المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

محادثة مع أميل سيوران *

  
فرانسوا فيجتي
  
  









فرانسوا فيجتي Francois Fejto : تحدثنا مرة عن علاقتك ببيكيت ، وقلت إنه ينبغي أن يجري النقاش عن الأدب مع أولئك الأدباء الذين لايملكون أي شيء لقوله ولا أيّ عالم خاص بهم. ولنفترض بأني كاتب مقتنع بأن لديه ما يقوله ، ولذلك اقترح أن نترك الأدب والفلسفة جانبا كي نتحدث هذه المرة عن التأريخ ، تأريخك وتأريخي فقط. ففي كتابك الجميل ( التأريخ واليوتوبيا ) وفي المقال المفاجيء عن سيسي Sissi القيصرة المقتولة التي كما يبدو واضحا أنها قد سحرتك ، تخشى الإهتمام بما يسمى في لغة المؤرخين ب"العنصر الحدثي" . في عام 1972 نشرت َ في " La Nouvelle Revue Francaise “ مقالا إستفزازيا عن لامعنى كل ثورة. و تذكر فيه بلا مواربة أن الثورة الفرنسية التي يسمونها بالعظمى كانت عبثا بل كانت بالغة الضرر. والرأي نفسه يخص الثورة الروسية أيضا. أنا أفترض بأنك لم تعمل إستثناء أيضا للإنقلابات التي حدثت بعد الحرب العالمية الأولى حين تم تدمير مملكة سلالة هابسبورغ. أنت ولدت يا سيدي في ترانزلفانيا التي كانت تابعة لهنغاريا لغاية عام 1918 وبعدها ألحقت برومانيا ، أّي ذكريات إحتفظت بها من فترة الطفولة ؟
سيوران : ولدت في مدينة تسمى حاليا سيبيبن Sybin كان الهنغاريون قد أسموها ناجيسيب Nagyszeb والألمان هيرمانشتادت Hermanstadt. في هذه المدينة عاشت سوية ثلاثة شعوب. وإستخدمت ثلاث لغات ، وبالرغم من أن الأكثرية كانت ألمانية لم تكن أيّ لغة من الثلاث ذات إمتيازات. هذه المدينة قامت بتعليمي.أشعر بأني في حال جيدة و مسرور في المدن التي تتكلم ببضع لغات ولذلك يكون عندي البلد النموذجي هو سويسرا. أنا أعشق للغاية مدينتي – مسقط رأسي. يمكنني القول أن ثلاث مدن في العالم سحرتني : باريس ودرزدن وسيبين.
فيجتي : ولماذا درزدن ؟ لم يتكلموا فيها أبدا بلغات كثيرة.
سيوران : بالفعل. لكنها كانت من أجمل مدن العالم. كتب شوبنهاور فيها مؤلفه ( العالم كإرادة وتقديم Die Welt als Wille und Vorstellung ) . كانت مدينة شومان Schumann وكثيرين غيره أيضا. فيما يتعلق بباريس ... أعترف لك يا سيدي بأن لا أطيقها الآن. أعيش فيها منذ أربعين سنة و يقلّ تأثيرها عليّ بإستمرار. انا لا أطيقها حقا. أما درزدن التي أعرفها فهي لاتوجد اليوم. سيبين لاتزال باقية لكنها بعيدة . قيل لي إنها لم تفقد إلا القليل جدا من جمالها. أقول لك الآن . قبل بضع سنوات حدثت هزة أرضية في رومانيا ، و في الصفحة الأولى من "هيرالد تربيون " قرأت أن سيبين ، أو هيرمانشتادت أصبحت خرائب. سبّب ذلك لي ألما ، ألما عظيما. وقعت في أزمة نفسية . خرجت من البيت وفي نيتي دخول إحدى الكنائس. وصلت الى كاتدرائية نوتردام لكني لم أرغب الدخول. إذن واصلت السير وأنا خدر تماما . وفجأة لاحظت ملصقا لفلم بورنوغرافي. أدخل الى دار السينما التي إمتلأت بالعمال الأجانب. كان الفلم يدعو الى الرثاء، منفرا تماما ، لكن كنت ، أنا الغارق في اليأس ، بحاجة إليه. هذا عبث ، قلت لنفسي. الحضارة التي تنتج مثل هذه الأفلام هي على حافة السقوط. فكرت بأن النظام الشيوعي يملك على الأقل هذا الجانب الجيد وهو أنه لا يسمح بعرض مثل هذه الأفلام. وهذه الفكرة سرّتني . يمكنك أن تتصور يا سيدي الحالة التي كنت فيها. بدل دخول نوتردام أتوجه لمشاهدة فلم يقوّي إقتناعي بأن حضارتنا منتهية ، و أن البشرية ضائعة. فكرت بسيبين أو إذا أردت ، ناجيسيب التي عشقتها للغاية.
