المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الكاتب العراقي علي حسين عبيد

  
أجرته إنتصار السعداوي
  


القاص والروائي علي حسين عبيد أحد القصاصين المثابرين في حقل السرد ، نشر العديد من القصص في الصحف والمجلات العراقية والعربية ، ودافع عن الإسلوب الواقعي الذي يهتم به ويحاول ان يواصل نتاجه الإبداعي من خلاله ، حيث وثّق ازمات المواطن العراقي المتأتية من حروب متواصلة ، وحضارات ، وما نشأ عن ذلك من مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية واخلاقية ووجدانية.
صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (كائن الفردوس) ورواية بعنوان (طقوس التسامي) وكتاب نقدي بعنوان ( استدراج القص الى دائرة الشعر) وله رواية منجزة بعنوان ( رحلة غياب ) نشر عددا من فصولها في الزمان والصباح فضلا عن ذلك فهو متواصل في كتاباته النقدية عن المجاميع الشعرية والقصصية في عدد من الصحف في داخل القطر وخارجه ، وفي هذا الحوار ثمة اعتراف بأمور كثيرة...


في قصتيك "رائحة الاب" و" نتوء الشيطان" ضمن مجموعتك القصصية كائن الفردوس ، ثمة تناص واضح مع روايتك طقوس التسامي من حيث الشخصيات مثل شخصية الأم (زكية) والابن (الطفل) ، اضافة الى تناصات في الجمل ، ووصف المكان ، هل كنت تقصد ذلك ؟.

- يقول احد النقاد ونكاد نتفق معه على ان جميع النصوص الأدبية مستنسخة عن نص (الانسان) الأم... أي اننا لا نأتي بجديد ينتسب إلينا حصراً حيث المواضيع غالبا ما تجدها على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ ، اما الجديد في النصوص التي نكتبها ربما يأتي او يتشكل في طريقة القول أي في الجانب الفني حصراً وبخصوص التناص الوارد في سؤالك فأنني لم اقصد تحويل هاتين القصتين (نتوء الشيطان) و (رائحة الأب) الى رواية (طقوس التسامي) بل ان فكرة القصتين ظلتا ملازمتين لي ربما حتى هذه اللحظة ، أي بعد اكثر من عشرين سنة على كتابة رائحة الأب واكثر من عشر سنوات على كتابة ( نتوء الشيطان التي أعدت كتابتها أكثر من سبع مرات كما يعرف أصدقائي من الأدباء)... انني اعترف حقا بأن زكية (طقوس التسامي هي زكية نتوء الشيطان) لكن في الرواية كان لي فضاء اوسع لكي أسبغ عليها مواصفات الورع والوفاء التي تنتسب إليها أصلا أما في القصة فأن هذه المواصفات وردت خطفا حتى ان شخصية المرأة (زكية) في القصتين كانت على قدر كبير من الضبابية على عكس وضوحها وظهور خصالها بشكل اوسع وأدق في المتن الروائي لطقوس التسامي.
وعلى العموم يبقى هاجسي كواحد من الكتاب العراقيين هو هاجس المظلوم الذي يحاول ان يدفع الحيف الذي لحق به من خلال إلقائه على شخصياته القصصية او الروائية ولا فرق ان كانت هذة الشخصيات نسوية او ذكورية.


نرى ان طاقتك الشعرية متسربة الى نصوصك القصصية وخصوصا في مجموعة كائن الفردوس ، هل كنت تتعمد ذلك أم هي تلقائية الكتابة لديك ؟

