المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع البروفيسور الدنماركي كارل براسه المتخصص باللغتين العربية والبربرية

  
أجرى الحوار د. زهير شليبه
  
إنه من الممتع بالنسبة لي انا والقراء أن أجري حوارا معك لأنك متخصص في مجالين صعبين، العربية والبربرية، لغتين موجودتين في نفس المنطقة، في العالم العربي وفي دولة واحدة نشهد فيها مع شعبها والعالم كله حدوث مشاكل ثقافية، سياسية ودينية كثيرة، خاصة في الفترة الأخيرة حيث قتل المطرب البربري ونّاس في الجزائر ومع ذلك فإن آمالنا كبيرة في أن ينعم الشعب الجزائري بالإستقرار والحرية والوحدة والسلام.
وهو أمر ممتع ومهم ايضاً بالنسبة لنا ان أحاورك لأنك إخترت دراسة اللهجة القاهرية في دراساتك اللغوية وما يثيره هذا الأمر من خلافات ونقاشات وهي لهجة يفهمها أكثر العرب، ولكنها ليست بديلة للغتهم العربية ولا حتى لهجاتهم الأخرى.
ولهذا فأنا أفضل بدأ الحوار بالحديث عن اللهجة العربية، ولكني سابدا حوارنا هذا بسؤال تقليدي، لماذا إخترت هاتين "المهمتين" الصعبتين، العربية والبربرية؟
- أنا لغوي، متخصص في علم اللغات و عملت في كل حياتي العلمية كلغوي ولم أشغل نفسي لا بالتاريخ ولا الدين ولا بأشياء من هذا القبيل.
أنا إهتممت بتحليل اللغات ومقارنة السامية منها والحامية ولهذا فقد كتبت في ايام دراستي موضوع الماجستير في مجال علم المصريات.
- متى كان ذلك؟
-كان ذلك في الخمسينات وقد حصلت على “الكونفيرانس" في عام 1956 وهو نوع من الماجستير في الآداب ولكن على مستوى أعلى قليلا، وهو ما يعادل شهادة الدكتوراه في الخارج.
-أين كان ذلك؟ هل كان ذلك في كوبنهاجن؟
-نعم.
-في معهد كارستين نيبور؟
-نعم، كان المعهد يسمى آنئذ بمعهد العلوم المصرية، وكان هذا الإختصاص مقسما عندنا على خمسة أو ستة معاهد مختلفة ولكنها جُمعتْ فيما بعد.
-ماذا كتبت في رسالة الماجستير؟
-كتبت عن تركيب الأسماء باللغة البربرية. كان هذا البحث الذي عملته خاصا جدا. كان المفروض ان اعرف تلك اللغات المصرية القديمة المكتوبة بالهيروغليفية والقبطية المكتوبة بنوع من الحروف اليونانية ولكني دخلت في التاريخ والآثار وكان علي في المقابل أن اعرف مجموعة كبيرة من اللغات السامية الأخرى مثل العربية القديمة واللهجة المصرية والإثيوبية. إضافة إلى ذلك فإني أجريت إمتحانا في العبرية ولهذا فإني كنت أجد نفسي حقا في اللغات السامية.
-وكيف الحال مع البربرية؟
-وبدأت في الوقت نفسه الإهتمام باللغة البربرية، التي درستها لمدة عام في باريس على يد بروفيسور كبير في السن إسمه أندريه باسييت. كان ذلك في عام 53-54 ولهذا كتبت بحثي الكبير عن تركيب الأسماء البربرية.
كان هذا "الكونفيرانس" مناسباً جدا لي كأنها بدلة مفصلة على مقاسي فلا يمكن للمرأ في ايامنا الحالية أن يحصل على مثل هذا "الكونفيرانس".
-وأين تعلمت العربية؟
-تعلمت اللهجة المغربية في باريس حيث كنت أشارك في دورة تعلم المغربية والدمشقية هناك ولكني وجّهت إهتمامي الأكبر للهجة العربية المغربية لأنها أمور مهمة جدا بالنسبة للمتخصص بالبربرية وعليه أن يتعلمها. هناك العديد من الكلمات المستعارة من العربية في البربرية وأنها “الكلمات الدخيلة" تكون في بعض اللهجات أكثر من 50% وركزت إهتمامي على البربرية.
-هل تعلمت البربرية في مناطقها الأصلية حيث ينطقها أهلها مثل الجزائر ومناطق أخرى؟
-أنا كنت في الجزائر في واحة تامنغسَّت وحُقَّار لأدرس لهجة الطوارق.
-متى كان ذلك؟
-في عام 1958
-كيف كانت إنطباعاتك؟ ألم يكن من الصعب عليك كأجنبي أن تقيم هناك في تلك الأيام؟
-لا، لقد كان ذلك أثناء الحكم الفرنسي، ولم تكن هناك حرب أهلية في المنطقة التي كنت أقيم فيها. كانت الأمور هادئة هناك في واحة تامانراسيت وعملت أولا وقبل كل شيء مع عائلة طوارقية تعمل بالحدادة، وكنت ألتقي بزبائنهم وأتكلم معهم.
- وهل تعلمت اللهجات البربرية المحتلفة كما هو الحال مع العربية؟
- لقد ركزت على لهجات ثلاث: قبل كل شيء الطارقية طبعا حيث كتبت بحثي عنها لأنها هي اللهجة الأقدم ولهذا فهي اللهجة الفضلى لمقارنتها بالعربية واللغات السامية الأخرى. إضافة إلى ذلك فإني تعلمت اللهجة القبائلية واللهجة السوسية أو التاشلحيت "الشلحة" في جنوب المغرب ولكني لم أكرس وقتا كثيرا لهذه الأمور.
- وماذا عن اللهجة الريفية و لهجات البرابرة في المغرب ؟
- لا، لم أركز عليهما إلا أني إطلعت على كل ما أمكن من هذه اللهجات.
