المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع سيوران *

  
  


سيوران : إذا فهمتُ جيدا أنت تسألني ببساطة لم لم أختر الصمت بدل التسكع حوله ، كما تتهمني بأني أنساق الى شكايات تدعو الى الرثاء في حين أنه من المفروض أن أصمت. في البداية أقول إن ليس الكل محظوظين ويموتون في شبابهم. كتبتُ أول مؤلف لي بالرومانية في عمر الحادية والعشرين معاهدا نفسي على أني لن أكتب أبدا. ثم كتبت الثاني معاهدا نفسي من جديد. وتكررت هذه الكوميديا لأكثر من أربعين سنة. ولماذا ؟ لأن الكتابة وحتى بوجبات صغيرة ساعدتني في الإنتقال من عام الى آخر ، كما لو أن الهواجس المعبَّر عنها تتعرض للضعف ومن ثم الهزيمة. أنا واثق من أنه لو لم أسوّد الورق لكنت قد قتلت نفسي منذ زمن بعيد. الكتابة هي إرتياح غير إعتيادي. والنشر أيضا. قد يبدو لك أنه أمر مضحك، لكنه هكذا حقا. فالكتاب هو حياتك وهو ما يضعك في الخارج . في الكتاب ينفصل الإنسان عن كل ما يحبه ، وبالدرجة الرئيسية - و في الوقت نفسه – عن كل ما يكنُّ له الكراهية. أقول أكثر : لو لم أكتب لكان ممكنا أن أصبح قاتلا. التعبير هو تحرير. وأوصيك يا سيدي بالتمرين التالي : حين تكره أحدهم و تسيطرعليك الرغبة في تصفيته خذ ْ ورقة وأكتب أن فلانا هو خنزير و قاطع طريق ووغد ووحش. على الفور تدرك بأنك تكرهه أقل. هذا الشيء فعلته دائما. كتبت كيف أقذف بالشتائم الحياة ونفسي. النتيجة ؟ تحملت الإثنتين بصورة أحسن : نفسي والحياة.
سافاتير : هل يمكنك أن تضيف هنا شيئا ؟
سيوران : في الواقع كلا... لكن رغم ذلك أقول شيئا. المسألة هي بالأساس مسألة طاقة حيوية . كي أوضح ذلك عليّ الكلام عن منحدري . فيّ الكثير من الإنسان القروي ، أبي كان قسّا قرويا ، وولدت في الجبال ، في الكاربات ، في وسط بدائي جدا. كان قرية بربرية حقا حيث يكدح الفلاحون بصورة فظيعة طوال الأسبوع ثم ينفقون ماحصلوا عليه في السكر. كنت فتى قوي البنية الى حد كاف وما هو ضعيف فيّ اليوم كان بالغ القوة آنذاك ! مما لاشك فيه أنه سيثير إهتمامك بأن أكبر طموح لي آنذاك هو أن أكون احسن لاعب بالعصيات الخشبية skittle . في عمر الثانية عشرة والثالثة عشرة كنت ألعب مع الفلاحين من أجل النقود أو قدح جعة. كنت أقضي يوم الأحد كله في هذه اللعبة ، و غالبما كنت أكسب رغم أنهم كانوا أقوى مني. لكن انا الذي لم يكن يملك أيّ شغل طوال الأسبوع كنت أتمرن...
رومانيا
سافاتير : هل كانت طفولتك سعيدة ؟
سيوران : هذا أمر مهم ، لا أعرف أحدا قد تكون طفولته أسعد من طفولتي. عشت بالقرب من جبال الكاربات ألهو في الحقول والجبال بدون إرغام وواجبات. كانت تلك طفولة سعيدة بشكل غير إعتيادي . بعدها حين تحدثت مع الاخرين لم أعثر على حدث شبيه بذلك. لكان من الأفضل لو لم أترك تلك القرية. لن أنسى اليوم الذي وضعني فيه الأبوان في العربة ونقلوني الى المدرسة الثانوية في المدينة. كان ذلك نهاية حلمي الجميل وخرابا لعالمي.