فيجتي : هل كانت عائلتك رومانية قحة ؟
سيوران : نعم. أبي كان قسا أرثوذكسيا ، كنا نسكن على مبعدة 12 كلم عن سيبين . الأب أرسلني اليها كي أسكن مع عائلة ألمانية وأتعلم هذه اللغة. كان ذلك شبيها ببنسيون عائلي تديره آنستان متقدمتان في السن. للأسف كان جميع نزلائه رومانيين و نادرا ما كنا نتحدث فيما بيننا بالألمانية. كنا الجيل القروي الأول الذي تعلم في المدرسة الإعدادية . وفي أعين تلك المسنتين كنا برابرة . “ كان من الأحسن لكم لو بقيتم في جبالكم تلك - كن يقلن لنا – لستم ناسا متحضرين، لا تعرفون كيف التصرف في مجتمع متمدن ". وكانتا محقتين. كنا متوحشين حقيقيين . هاتان الشقيقتان كانتا لطيفتين ومؤدبتين جدا. الأولى كانت ذكية أما الثانية فكانت ، بالأحرى ، غير عاقلة. الصغرى كنا نناديها " العمة ماري " . في أحد الأيام جاءت إلينا وقالت : “ أختي توفيت ". أصابنا الخرس ولكن حالما غادرتنا إنفجرنا ضاحكين. كما ترى يا سيدي أيّ مستو كنا نملكه ! المتوفية كانت تعاملنا ببالغ اللطف و قد أحببناها لكن كنا محض متوحشين . إنحدرنا من أبعد الزوايا في تلك المناطق الجبلية.
أختى الكبرى تزوجت في مدينة هنغارية صغيرة ساحرة بالقرب من مدينة أرد Arad حيث شعر المرء بأنفاس هنغاريا . كان ذلك في عام 1932 . حينها درست الفلسفة وعلى وشك إنهائها. وكنت أسرف في قراءة كيركيغورد. بالألمانية طبعا. في احدى المرات أثناء إقامتي عند الأخت التي أحببتها جدا سألني البستاني ( بدا أبله لكن لم يكنه ) : “ أيها الشاب ، لماذا تقرأ من الصباح الى المساء ؟ " أجبته : “ لأنه يجب أن أقرأ ، فالقراءة هي لدي شيء بالغ الأهمية ". رد على كلامي : “ الحقيقة ، أيها الشاب ، لن تجدها في الكتب ". وكان محقا.
فيجتي : هذا الرجل كان رومانيا أم هنغاريا ؟
سيوران : لا أعرف بالضبط. كان يتكلم بالرومانية... قال : “ الحقيقة لن تجدها في الكتب ، ومن هذه لا تتعلم أيّ شيء ". و تأتيني ذكرى أخرى الآن, كنت شابا ذا دماء حارة ... وأيّ شيء تعمله في مدينة صغيرة يعرف كل واحد فيها الآخر ؟ في االساحة الرئيسية هناك شرطي يبدو كنقطة سوداء في قيظ ذلك اليوم. كان يقوم بالحراسة هناك طوال اليوم. في إحدى المرات أقترب منه و أقول : “ سيدي الشرطي . أنا لست من هنا ، سيكون من المفيد لو حصلت على إمرأة”. جاءني جوابه كما لو أن ماقلته كان الأكثر طبيعية تحت الشمس : “ بالطبع . هناك واحدة تكون عادة ً في الفندق. لكني أعرف بأنها غائبة الآن. وإذا أردت يا سيدي يمكنني أن أرسلك الى أخرى راح زوجها الى العمل. هي موجودة على مبعدة عشرة كيلو أمتار ".