- طيب ماهي إستنتاجاتك عن العلاقات اللغوية بين البربرية والعربية؟
- كلاهما لغتان من اللغات الحامية السامية وهي لغات كبيرة جدا وتتكون من 4 أو 5 فروع واللغة السامية هي مجرد فرع يشمل العربية والعبرية والآشورية والإثيوبية وغيرها.
- وماهي اللغات الأخرى التي تنتمي إلى الفروع الأخرى؟
- مثل المصرية القديمة واللغات الكوشية مثل الصومالية واللغة البربرية واللغات التشادية مثل الهاوسا.
-وماذا عن اللغة السومرية؟
- إنها ليست لغة سامية! ولا حامية.
- وأية لغة إذن هي؟
- لانعرف عنها شيئاً. إنها لغة مفصولة وليس لها علاقة بهذه اللغات التي نحن بصددها. ولكن إضافة إلى اللغات السامية فهناك المصرية الهيروغلوفية القديمة فهي فرع رقم 2 والبربرية فرع رقم 3 واللغة الكوشيه أو الهاوسا في الحبشة مثل الصومالية ولغة أورومو التي تكون الفرع رقم4 وأخيرا اللغات التشادية في غرب أفريقيا مثل الهوسا، هل سمعت بها؟
- نعم .
- أين سمعت بها؟
- كان طلابنا يدرسونها، فقد عملت في كلية اللغات الأفريقية وكان لدينا أقسام للهاوسا والفلّاني والسواحيلي.
- هذا امر جميل للغاية ان تُدرّس هذه اللغات في العالم العربي.
- هلا حدثتني عن الإختلافات وأوجه الشبه بين العربية والبربرية؟
- يمكن للمرأ أن يقول إن البربرية هي فرع من الحامية السامية وهي أقرب للسامية من المصرية والكوشية. نظام الأفعال البربري يشبه إلى حد كبير نظام الأفعال العربي والإختلاف في تشكيل بين صيغة الماضي و المضارع ولكنهما يصرفان بملحقاتٍ.
- هلا اعطيتنا مثالاً على ذلك.
- مثل فعل إكرِسْ هو فعل أمر يعني إربطْ، يِكر‎ِسْ هوصيغة مضارع و يِكْرَسْ بحرف العلة أ هو ماضي تام إلا أنه يوجد في اللغة البربرية زمن ثالث من الفعل يِكْر‎ِس وهو: يكَرّسْ وهذا مضارع مكثف ويعني هنا أنه بدأ بالربط، وهذا شكل موجود في اللغة الآشورية ولكن ليس في العربية.
- ماهو الفعل الذي يقابل يكَرَّسْ في اللغة الأكادية؟
- يبَرَّسْ iparras الذي يعني : يقررَ أو : يحسمَ
- هل هذا يشبه الفعل العربي كما يلفظه الناس في العامية: إيقرّر، أي يُقرّر؟ أنا أعتقد هذا موجود ايضا في العربية وخاصة في المحكية فالناس يقولون: إيربّط أو يربّط أو يربطُ بمعنى أنه مستمر في الربط، فماذا تقول؟
- أختارُ لفعل ربط العربي في العامية والفصحى ما يقابله بالبربرية: يبرّك - يبرُك وله نفس المعنى.
أما بالنسبة لنظام الأسماء فإنه يوجد في البربرية أيضا جمع تكسير ولكن فقط للنوع الذي فيه حرف : أ في المقطع الأخير فإذا كان لدى المرأ كلمة مثل آروف، التي تعني في الطارقية خروفٌ فإن صيغة جمعِها هي: إِِراف مثل: كَلب كِلاب في العربية. ويوجد في الطارقيه أيضا جمع تكسير ينتهي ب " آن "مثل إيكَبَر وتعني كوخ وجمعُها : إِيكبران، مثل قميص قمصان. ولكن لا يوجد جمع تكسير ينتهي بحرف : و، مثل بيت بيوت كما هو الحال في العربية.
- هل هناك أصوات في الطارقية خاصة بها وغير موجودة في العربية؟
- نعم، لنأخذ مثلاً حروف العلة، فإنه يوجد في النظام اللغوي الطارقي خمسة حروف علة طويلة "ممدودة" هي:A, I, U, E, O آ، إي، أُو، أَيِ، أَو وحرفا علة قصيران: $, ├ أَ، إِ فإن لديهم نفس النظام في اللغة العربية مع ثلاثة حروف علة ممدودة و ثلاثة قصيرة: أ، ي، و، وإضافة إلى ذلك فهناك E , O اللذان يعدان ثانويين في اللغة البربرية وهذه الظاهرة نعرفها من اللهجات العربية.
يوجد أيضا في اللهجتين المصرية والسورية E , O طويلتان/ ممدودتان ولكن ليس لهما نفس الأصل كما هو الحال في اللغة الطواريقية.
- وماهو الإختلاف بين أصلهما في اللهجتين المصرية والسورية واللغة الطارقية؟
- .....
_ وكيف الحال بالنسبة للكتابة البربرية؟
- الشائع هو أن يكتب المرأ الكتابة بالحروف اللاتينية، التي إخترعها الأوروبيون وهي الطريقة الأفضل للغة الطارقية والبربرية لأن أنظمة حروف العلة فيهما تعمل بطريقة اخرى تختلف عما هي عليه في اللغة العربية.