سافاتير : أيّ أشياء تتذكرها من رومانيا بالدرجة الرئيسية ؟
سيوران : ما عشقته أكثر من غيره في رومانيا كان جانبها المتطرف في بدائيته. واضح انه كان هناك أناس متمدنون لكني فضلت دائما الناس الأميين... لغاية عمر العشرين لم أحب في حياتي شيئا أخر عدا الخروج من مدينتي ( سيبين ) والتوجه الى الجبال والتحدث هناك مع الرعاة ، مع ناس لايعرفون الكتابة. قضيت الوقت أثرثر و اشرب معهم. أعتقد أن الإسباني يمكنه أن يفهم هذا البعد البدائي ، البدائي للغاية. كنا نتحدث عن أي شيء كان . كنت أقيم على الفور العلاقة معهم.
سافاتير : كيف تبدو ذكرياتك إذا تعلق الأمر بالوضع التأريخي لرومانيا في فترة شبابك ؟
سيوران : طيّب ... أوربا الشرقية كانت آنذاك ضمن القيصرية النمساوية – الهنغارية . و ( سيبين ) المحشورة في زاوية من ترانزلفانيا كانت تعود الى القيصرية ، وعاصمة أحلامنا كانت فيينا. وأنا بهذه الصورة اوتلك كنت مرتبطا بالقيصرية - ففيها كنا نحن الرومانيين عبيدا ! في أثناء حرب عام 1914 رحّل الهنغاريون أبويّ ... لكني نفسيا أشعر بأني قريب من الهنغاريين ومن أذواقهم وعاداتهم. الموسيقى الهنغارية والغجرية تحرّك عميقا مشاعري. أنا مزيج من الهنغاري والروماني. والأمر الطريف أن عامة الرومانيين هم الأكثر قدرية في العالم. عندما كنت شابا كان ذلك يثير غضبي، أي إستخدام مفاهيم ميتافيزيقية مشكوك فيها مثل القدر والحظ من أجل تفسير العالم. كلما أتقدم في العمر أشعر بأني أكثر قربا من جذوري القديمة. الآن ، في هذه اللحظة ، ينبغي أن اشعر بأني أوربي ، انسان الغرب . لكن لا شيء من هذا القبيل ، ففي نهاية العمر الذي عرفت فيه بلدانا كثيرة وقرأت هذا العدد من الكتب وصلت الى نتيجة مفادها أن الحق مع ذلك الفلاح الروماني الذي لا يؤمن بأيّ شيء ، والذي يعتقد أن الإنسان خاسر ولايمكنه أن يفعل شيئا أمام التأريخ الذي يسحقه. وأيدولوجيا الضحية هذه هي ايضا مفهومي الراهن وفلسفتي للتأريخ . إن كامل بنيتي الفكرية لم تفدني بشيء حقا !

الكتاب جرح مفتوح

سافاتير : كنتَ قد كتبت َ: ينبغي على الكتاب أن ينبش في الجروح بل ويقوم بتعميقها. ينبغي أن يكون الكتاب خطرا " . بأي معني تكون كتبك خطرة ؟
سيوران : طيب ، إسمع الآن يا سيدي : قيل لي مرات عدة أن ما أكتبه لا ينبغي أن يقال. حين ظهر ( مخطط الإنحلال ) بعث إلي ناقد اللوموند برسالة مليئة بالإتهامات : " أنت يا سيدي غير مدرك بأن هذا الكتاب قد يقع في أيدي الشباب ؟ ". هذا محض عبث. فأيّ شيء يخدم مثل هذا الكتاب ؟ الدراسة ؟ هذا لامعنى له البتة إذ لهذا الغرض يكفي الذهاب الى المدرسة. كلا ، أعتقد بأن على الكتاب أن يكون جرحا وأن عليه بهذه الطريقة أو تلك أن يغيّر حياة القاريء. عندما أكتب كتابا يكون قصدي هو إيقاظ أحدهم وجلده. وبما أن الكتب التي كتبتها ولدت من أحوالي غير الطبيعية ولا أريد القول : من عذاباتي ، فلابد من أن تطرح على القاريء بوسيلة ما. كلا ، أنا لا أحب الكتب التي تقرء كما تقرء الجريدة ، ينبغي على الكتاب أن يهزّ الجميع ، وأن يشكك بكل شيء. ولماذا ؟ طيب ، لا يهمني كثيرا الفائدة مما أكتبه ، فانا لا أهتم البتة بالقاريء : أنا أكتب لنفسي كي أتحرر من هواجسي وتوتراتي ، وهذا كل شيء. إحدى السيدات كتبت عني في " La Quotidien de Paris " : " سيوران يكتب ما يكرره الجميع همسا ". أنا لا أكتب كي " أكتب كتابا " على أحدهم أن يقراه. كلا ، أنا أكتب كي اخفف عن نفسي. وبعدها حين افكر بوظيفة كتبي أقول لنفسي بأن عليها أن تكون مثل الجرح. الكتاب الذي يبقي القاريء كما كان قبل قراءته هو كتاب أخطأ هدفه.
