المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار ابراهيم حاج عبدي مع الروائي العراقي علي عبد العال

  
  


تندرج كتابات القاص والروائي العراقي علي عبد العال تحت بند ما يسمى بـ(أدب المنفى)الذي تشكلت ملامحه، وتكرست خلال العقود الأربعة الماضية التي هاجر خلالها المبدع العراقي إلى بلاد المنافي البعيدة، علي عبد العال، الذي يعيش في المنفى السويدي منذ أكثر من عقدين، فقد أصدر عدة مجاميع قصصية، وروايات، منها في مجال القصة القصيرة: (المشي في الحلم) ـ بيروت 1987 ،(العنكبوت)ـ السويد 1998 ،(أزمان للمنافي)، و(عالم صغير جدا) . دمشق 2004 ،وفي مجال الرواية صدرت له(مقتل علي بن ظاهر ومتاهته) ـ السويد 1996، (ميلاد حزين)ـ دمشق 2004، و (أقمار عراقية سوداء في السويد) التي صدرت عن دار المدى بدمشق 2004 وبمناسبة صدور روايتيه الجديدتين أقيم في دمشق مؤخرا حفل توقيع لهما،حضره الروائي عبد العال، إلى جانب مجموعة من الكتاب، والشعراء، والفنانين التشكيليين، والإعلاميين، وتحدث في الحفل كل من الشاعر بندر عبد الحميد، والناشر يوسف الجهماني إذ تناولا، كل من زاويته، جانبا من تجربة هذا الروائي، وسلطا الضوء على القضايا والإشكاليات التي يطرحها عبد العال في كتاباته.على هامش هذا الحفل أجرت (المدى) معه هذا الحوار:
ـ إذا عدنا إلى سنوات الطفولة والصبا، وأردنا استحضار تلك المرحلة التي سبقت خروجك من العراق، ماذا تقول عن محاولاتك الكتابية الأولى، وكيف نما شغف الكتابة لديك؟
* المحاولات الكتابية الأولى بدأت في مراحل الدراسة المتوسطة، ولم تكن بالطبع محاولات جادة بل عبارة عن خواطر أدبية رومانسية، وفي أحيان أخرى رسائل اكتبها لأشخاص وهميين (حبيبة أو صديق أو قريب ...)، أما المحاولات الحقيقية الأولى فقد جاءت في السنوات الجامعية. وفي السنوات اللاحقة 1976 ،1977 نشرت بعضا من هذه القصص في جريدة (طريق الشعب) الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي الذي كنت عضوا فيه، كما نشرت بعض المقالات النقدية في جريدة (الفكر الجديد) الأسبوعية، وهكذا بدأت العلاقة مع الكتابة منذ تلك الفترة واستمرت إلى الآن.
ـ ما هو الحدث الذي شكل انعطافا لديك آنذاك؟ مَنْ من الروائيين ترك أثرا في تكوينك الأدبي والثقافي؟
* لعل الروائي الذي شغفت به أكثر من غيره هو ديستوفسكي، فرغم أنني، وكتاب جيلي، كنا نطلع على الأدب الروسي بشكل عام إذ كان رواد هذا الأدب محط الاهتمام من أمثال: تشيخوف، غوغول، غوركي، شولوخوف وغيرهم لكن تبقى أعمال ديستوفسكي من الأعمال التي لها اثر كبير في إثارة الانفعالات الغامضة لدي ككاتب مبتدئ، فهو يشرح، ويناقش بطريقة عملية، وعنيفة الواقع، والعلاقات والنفس البشرية.
وفي المراحل اللاحقة كان هناك كتاب آخرون خارج نطاق الأدب الروسي تأثرت بنتاجاتهم مثل جاك لندن، وجون شتاينبك، وادغار آلان بو، وستيفان تسفايج، وفي نهاية السبعينيات حيث كنت حديث العهد بالمنفى في بيروت اطلعت على أدب أمريكا اللاتينية، وتحديدا روايات ماركيز، وكذلك يحضرني الآن اسم روائي من أمريكا اللاتينية لم يحظ بالشهرة المطلوبة هو خوان رولفو صاحب رواية (بيدرو بارامو).