- هل يمكن أن نقول إنك ترى أنه من الأفضل إستخدام طريقة الكتابة بالحروف اللاتينية لكونك أوروبيا وإنه من السهل على الأوروبيين إستخدامها؟ كيف سيمكن كتابة حروف مثل ش، ص، غ، ق، ض، ظ، وغيرها من الأصوات الموجودة أصلا في البربرية واللغات السامية الأخرى، وغير موجودة في اللغات الأوروبية؟ هل من المستحيل إستخدام الحروف العربية في الكتابة البربرية؟
- طبعا إستخدام الحروف العربية في الكتابة البربرية أمر غير مستحيل ولكنه صعب، فإذا أخذت مثلا حرف العلة $ في الطواريقية، فكيف ستكتبه بالعربية؟ قد يكون من الممكن إيجاد حل لمثل هذا الأمر ولكن كيف ستكتب حرفي العلة E , O , وتميزهما عن I, U في اللغة الطارقية مستخدما الحروف العربية؟ طبعا يستطيع المرأ أن يجد شيئا إذا كان ذلك ضروريا، إلا أن هذا لن يطبق إطلاقا وأنه لا توجد مثل هذه التقاليد في تغيير الحروف العربية كما نفعل نحن الأوروبيين بحروفنا ونكتشف مجموعة كبيرة من العلامات المميِّزةِ.
- تصور لو أني أقوم بدراسة اللغة الدنماركية وأعمل للهجاتها المختلفة علاماتٍ خاصةً مأخوذة من الحروف العربية كأن أستخدم حرف ا غ العربي بدلا من R لأنه في حقيقة الأمر غالبا ما يلفظ كحرف الغين العربي، أو حرف الذال ذ العربي بدلا من الدال الدنماركي D المخفف وأكتب المقاطع كما تلفظ وليس كما تنص عليه قوانين الكتابة الدنماركية المعمول بها والتي يعاني منها أغلب الأطفال والشباب، فهي في حقيقة الأمر كتابة صعبة جدا ومختلفة عن اللفظ وهناك من يرى "وأنا لا أختلف معهم قليلا" أنها ميتة لأنهم لا يتقنونها! أعتقد ان هذا سيؤدي إلى فوضى لغوية في المجتمع الدنماركي وسيرفضها السياسيون بالتأكيد أما المتحمسون القوميون فسيشهرون السلاح ضدي بالتأكيد!
هذا مجرد تصور وهو ممكن التحقيق لأن الإختلافات بين بعض العلامات الصوتية وحروف العلة نسبية والتعلم عليه منذ الصغر أمر ممكن جدا. انا طبعا أؤمن بتطوير الحروف العربية، بل زيادتها إن أمكن وإدخال علامات جديدة لأصوات قد تكون موجودة في اللهجات وغير موجودة في العربية الفصحى ولكن مع الحفاظ عليها وتبسيطها، كذلك أرى من الضروري إدخال كل ما يمكن إدخاله من المفردات العربية الدارجة في قاموس اللغة العربية الفصحى المعاصرة والإعتراف بها من قبل المجامع اللغوية العربية.
- .........
- هل الكتابة البربرية بالحروف اللاتينية منتشرة بين البربر؟
- نعم، أنا أعتقد أن بعض الكتاب القبائليين يكتبون بالحروف اللاتينية. ألقبائليون هم أكثر من كتب بالحروف اللاتينية ولكن جرت محاولة الكتابة بالحروف العربية في الماضي. قبل 200 - 300 سنه كان البربر يكتبون بالحروف العربية ونعلم أن القرآن ترجم إلى البربرية من العربية إلا أنها دمرت كلها ولن نحصل عليها ابدا.
- ألا يمكن الحصول على تراجم القرآن إلى البربرية في فرنسا مثل؟
- لا، لأنها تراجم تعود لمئات عديدة من السنوات، أثناء حكم المراودين والمرابطين. أنا إطلعت على قاموس بربري مغربي بالحروف العربية لمؤلفه محمد شفيق، الذي صدر عام 1989 عن الأكاديمية الأمازيغية في المملكة المغربية ورأيت ايضا شعرا طارقياً بالحروف العربية.
- إلى أي فترة تعود هذه الأشعار؟
- إلى عدة قرون مضت وتوجد بضعة مخطوطات قديمة تم الإحتفاظ بها.
- إلا أننا نلاحظ رغم كل ذلك أن كاتبا بربريا مشهورا مثل كاتب ياسين لم يكتب بالبربرية مستخدما الحروف اللاتينية، مفضلا الفرنسية. وأن هذا حدث لأنه لم يعتد الكتابة بالبربرية "الملتننه” إن جاز التعبير أو اللاتينية.
- أنا أستطيع أن أُريكَ روايةً قبائلية، مكتوبة بالبربرية اللاتينية، إضافة إلى ذلك فقد جرت محاولة ثالثة مختلفة تماما وأعني بها الكتابة بالحروف الليبية القديمة، التي يستخدمها الطوارق في ليبيا والجزائر والنيجر حتى وقتنا الحالي. يسمي الطوارق هذه الأبجدية الليبية تيفيناغ. نعم إنه كنوع من إتحاد للهوية البربرية.
وبهذه الطريقة يحصل البربر على أبجديتهم الخاصة بهم. في مالي والنيجر، حيث أغلب السكان من البربر تم الإتفاق على أن تعتمد أبجديتهم على الحروف اللاتينية لأنه من الضروري أن يكون لهم أبجدية واحدة وأسلوب واحد للكتابة المتشابهة في كل المناطق.
- كيف تم الإتفاق على ذلك؟
- كان ذلك إلهاما من منظمة اليونيسكو.
- وكيف الحال بالنسبة للجزائر؟
- إنهم لم يتخذوا مثل هذا القرار، لم يرغبوا الإشتراكَ في هذا البرنامج، ولكن في السنوات الأخيرة جرى حديث عن موافقة تدريس اللغة والتقاليد البربرية في المدرسة.