سافاتير : في جميع كتبك الى جانب ما يمكن تسميته ببعدها المتشائم ، الأسود ، يتلامع هناك مرحٌ ما غريب وحتى أنه يدفع الى الحياة.
سيوران : ما تقوله هو أمر شائق ، قال لي هذا أناس كثيرون. ليس عندي قراء كثيرون لكن بمقدوري أن أستشهد بأمثلة ليس بالقليلة على اشخاص ذكروا لهذا وذاك من معارفي : " لو لم أقرأ سيوران لكنت قد أقدمت على الإنتحار ". أذن اعتقد بأن كل الحق معك. أظن أن هذا ينبع من العاطفة الشديدة ، فأنا لست متشائما بل شخص ذو طبيعة عنيفة ... ولذلك فأن حالة النفي عندي حيوية. في الجوهر عندما تكلمنا قبل لحظات عن الجرح لم يكن ذلك بالمعنى السلبي، فأن تجرح أحدهم لا يعني أنك قد أصبته بالشلل ! ليست كتبي دافعا للأحباط ولا مقبضة للنفس. أنا أكتبها بسعار وعاطفة قوية. ولو أستطعت كتابتها ببرود لكانت خطرة. لكني لا أستطع الكتابة ببرود ، انا مثل المريض الذي في كل وضع يسعى ، وبصورة محمومة ، الى دحر مرضه. الشخص الأول الذي قرأ مخطوطة ( مخطط الإنحلال ) كان الشاعر جول سوبرفيل Jules Superville. إنسان متقدم كثيرا في العمر و ميّال جدا الى القنوط. قال لي : " أمر لا يصدق ، كتابك يا سيدي أكبر محفز لي ". بهذا المعنى أنا شبيه بالشيطان ، كائن نشط ، نافٍ ، يحرّك الأشياء ...
سافاتير: رغم أنك تعتبر بأن من واجبك وضع الحدود بين كتاباتك و الفلسفة بأدق معنى ، إلا أنها قائمة ، وعلى الأقل ليس بالصورة المبتسرة ، في هذا النشاط المتنوع كثيرا - هناك النقد الذاتي الذي حل محل الفلسفة بعد هزيمة الأنظمة الكبرى من القرن التاسع عشر. سيدي سيوران. هل بقي هناك معنى ما للفلسفة ؟
سيوران : بإعتقادي ان الفلسفة ممكنة ولكن كمقطع fragment . بشكل إنفجار. الآن من غير الممكن الجلوس وكتابة بحث فصلا بعد فصل. بهذا المعنى كان نيتشه وفق جميع المعايير محرِّرا. فهو من خرّب أسلوب الفلسفة الأكاديمية ، و قام بإنقلاب على فكرة المنهج system . فبعده يمكن قول كل شيء. جميعنا يعمل الان ( مقطعا ) وحتى عندما نكتب كتبا هي في الظاهر حسب خاضعة لعامل التنظيم. وهذا أمر متفق مع أسلوب حضارتنا.
سافاتير : وكذلك مع أمانتنا. قال نيتشه إن في الطموح في خلق الأنظمة شيئا غير شريف...