شكرته على هذه المساعدة . أخبرته بأني أسكن مع أختى وينبغي تسهيل الأمر بتكتم . أجابني : “ ولماذا ؟ إنه شيء طبيعي تماما ". في تصرف هذا الشرطي إنتبهت الى التفكير السليم الذي يتصف به الرومانيون و الهنغاريون ومعه روح الدعابة و الكثير من السحر.
فيجتي : في كتابك ( التأريخ واليوتوبيا ) هناك صفحات عن الهنغاريين حرّكت مشاعري حقا . تدهشك شجاعتهم و تمايزهم وتوقهم الى الحرية ، وفي الوقت نفسه تصفهم كشعب صلب العود وآمريّ. هل عانيت شخصيا من الهيمنة الهنغارية ؟
سيوران : كلا ، كنت صغيرا . لكن والديّ تم ترحيلهما أثناء الحرب العالمية الأولى . الأب أرسل الى سوبرون Sopron في غرب هنغاريا ، والأم في كلوج Kluz، كولوشفير Kolozsvar سابقا أو كلاوزنبورغ Klausenburg .
فيجتي : لماذا ؟
سيوران :الهنغاريون لم يثقوا بالإنتلجنسيا الرومانية ، خشوا نزعتها الإنفصالية. لكن والديّ كانا يتكلمان الهنغارية بطلاقة . وكان لهم أصدقاء هنغاريون . أبي ، وسبق أن قلت ، كان قسا في ناجيسيبين ، و كان يتمتع بقراءة المؤلفين الهنغاريين بلغتهم . مثلا بروهاسكا Prohaszka اللاهوتي الهنغاري.
فيجتي : نعم كان هو أسقفا كاثوليكيا ، كاتب جيد وأسلوبه باروكي بعض الشيء. وكما يشير إسمه أنحدر من سلوفاكيا.
سيوران : كلا ، أبي لم يكن معاديا لهنغاريا. بل اقول إنه عاش في محيط الثقافة الهنغارية . السلطات الهنغارية لم تضطهد الرومانيين. إلا أنه عاملتهم كفئة فلاحين من الدرجة الثانية. وبعدها حين قارن أبي بين السلطات الهنغارية وتلك التي نشأت في ترانزلفانيا بعد عام 1918 قال بأن الهنغارية كانت مختلفة تماما. فالجهاز الإداري للقيصرية النمساوية – الهنغارية كان احد أحسن الأجهزة في العالم. وحتى أن أشد اعدائها إعترفوا بذلك.
فيجتي : إلا أن أباك أيد مطلب إلحاق ترانزلفانيا برومانيا ؟
سيوران : قبل الحرب العالمية الأولى وجد الأب أن افضل حل للقضية القومية هو الفيدرالية. والرومانيون الترانزلفانيون أيدوا مطلب بوبوفتش Popovics الذي كان نائبهم في البرلمان في بودابست . لم يكن هدف بوبوفتس توحيد جميع الرومانيين في " رومانيا عظمى " بل الحكم الذاتي للرومانيين في ترانزلفانيا وفي إطار الفيدرالية النمساوية – الهنغارية – الرومانية وفق الموديل السويسري . بوبوفيتس كان قائدا جماهيريا سياسيا.
فيجتي : هل يمكنني أن أستنتج مما تقوله بأنك تعتبر ، مثلي ، أن تدمير القيصرية كان خطئا جسيما ؟ بإسم حق الشعوب في تقرير المصير خلق العديد من الدول الصغيرة التي لم تكن بالمعنى القومي متجانسة وعلى العكس مما كانت الحال في زمن الملوكية، ففي تلك الدول كانت الأقليات مضطهدة .
سيوران : لحسن حظ الهنغاريين كانوا هم المسؤول الأول عن هذه التراجيديا. فحكومتهم و الفئات القيادية عارضت فكرة الفيدرالية والحكم الذاتي القومي.
فيجتي : أنا لا أنفي هذا الشيء. وحين إستلمت المعارضة الفدرالية المؤيدة للغرب ، السلطة في هنغاريا في تشرين اول عام 1918 كان قد فات الأوان .