- لماذا رفضت الحكومة هذه البرامج؟
- بسبب الحفاظ على الوحدة الوطنية، وهي مشكلة كبيرة في كل الدول العربية، التي تعتبر اللغة العربية الفصحى اساسا ولكنها لغة قائمة بحد ذاتها، لا يتحدث بها أحد لأن كل الشعوب العربية تتحدث باللهجات، ولهذا فإن الأطفال في حقيقة الأمر يتعلمون لغة جديدة عليهم عندما يبدأون الدراسة في المدرسة.
- ولكن هناك أيضا من يعتقد أن "لتننة" البربرية وإستخدام البربرية "الملتننة" سيكون مشكلة معقدة بالنسبة لحاضر الاجيال الجزائرية ومستقبلها، تلك الأجيال، التي حصلت على دراساتها وشهاداتها باللغة العربية والفرنسية لأنه سيكون من الصعب عليها الإستغناء تماما عن اللغة العربية والبدأ بالعمل والدراسة فقط باللغة البربرية “الملتننة”. إن هذا يعني أنهم يبدأون من جديد، من الصفر في حالة تخليهم أو رفضهم العربية والإعتماد كليا على اللغة الجديدة البربرية "الملتننة". سيكون من الصعب الحصول على الكتب التعليمية والمصادر العلمية بهذه اللغة الجديدة، وطبعا ليس من السهل تجنب العربية والفرنسية أو الإستغناء عنهما ولكنه أمر غير مستحيل إذا أصر المرأ على عمل ذلك. اللغة العربية أصبحت لغة مهمة جدا وتعلمها يغني الإنسان بالوصول إلى العديد من المصادر وإلغائها يعني خسارة كبيرة بالنسبة لأولئك الذين يستخدونها ويقرأون بها الكتب. إضافة إلى ذلك فانه هناك من يشعر بصعوبة فهم أن يتعلم قسم من الشعب لا يشكل الأغلبية لغةً جديدة هاملاً لغة القسم الأكبر الذي يشكل الأغلبية، لا سيما وأن هذا القسم الصغير لا يعيش فقط في مناطقه الخاصة به لوحده، بل منتشر أيضاً في عدة مناطق. منظمة اليونيسكو مثلا بذلت جهودا كبيرة في توحيد اللهجات البربرية وتكوين أبجدية لاتينية للغة بربرية جديدة موحدة بينما هناك من يقترح على العرب تكوين لغات جديدة إعتمادا على اللهجات العربية. هناك من يعتقد بأنه سيكون من الصعب تدريس البربرية محل العربية كبديل عنها، وقد يكون من المناسب أن أذكر لهجات جزيرة جوتلاند أو بورنهولم الدنماركيتين مثلا يمكن أن تكوّن لغةً جديدة بحد ذاتها، يا ترى ما ذا سيكون لو إستغنى سكان بورنهولم عن اللغة الدنماركية تماما وركزوا على لغتهم الجديدة؟ وماذا سيكون الأمر لو أنهم، لنفرض مثلا، إتخذوا الحروف العربية ابجدية جديدة لهم؟ طبعا ستتعدد اللغات في الدنمارك وستظهر صعوبات في التفاهم بين الناس والأجيال الجديدة إن لم يتعلموا لغة واحدةً إضافة إلى لغتهم الأصلية التي يستخدونها في البيت.
قبل ايام وانا أكتب هذه المقابلة قال لي أحد زملائي الدنماركيين الذين يدرّسون اللغة الدنماركية للأجانب: هل يمكن لك أن تتصور ماذا يمكن أن يحدث لو أنّ سكان جزيرة جوتلاند مثلا يرفضون أن يتعلموا اللغة الدنماركية ويقرروا دراسة لهجاتهم فقط في المدارس والجامعات؟ ثم اردف ضاحكا وماذا سيحدث لو أن الأجانب المقيمين في الدنمارك سيجبرون على تعلم لهجات الجزر التي يسكنون فيها بدلا من اللغة الدنماركية الواحدة؟ أجاب زميلي نفسه على هذا السؤال قائلا: طبعا ستحدث فوضى يخسر فيها الجميع أكثر مما يربحون. سيخسر الناس المصادر الرائعة المكتوبة باللغة الدنماركية و سيجد الطلبة والناس صعوبةً في إعادة التأهيل بلغة جديدة إذا لم يتعلموا اللغة الدنماركية. وسيلاقي الطلبة الدنماركيون المقيمون في جزيرة جوتلاند أو بورنهولم أو فُون مثلا مشاكل كبيرةً في تعلم لغتهم الأم إذا ما إقتصرت دراستهم على لغة أهل الجزيرة فقط. هذا إفتراض لكنه قابل للتحقيق إذا ما خصصت المؤسسات له الأموال والمصادر.
- لا توجد لدينا نصوص مكتوبة بلغة جزيرة جوتلاند، كان ذلك موجودا في السابق ولكن ليس في الوقت الحاضر.
- إذن فقد يرى بعض الناس بأنه من الضروري تدريس لهجات أو لغات الجزر الدنماركية في المدارس الدنماركية. هناك من يرى أن هذا سيؤدي إلى إهدار الوقت خاصة إذا كانت اللهجات محلية وغير ضرورية للآخرين.
- أنا تعلمت قسما من هذا في المدرسة الثانوية، وبالذات قرأت أشعارا قديمة لشاعر من جزيرة جوتلاند إسمه ستين ستينسن بليخَر.
- متىكان ذلك؟
- كان ذلك من1945 حتى 1948
- هل تعني بأنك تعلمتَ اللغة الجوتلاندية كلغة بحد ذاتها؟
- لا، كان من الضروري أن نطلع عليها مثلما كان علينا أن نطلع على اللغات السويدية والنرويجية والألمانية.