سيوران : بمناسبة الكلام عن الأمانة أقول لك شيئا. حين يعزم أحدهم على كتابة مقال بأربعين صفحة حول أيّ موضوع كان ، إنما ينطلق من مبايء معينة وهكذا يبقى سجينه . و يدفعه فهمه الخاص للأمانة الى إبداء كامل الإحترام لهذه المباديء وتجنب التناقضات مع النفس. لكن اثناء الكتابة تظهر له إغراءات أخرى وعليه أن ينبذها ، فهي تحرفه عن طريقه المرسوم. إذن هو مغلق داخل دائرة رسمها لنفسه. بهذه الصورة حين نريد أن نكون أمناء نقع في الزيف والكذب. وإذا حصل هذا الأمر في مقالة بحجم 40 صفحة فكيف الحال مع المنهج ! في هذا تكمن دراما كل تشييد للتأمل لايسمح بالتناقض. بهذه الصورة نقع في الزيف ونكذب ، إذ أن المهم الحفاظ على التماسك. لكن إذا انتجنا المقاطع يمكننا في اليوم نفسه القول بشيء ما ونقيضه في الوقت نفسه. لماذا ؟ لأن كل مقطع ولد من إعاشة أخرى ، وكل واحدة منها حقيقية بالطبع ، وهي جميعا الأهم. يقول أحدهم إن هذا عمل غير مسؤول ، وإذا كان هكذا فهو بذات المعنى الذي تكون فيه الحياة غير مسؤولة. والفكر المقطعي يعكس جميع أبعاد تجربتك في حين أن الفكر المنهجي يعكس واحدا فقط وهو ذاك الذي تمت السيطرة عليه اي الذي تعرض للإفقار. عند نيتشه، وعند دوستويفسكي تعبر عن نفسها جميع أنواع الإنسانية الممكنة ، وجميع التجارب. في المنهج يجري الكلام عن المسيطِر فقط ، الرئيس chef. والمنهج هو دائما صوت الرئيس. لذلك فكل منهج هو توتاليتاري في حين أن الفكر المقطعي يبقى حرا.
سافاتير : أي صنف فلسفي هو أنت يا سيدي ، وأي فلاسفة أثاروا أكبر إهتمام عندك ؟
سيوران : طيب ، في شبابي قرأت ليف شيستوف كثيرا. كان حينها معروفا جدا في رومانيا. لكن إهتمامي الأكبر كان صوب غيورغ زيميل Georg Simmel الذي أحببته ( وهذه هي الكلمة المناسبة ) أكثر من البقية. أنا أعرف بأن زيميل مشهور جدا في إسبانيا بفضل إهتمام أورتيغا [ ي خاسيت ] به بينما في فرنسا لا يعرفه أحد. زيميل كان كاتبا وفيلسوفا – كاتب مقال رائعا. ربطته علاقات صداقة قوية مع لوكاش وبلوخ اللذين تاثرا به لكنهما تبرءا منه مما أعتبره موقفا غير شريف تماما. واليوم أصبح زيميل منسيا تماما في ألمانيا بل ومنسي عن عمد لكن في زمنه كان موضع إعجاب توماس مان أو ريلكه. زيميل كان ايضا مفكرا مقطعيا . وأفضل جزء من عمله هو مقاطع. كما ألقى بتأثير ملحوظ عليّ المفكرين الألمان مما يسمى بفلسفة الحياة أمثال ديلتي إلى آخره. قرأت حينها كثيرا كيركيغورد عندما لم يكن على الموضة. عموما ما اأثار إهتمامي أكثر من غيره كان الفلسفة – الإعترافات. في الفلسفة كما الحال في الأدب ، تثير إهتمامي الحالات و المؤلفون الذين يمكن القول عنهم بأنهم “ حالات “ بالمعنى الكلينيكي للكلمة. يثير إهتمامي جميع الذين يتوجهون صوب الكارثة وكذلك أولئك الذين وقفوا خارج الكارثة. وأكبر إعجاب أكنه للذين وجدوا أنفسهم عند حافة السقوط المحتوم. لذلك عشقت نيتشه وأوتو فاينينغير Otto Weininger . كذلك هناك المؤلفون الروس أمثال روزانوف والكتاب الدينيون من طراز دوستويفسكي ، والذين ينكأون بصورة دائمة ، الجروح. والمؤلفون الذين يعطوني تجربة فكرية حسب أمثال هوسيرل لم يلقوا بتأثير عليّ. وعند هايديغير يثير إهتمامي مافيه من كيركيغورد و ليس من هوسيرل. إلا أني وقبل كل شيء أبحث عن الحالة في التأمل ، وفي الأدب يتوجه إهتمامي صوب ما هو هشّ و منكسر لكن صوب ما يعتمد على إغراء الإنكسار مع حفاظه على بعده الخطر...
