت زوجتي الى أوربا و بقيت وحيدا. كنت أشتغل بصورة غير ثابتة في ( قسم الحدائق ) في كوينز. في يوم ما بعد الظهر بدل العودة الى البيت قررت أن أضع خطة كتاب حياتي. كتبت طوال الليل. في الصفحات الأربعين أو الخمسين خططت لكل ما كتبته فيما بعد. عملت ملاحظات بإختصار برقي. لكني لم أهمل أيّ شيء. كان عملي كاملا ، من ( مدار الجدي ) عبر ( الصلب الوردي ) ، عدا ( مدار السرطان ) الذي تطرق الى قضايا راهنة حيث رويت عن السنوات السبع التي قضيتها مع هذه المرأة من لحظة التعرف عليها الى السفر الى أوربا. لم أعرف حينها بعد متى السفر. لكني عرفت بأنه سيحصل عاجلا أم آجلا.. والفترة التي سبقت مغادرة أميركا هي إنعطاف في حياتي ككاتب.
- يقول لورنس دارل إن على الكاتب أن يكافح كي يشق طريقه عبر الكتابة وأن يسمع صوته الخاص. أليست هي كلماتك في الحقيقة ؟
* هكذا يبدو لي. في كل الأحوال حصل هذا الشيء في ( مدار السرطان ). لغاية ذلك الحين كان ممكنا أن يقال عني بأنني كاتب غير أصيل تماما ، خاضع لشتى التأثيرات ، يأخذ تلاوين ولهجات جميع الكتاب الآخرين الذين أحببتهم في وقت ما. كنت حينها إنسانا أدبيا ببساطة. وأصبحت إنسانا غير أدبي - تحررت من الروابط. قررت أن أعمل ما أعرف عمله فقط ، وأعبرعن أناي. ولذلك إستخدمت ضمير المتكلم ، ولذلك كتبت عن نفسي. قررت الكتابة من موقع تجربتي الخاصة وما أعرفه وأشعر به. وكان هذا خلاصي.
- وأيّ روايات مبكرة كانت هناك ؟
* يبدو لي بأنه لكان عليك يا سيدي أن تعثر فيها على آثار معينة لل( أنا ) . لكني على إقتناع عميق بأنه ينبغي تطوير قصة صغيرة ما، عقدة ما ، إلا أنني كنت مشغولا الى درجة أكبر بالشكل والأسلوب للتعيير عنها وأكثر من أهتمامي بالقضايا الأساسية.
- أهذا ما كنت تقصده حين تكلمت عن الموقف ( الأدبي) ؟
* نعم . هو شيء مستهلك ولاضرورة له و ينبغي نفيه من النفس. ينبغي قتل الكاتب في النفس. وهو أمر واضح أنه لاينبغي قتل الإنسان نفسه ، فهو ( أنا ) جوهرية للخالق، و التقنية تسحر، بلاشك ، كل خالق. وهوشيء آخر شخص الكاتب. لقد إكتشفت بأن أحسن تقنية هي إنعدام التقنية. وأنا لن أخضع أبدا لأسلوب ملموس في رؤية الأشياء. أنا أحاول أن أكون مفتوحا ومرناً مستعدا للدوران مع الريح أو اللحاق بتيار الأفكار. إن موقفي وتقنيتي هما أن أكون قدر الإمكان مرنا ويقظا وأقوم بإستغلال ما أراه صحيحا في تلك اللحظة.
- في ( رسالة مفتوحة الى السورياليين في العالم كله ) تقول : ” في أميركا كتبتُ وفق طريقة السوريالية وقبل أن أسمع بهذه الكلمة ". ما الذي تفهمه من كلمة السوريالية ؟
* عندما سكنت في باريس إستخدمنا مثل هذه العبارة ، وهي في الأخير أميركية جدا ، و توضح ذلك بأحسن صورة. كنا نقول : ( لنقف في المقدمة ! ) . وهذا يعني القفز في مياه عميقة. الغوص في اللاوعي ، الخضوع للغريزة ، الإنقياد لنبض القلب والدواخل أوشيء آخر يُسَّمى. و لكن هذه صياغة تعود لي ، وهي ليست عقيدة سوريالية حقيقية وهي لا تصمد أمام النقد ، ووفق شخص مثل أندريه بريتون هي صياغة غير مقنعة. إلا أن موقف الفرنسيين بالمعنى العقائدي لايعنيني كثيرا. كل ما كان يعنيني أني إكتشفت أسلوبا آخر في التعبير وهو آخر بصورةٍ ما ومتسام لكنه أسلوب ينبغي الإستفادة منه بطريقة متعقلة جدا. عندما أستخدم السورياليون المعروفون هذه التقنية بأسلوب وجدته مفتعلا ، صارت ، هي غير واضحة وفقدت المعنى. في اللحظة التي يكف فيها الكاتب عن أن يكون مفهوما ، يصبح ضائعا.
- هل السوريالية هي ( غوص في أعماق الليل ) حسب تعبيرك ؟
* نعم . ما قصدته قبل كل شيء هو الحلم. السورياليون يستغلون أحلام النوم. وهي على الدوام بعدُ مثمر ٌ فوق العادة للتجربة. ويستغلها جميع الكتاب ، سواء عن وعي أو بدونه ، وحتى إذا لم يكونوا سورياليين. أفكاراليقظة تصلح قليلا في الفن. وفي عملية الكتابة يجهد الإنسان كي ُيخرج الى السطح ما غير معروف عنده. وتسجيل الأشياء التي يعيها يؤدي في الواقع الى اللامكان. وفي ممارسةٍ ليست بالكبيرة يتمكن كل واحد من عمل شيء من هذا القبيل ، وبمكنة كل واحد أن يصبح كاتبا من هذا الطراز.