من الضروري أن أقول أن المرأ ليس له المصادر الكافية لكي يبدأ بمثل هذا المشروع. إنه مشروع يتطلب أموالا طائلة لتعليم الكتّاب كيفية كتابة الكتب المدرسية وتأليفها بهذه اللغة، إضافة إلى ذلك فإنه لا توجد في الجزائر رغبة سياسية حقيقية لتحقيق ذلك. وهذا يترك اثرا كبيرا. في مالي والنيجر تسير الأمور أفضل قليلا، ولكن في المقابل فإنهما من أفقر بلدان العالم، واعتقد أن النيجر افقر بلد في العالم.
- هل يستلمان مساعدات من اليونيسكو؟
- لا، لايستلمون مساعدات من اليونيسكو، إلا انهم يحصلون عليها من منظمة دي. أس. إي DSEالألمانيه، حيث لديها مشروع بدأت به و تقوم بتعليم مؤلفي الكتب المدرسية. وانا معهم في مجموعة المشروع الزراعي في وسط النيجر، حيث سيتم التعليم في مدرسة تجريبية بالطارقية والفلّانية والهاوسا ثم و بالتدريج يتم الإنتقال إلى اللغة الفرنسية، لغة الحكومة الرسمية.
- ولكن يعتقد بعض الإختصاصيين ان مثل هذا الأمر يمكن أن يربك الأطفال والتلاميذ، بالضبط مثل الأطفال الأجانب في الدنمارك مثلا إذا ما بدأوا تعليمهم بلغاتهم الأم. السياسيون الدنماركيون لا يشجعون كثيرا بل لايهتمون بتعليم الأطفال الأجانب لغاتهم الأم ساعة أو ساعتين في الأسبوع، فكيف لو إقترح بعضهم تطبيق طريقة النيجر في المدارس الدنماركية؟ سيزداد عدد اللغات وستختفي لغة مهمة تعين الأطفال في التحصيل العلمي وسيكون مستوى معرفتهم للغات التي يتعلمونها سطحيا كما هو الحاصل عند بعض الأطفال الأجانب مثلا حسب رأي المتخصصين الدنماركيين.
بعض الإختصاصيين الدنماركيين يعتقد بأن الأطفال الأجانب في الدنمارك يجب ان يتعلموا اللغة الدنماركية مثل الأطفال الدنماركيين بدءاً من دخولهم رياض الأطفال لكي لا يلاقوا مشاكل في تعلم اللغة الدنماركية في المدارس. وبعض المسئولين الدنماركيين يرفض تعليم الأطفال الأجانب لغة الأم وقسم آخر لا يعارض. المدرسون الدنماركيون يشكون من المدارس التي يكوّن ألأطفال الأجانب فيها نسبةً كبيرةً بحجة أن مستواهم ضعيف رغم أنهم يتحدثون الدنماركية بطلاقة وبدون لكنة، فماذا يمكن أن يحدث وماذا سيكون رد فعل المدرسين الدنماركيين لو أن هؤلاء الأجانب طالبوا بتعليم ابناءهم بلغاتهم الأم في السنوات الثلاث الأولى؟
- أنا أعتقد أنه يجب على المرأ أن يتعلم لغة الأم قبل البدأ بالتعلم بالدنماركية.
- لنرجع إلى كتبك. ماذا عن كتبك عن اللغة البربرية؟ هل يمكن إستخدامها كمواد تعليمية في مالي والنيجر؟
- لا أعلم بذلك. أغلب كتبي عن البربرية مكتوبة باللغة الفرنسية. هم بحاجة إلى كتب اولية لدراسة البربرية.
- ولكنك ألّفتَ كتبا أوليةً لتعليم اللهجة العربية القاهرية.
- نعم، هذا صحيح لأن طلابي أرادوا أن يتعلموا اللهجة القاهرية ولهذا فقد بدأت في الخمسينات بتجميع المواد وأعددت في السبعينات بعض النصوص التي إستخدمتها، ولكن في الحقيقة أني أصدرتها لأول مرة في الثمانينات.
- ألفتَ كتبك عن اللهجة القاهرية، هل تتمنى أن يتعلم كل الأطفال العرب هذه اللهجة؟
- لا، فقط في مصر.
- ولكنك تعلم جيدا بأن أطفال الصعيد مثلا يتحدثون لهجةً أخرى، لماذا إذن عليهم أن يتعلموا لهجة أخرى؟
- اللهجة القاهرية مفهومة في كل مصر وخاصة الشمال. ولكن أقول مرة ثانية هذا ضد السياسة العربية لأنهم مهتمون باللغة العربية المكتوبة والنتيجة هي ان هؤلاء الأطفال المساكين يصبحون مربكين عندما يبدأون تعلم هذه اللغة الميتة في المدارس.
- دعني أقول لك إنه يبدو للناس بأن تعليم اللهجات العربية بدلا من اللغة العربية الفصحى في المدارس العربية حتى يومنا هذا مثل الحلم، لأنها مسألة معقدة للغاية وتؤدي إلى خسائر معنوية علمية ومادية وضياع أجيال عديدة، حصلت على تعليمها بالفصحى. إنه من الصعب جداً الشطب على العربية الفصحى والبدأ من جديد بتعلم اللهجات والإعتماد عليها في التعليم بدلا من العربية. بالتاكيد هناك إختلافات بين اللهجات العربية، إلا أن هذا لا يحدث بسبب الإختلاف بين العامية والفصحى فحسب، بل أيضا بسبب السياسة العربية التعليمية السيئة والمتخبطة وطبعا عدم وجود الإستقرار والتعاون بين المؤسسات التعليمية والسياسية.
- أنا أعني بأن الأطفال يمكن لهم بعد ثلاث سنوات من دراسة اللهجة أن ينتقلوا لتعلم اللغة العربية الفصحى وبالتدريج وبسهولة لأنهم يعرفون اللهجة، التي يجب أن يعتمدوا عليها في التعليم.