سافاتير : مارأيك ب” الفلسفة الجديدة “ الفرنسية ، مدرسة الخلاف الصغيرة الراهنة ؟
سيوران : لايمكنني القول بأني أعرفها بصورة جيدة ، عموما أعتقد أنهم أناس بدأوا الإستيقاظ من نوم دوغمائي...
سافاتير : أحد أحسن كتبك موضوعه اليوتوبيا.
سيوران : أتذكر جيدا بداية إهتمامي بهذا الموضوع. ولد هو في الخمسينات ، في مقهى باريسية أثناء حديث مع ماريا تسامبرانو Maria Zambrano . قررت حينها كتابة شيء عن اليوتوبيا . و أخذت أقرأ اليوتوبيين : توماس موروس ، فورييه ، كابيت Cabet ، كامبانيللا... في البدء كان الجو محموما وكله إنسحار ثم واصلت القراءة في جو الملل ، وفي الأخير أصابني ضجر قاتل . أمر لا يصدق أن اليوتوبيين أفلحوا في أن يسحروا عقولا كبيرة ... مثلا دوستويفسكي كان يقرأ كابيت Cabet بإعجاب بالغ. كابيت الذي كان أحمق تماما : ماتحت فورييه ! الكل كانوا مؤمنين بحلول الألفية بعد بضع سنوات أو عشر كأقصى حد... وكان تفاؤلهم يدعو الى القنوط، هذه الرؤية الوردية المبالغ فيها، للعالم ، تلك النساء الفورييريات [ نسبة الى فورييه ] اللواتي يغنين أثناء العمل في الورشات... هذا التفاؤل اليوتوبي هو ، بكل بساطة ، لايرحم. أتذكر لقاء مع تييلار دي شاردان Teilhard de Chardin : الرجل ألقى خطبة حماسية عن تطور الكون بإتجاه المسيح ونقطة أوميغا Omega Point إلخ. حينها سألته عن رأيه بالألم البشري. أجاب :” الألم والعذاب هما عثرة للتطور من نوع المصادفات “. نهضت غاضبا وغادرت المكان. لم أرد النقاش مع مثل هذا الأبله. أعتقد أن اليوتوبيا واليوتوبيين قاموا في القرن التاسع عشر بدور إيجابي حين نبهوا الناس الى إنعدام المساواة الإجتماعية وضرورة الوصول الى وسائل ناجعة. علينا أن لا ننسى أن الإشتراكية هي نهاية النهايات لطفل اليوتوبيين. غير أنهم إعتمدوا على مفهوم ذي أساس خاطيء : الإمكانية غير المحدودة لجعل الإنسان كاملا. والأكثر صوابا عندي هي نظرية الخطيئة الأولى رغم أنه كانت قد أفرزتها تسمية دينية هي غالبما أنثروبولوجية. مرة حدث سقوط نهائي ، فقدان لايعوض عنه أيّ شيء. في الأساس أعتقد أن ما ابعدني نهائيا عن إغراء اليوتوبيا شغفي بالتأريخ. فالتأريخ هو الترياق المضاد لليوتوبيا ولو أن الممارسة التأريخية هي بالأساس على الضد من اليوتوبيا إلا أن لاشك هناك بأنها تمنح التأريخ زخما. ونحن ننشط بفضل الإنسحار باللاممكن لاغير ، وهذا يعني أن المجتمع غير القادر على ولادة اليوتوبيا والإرتباط بها يكون مهددا بالخرف والخراب. إن اليوتوبيا وبناء أنظمة إجتماعية نموذجية هما ضعف فرنسي جدا ، و فقر المخيلة الميتافيزيقية عند الفرنسيين تعوض عنه المخيلة السياسية. فهم يشيدون أنظمة أجتماعية لاعيب فيها لكنهم لا يأخذون الواقع بعين الإعتبار. وهذا عيبهم القومي. مثلا كان آيار 1968 يعتمد على أنتاج مستمر لشتى أصناف الأنظمة وكل واحد منها هو مدروس وغير قابل للتحقيق أكثر من الآخر.