سيوران : هكذا كانت الحال. غالبما تحدثت مع الأب عن هذه الأمور . عدا ذلك فقد لعبت لدى الرومانيين دورا ملحوظا الفكرة عن لاتينية منحدرهم. الرومانيون الترانزلفانيون قبلوا صاغرين هيمنة فيينا لكن ليس بوادبست .
فيجتي : أعتقد أن الدول الحليفة من فترة الحرب فد أججت الوضع و إستغلت التوتر الناشيء في المملكة ، و في المحصلة النهائية تتحمل هذه الدول المسؤولية عن كل ما كان ظلما في معاهدة فرساي وتريانون Trianon ، و الإخلال بالتوازن الأوربي.
سيوران : كان ذنب كليمنسو Clemenceau و مستشاريه ذوي النزعة القومية و أصدقائه الماسونيين الذين أيدوا الإنفصاليين من طراز ماساريك و بينيش و بقية الجماعة. إنه المسؤول الى درجة كبيرة عما حدث. كان عدوا للنمسا الإكليروسية ، ولكي يدمرها حكم على هنغاريا بالمصير نفسه. لكن هذه الكراهية للنمسا كانت جنونا. ففي وسط اوربا ، بين روسيا وألمانيا وبين الغرب كنا نحن بحاجة ماسة الى دولة وسطى. و أكبر خطأ للدول المتحالفة آنذاك إعتمد ، برأيي ، على العمل " و إلى النهاية " على الإستسلام غير المشروط. في عامي 1916 و1917 كانت هناك إمكانية لوقف المجزرة عن طريق المفاوضات السلمية و بدون إذلال الشعب الألماني. ولو كان قد حصل ذلك لما تصاعدت الهتلرية.
فيجتي : والستالينية أيضا. ألم يرتكبوا الخطأ نفسه في الحرب العالمية الثانية ؟
سيوران : بالطبع . ففكرة الإستسلام غير المشروط كانت عبثا : أرغم الفيرماخت [ الجيش الهتلري ] على الوقوف حتى النهاية الى جانب هتلر. بينما لو قيل في عام 1941 أو 1942 للمارشالات والجنرالات الألمان " التخلص من هتلر والتوصل الى سلام مشرّف " لخرجت أوربا في أوضاع مغايرة تماما. عند نهاية الحرب العالمية الأولى وقعت المسؤولية الرئيسية على فرنسا وفي الثانية لعب عناد الأنكلوساكسويين الدور نفسه . أما الأمريكان فهم لم يفهموا أوربا البتة. أثناء الحرب الأولى كان هناك سياسيان فقط إمتلكا العقل و النظرة الشمولية للوضع : كايلو Caillaux ورومان رولان Romain Rolland ، فهذان أدركا أن " الخروج من المأزق " يعني إنتحار أوربا. و قد إستنفرت البشرية جمعاء ضد ألمانيا التي كانت ، رغم القيصر و عصابته العسكراتية ، دولة ديمقراطية و ليبرالية . وكان هتلر عاقبة هذا الخطأ.
فيجتي : بالفعل . كان عاقبة الإذلال غير العادل وغير الضروري.
سيوران : سبب كل ذلك أنه حين هزمت ألمانيا ونزع سلاحها ، و إنشغلت روسيا بالمغامرة البلشفية و الحرب الأهلية رأت فرنسا أنها ستكون سيّدة أوربا و حامية الدول التي نشأت حديثا بدل القيصرية النمساوية – الهنغارية.
فيجتي : لم تملك فرنسا القوة التي تسمح لها بخلق ضمانة للسلام.
سيوران : وهنا جوهر التراجيديا. لكن جذورها تكمن عميقا. و إذا جرى تحليل دقيق لهذه القضايا نصل الى إستنتاج مفاده أن إنحدار أوربا بدأ من اليعاقبة ونابليون. أي منذ الكارثة التي كانتها الثورة الفرنسية و الحروب التالية التي أضعفت الشعب الفرنسي. حين أقول هذا الكلام قد أبدو رحعيا بعض الشيء رغم أنه من ناحية أخرى أتفق تماما مع مباديء الثورة. إلا أني أعتقد بأن اليعاقبة ونابليون كانوا هزيمة لتأريخ فرنسا.