- أنت سميّت لويس كارول بالسوريالي ..؟
* نعم ، نعم ، لويس كارول هو كاتب أنا مغرم به. أنا أسمح بقطع يدي اليمنى كي أكون قادرا على كتابة مؤلفاته أو أن أصل ، ولو جزئيا ، الى ما حققه هو . عندما أنفذ خططي و أواصل الكتابة بودي ممارسة العبث الصرف.
- والدادائية ؟ هل كنت يوما ما ملتزما بها ؟
* الدادائية بالنسبة لي هي أهم من السوريالية. الحركة الداداائية هي شيء ثوري حقا. هي جهد محسوب ومدرك كي يتم قلب كل شيء رأسا على عقب ، كي يتم إظهار أن حياتنا الراهنة هي عبث تام ، وإظهار قحولة جميع قيمنا. في الحركة الدادائية كان هناك أناس رائعون وكلهم إمتلكوا حس الفكاهة. الدادائية أضحكت لكنها دفعت الى التفكير أيضا.
- يبدو لي أنك في ( الربيع الأسود ) قد إقتربت بشكل ملحوظ من الدادائية.
* لاشك في ذلك. كنت حينها أصلح لشتى التأثيرات. حين وصلت الى أوربا كنت مفتوحا على كل شيء. في الحقيقة عرفت عن بعض القضايا في أميركا. ” Transition „ وصلت إلينا في أميركا. و جولاس Jolas الحبيب إختار هؤلاء الكتاب والخالقين غريبي الأطوار الذين لم نسمع بهم أبدا. أنا أذكر كيف ذهبنا الى ( Armory Show ) لمشاهدة ( سلالم ) مارسيل ديشام M. Duchamp وغيرها من الأشياء الرائعة. كنت في حالة ذهول وإنتشاء. عن مثل هذ ا الشيء كنت أبحث . لقد بدت لي تلك الأشياء معروفة .
- دائما كنتَ مفهوما بصورة أحسن ومقدّرا أكثر في أوربا وليس في أميركا وإنكلترا. كيف تفسر ذلك ؟
* أولا لم أملك فرصة كبيرة كي أكون مفهوما في أميركا ولأنه لم تطبع كتبي هناك. عدا ذلك فرغم كل شيء أنا أميركي مائة بالمائة ( وأشعربذلك بصورة أقوى مع كل يوم ) لكني أملك اتصالا أفضل مع الأوربيين ، إذ نجحت في التحادث معهم وكان التعبير عن الأفكار بصورة أكثر سهولة كما أنهم كانوا يفهمومني بصورة أسرع . كنت أصل الى أتفاق معهم بصورة أسرع من الإتفاق مع الأمريكان.
- في كتابك عن باتشين Patchen قلت إن الفنان في أميركا لن يكون أبدا مقبولا من دون وصوله الى حل وسط. ألا يزال هذا رأيك ؟
* نعم وأنا باق عليه الآن أكثر من أيّ وقت مضى. أشعر بأن أميركا تقف بحكم طبيعتها ضد الفنان ، وأن الفنان في أميركا هو عدو ولأنه يعني الفردية والخلق. وهذا الشيء هو بصورة معينة لا أميركي. أظن أنه بين جميع البلدان ، وأستتثني هنا ، بالتأكيد ، الدول الشيوعية ، تكون أميركا هي الأكثر مكننة والتي تسيطرعليها الروبوتات.
- على ايّ شيء عثرتَ في باريس في الثلاثينات وأيّ شيء أفتقدته في أميركا ؟
* ربما الحرية قبل كل شيء والتي لم أعرفها أبدا هناك. عثرت ُعلى إتصال أبسط مع الناس ، أي الناس الذين أتمتع بالحديث معهم. عثرتُ على أناس هم يلائموني أكثر من غيرهم. وقبل كل شيء شعرت بأنني ألقى التسامح. أنا لم أرجوهم كي يفهموني ويقبلوني. التسامح كان يكفيني. لم أملك هذا الشعورأبدا في أميركا. عدا ذلك كانت أوربا بالنسبة لي عالما جديدا. وأنا أفترض بأن حالي ستكون جيدة في أيّ مكان آخر ، في عالم آخر ، غريب ومختلف. ويعود السبب الى أني أحببت ما هو غريب طيلة حياتي ، وهذا جزء أستطيع أن أسميه بالإختلاف النفسي.
- بعبارة اخرى لو أنك سافرت الى اليونان في عام 1930 بدل عام 1940 لعثرت على الشيء نفسه ؟
* وحتى لو لم أكتشف الشيء نفسه لعثرت هناك على وسائل لتعبيري الخاص ، و إمكانيات الإنعتاق. ربما لماأصبحت كاتبا كالذي هو في هذه اللحظة ، لكني لشعرت بأني قد عثرت على نفسي. في أميركا يهددني خطر الجنون والإنتحار. كنت أشعر بأنني في عزلة تامة.