ـ بدأت رحلة المنفى نهاية السبعينيات، حدثنا الآن عن هواجس المنفى، وعذاباته، وما الذي قدمه لك على صعيد الكتابة ؟
* أنا منفي سياسيا منذ نهاية السبعينيات اثر استلام صدام حسين للسلطة في البلاد والذي قاد حملة شرسة ضد القوى الوطنية والتقدمية وعلى رأسها الشيوعيين، وكنت أحد ضحايا هذه الحملة إلى جانب مئات الآلاف، وهددت بالإعدام مع أصدقاء ورفاق آخرين فآثرت مغادرة العراق بينما أعُدم الرفاق والأصدقاء الذين بقوا في العراق فيما بعد، بدأت رحلة المنافي من بيروت.
وبدأت انشر في الصحافة مقالات نقدية، وسياسية، وبعض القصائد، وعملت فترة في الصحافة الفلسطينية إلى أن سافرت سنة 1989 إلى السويد طالبا اللجوء السياسي بعد أن أصدرت مجموعتي القصصية الأولى (المشي في الحلم) التي لاقت صدى طيبا في الصحافة اللبنانية حينها.
المنفى يجسد عالما غنيا، وخطيرا وحرا في الآن ذاته، يمنح الكاتب أو الإنسان بصورة عامة طاقة غير اعتيادية على رواية الإحداث، ورؤية البشر، وقراءة النفوس من الداخل لا تتوفر لدى من لم يجرب المنفى عمليا.
ـ كيف استطعت التأقلم والعيش مع هذا الواقع؟
* في البداية لم أكن أتصور أن زمن المنفى سيطول ليبلغ الآن ربع قرن، كنت أظنه مجرد سنوات قليلة ستنجلي وتزول، ويتعافى العراق ويعود إلى ما كان عليه، ولكن ها أنت ترى أن العراق مدمر ويتلقى الطعنات الغادرة من كل حدب وصوب، وها نحن نتجرع مرارة المنفى إلى الان، وبالنسبة لي على الأقل أرى بان المنفى هو الخيار الأكثر واقعية حتى هذه اللحظة.
ـ أنت زرت العراق بعد سقوط النظام كيف وجدته بعد هذا الغياب ؟
* حزنت كثيرا وآلمني هذا النزيف المستمر من الدم والعذاب والمعاناة التي لم تزل تجري فصولها المروعة حتى هذه اللحظة، لكني استدرك وأقول أن أملي كبير في عراق حر معافى يتمتع فيه المواطن بكامل حقوقه، وحريته، وكرامته.
ـ هل كنت مع خيار الحرب على العراق ؟
* من موقعي كروائي أنا أقول بأنني ضد كل الحروب واكرهها، فقد شاركت شخصيا في مراحل من حياتي في الحرب وعرفت مدى بشاعة قتل الإنسان حتى لو أن من تقتله عدوك، بطبيعة الحال أنا كنت ضد الحرب الأمريكية على العراق التي أسقطت ديكتاتورية صدام حسين، وشاركت في نشاطات في السويد عبر وسائل الإعلام، وفي ندوات ضد هذه الحرب ليس بسبب كونها موجهة ضد النظام، فأنا من ضحايا هذا النظام الدموي، وإنما لكوني كنت اعلم أن الحرب ستلحق أفدح الأضرار بشعبي ووطني.
الآن وقد حدث ما حدث فان المخرج من هذا الوضع المؤلم، إذا أردت الحديث كمثقف وأديب، هو أن نكتب، ونرسم، وننشد شعرا، ونعمل مسرحا يرى إلى المستقبل وهذه مهمة كل مبدع فهي أدواتنا المتاحة.