فيجتي : أنا متفق تماما.
سيوران : المفارقة هي أنه حتى الفرنسية ، لغة أوربا المتحضرة يعود سبب سقوطها الى نابليون. فبسببه كف الإنكليز عن الإعتراف بعالمية اللغة الفرنسية. برأيي أن الفرنسيين يملكون حاسة سياسية متطورة الى حد أكبر مما يملكه معظم الأمم عدا الإنكليز بالطبع ، لكن إذا فحصنا آيدولوجيتهم نجدها خارجة عن السكة . ولذلك فتأريخ فرنسا هو حالات صعود و أخرى للسقوط المفزع جدا.
فيجتي : من نافلة القول إن الأخطاء الكبري في تأريخ الشعوب ، وهي شبيهة تماما بالأخطاء التي يرتكبها الأشخاص في الحياة ، تنتج عن إنعدام الإعتدال أو فقدان السيطرة على الأهواء.
سيوران : إنعدام السيطرة الذاتية واللإعتدال هما خطيئة قاتلة. في عالم الحيوان أدت العوامل المناخية إلى إختفاء بعض الأنواع . و الإنسان سيختفي ولأن غريزة ًما لا تسمح له بالتوقف في الوقت المناسب. إنه على يقين بأن اللاإمكان غير موجود. وفي القرنين الثامن عشر و التاسع عشر نشأت فكرة أن تقدم البشرية سوف لن يملك حدودا. معلوم أن الحدود هي قائمة. وفي النهاية يلاحظ كل جيل هذه الحدود لكن بصورة متأخرة على الدوام. الآن وليس في أي وقت آخر علينا أن نخشى إدراك الحالة بصورة متأخرة. إن فكرة التقدم غير المنتهي هي شر حقيقي. غالبما أفكر بمصير كوندورسي Condorcet . هل تعرف يا سيدي بأنه مثل فولتير سكن هنا في هذا الشارع . وهنا كتب " تخطيط لصورة تقدم روح الإنسان عبر التأريخ " والذي أصبح الإنجيل لأنصار التقدم المتفائلين. إلا أن التأريخ كشف عن كذب هذه الفكرة . فعندما صوتت الجمعية الوطنية على القوانين التي تسوق المعادين للثورة الى الجيلوتين شعر كوندورسي هذا المصلح الشريف والمعتدل بأن حياته في خطر. كان يسكن آنذاك في بنسيون عائلي عند سيدة عجوز لطيفة. لم يرد أن يلحقها الأذى بسببه ، لذلك بحث عن ملجأ لدى صديقه لا آرب La Harpe . وهذا قال له بعدها ببضعة أيام بأنه آسف لعدم إستطاعته أن يستضيفه أطول، و لأن خادمته هي ( وطنية ) من النوع المسعور. حينها غادر كوندورسي البيت و سكن في نزل مليء بالعمال الذين إستوقفت أنظارهم يداه الرقيقتان اللتان تحملان الكتاب . يدا مثقف ! يدا معاد للثورة ! وشوا به على الفور. ولكي يتجنب سكين المقصلة إنتحر بتناول السم.. وهذه هي تراجيديا أحد العقول المسؤولة عن الوهم الحديث الكبير ، وهم التقدم غير المحدود.
فيجتي : ولم يكن الأقل ، خطأ اللبراليين الإنكليز ، الواقعيين من طراز آدم سميث . فهم آمنوا أيضا بالتقدم الثابت في التأريخ.
سيوران : فرضيتي هي أن البشرية ستختفي في اليوم الذي سيعثرون فيه على الأدوية لكل الأمراض.
فيجتي : هكسلي كتب مرة بأن هذا فكر غير معقول ، فكما تشير التجارب تعمل الطبيعة بهذه الطريقة وهي أنه حين يعثرون على دواء لأحد الأمراض الخطرة يظهر محله مرض جديد.