- ألم تعثر في ( بغ سر) على محيط ملائم ؟
- أبدا. لم يكن هناك أيّ شيء عدا الطبيعة. كنت وحيدا وهذا ما أردته. سكنتُ هناك ولأن المكان كان معزولا. تعلمت الكتابة بمعزل عن مسألة أين أنا موجود. ( بغ سر ) كان تغييرا رائعا. هناك أفترقتُ نهائيا عن المدن الكبيرة. لم أطق حياة المدينة. بالطبع لم أختر ( بغ سر ) لوحدي.في أحد الأيام رماني صديق هناك على قارعة الطريق. وقبل ان يتركني قال :( إذهب الى هذا الشخص وذاك. يمكنك أن تبيت ليلة عنده أو تبقى أسبوعا واحدا. هذه منطقة رائعة. وأظن بأنها ستعجبك ). بهذه الصورة وجدتُ نفسي هناك. لم أسمع قبلها ب( بغ سر ) . عرفتُ أن هناك ( بوينت سر ) ولأنني قرأت روبنسن جيفرزٌ R. Jeffers . قرأت كتابه (نساء في بوينت سر) ، في (كافيه روتوندCafe Rotonde ) في باريس ، وأنا لن أنسى هذا أبدا.
- ألايبدو الأمرغريبا بأنك أحببت بهذه الصورة الطبيعة رغم أنك كنت دائما إبن مدينة ؟
* كما ترى لى طبيعة الإنسان الصيني. في الصين القديمة حين يتقدم الفنان أوالفيلسوف بالعمر ينتقل الى الريف كي يحيا ويفكر بهدوء.
- لكن الأمر عندك هو محض مصادفة.
* هذا صحيح تماما ولكن كما تعرف ياسيدي كل شيء في حياتي وما كان له أهمية حصل بهذه الصورة من خلال مصادفة بحتة. بهذا الشيء أنا لا أؤمن أيضا.أنا أؤمن بأن هناك هدفا على الدوام وأن المصير كان هكذا. أنا واثق بأن التفسير يمكن العثور عليه عند قراءة طالعي horoscope. بالنسبة لي هذا شيء واضح تماما.
- لماذا لم تنتقل عائدا الى باريس ؟
* لعدة أسباب. أولا : بعد اقامتي في ( بغ سر ) بقليل تزوجت. ثم ولد الأطفال وبعدها لم أملك نقودا ، عدا ذلك عشقت ( بغ سر ). و لم تكن لدي رغبة في مواصلة الحياة بباريس. فذاك فصل قد إنتهى. ذهب معظم أصدقائي. والحرب حطمت كل شيء.
- تقول غيرترود شتاين G. Stein إن الحياة في فرنسا أثرت على تنقية لغتها ، فهي لم تستخدم الإنكليزية في كل يوم. وبهذه الصورة أصبحت ذات أسلوب رائع. هل كان للحياة في باريس مثل هذا التأثير عليك؟
* ليس تماما. لكني أعرف ما قصدته هي. بالتأكيد حين كنتُ هناك تكلمت بالإنكليزية أكثر من غيرترود شتاين. بعبارة أخرى : أقل بالفرنسية. إن الحضور اليومي للغة أخرى يصقل لغة لإنسان الأم ويجعله مدركا لتلاوينها وأطيافها التي لم يكن قد تحسس بها من قبل. هو ينساها شيئا فشيئا ولذلك تستيقظ فيه الرغبة في إسترداد بعض الكلمات والعبارات. ويصبح الإنسان مدركا للغته.
- هل إحتككت يوما ما بغيرترود شتاين أو مع أحد من وسطها ؟
* لا ، لم أتعرف عليها ولا على أيّ أحد من وسطها. وعموما لم تكن لي أيّ صلة بأي محيط. كنت دائما ذئبا وحيدا وضد أيّ تجمع ودائرة وطائفة وعبادة وإزم ism-
إلى آخره. عرفتُ سورياليين كثيرين ولكن لم أكن أبدا عضوا في أية جماعة سوريالية ولا غيرها.
- هل إحتككت في باريس بكتاب أمريكان ؟
* نعم. بوالتر لوينفيلز W.Lowenfels وصاموئيل بتمن S.Putman ومايكل فرنكيل M.Frankel وشيروود أندرسن ودوس باسوس و شتاينبيك. تعرفت على سارويان في أميركا فيما بعد. إلتقيتهم بضع مرات فقط. ولم تربطني بهم أيّ صلة أبدا. ومن بين جميع الكتاب الأمريكان الذين عرفتهم أحببت شيروود أندرسن . دوس باسوس كان رجلا ذا قلب كبير ورائعا لكني كنت عاشقا منذ البداية لكتب شيروود أندرسن، عاشقا لأسلوبه ولغته. وأحببته كإنسان أيضا رغم أن الكثير كان يفصلنا وخاصة العلاقة بأميركا. كان يعشق أميركا وعرفها جيدا جدا. كان يعشق الناس و كل ما يربطه بها. أما أنا فعلى العكس. كنت مغرما بسماع ما كان يقوله عنها.
- هل كنت تعرف الكثير من الكتاب الإنكليز؟ قدرعلمي ربطتك صداقة طويلة الأمد مع دارل Durrell وبويزPowys .
- مع دارل نعم ولكني لم أعتبره كاتبا إنكليزيا. برأيي كان هو غيربريطاني تماما. بالطبع ألقى جون كاوبر بويز John Cowper Powys بتأثير بالغ عليّ لكنني لم أتعرف عليه آنذاك كما أني لم أظفر بصداقته بل أنني لم أجرؤ على إمتلاكها ! أنا كنت قزما وكان هو عملاقا. كان هو ربّي وحكيمي ومعبودي. إحتككت به للمرة الأولى عندما كنت بعمر العشرين. كان يلقي حينها محاضرات في معابد العماليين في نيويورك، في كوبير يونين Cooper Union وغيرها من الأماكن من هذا الطراز. كان رسم الدخول عشرة سنتات فقط. بعدها بحوالي ثلاثين سنة ذهبت الى ويلز كي أراه ، وكانت مفاجأة لي أنه كان يعرف كتبي. كان يقول عنها بتقدير كبير مما أثار دهشتي أكثر .
- هل عرفت أورويل حينها ؟
* إلتقيت بأورويل مرتين أو ثلاث أثناء الإقامة في باريس ، لكن لا أعتبر ذلك صداقة. هي مجرد معرفة عابرة. و لكني كنت مغرما لحد الهوس بكتابه ( على آخر رمق في باريس ولندن Down and Out in Paris and London ). بتقديري هو كتاب كلاسي أي من المقتنيات الثمينة. كذلك فهو كتابه الأحسن. كان أورويل شخصا رائعا لكنني كنت أعتبره مثاليا غبيا حقا. رجلا ذا مباديء كما نقول . والناس ذوو المباديء يضجرونني.
- أنت لا تملك عبادة كبيرة للسياسة.
* ولو ذرة واحدة. أنا أعتبر السياسة عالما منفرا فاسدا يؤدي الى لا مكان. وهي تخفض قيمة كل شيء .
- وحتى المثالية السياسية بأسلوب أورويل؟
* دائما الحال هكذا ! يفتقد المثاليون السياسيون الشعور بالواقع. فعلى السياسي أن يكون قبل كل شيء واقعيا. والناس الذين لديهم مثل عليا ومباديء هم برأيي ضائعون هنا. إذا كان أحدهم يريد أن يصبح سياسيا لايمكنه أن يكون من الإنتلجنسيا intellectualist حينها ينبغي أن يملك في نفسه شيئا من القاتل ، ينبغي أن يكون على إستعداد دائم للتضحية بالناس وسوقهم الى الموت بإسم المبدأ سواء أكان هذا طيبا أو سيئا. وأمثال هؤلاء الناس هم المبرزون في السياسة.
- ماذا يمكنك قوله عن كتاب الماضي الكبار الذين أعجبت بهم. لقد كتبتَ عن بلزاك و رامبو ولورنس . هل يوجد هناك طراز من الكاتب الذي هو قريب منك بشكل خاص؟
* يصعب علي القول. الكتاب الذين أحبهم هم مختلفون. هم أكثر من كتاب يملكون صفة غامضة هي ميتافيزيقية وخفية occult ، وأنا لاأعرف أيّ صفة عليّ أن أستخدمها – هي شيء يتخطى الأدب. كما ترى يا سيدي الناس تقرأ لقتل الوقت أو لتعرف شيئا. وأنا لم أقرأ أبدا لقتل الوقت ولا لكي أتعلم شيئا. أنا اقرأ كي أتحرر من نفسي وأعيش تجربة الشده ecstasy . أنا أبحث دائماعن الكاتب الذي يساعدني على الخروج من النفس.
- هل تخبرني بالسبب في أنك لم تنه كتابك عن د. ه. لورنس ؟
* السبب بسيط جدا. كلما تعمقت في الكتاب فهمت أقل، ما أعمله. تورطت في كثير من التناقضات. وأدركت أنني لا أعرف حقا من كان لورنس ، و لم أستطع العثورعلى المكان الذي يمكنني أن أضعه فيه ، كان يصعب مسكه وفي النهاية كنت عاجزا. لم أقدرعلى الفهم. وجدت نفسي في غابٍ لم أعرف كيف الخروج منه. ولذلك تركت الأمر.
- لم تكن هناك مشاكل مع رامبو؟
* هو أمر غريب بأنني لم أجابه مشاكلا. بالتأكيد هو شخصية أكثر غموضا لكن في الكتاب عنه لم تكن الأفكارعبئا في حين أن لورنس كان إنسانَ فكرٍٍ تماما وكتابته إعتمدت على الأفكار.
- لكنك لا تؤيد تماما أفكار لورنس ؟
* كلا بأي شكل من الأشكال ، لكني معجب ببحثه وصراعه. لدى لورنس هناك كثير من الأشياء التي لا أتفق معها. من ناحية أخرى هناك أشياء تبدو لي مضحكة وعبثية وغبية وطائشة. أنا أراه الآن من منظورأفضل ولايبدو أنه شخصية مهمة الى درجة كبيرة. رغم ذلك كان لورنس يعني شيئا بالنسبة لي. كنت تحت تأثيره المطلق.
- لننتقل الآن الى مسألة البورنوغرافيا والفحشاء أوالبذاءة obscenity . آمل بأن لامانع لديك. وفي الأخير أنت تعتبر مرجعية في هذا الميدان. ألم تقل مرة : أنني أؤيد البذاءة لكني ضد البورنوغرافيا ؟
* الأمر بسيط للغاية. البذاءة هي شيء حَرْفي في حين أن البورنوغرافيا تعبّر عن الشيء نفسه لكن عن طريق اللف. أنا أجد بأنه ينبغي الجهر بالحقيقة و إظهارها عارية وحتى إذا كانت مصدمة ، وإذا تطلب الحال أن تكون بدون تقنع. بعبارة أخرى تكون البذاءة عملية تنقية في حين أن البورنوغرافيا لاتفعل شيئا سوى تعتيم الصورة.
- بأيّ معني تكون عملية تنقية ؟
* حين تتعرض للتابو يحصل شيء جيد شيء يبث الحياة.