ـ نعثر في كتاباتك على جرأة في الطرح، والجهر بما هو مسكوت عنه. إلام تعزو ذلك، لاسيما وان الإبداع العربي في عموميته يتجنب هذا المنحى ؟
* بعد عدة تجارب في الكتابة وإصدار بعض المجموعات القصصية وجدت نفسي وكأنني لا أعيش الواقع الصريح الذي أتنفس وأعيش فيه، من هنا وقفت مع نفسي وقفة عميقة تحت تأثير ملاحظة كاتب سويدي صديق قال لي ذات مرة: انتم المنفيون تكتبون من الذاكرة عن أشباح أوطان، عن طفولة بعيدة وعوالم خيالية وهمية، ألم يحن الوقت للنظر إلى الواقع الذي تعيشون فيه؟"، هذه الملاحظة دفعتني إلى إعادة النظر، والتدقيق في ما يجري من حولي، ووجدت أحداثا على قدر كبير من الأهمية تحدث أمامي بصورة يومية لمنفيين آخرين مثلي: نساء ورجال عجائز وشباب وأطفال ضائعين وجرائم قتل بدواعي الشرف ضد فتيات منفلتات، حسب مفاهيمنا الشرقية، مجرد أنهن مارسن جزءا من حريتهن الطبيعية، أحداث جسيمة وعوالم شديدة الثراء حاولت رصدها، فجاءت روايتي (أقمار عراقية سوداء في السويد) كحصيلة لهذه لرؤية العميقة، تناولت فيها الأحداث الأليمة التي يتعرض لها أقراني المنفيين من جنسيات مختلفة، وهذه السمة هي ما يميز أعمالي الأخيرة.
ـ هل تعتبر الرواية توثيق وتأريخ لمرحلة، أم فن وتخييل لا يرقى إلى مستوى الوثيقة؟
* الرواية أهم وثيقة تاريخية حتى في أسوأ نماذجها، فإذا بحث فيها الإنسان بنيويا فسوف يجد فيها تاريخا وتوثيقا لحقبة زمنية معينة بالتأكيد. الرواية الجيدة التي تتحدث بعمق وأمانة ومسؤولية عن أشخاص واقعيين وبشر وعواطف ومشاعر وأقدار ومصائر مرتبطة بمجريات، ومناحي الحياة المختلفة، فهذه الرواية حتما ستكون وثيقة تاريخية تصلح لدراسة طبائع البشر، وميولهم، وآمالهم، وأحلامهم، وتستشرف مستقبلهم لعالم أفضل.
ـ يقول ريلكه( إذا كنت تظن بأنك قادر على العيش دون كتابة فلا تكتب) إلى أي مدى يصح هذا القول في تجربة الروائي علي عبد العال؟
* يحضرني الآن قول لأوسترياس يقول: كل ما يحدث في الكون يصلح لان يكون بين دفتي كتاب، أنا شخصيا كأنما أعيش بين دفتي كتاب، كل ما يقع لي من أحداث أراها وكأنما مكتوبة في فصل روائي أو في صفحات كتاب لكاتب مجهول، وأتمنى على الدوام أن ارصد هذه التفاصيل الصغيرة اليومية، وانقلها إلى صفحات رواية.
ـ إلام تعزو مسحة الحزن التي تغلف الإبداع العراقي عموما: القصة، الرواية، الشعر، الأغنية ... ؟
*هذا أمر بات واضحا وواقعيا على صعيد الممارسة اليومية فكل متتبع للفن العراقي يجد هذا الهاجس العميق من الحزن. وهو سؤال مستمر، وبحث تراجيدي غير منقطع عن معاني الحياة من حب، وحزن، وموت، وولادة، أنا ازعم أن المسؤولية التي يضع فيها المواطن العراقي نفسه ويتجشم عناء حملها ونقلها إلى الآخر هي التي تملي عليه هذه النغمة الحزينة.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561482   Visitors since 7-9-2002