السلطة شرّ

سافاتير : إن صح التعبير تكون اليوتوبيا قضية السلطة الملازمة و ليس التجاوزية transcendent إزاء المجتمع . وفق رأيك أيّ شيء هي السلطة ؟
سيوران : أعتقد أن السلطة شيء شرير، شرير للغاية. وموقفي من حقيقة وجودها هو التنازل والقدرية. لكني أعتقد أن هذا شقاء. كما ترى يا سيدي عرفت أناسا غنموا السلطة في الأخير، وهذا شيء مرهب. تماما كالرهبة حين يغنم الكاتب الشهرة. هو أمر شبيه بحمل الزي الرسمي ، في هذا الزي يكون الإنسان آخر ، وغنم السلطة كما لو أنها حمل اللامرئي ، وطوال الوقت الزي نفسه. أسال نفسي لماذا الإنسان الطبيعي ولو أنه يبدو عند النظر طبيعيا ، يقبل بتسلم السلطة والعيش في أحوال القلق من الصباح الى المساء وإلى آخره ؟ بالتأكيد يكون السبب ان الهيمنة لذة وإدمان. ولذلك فهو غير معروف عمليا مثال الدكتاتور أو الحاكم المطلق الذي تخلى طوعا عن السلطة ، وتسعفني الذاكرة بأن الحالة الوحيدة للتخلي طوعا عن السلطة كانت حالة سولا Sulla . السلطة شيء شيطاني : الشيطان هو ، ببساطة ، ملاك ذو طموح سلطوي. إن شهوة السلطة هي أكبر لعنة للبشرية.
سافاتير : إذا عدنا الى اليوتوبيا ...
سيوران : البحث عن اليوتوبيا هو بحث ديني ، الرغبة في المطلق. اليوتوبيا هي الضعف الكبير للتأريخ ، ولكن قوته الكبرى أيضا. بمعنى معين تكون اليوتوبيا تكفيرا للتأريخ . أنظر مثلا الى الحملة الإنتخابية في فرنسا : لو لم يكن هناك مرّكبها اليوتوبي لكانت مجرد شجار بين أصحاب دكاكين... و لما قدرت على أن أكون سياسيا ، فأنا أؤمن بالكارثة . إذا تعلق الأمر بي أنا شكّاك حقيقي وحتى أني أعجز عن أن أكون على يقين من حلول الكارثة... ولنقل بهذه الصورة : أنا موقن ، تقريبا ! ، ولذلك لا أشعر بأيّ رباط مع أيّ بلد ، مع أي جماعة . أنا إنسان محروم من الوطن - محروم ميتافيزيقي ـ وأشبه قليلا أولئك الرواقيين من فترة غروب الإمبرطورية الرومانية الذين شعروا بأنهم ( مواطنو العالم ) وهذا يعني في الواقع أنهم لم يكونوا مواطني أيّ وطن.
سافاتير : أنت يا سيدي لم تنبذ وطنك فقط بل نبذت - وهو الأهم - لغتك.
سيوران : إنها أكبر دراما يمكن أن يلقاها الكاتب. بالمقارنة معها تكون الكوارث التاريخية لاشيء. بالرومانية كتبت لغاية عام 1947. في ذلك العام سكنت في بيت صغير في دييب Dieppe وأخذت أترجم مالارميه الى الرومانية . فجأة سألت نفسي : لكن هذا عبث ! لماذا أترجم مالارميه الى لغة لايعرفها أحد ؟ " وحينها تخليت عن لغتي... بدأت أكتب بالفرنسية وكان ذلك بالغ الصعوبة ـ بحكم مزاجي لاتلائمني الفرنسية ، فأنا بحاجة الى لغة وحشية ، لغة إنسان سكير. الفرنسية كانت بالنسبة لي مثل قفطان السلامة. الكتابة بلغة أخرى هي تجربة مفزعة. الإنسان يمعن الفكر بالكلمات ، بالكتابة نفسها. عندما كتبت بالرومانية فعلت ذلك لاشعوريا ، ببساطة كتبتُ وكان ذلك كل ما في الأمر. حينها كانت الكلمات مستقلة عني. عندما بدأت الكتابة بالفرنسية إقتحمت جميع الكلمات وعيي ، وكانت أمامي في الخارج جالسة في خلاياها ، وكان عليّ أن أجرّها من هناك. ( و الآن أنت ِ ، والآن انتِ ). كانت هذه تجربة شبيهة بالتي عشتها بعد قدومي الى باريس. سكنت في فندق صغير في الحي اللاتيني. في اليوم الأول حين ذهبت الى مكان الإستقبال كي أتلفن وجدت هناك زوجة صاحب الفندق وإبنه وهما يعدان قائمة الطعام . كانا يدرسانها كما لو كانت خارطة معركة ! لقد صدمتُ حقا . ففي رومانيا كنت آكل مثل الحيوان ، أي بلاوعي ومن دون الإنتباه الى مسألة أيّ طعام أمامي. في باريس أدركت أن تناول الطعام هو طقس ، فعل ثقافي ويكاد يكون إتخاذا لموقف فلسفي... بصورة مشابهة كفت الكتابة بالفرنسية عن أن تكون لدي فعلا غرزيا كما عند الكتابة بالرومانية ، وإكتسبت بعدا تأمليا مماثلا لحقيقة أني كففت عن أن آكل في حالة لاوعي سعيدة... حين أبدلت اللغة وبكل حزم ، قمت بتصفية الماضي ، وغيّرت تماما حياتي. وحتى الآن يبدو لي أني أكتب ، وبدون أن أكون مرتبطا بأيّ شيء ، ومن دون جذور ، بلغة ذات حرارة مصطنعة كما في بيوت النبات الزجاجية.
سافاتير : غالبما تتكلم عن الضجر . أيّ دور في حياتك لعبه الضجر ، التقزز؟
سيوران : يمكنني القول أن حياتي سيطرت عليها تجربة الضجر. عرفته في الطفولة . ليس المقصود بالضجر الذي يمكن التغلب عليه باللجوء الى التسلية والحديث أو المتع ، بل الضجر االذي يمكن القول عنه بأنه الأساسي والمعتمد على أنك تجده عندك بسرعة أكبر أوأقل ، أو عند الآخرين ، أو أمام منظر طبيعي جميل ، حينها يشعر الإنسان بأن كل شيء هو فارغ ، لا يملك محتو ولا معنى. الفراغ هو في الداخل والخارج . الكون كله مصاب بعدوى العدم. لا شيء يثير إهتمامنا يستحق الإنتباه. الضجر هو دوار رأس لكنه دوار هاديء و أساسي ، و ظهور إنعدام الأهمية العام ، إنه يقين محاذ للصعقة أو أعلى تنبؤ ، وأنه لا يمكن ولاينبغي عمل أي شيء في هذا العالم ولا في غيره ، ولاشيء في العالم يمكن أن يوائمنا أو ُيسّرنا. وعاقبة هذه التجربة ( وهي ليست ثابتة بل هي عائدة حين يهاجمنا الضجر بين فترة وأخرى ، وفي الأخير تستمر هذه الهجمات لفترة أطول من فترة الحمّى ) أني لم أعمل شيئا جادا في الحياة . والحق أني عشت بصورة مكثفة لكني لم أكن قادرا على الإهتمام بالوجود. إن هامشيتي ليست بشيء عرضي بل جوهري. لو لم يضجر الرب لبقي ، وهي حقيقة ُ ، ربا ، لكن ربا هامشيا. وفي الأخير لنتركه لحاله. حلمت دائما بان أكون إنسانا لاحاجة إليه ولا يصلح لأيّ شيء. وها أني حققت هذه الأمنية بفضل الضجر. الإيضاح هنا ضروري : التجربة التي أصفها هنا لا تدفع، بالضرورة ،الى القنوط ، فأحيانا يحصل بعده نهوضٌ يغيّر الفراغ الى حريق ، في الجحيم المنشود...

حين تهيأتُ الى الخروج يلحّ سيوران علي بالقول : " لا تنس يا سيدي أن تقول لهم إني مجرد كاتب من الهامش ، وهو يكتب من أجل الإيقاظ. أرجو أن تكررعليهم هذا القول : كتبي تسعى الى الإيقاظ ".


* نشر هذا الحوار الذي أجراه فرناندو سافاتير F. Savater ، في صحيفة ( أل بايس El Pais ) الإسبانية في الثالث والعشرين من تشرين أول عام 1977 .


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559852   Visitors since 7-9-2002