- وهل وجود تابو أمر سيء على الدوام ؟
* ليس لدى الشعوب البدائية. في حياتهم يكون الوعي بالتابو أمر مبرر، لكنه في حياتنا ، في حياة المجتمعات المتمدنة ليس الأمر بهذه الصورة. حينها يصبح التابو شيئا خطرا غير صحي. معلوم أن الشعوب المتمدنة لاتتصرف وفق القوانين الأخلاقية أو أيّ مباديء أخرى. نحن نجاهد من أجل المباديء ونعلنها لكن لا أحد يؤمن بها. لا أحد يتقيد بها و لامكان لها في حياتنا. التابو هو صداع ما بعد الشرب ويمكن القول : نتاج عقل مريض لناس خائفين تنقصهم الجرأة كي يحيوا وهم تحت عباءة الأخلاق والدين يفرضون التابو علينا. برأيي أن العالم المتحضرهو لاديني لدرجة ملحوظة. والدين عند المجتمعات المتحضرة هو دائم زائف ومرائي، إنه شيء مخالف للمقاصد الحقيقية لخالقيه.
- ومع ذلك وصفوك كإنسان متدين.
* نعم ، لكني لاأعتنق أيّ دين معيّن. وماذا يعني هذا ؟ يعني ، ببساطة ، عبادة الحياة و أني أقف الى جانبها وليس مع الموت. وترتبط كلمة ( الحضارة ) في ذهني بالموت. وعندما أستخدم الكلمة أرى الحضارة شيئا ناقصاً فاسداً ومضحكاً. هكذا كانت الحال دائما. أنا لا أؤمن بهذا الشيء الذي نسميه بالعصرالذهبي. العصرالذهبي كان ذهبيا للقلائل ، لحفنة من المختارين في حين الأكثرية كانت تغرق بالبؤس والأحكام المسبقة والجهل والإستغلال. كانت ملجومة من قبل الكنيسة والدولة. مازلتُ نصيرا متحمسا لشبنغلر Spengler ، فكل شيء يمكن العثورعليه عنده. لقد عارض ثقافة الحضارة. فالحضارة هي تصلب شرايين الثقافة.
- يكتب دارل في مقاله عنك والذي نشره قبل أكثر من عشر سنوات في ( هوريزون
Horrizon ) عن البذاءة كتقنية. وأنت يا سيدي هل تراها كذلك ؟
* أظنني أعرف ما قصده. إذا لم أخطيء كان قصده تقنية الصدمة. ربما إستخدمتها بصورة لا واعية ولكن من دون قصد أبدا. كانت بالنسبة لي طبيعية شأن كل شكل آخر من التعبير. كانت شيئا شبيها بالتنفس، وجزءا من إيقاعي كله. هناك لحظات نستخدم فيها البذاءة لكن ليس دائما. أنا لا أجد، وأيّ كانت الإعتبارات ، أن البذاءة شيء هو الأهم. ومع ذلك هي عنصر جوهري جدا ولا يمكن تجاهله أو تجاوزه أو السكوت عنه.
- ولكن من الممكن تضخيمه.
* ممكن ، ولكن حتى إذا حصل فما هو السوء في ذلك؟ ولماذا يقلقنا هذا الامر ؟ أي ّ شيء نخشاه ؟ كلام في كلام. لماذا نخاف ؟ من الفكرة ؟ وحتى لو أثارت النفورهل نحن جبناء الى هذه الدرجة ؟ ألم نواجه ، بشجاعة، شتى المصائر ، ألم نجد نفوسنا في كثير من المرات نتيجة الحروب والأمراض والأوبئة والجوع ،على حافة الدمار؟ أيّ خطر تأتي به وحتى المبالغة في اللجوء الى البذاءة ؟ أين يكمن الخطر ؟
- قلتَ إن البذاءة هي شيء وديع بالمقارنة مع القهر الذي يتفاقم في الأدب الأمريكي الشائع.
* نعم ، إن كامل هذا الأدب المنحرف – السادي هو مقزّز. لقد قلت ، دوما ، إن كتبي هي سليمة ولأنها مرحة وطبيعية. لم أكتب أبدا عن الأشياء التي لا يفعلها الناس أو التي لايتكلمون عنها. والآن من أين تأتي هذه الأشياء ؟ ليس من الرأس بالطبع. إنها تحيط بنا ونحن نتنفسها كل يوم. ومع ذلك يفضل الناس أن لا يلاحظوها. وماهو الفارق بين الكلمة المطبوعة والاخرى المنطوقة ؟ رغم كل شيء ، وكما تعلم يا سيدي، لم يكن ملزما هذا التابو على الدوام. كانت هناك فترة في الأدب الإنكليزي حين كان مسموحا بكل شيء تقريبا. ولكن منذ عشرين الى ثلاثين سنة صرنا بالغي الحساسية.
- ومع ذلك لدى تشوسير Chauser لاتجد يا سيدي جميع هذه الكلمات التي تظهر عند هنري ميللر.
* لكنك تجد عندي الكثير من الطبيعية المرحة والصحية وحرّية كبيرة للغة أيضا.
- ما رأيك بملاحظة دارل في حديثه ل( باريس ريفيو Paris Review ) ؟ قال مامعناه أن من منظور الزمنتبدو له مقاطع من ( الربيع الأسود ) بالغة البذاءة.
* أحقا ؟ إنها تلك المقاطع التي تعجبني أكثر من غيرها. حين قرأتها في المرة الأولى بدت لي مدهشة ولا أزال أراها بهذه الصورة. ربما سخر دارل منا.