- أعتقد أنه لا خلاف حول الفرق بين العامية والفصحى في أغلب اللغات بمافيها العربية، ولكنها نعمة كبيرة بالنسبة للعرب أنهم يتكلمون لهجات من أصل واحد أو على الأقل يقرأون ويكتبون لغةً واحدةً، أما بالنسبة للأطفال فهم في حقيقة الأمر يستمتعون بتعلم اللغة العربية الفصحى في المدارس العربية رغم سوء اساليب التعليم حسب رأي الكثيرين ولا أرى أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في هذا المجال أو لنقل إنها ليست أكبر من الصعوبات التي يلاقيها الأطفال المساكين الذين يدرسون اللغة الدنماركية المكتوبة وخاصة التهجئة. لقد سنحت لي الفرصة ان أطلع على المدارس العربية في أكثر من بلد عربي ولا حظت أن الأطفال لديهم القابلية على الفهم والحفظ طبعا ليس بدون مصاعب، ووجدت بعضهم يجيد الفصحى لأن محطات التلفزيون تنقل لهم أفلام الرسوم المتحركة بالعربية فقط والمسلسلات المدبلجة. بل إن رغبة الناس في متابعة المسلسلات المدبلجة يشير ايضا إلى عدم نفورهم من الفصحى، بل تعلقهم بها. لقد اصبح في السنوات العشر الأخيرة من الممكن والعادي مناقشة موضوع العلاقة بين الفصحى والعامية على كل الأصعدة، إلا انها لم تصل إلى مستوى تغيير العربية وإجراء الإصلاحات عليها كما هو الحال مع النرويجية مثلاً وأغلب الناس يرون أنه من الضروري المحافظة على الفصحى وقواعدها وتسهيلها ولكن مع ضرورة تعلّم اللهجات وتعديلها أو تنقيتها وإدخال بعض كلماتها في قاموس الفصحى.
ويجب أن نأخذَ بنظر الإعتبار بأن التعليم والإعلام والتنظيمات السياسية والمؤسسات الإجتماعية تلعب دورا كبيرا في التقريب بين اللهجات العربية الفصحى.
يرى بعض الإختصاصيين بان المواطن العربي اصبح أكثر قدرة على إستخدام الفصحى أو اللهجة المفصحة و أكثر قابلية على فهم مايقال لهم و ما يسمعون بالفصحى. لقد عملت الفضائيات العربية على التقريب بين اللهجات العربية من جهة والفصحى من جهة أخرى.
المشكلة طبعا كبيرة بالنسبة لبعض الأجانب المتخصصين بالعربية، الذين إما لا يفهمون كل اللهجات العربية أو لا يفهمون الفصحى أو لا يجيدون الكلام بالعربية معتمدين على القراءة فقط، ولهذا فإن هؤلاء لا يستطيعون أن يروا الفرق بين مستويات الحديث بالعربية، فالعربي المتعلم أصبح اليوم يتحدث لغةً عربيةً تقع بين الفصحى والعامية. طبعا هناك بعض الإختصاصيين الأجانب ممن يجيدون الفصحى العربية ويشاركون في بعض الندوات التلفزيونية ويشتركون في مناقشة مختلف القضايا. يرى بعض الإختصاصيين بأن تطور التعليم والمؤسسات الإجتماعية يمكن أن يلعب دورا كبيرا في خلق لغة عربية حية بالإعتماد على القواعد العربية المبسطة ولكن ليس على لهجة معينة لأنه أمر مرفوض اليوم وصعب التحقيق والمنال ويؤدي إلى خسائر أكثر من الفوائد. وتشير اغلب الآراء إلى أن تعلم القواعد العربية المبسطة أمر أكثر منطقية من تأسيس قواعد للهجات العربية ومن ثم تعلمها لأن الإختلافات فيها نسبية ومتنوعة جدا من منطقة إلى أخرى وهذا يشمل المورفولوجيا "نظام الصرف" والأصوات وغيرهما من أنظمة اللغة.
ولهذا فإن تسهيل العربية وتبسيط تعليمها وخلق ما يسمى باللغة العربية المعاصرة أفضل بكثير من التخلي عنها أو إهمالها واللجوء إلى لغات أخرى. إن مصطلح اللغة العربية المعاصرة غير متداول كثيرا في الأوساط اللغوية العربية. علماء اللغة الروس مثلاً يستخدمون كثيرا مصطلح اللغة الروسية المعاصرة، وإذا اردنا أن نطبق هذا المصطلح على اللغة العربية مثلا فعلينا ان نجري إصلاحات في عدة جوانب سبق وأن تحدثنا عنها، قد تكون مشابهة للإصلاحات التي يمكن إدخالها على اللغة الدنماركية من حيث الكتابة فكما قلنا سابقا أن هناك إختلافا كبيرا بين اللفظ والكتابة.
- بالنسبة للأطفال فأنا أعتقد بأنه من الأفضل لهم تعلم لهجاتهم.
- لقد إستخدمتَ الكتابة بالحروف اللاتينية في كتبك عن اللهجة القاهرية، هل تريد أن يتعلم الأطفال المصريون لغتهم بالحروف اللاتينية؟ وإذا كان هذا هو ما تريده فإن النتيجة ستكون أنهم سيفقدون الحروف العربية.
- إذا كان الأطفال العرب أو المصريون هم الذين سيتعلمون اللهحة القاهرية، فإنهم من الطبيعي يجب أن يتعلموها بالحروف العربية لكي يسهل الإنتقال إلى الفصحى. أما الكتابة بالحروف اللاتينية فهي لمجرد مساعدة الأوروبيين في دراسة اللهجة وتعلمها وهي "كتابة الكلمات العربية بالحروف اللاتينية" طبعا طريقة دقيقة جدا ومضبوطة إذا ما اراد المرأ أن يكتب بحوثا في هذه اللغة لأنه لا يمكن للمرأ كتابة العلامات المضبوطة بالحروف العربية.