سيوران : ملاحظة صائبة جدا. لكن نظريا يمكن تصور إكتشاف نتاج يعالج جميع الأمراض. ولكان هذا إنجاز ا ذا عواقب كارثية ، ولأنه على الإنسان أن يموت لهذا السبب أو ذاك. وحتى لوعاش الناس 150 سنة فلابد من الموت. يمكن القول إنه نتيجة التقدم في الطب يلقى قسم فقط من البشر موتا طبيعيا. أن كينونتنا ُمطالة بصورة مصطنعة ، و العراك مع الموت يطول. وهذا شيء غير إنساني.
فيجتي : لكن هذا الشيء ليس بالسيء تماما ، فنحن ، أنا و أنت يا سيدي ، وقد وصلنا الثمانين من العمر نجلس هنا سوية ونتباحث بكل سرور عن قضايا هي بالأحرى حزينة. قبل مائة سنة ، وفي هذا العمر ، لما قدرت على الصعود الى طابقك السادس . آنذاك كانت هناك إستثناءات بالفعل ، مثلا غيته Goethe الذي إمتلك حياة طويلة مليئة بالنشاط المكثف.
سيوران : هذا صحيح ، لكن عباقرة آخرين أمثال موتسارت و هيلدرن و كلايست ماتوا في عمر الشباب. في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر عاش الشاعر بمعدل خمس وعشرين سنة ، والناثر خمسين سنة.
فيجتي : ينبغي وضع طوبولوغيا typology للعباقرة العائشين طويلا و الآخرين الذين ماتوا شبابا. لدى الهنغاريين عدد من هؤلاء . بيتيفي Petofi و آراني Arany . يمكن القول إن الأول كان " مبرمَجا " كي يموت مبكرا، أما الثاني فلكي يعيش طويلا .
سيوران : آراني ! ياله من شاعر رائع ، للأسف معروف قليلا في الغرب ! إذا تعلق الأمر بي أظن بأنه لما حصل شقاء لو متُّ في عمر الشباب . ففي عمر الخامسة و العشرين قلت كل ما لدي لقوله في كتاب بالرومانية.
فيجتي : عن أي شيء كتبت ؟
سيوران : كان ذلك دراسة في اليأس.
فيجتي : اليأس في عمر الخامسة والعشرين ؟
سيوران : نعم ، في الخامسة و العشرين. الحاضر يلقيني في يأس أعمق. الغرب كف عن الإيمان بقيمه و رسالته. في الحياة الشخصية و العامة على السواء ، على الإنسان أن يملك الثقة بنفسه وحتى اذا بالغ في تقدير إمكانياته. وكان لاميني Lamenais صادقا حين قال إنه طوال قرون آمنت فرنسا بأن قدرها إنقاذ الشعوب و تغيير مجرى مصائر العالم. إنها حاجة لدى الأفراد ، بل الشعوب أيضا ، الى شيء من جنون العظمة megalomania . و عند ما نكف عن الشعور بأننا فائقون و مهمون ولابديل لنا سنكون خاسرين.
فيجتي : في هذه النقطة بالذات كان السوفييت يملكون لزمن طويل تفوقا واضحا على الغرب. وفي الميدان النفسي كان هو أكبر منه في العسكري. هم فاقوا هنا الغرب و الأميركان المؤمنين أقل فأقل برسالتهم كجندرمة للعالم.
سيوران : ظهر شعور الروس برسالتهم كمخلصين ، قبل البلشفية بزمن طويل . عندما أصبح أبي قسا لإبريشة مدينة سيبين كانت عنده مكتبة غنية فيها الكثير من الكتب عن الفلسفة الروسية في القرن التاسع عشر مما كان ظاهرة نادرة. و عندما قرأتها أصابتني الدهشة من إيمان المفكرين الروس بالرسالة التحريرية لشعبهم.
فيجتي : بالضبط . فقد ورث الشيوعيون من أولئك الفلاسفة الشعور المسبق بأن الحضارة الغربية محكوم عليها بالسقوط ، و أن مهمة روسيا إنقاذ حضارتنا وتجديدها.
سيوران : يبدو لي أن الروس لايؤمنون برسالتهم الحضارية بل بالأحرى هم على يقين بسقوطنا.
فيجتي : هتلر وموسوليني كانا يملكان اليقين نفسه.