- لماذا كتبت كثيرا عن الجنس ؟ أيّ أهمية له عندك؟ وهل الجنس شيء خاص لديك ؟
* يصعب على الجواب. يبدو ليأني كتبت أيضا عن ذلك الشيء الذي يسميه النقاد المتخذين موقع العداء إزاءي ب( ترهات ) أي عن عبث ميتافيزيقي. والفارق هنا هو أنهم لايرون شيئا آخرعدا الجنس. كلا ، أنا لا أعرف كيف أجيب على هذا السؤال. يمكنني القول فقط أن الجنس لعب دورا كبيرا في حياتي. وحياتي الجنسية كانت غنية ولا أجد سببا كان عليّ من أجله أن لا أقول عن الجنس.
- هل كان لذلك علاقة بقطع الصلة بحياتك السابقة في نيويورك ؟
* لا أعتقد. مع ذلك فالإنسان الذي قضى بضع سنوات في أميركا وجاء الى فرنسا يعتقد بأن الجنس هناك حاضر في كل مكان. كما لو أنه سيولة تحاصره من كل الجهات. الآن لا أملك شكوكا بأنه في أميركا تقام العلاقات الجنسية القوية أيضا والعميقة والمتنوعة كما هو الحال في مكان آخر لكنها لا تبدو أكيدة للوهلة الأولى. إضافة الى ذلك تلعب المرأة في فرنسا دورا أكبر في حياة الرجل. فموقعها أفضل ، والرجال يحسبون لها حسابا و يتحدثون معها كإنسان وليس كزوجة أوعشيقة أوخادمة. والأكثر من ذلك يحب الفرنسيون رفقة النساء. في إنكلترا وفي أميركا تكون حال الرجال حسنة إذا كانوا في معشررجالي.
- ومع ذلك كانت حياتك في فيللا سيورا Villa Seurat رجالية صرفة.
* هذا حق ، لكن كانت النساء بالقرب دائما. كان لدي أصدقاء كثيرون ، وهي حقيقة أنني عقدت طوال حياتي صداقات كبيرة. وهذا عنصر تال في طالعي وهو أنني رجل تكون قدرَه الصداقاتُ الكبيرة. ومن المحتمل أن هذا أهم عامل في حياتي وقد يكون عليّ أن أقول عنه شيئا. عندما بدأت أكتب أدركت كم أنا مدين للآخرين. الناس ساعدوني طوال الحياة – الأصدقاء بل الغرباء أيضا. لم أحتج الى النقود طالما كان عندي الأصدقاء. وأيّ شيء يحتاجه الإنسان الى السعادة طالما لديه اصدقاء ؟ أنا كنت أملك الكثيرين وكانوا أصدقاء على مدى الحياة. وهم لم يتركوني إلا الآن حين إختطفهم الموت.
- لنترك قضايا الجنس ولنتحدث قليلا عن فن التصوير. أنت شعرت بالحاجة الى الكتابة في منتصف العشرينات. هل بدأت حينها تلوّن أيضا ؟
* بعدها بقليل. كان ذلك ، كما يبدو لي ، في عام 1927 أو 1928. لكني لم أعامل التصوير بصورة جادة. الرغبة في الكتابة كانت في حياتي شيئا بالغ الكبر، شيئا بالغ الأهمية حقا. بدأت الكتابة بصورة متأخرة جدا ، فقد كان عمري 33 سنة عند ما تفرغت لها تماما ولكن ليس لأني لم أفكر بذلك بصورة مبكرة. كنت أعتبرهذا الشيء فوق طاقتي وبدا لي أني لا أملك القابليات و لم أؤمن بنفسي ككاتب ، كفنان، حتى أني لم أجرؤ على التفكير بأني قادرعلى أصبح مثل هذا الإنسان. كان طريقي الى التصوير آخر. إكتشفت في نفسي ( أنا ) أخرى يمكن أن أستخدمها. وكان التلوين يدخل المتعة على نفسي وأراحني من القضايا الأخرى.
- ألا تزال تعامل التصوير كنوع من التسلية ؟
* نعم ، مجرد تسلية.
- ألا تعتبر أن هذين الحقلين من الفن مرتبطان بصورة جوهرية فيما بينهما ؟
* هو أمر أكيد بأن الفرد الخالق في حقل يكون خالقا في حقول أخرى. في البدء ، وكما تعرف ، كانت الموسيقى عندي تملك الأهمية الكبرى. كنت أعزف على البيانو وإمتلكت أملا في أن أصبح عازفا جيدا لكن كانت تنقصني الموهبة. ومع ذلك كانت الموسيقى كامل ( أنا )ي ، بل يمكن القول إن الموسيقى تعني لدي شيئا أكبر من الكتابة والتلوين. إنها متجذرة فيّ طوال الوقت.
- كنت َ من كبار المغرمين بالجاز.
* كنتُ. لكنني الآن لا أميل إليه. يبدو لي أن الجاز هو فارغ الآن ومحدود جدا. ويؤلمني مصيره تماما كما يؤلمني ما حصل للسينما. الجاز يصبح آليا أكثر فأكثر وهو لايتطور و لايثرينا. كل هذا هو مثل الكوكتيل. وأنا أحتاج الى النبيذ والجعة والشامبان والبراندي أيضا.