- اعتقد ان اغلب الأدباء بدأوا شعراء وانا من بينهم فقد كتبت الشعر ونشرتة في بواكير رحلتي مع الادب ثم ما لبثت ان تحولت الى العالم الاوسع (عالم السرد) فوجدت حقيقة ما اصبو إلية حيث يتاح لك ان تخلق حيوات كاملة بشخوصها وامكنتها وتأريخها ايضا على خلاف الشعر ...غير ان هذا التحول الى حقل السرد لم يبلغ في أعماقي تلك المسحة الشاعرية التي لازمتني حتى في تفاصيل صغيرة من حياتي اليومية لدرجة ان إحدى الجمل التي اشتهر بها في الوسط الثقافي هي جملة (صديقي أيها الرائع الجميل ) عندما ألتقي أصدقائي وخاصة عندما نجتمع حول مائدة (الألم) ، على العموم ما جاء في سؤالك هو صحيح حيث اللغة الشاعرية في قصص كائن الفردوس اكثر حضورا لكن انا أرى وبعض النقاد أيضا اشار الى ان هناك ومضات شعرية برقت في هذا المشهد او ذلك المقطع من فصول رواية طقوس التسامي.


أبطال قصصك جميعا يعيشون دائما في ازمات وجودية ، اجتماعية ، سياسية ، اكثر منها ازمات عاطفية ، هل انت صاحب هذة الازمات ؟ وهل صحيح ما يقال في الوسط الادبي والنقدي ان المجنون هو علي حسين عبيد ؟

-سيدتي لولا الأزمات لما كان الأدب...إذ لا ضرورة ابدا لأدب في عالم متناسق يخلو من الازمات...فكيف ونحن في العراق نعيش منذ عدة عقود في بؤرة التوتر البشري على المستوى العالمي ...نعم هكذا هم ابطالي فلقد اسقطت عليهم ازماتي حقا ولطالما خفف عني هؤلاء (الابطال) غضبي من العالم وحنقي علية ...أتعلمين انني في قصة (نتوء الشيطان) حولت جنوني الخاص وافرغتة في هذة الشخصية المجنونة...بمعنى اخر انني تخلصت من أزمة جنون كانت ستصيبني لو انني لم احولها في هذة الشخصية ولا مبالغة في هذا الكلام لمن رافقني من الأدباء في اواسط التسعينيات كحسن النواب ومحمد علي النصراوي وفاضل عزيز فرمان وغيرهم وهكذا ترين – وانت واحدة منا – اننا نحن معشر الكتاب لا نكتب إلا عندما نبحث عن أنفسنا ...لقد وصف د .ضياء خضير (مجنون نتوء الشيطان ) بأنة ضحية حرب وهو مجنون حقيقي لا يمكن ان يكون من صنع الخيال وهذا المجنون هو (علي حسين عبيد) الذي عانى كما عانى العراقيون جميعا حروبا جحيمية قربتهم كثيرا من حافة اليأس وكثيرا كثيرا من حافة الجنون ولولا انهم لهم طرقهم الخاصة في ابتكار الحلول والتبريرات لما كانوا أناسا أسوياء بعد تلك الكوارث التي لحقت بهم...
اذن انا اتفق معك ان كل شخصية وردت في قصصي وفي روايتي هي تبرير لأزمة عشتها كما عاشها العراقيون وهي نوع من الحلول غير الناجعة قطعا...لكنها ابسط الحلول المتيسرة كطريق او كوسيلة للانتماء الى الانسان الذي ينتمي الى حقيقتة...تلك الحقيقة الانسانية التي تشعرة حقا انه مازال إنسانا سويا معافى من لوثة الجنون.


صار المتلقي العادي يشعر بغربة عند قراءتة الكتابات الحديثة ، هل ترى اننا ابتعادنا عن الواقعية بحجة الحداثة ، وهل مصطلح ما بعد الحداثة هو الذي سبب لنا هذة الغربة أو الجفوة بين القارئ والكاتب ؟ وما العمل برأيك لإزالتها؟