سيوران : بربريان مخبولان ... الوهم المخبول هو التصور بأنه من الممكن بناء إمبراطورية عالمية على أساس فكرة أمة السادة Herrenvolk ، رسّ واحد مهيمن. و قد أبدى الشيوعيون دهاء لامثيل له حين أرادوا السيطرة على العالم عن طريق الدعاية لفكرة المساواة. إنها فكرة عبقرية و أخاذة . إذ ليس ممكنا السيطرة على العالم بالترديد الى ما لانهاية أن جميع البشر أسوأ منا. في الأخير قاد هتلر البلد الأوربي الأكثر تحضرا الى الإنتحار. وهذا يدل على الطابع الجنوني و الشيطاني لذلك المشروع .
فيجتي : المفارقة هي أنه في النهاية خيّب آمال شعبه بصورة فظيعة ، هذا الشعب الذي لم يكن يليق بمشروعه. أراد أن يسير الألمان وراءه صوب الهاوية ، صوب الموت . سيباستيان هافنر Sebastian Haffner مؤلف أفضل كتا ب قرأته عن هتلر يكتب أنه في ربيع عام 1945 كان العدو الأول لهتلر شعبه ، أي كان "رسّه ".
سيوران : في عام 1943 في آخر خطاب وجهه الى الشعب دعا الألمان الى الخيار بين الحياة والموت. فإذا خسروا سيبادون. بهذه الطريقة أسرع هتلر في حلول كارثة أوربا.
فيجتي : لكن كتب لألمانيا البقاء ، و لاتزال هي مفتاح أوربا.
سيوران : ليسوا هم المفتاح. وهذا ذنب الأنكلوساكسونيين. كما قلتُ إرتكبوا خطأ حين طابقوا الألمان بهتلر. و الآن يعود نصف العالم الى روسيا [ لكن عند نهاية عام 1986 وأثناء محادثتنا هذه لم نتوقع إستثناء " القوة العظمى " الثانية . ملاحظة فيجتي ]
فيجتي : في أثناء الحرب كان جاري أناتول دي مونزي Anatole de Monze الذي إختبأ في لوت Lot ، وهو اليوم سياسي فرنسي منسي ، وكان وزيرا في الجمهورية الثالثة. تبادلنا مرة حديثا مثيرا للإهتمام . كان طموحه أن يصبح تاليران فرنسا البيتانية [ نسبة الى المارشال بيتان Petain رئيس حكومة فيشي . ملاحظة المترجم ] ، وحتى أنه إقترح على المارشال التوسط بين الأميركان و الألمان كي يعقدوا صلحا سرّيا.
قال لي مرة إنه " إذا إستطعنا عقد الصلح مع الفيرماخت فستتحرر ألمانيا من هتلر ، ولن تقع اوربا بأيدي الروس ".
سيوران : لاكوست Lacoste وهو إسم كبير في حركة المقاومة ، قال لي الكلام نفسه. إعتبر أن تدمير الجيش الألماني سيملك عواقب كارثية لأوربا . و سوء الحظ هذا إعتمد على أنه في عام 1945وكما كان الحال قبلها في عام 1918 لم يكن الأميركان ناضجين بما فيه الكفاية كي يحققوا السلام العالمي. وكل واحد يعرف أن الأميركان هم عارفون سيئون بعلم النفس ، وبشكل خاص هم سذج و يرتكبون أخطاء جسيمة – مرة يكون السبب أنهم لا يعرفون كيف يكذبوا ، وثانيا هم يعتبرون الكلمة شيئا مقدسا و ينبغي التمسك بها. هكذا كان الحال مع نيكسون. ونتيجة السذاجة الفطرية لايعرف الأميركان صنع سياسة دولية. هم يبلعون بسهولة كل شيء خيالي يسحرهم. ولن يظهر بينهم أبدا أيّ تاليران.
فيجتي : على الأقل حاول كيسنجر أن يكون مترنيخا Metternich .
سيوران : أراد أن يكون داهية عظيما. ولكي يكون المرء تاليرانا لاينبغي ممارسة السياسة في المكاتب المغلقة بل في الصالونات وسط النساء. تاليران أنشأ سياسة كبرى ، و الأميركان يستخدمون أساتذة الجامعات لصنع السياسة.