- في الثلاثينات كتبتَ مقالات عن الفلم. هل كانت أمامك فرصة لممارسة هذا الفن ؟
* كلا. لكني لم أفقد الأمل في أن ألقى إنسانا يوفر لي مثل هذه الفرصة. وأكثر ما يؤلمني أنه لم يتم إستغلال الوسيطة الفلمية كما ينبغي. إنها وسيطة شعرية ذات إمكانيات لا تحدّ. يكفي أن تأخذ بعين الإعتبارعنصر الحلم أو الفنتازيا. لكن هل نحن نلقاه في غالب الأوقات ؟ إننا نحتك به من وقت الى آخر وهذا يكفي كي يثير إعجابنا. أرجو أن تفكر أيضا بتلك الوسائط التقنية التي نتصرف بها. نحن في الحقيقة لم نبدأ بإستخدامها بعد .هي غرائبيات لاتصدق ، هي فرح لا حدّ له. إن جمال كهذا كان بمكنتنا إمتلاكه كله. ولكن ما لدينا هو مجرد مصنوعات رخيصة. الفلم هو أكثر الوسائل حرية ويمكنك أن تفعل به المعجزات. وأقول بصراحة سأحيّي ، بغبطة ، اليوم الذي يحلّ الفلم فيه محل الأدب. حينها ستكون لاحاجة هناك الى القراءة. من الفلم يتذكر المرء الوجوه والحركات مما يكون أمرا غير ممكن بعد القراءة . وإذا كان الفلم ُيبقي على التوتر فهو يجذبنا إليه تماما. حتى الموسيقى كفت عن أن تكون كما كانت. وخاصة في الكونسيرت حيث لا يوجد الجو الجّيد ، حيث يتثاءب الناس أو يغفون ، حيث البرنامج طويل بما فيه الكفاية وهم لا يعزفون ما يحبه المرء. أنت تفهم ما أقصده. في السينما حين يجلس المرء في الظلام وتظهر على الشاشة الصور وتختفي إنما يذكر ذلك بمطر من الشهب التي تسقط.
- سمعت بصيغة فلمية ل ( مدار السرطان ).
* يدور الحديث عن ذلك. كانت هناك بضعة مقترحات ولكن لا أستطيع أن أتصوربأي طريقة يمكن نقل هذا الكتاب الى الشاشة.
- قد تبدأ أنت بعمل ذلك ؟
* كلا. فكما يبدو لي تكون فلمنة هذا الكتاب أمرا غير ممكن تقريبا. أولاً ليس هناك أي عقدة أو رواية. عدا ذلك يعتمد كل شيء هنا على اللغة. وليس مستبعدا أن يفلح أحدهم في أن يحوّل هذه اللغة ( الإستوائية ) الى اليابانية أو التركية لكن ليس الى الإنكليزية ، فهذا شيء لا أقدر على تصوره. الفلم هو درامي بكل وضوح. إنه وسيطة طرح ٍمرنة ، وفي كل الأحوال هو مجموع صور.
- في العام الماضي ( 1960 ) كنتَ أحد المحكمين في مهرجان كان السينمائي.
* نعم ، ولو أنه لم يكن الإختيار الأفضل. الفرنسيون أرادوا ، بالتأكيد ، إظهار أنهم يثمنون كتبي. لاشك أنهم عرفوا بأنني مغرم بالسينما ، لكن حين سألني أحد الصحفيين هل ما زلت أحب الفلم كنتُ مضطرا الى الإجابة بأنني لا أشاهده على وجه التقريب. خلال الخمس عشرة الأخيرة شاهدت الأفلام الجيدة فقط. لكن بالطبع في أعماق القلب ما زلت مغرما بالسينما.
- قبل وقت غير بعيد كتبتَ مسرحية. هل تلائمك وسيطة التعبير هذه ؟
* هذا هو بالضبط نوع الأدب والذي رغبت دائما إستخدامه. ولكني إفتقدت الجرأة أبدا. في ( نيكسوس Nexus ) عندما لم أكن معروفا بعد وحملت عبء كتابتي ، يوجد وصف حيّ جدا لمحاولتي كتابة مسرحية عن الحياة التي كنا نمارسها آنذاك. لكنني لم أنهها البتة. ربما كتبت فصلا واحدا فقط. كنتُ قدعلقت على الحائط خطة دقيقة للمسرحية وكنت قادرا على الكلام عنها بسهولة لكني لم أفلح في إنهائها. أما المسرحية التي كتبتها الآن يمكن القول بأنها من أعمال المصادفة. حينها كنت في حالة خاصة إذ لم يكن لدي أي شيء لعمله ولم أرغب في الذهاب الى أيّ مكان.. كل معارفي سافروا ولم يكن هناك الكثير من الطعام ولذلك قررت أن أجلس وأحاول الكتابة. عندما بدأتُ لم يكن لدي أيّ تصورعما سأفعله. الكلمات كانت تصل الى الرأس تلقائيا ولم يكن عليّ أن أصارعها. ولم أبذل في هذه الكتابة أيّ جهد.
- عن أيّ شيء كانت تلك المسرحية ؟
* عن كل شيء وعن لاشيء. في الأخيرلا يبدو لي بأن ذلك كان أمرا مهما الى هذه الدرجة. كانت نوعا من الكوميديا الخفيفة والتقليد الساخر burlesque ، فيها عناصر سوريالية. هناك موسيقى أيضا جاءت بالمصادفة ، من صندوق موسيقى ومن المحيط أيضا. لكن لا أعتقد بأنها كانت مسرحية مهمة رغم ظني بأنك لن تغفو أثناء عرضها.
- هل ستكتب مسرحيات أخرى ؟
* آمل في ذلك. المسرحية التالية ستكون تراجيديا أو كوميديا تستدر الدموع.
- أيّ شيء آخر تكتبه الآن ؟
* لا شيء .
- ألا تعمل الآن في الجزء الثاني من ( نيكسوس) ؟
* آ، نعم . عليّ أن أنهيه ولكني لم أبدأ بعد. حاولت عدة مرات ولكني صرفت النظر عن ذلك.
- قلت َ بأنه عليك أن تنهيه.