- أعتقد أنه من الصعب كتابة العلامات أو الأصوات العربية حسب اللهجة القاهرية أو اللهجات الأخرى وحسب الأسس التي إعتمدتها في كتبك عن اللهجة القاهرية، سيكون من الصعب عمل ذلك بالحروف العربية الكلاسيكية، ولهذا لابد للمرأ من إستعارة بعض الحروف من لغات أخرى. بالنسبة لك إخترت اللاتينية والرموز بالنسبة للإوروبيين ولكن هناك أمورا كثيرة يمكن نقاشها والإختلاف عليها، أما بالنسبة للعرب والمصريين فإن الموضوع يحتاج إلى نقاش طويل، فمثلاً أنك إستخدمت كلمة "التانيه" بدلا من "الثانية" لأنها لاتلفظ بهذا الشكل في مصر، بينما كتبت كلمة "نقول" كما في الفصحى وليس "نئول" كما تلفظ بالمصرية ونفس الشيء يقال بالنسبة للجيم المصرية مثل"جغرافيه"حيث كتبتها كما في الفصحى وليس كما تلفظ والخ. هناك بعض الكتاب العرب الذين كتبوا في هذه المناسبة أو تلك عن ضرورة "لتننة" اللغة العربية كما هو الحال في التركية، أنا أقصد أنهم فكروا بكتابة اللهجات العربية باللاتينية، وأن الشاعر اللبناني سعيد عقل له محاولات في هذا الميدان.
- أنا لم أسمع ولم ألتقِ أبدا بباحث ما يريد أن يقوم بمثل هذه المهمة، ولكن طبعا كانت هناك بعض الاراء في الدول العربية بأنه من الضروري إستخدام اللاتينية، إلا أن نظام حروف العلة عندهم، بل كل نظام اللغة يختلف عن العربية.
- لقد غير الأذربيجانيون حروفهم إلى الروسية بعد ثورة البلاشفة، ولكنهم يريدون في الفترة الأخيرة الإنتقال إلى الحروف اللاتينية بسبب عدائهم للغة الروسية الإمبريالية. أما الأتراك فإنهم غيروا حروفهم رغبة منهم في الإندماج بأوروبا والغرب ولم يساعدهم هذا حتى وقتنا الحاضر، بل بالعكس عقّد هذا الحل الوضعَ لدى الشخصية التركية وهويتها وهذا ما أكدته وتؤكده الأحداث السياسية والدينية في هذه البلاد، أما من الناحية اللغوية فإن الحروف اللاتينية ليست أفضل حل بالنسبة للغة التركية ولازالت هناك مشاكل لغوية حتى الآن وفقدوا حروفا عربية كانت موجودة عندهم مثل الغين والعين وغيرها ولهذا فإن التركماني العراقي مثلا أقدر من التركي في لفظ كلمات مثل علي وعباس وغريب مثلا لأنه يعرف التركية كما هي وليس التركية اللاتينية.
اعتقد أنها سياسة لغوية سيئة تلك التي، تعتمد على ألأوضاع السياسية لأنها قد تقود ألأجيال إلى إرباكات لغوية كبيرة. أرى أنه من المفيد ان أذكر على سبيل المثال أن الأرمن والجيورجيين لم يغيروا حروفهم إلى الروسية وإحتفظوا بابجدياتهم التاريخية القديمة. اللغة العبرية كادت أن تصبح ميتة بكل معنى الكلمة لولا إحيائها وألإهتمام بها. إذا قامت كل الشعوب بإزالة ابجدياتها الأصلية والإستغناء عنها وإستبدالها بابجديات أخرى تحت مختلف الذرائع، فإن هذا يعني أنها ترمي التاريخ في سلة المهملات إن لم نقل في المزبلة.
- أهم شيء هو أن تكون هذه الأبجديات مناسبة لها كما هو الحال مع الحروف العربية التي تناسب اللغة العربية بشكل جيد.
- وكيف الحال بالنسبة للغة الفارسية، هل تناسبها الحروف الأبجدية العربية؟
- لا، لأن نظام حروف العلة عندهم لا يتطابق مع النظام العربي ولكن لا توجد مشكلة مع الحروف الساكنة في الفارسية.
- إذا اردنا ان نبدأ بتأسيس لغة بغدادية فسيكون من الصعب عمل ذلك بسبب الإختلافات في اللفظ بين سكانها، وإذا أردنا ان نلتزم بحذافير اللهجات العراقية كلها في الشمال والجنوب والوسط فإننا سنحصل على صعوبات كبيرة للغاية والنتيجة هي إختلافات بين الناس وصعوبات في التعامل فيما بينهم. وهذا الأمر ينطبق على أغلب الدول العربية، بل أغلب لغات العالم بما فيها الدول الأوروبية.
- الوضع في مصر يختلف طبعا لأن اللهجة القاهرية تم إستخدامها كثيرا في الراديو والتلفزيون، لدرجة أن الشعب المصري كله يعرفها، ولكن طبعا أن اللهجة في جنوب مصر تختلف عن القاهرية، حيث يتكلم الناس هناك بلهجة تشبه العربية السودانية.