فيجتي : أما انا فأتهم الأميركان بأن من يتفرغ للسياسة عندهم هم الأساتذة و الخبراء من ذوي المؤهلات المشكوك فيها. هم ينساقون دائما لضغوط شتى اللوبيات lobbies . لا يملكون تحضيرا جيدا لإدارة السياسة الدولية. وفيما يتعلق بنا، مثقفي أوربا ، أفكر أحيانا بأن حالنا شبيهة بحال مواطني الإسكندرية الذين جهدوا في الحيلولة دون سقوط الحضارة اليونانية – الرومانية ، وكما معلوم هم فشلوا.
سيوران : قد نفلح نحن في الحيلولة دون السقوط ولو لبضعة أجيال. وحتى إذا كان هذا الأمر محتوما فليس علينا الإستسلام.
فيجتي : أنا أتفق معك يا سيدي . ينبغي مواصلة القتال. الكاتب الهنغاري إمري مادياك الذي أصابه اليأس بعد فشل إنتفاضة الحرية من عام 1848 ، ينهي مؤلفه " التراجيديا البشرية " وهو دراما يصوّر فيها تأريخ العالم بدءا بالجنة عبر فالانستير Falanster [ من اشكال التنظيم يتألف من 1620 عضوا نصفهم من الرجال و الآخر من النساء ،وعليه ان يحل محل الدولة وفق رؤية شارل فورييه – ملاحظة المترجم ] كسلسلة من الهزائم و فساد أجمل الافكار العليا ، بهذه الكلمات التي ينطق بها الرب : “ أيها الإنسان إحتفظ بالثقة ، وواصل القتال " . ونحن يصعب علينا الإحتفاظ بالثقة ، لكن كما قلت لاينبغي علينا إلقاء ... القلم.
.
سيوران : في " فاوست " غيته يكون الشيطان خادما للرب. وغالبما أسأل النفس : أليس هو العكس ؟ أليس الرب في خدمة الشيطان ؟ ظاهريا يكون الشيطان هو من يحكم. ولو كان الرب سيد العالم لما كان هناك التأريخ. ولمضى كل شيء على ما يرام ، وبدون تأريخ.
فيجتي : صديقنا إيونسكو قال لي مرة إنه يؤمن بالله لكنه يفضل لو كان هو آخر.
سيوران : لدى إيونسكو نحن في مكان وراءنا نشعر بإيمان عميق . فيما يتعلق بي أنا بالأساس شكوكي . إلا أن الدين جذبني دائما. أذكر أنه في عمر الخامسة عشرة أو السادسة عشرة كنت واقفا بجنب أبي الذي تلا الصلاة قبل تناول الطعام وشعرت بالخجل من أني لا أصلي معه. أنا غير قادر على الإيمان لكني وعلى الأقل لست معدوم الإحساس إزاء القضايا التي يضعها الدين أمامنا. الإيمان يتغلغل أعمق من التأمل . ومن لم يعذبه الدين يشعر دائما بفقدان شيء ما : معرفة الخير و الشر . و لأكثر من مرة تصورت التأريخ العام كنهر عظيم للخطيئة الأولى. أنا أقرأ دائما ( سفر الأنواع ) ، و لدي إنطباع بأن في بضع صفحات من السفر قيل كل شيء . إنه أمر مصدم. فهؤلاء الرحّل ، من الصحراء إمتلكوا رؤيا كاملة للإنسان والعالم.
فيجتي : قلت يا سيدي عن صديقك إلياده Eliade هذا الخبير الكبير بتأريخ الأديان أنه ( يتوقف عند هامش الأديان ، جميع الأديان و لأسباب مهنية و عقائدية على السواء ". إنه حكم قاس جدا.
سيوران : إنه حكم ينطبق عليّ أيضا. في الأخير حين أنهيت مقالي عن إلياده ذكرت بأننا جميعا ، وهو في المقدمة ، مؤمنون سابقون و عقول دينية من دون دين ".
فيجتي : أرى أنه بمثل هذه المفارقة السيورانية للغاية نستطيع أن ننهي مذاكرتنا الفلسفية.


* نشرت هذا الحوار صحيفة (إل جورناله Il Giornale ) الإيطالية في آيار عام 1986 . المترجم

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6519774   Visitors since 7-9-2002