* نعم ، بمعنى ما ، عليّ أن أنهي هذا المشروع الذي نشأ في عام 1927. و ها أن النهاية تقترب. يبدو لي أن هذا التأخير ينتج ، جزئيا على الأقل ، من حقيقة أني لا أريد أن أقود هذا العمل الى النهاية. حينها سأكون مرغما على التفكير من البداية والأخذ بنهج جديد و العثور ، بشكل ما ، على حقل جديد للعمل ، فأنا لا أريد الكتابة عن تجاربي الشخصية. إن جميع هذه الكتب البيوغرافية كتبتها وليس لأني أعتبر نفسي شخصا مهما بل لأني ، وأكيد أنما سأقوله سيدفعك الى الضحك ، حين بدأتُ كنتُ على يقين بأني سأروي قصةعن المعاناة الأكثر تراجيدية. إلا أنني أدركت أثناء الكتابة بأن معاناتي هي عمل هواة. بالطبع كنت قدعانيت حقاً لكن لا أعتبر ذلك قد كان بهذه الفظاعة. لذلك أسميت الثلاثية ب( الصلب الوردي ). لقد إكتشفتُ بأن المعاناة كانت بالنسبة لي شيئا طيّبا وعن طريق قبولها ُفتح أمامي الطريق الى حياة مليئة بالبهجة. عندما يكون الإنسان مصلوبا وعندما يموت من أجل نفسه يتفتح قلبه كما الوردة. بالطبع هو لايموت ولا أحد يموت ، ولاوجود للموت ، فالإنسان يغنم نظرة جديدة ويصل الى منطقة جديدة من الوعي ، الى عالم غير معروف. هذه الحال شبيهة تماما بتلك التي لانعرف فيها من أين جئنا كما لا نعرف الى أين نمضي. لكني أؤمن عميقا بأنه يوجد شئ ما ، وكان هناك شيء وأن آخر سيأتي .
- كيف تشعر و أنت كاتب مرغوب بعد هذه السنين من مكابدات الخلق ؟
* لاشيء على وجه الخصوص. كل هذا هو شيء غير فعلي. وبأيّ شكل لا يخصني . بل على العكس هو أمرغير لطيف ولايمنحني أيّ متعة. أنا ألاحظ فقط بلبلة أكبر في حياتي ومزيدا من القلق و العبث. ما يهتم به الناس كفَّ عن أن يكون موضع إهتمامي. صارهذا الكتاب عندي لا يملك أيّ أهمية. يعتبر الناس بأنه طالما هم مشغولون به فالأكيد أنني أفعل ذلك أيضا. يبدو لهم أنني حين أصبحت في الأخير معترفا به هو أمر بالنسبة لي بالغ الأهمية. و بدوري لدي إنطباع بأني كنت مقبولا قبل ذلك بكثير وعلى الأقل من قبل الذين أنا مهتم بهم. وقبول الجمع لا يملك لدي أيّ أهمية، حتى أن هذا في الحقيقة هو أمر مكدّر ، فهو ينتج عن دوافع غير صحيحة إذ يحدث لمجرد الإثارة مما لايعني أبدا بأنه يتم تقديري وفق قيمتي الحقيقية.
- لكن هذا جزء من التقدير الذي كنت تنتظره في وقت ما.
* أنا لا أنكر ذلك. لكن ينبغي إدراك أن الإعتراف الحقيقي لايحصل إلا بين الأشخاص المتساوين ولدى الذين يمثلون المستوى نفسه. هذا ما يحسب حسابه فقط ، و مثل هذا الإعتراف أنا أتمتع به منذ أعوام.
- أيّ واحد من كتبك تعتبره الأفضل ؟
* ( عملاق ماروسي ). على الدوام كنت أعتبره الأفضل.
- النقاد ، وعلى الأقل معظمهم ، يعتبرون أن الأفضل هو ( مدار السرطان).
* حين قرأتُ مرة أخرى ( مدار السرطان ) إقتنعت بأنه أفضل بكثير مما بدا لي في وقت ما. لقد أعجبني. وجاء هذا مفاجأة لي تماما. فخلال سنوات طويلة لم أعد الى هذا الكتاب. يبدو لي أنه كتاب جيد جدا وله قيمة دائمية. أما ( عملاق ماروسي ) فيتعامل مع أبعاد أخرى قليلا من شخصيتي. إنه كتاب مليء بالحبور وهذا ما يعجبني فيه إذ هو يعبر عن الفرح و يمنحه أيضا.
- ما هو مصير ( Draco and the Ecliptic ) الذي أعلنتَ عنه قبل سنين ؟
* لاشيء يحدث وحتى أني نسيته. رغم أنه توجد دائما فرصة كتابته في يوم جميل ما. كان من المقررأن يكون كتابا صغيرا غير سميك أوضح فيه المقاصد التي إسترشدت بها في كتبي التي أتكلم فيها عن حياتي كلها. بعبارة أخرى أردت أن أنسى ما كتبته وأحاول مرة أخرى أن أوضح ما أردتُ عمله. ربما أوضحُ بهذه الطريقة أهمية كتبي من وجهة نظر المؤلف التي ، كما تعرف يا سيدي ، هي واحدة من وجهات نظر كثيرة ، وحكمه على أهمية كتبه. وهذا حكم يضيع بين كثرة الأصوات الأخرى. وهل هو يعرف جيدا ، كما يخيل إليه ، أعماله ؟ أعتقد أن الجواب هو النفي. بالأحرى أظن أن الكاتب يذكر بالوسيط في عملية تحضير الأرواح . فعندما يخرج من حالة التنويم يكون كله إستغراب مما قيل و حصل.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156825   Visitors since 7-9-2002