- المتعلمون العرب مثلا لايلاقون كما أسلفت مشكلة في الحديث بمحكية مفصحة أو بعربية فصحى مبسطة، تقع بين الفصحى والعامية، ولهذا فإن اللهجة اخذت تتراجع وتصبح ثانوية في بعض مناطق الدول العربية التي يحصل أهلها على تعليم جيد وأساليب إعلامية بالمستوى المطلوب ومشاركة حقيقية في المؤسسات السياسية والإجتماعية. لقد شهدت بنفسي في إحدى الدول العربية كيف تعلم الناس العاديون أن يمسكوا بالسمّاعة ويتكلموا بصوت عالٍ لفترات طويلة باللغة الفصحى أو بمحكية قريبة من الفصحى. لكني اقول لك إن الحالة اللغوية العربية لايمكن وصفها من حيث الفوضى. يكفي أن أقول إن عدد مدرسي اللغة الدنماركية للأجانب مثلا قد يفوق مدرسي اللغة العربية للأجانب بالأضعاف وإن الإعلانات وقطع العناوين والأسماء والمصطلحات العربية تُكتب خطأ والخ من المظاهر اللغوية المتخلفة وهذا دليل على الإهمال والتخبط مما لا يمكن لك أن تراه في الدنمارك أو الدول المستقرة الأخرى. لقد حصلت اللغة الروسية تطورا خياليا في العهد السوفييتي، لدرجة أن محمد علي كلاي قال عنها عندما زار موسكو: لم أقرأ أي شيء باللغة الإنجليزية، كل شيء باللغة الروسية. لقد كان مستوى الناس العاديين والأطفال اللغوي عاليا جدا، إلا أن الحال اليوم ليس كذلك بسبب الغزو الثقافي الغربي.
- من الضروري عمل لهجة مقبولة، كما هو الحال بالنسبة للطواريقيين، الذين لديهم سبع لهجات مختلفة.
- تم إختيار لهجة واحدة للطوارق لكي يمكن توحيدهم وليس لتفرقتهم، والعرب لا يريدون الإقرار باللهجات لأنها يمكن أن تفرقهم وتنسيهم لغتهم العربية ولكنهم يستخدمون اللهجات في الحوارات الروائية والقصصية والمسرحيات العربية.
- نعم، في الروايات العربية المعاصرة فإن أكثر الحوارات تكتب باللهجات أو بنوع من الترجمة الكلاسيكية من اللهجة، وإضافة إلى ذلك فإن المصريين كتبوا مسرحيات كثيرة بالعامية.
- لم يكن مقبولا نظريا قبل الخمسينات كتابة حوارات الروايات بالعامية، وأول من قام بذلك وبشكل شائع هم الكتاب الواقعيون بعد الخمسينات.
- في مصر كان من الممكن في الثلاثينات كتابة المسرحيات باللهجة المصرية.
- صحيح، أنا أفهم هذا جيدا، ويمكن العثور على أعمال أدبية مكتوبة حواراتها أو نصوصها بالعامية أو بلغة ذلك الزمان، التي تقرب من العامية في كل الدول العربية في العشرينات والثلاثينات، إلا أني أعني أن فكرة إستخدام اللهجة كمبدأ أو كمقومة مهمة من مقومات العمل الأدبي بدأت عند الواقعيين في الأربعينات والخمسينات. أنت تعلم أن العامية عُدّت من قبل المحافظين لغة واطئةً، ولا زال العديد منهم من يرفضها وينكر وجودها ولا يستسيغها. الكتاب العرب الأوائل كتبوا قصصهم بلغة فصحى ولكنها لغة ايام زمان مليئة بالعامية، وأنها لغة تختلف عن لغة الناس اليومية في وقتنا الحالي.
- نعم، لايزال الكتاب في مصر حتى الآن يكتبون المسرحيات الكوميدية بالعامية بينما يستخدمون الفصحى للأعمال الجدية.
- هل ترى أنه من الضروري تعليم العرب اللهجة المصرية لكي يفهموا المسرحيات الكوميدية؟
- لا، لا أعتقد ذلك. المغاربة يفهمون اللهجة المصرية ولكن المصريين لا يفهمون اللهجة المغربية،
- هل يجب ان يتعلم المصريون اللهجة المغربية؟
- طبعا لا، ولكن يوجد في المدن المغربية الكبيرة مثل الدارالبيضاء أو الرباط لهجة واحدة ومعروفة يمكن أن يتم إختيارها كلهجةٍ عامة للجميع في المغرب.
- هل صدرت قبل كتابك عن اللهجة المصرية كتب أخرى باللغة الدنماركية؟
- لا، إنه في الحقيقة أول كتاب باللغة الدنماركية عن اللهجة المصرية وإضافة إلى ذلك فقد أصدرتُ مجموعة نصوص وحكايات شعبية من القاهره مثل "الحاج درويش وأم إسماعيل" وهما شخصيتان من القاهره يحكيان قصص حياتية وجُمعت في كتاب وقمتُ بكتابتها بالحروف اللاتينية. واريد في الوقت الحاضر إصدار خمسة نصوص مسرحية كمقدمة للمسرح المصري.
- أنا أعلم جيدا بأنه هناك العديد من الكتب عن اللهجة المصرية صدرت باللغات الأوروبية الأخرى، هل لديك وجهات نظر مختلفة عنهم؟
- ليس تماما. أنا لدي طريقتي الخاصة في الكتابة باللاتينية. هذه الطريقة قريبة جدا من الكتابة العربية بحيث يكون من السهل معرفة الكلمات والحصول عليها في القاموس العربي.
- أنا أعلم أن الروس والمستشرقين السلافيين يستخدمون بعض حروفهم الكيريليه مثل الخاء والشين والقاف العراقية والصعيدية والجيم الكردية والجيم الفارسية والتركية و العراقية وغيرها في كتابة الحروف الموجودة في العديد من اللهجات العربية فتسهل مهمتهم، هل هناك إختلافات مثل بينك وبين المتخصصين الأوروبيين الآخرين في هذا المجال؟
- لا، ليس كذلك. يوجد في الوقت الحالي إتفاق تام حول نظام اللهجات ولكن يمكن أن تحدث خلافات حول اللهجات المغربية والتونسية فهي تتطلب عملا كثيرا حتى وقتنا الحاضر.
- بروفيسور كارل براسه، شكرا جزيلا على الحوار المفيد وشكرا لأنك خصصت قسماً من وقتك لنا رغم إنشغالك.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6331950   Visitors since 7-9-2002