- لا اكتمك انني ضقت ذرعا بمن يتبجحون بمفردات مثل (الحديثة / الحداثة / الحداثوي / ما بعد الحداثة) الى آخره من هذه المفردات التي لا يتكئ عليها سوى الفارغين ابداعيا..
لقد لجأ انصاف الموهبين من كتاب السرد عندنا في العراق الى (الحداثة) كمصطلح لغوي وليس كجوهر ولقد أكثروا من التبجح بما بعد الحداثة تخلصا من مأزقهم المتمثل بضآلة مواهبهم وعجزهم عن تقديم ادب سردي قريب من القارئ وعندما تطالب هؤلاء بالاقتراب من حافة القارئ بشكل عام يتهمونك بأنك كاتب (شعبي) وغير متواصل مع تطورات العصر والى غير ذلك من التبريرات التي لا تشفع لعجزهم الأدبي ابدا.
اننا نفتقر لتأسيس ادب سردي عراقي أصيل فنهرب الى أصدقائنا من كتاب الغرب الذين خلفوا لنا فتافيت البنيوية فبدأنا الآن نمضغها كأنها ألذ (وجبة غذائية ) في الأدب غير انها في واقع الحال من فضلات الغرب التي فرغ من موائدها منذ عشرات الاعوام.
اما انا ، واعوذ باللة من كلمة انا ، فأهتم بالقارئ وأحلم حقا ان يكون معي في عربة التأليف الأمامية بل وأعمل على ذلك ولن أضعة خلف ظهري ، ولا يهمني ان يطلق عليّ الآخرون صفة كاتب شعبي او انساني لأني في واقع الحال لا اطمع الى اكثر من خلق قصة يحبها القارئ ويتفاعل معها ويحسها قريبة منه بإنتمائها لإنسانية الانسان.


البعض يرى ان المكان مغيب في رواية " طقوس التسامي" برغم انها تتحدث عن مشكلات العراق في حروبه المتكررة مع العلم ان المكان يمثل المنبت الطفولي للكاتب ، وهذا ما لحظناه في قصصك القصيرة ، حيث جمالية المكان واضحة.

-الواقع ان رواية ( طقوس التسامي ) لم تأخذ وقتها الكافي في الكتابة... اعترف لك أنني كتبتها على عجالة من حيث شكلها الفني حصراً... أما أفكارها وشخوصها فهم معي منذ زمن بعيد... لقد إختزنت أحداث عشرة أعوام محصورة بين عامي 199. - 2... وسكبتها على الورق في مدة وجيزة .. ولذلك قد يكون المكان مضببا بعض الشيء حيث الإشتغال مكانيا على مقوم المخيلة اكثر من الإتكاء على الواقع الفعلي للمكان .. اما في القصص الواردة في ( كائن الفردوس) فإن المنبت الطفولي واضح حقا لأن المساحة الزمنية التي منحت لهذه القصص كانت كافية لتأصيل المكان والتركيز على ملامحه وعلاماته..


المرأة في قصصك تعيش في وهم وعزلة وأزمات متكررة ، وهي محبطة دائما ، فهل هذه هي صورة المرأة لديك ؟ أم ان هناك صورا اخرى تحمل بين ملامحها علامات التغيير؟

-المرأة هي أروع مخلوق أوجدته الإرادة العليا بين المخلوقات الأخرى وهي أضعفها ايضا وهنا تكمن المفارقة .. فما أقسى ان تجتمع الروعة والجمال من جهة والضعف من جهة اخرى في كائن واحد هو المرأة ؟!
أتذكرين (زوربا) اليوناني عندما قال :
ان سر تعلقنا بالمرأة ليس جمالها فحسب بل ضعفها … وهكذا سترين ان عزلة المرأة في قصصي واحباطاتها لم تأت من فراغ بل انها كائن قائم على الضعف ( فسيولوجيا) فكيف بها وهي تعيش في واقع اجتماعي ذكوري يزيد ضعفها ضعفا مضاعفا ، بالقمع والمصادرة والتحجيم وسرقة دورها في الحياة بحجج ومبررات عرفية ودينية واهية.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057109   Visitors since 7-9-2002