المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

التشكيل الكردي العراقي . ثقافة التحديث في رحلة البحث عن الغائب

  
د . شوقي الموسوي
  













ثمة انزياح واضح نحو الاثر في التشكيل العراقي المعاصر بشكلٍ عام والتشكيل الكوردي بشكلٍ خاص ، قد تمثل بمناهضة الشكل الكلاسيكي القديم ، المتمسك بالمعنى الواحد . حيث تجاوز الفنان التشكيلي الكوردي بنصوصه الاخيرة بعد عصر الحروب ، هذه المحدودية في المعنى باتجاه تعددية الاصوات ؛ على اعتبار ان النص الفني مزيجٌ متنوع تتعدد فيه الاصوات .. فلا وجود لنص تشكيلي نقي بمعزل عن النصوص الغائبة ، لان كل نص صدى لنص آخر الى مالانهاية ويُمثل كل نص – من وجهة نظر جوليا كرستيفا – لوحة فسيفسائية من الاقتباسات ؛ كونه نص متحوّل عن نصوص أخرى ..؛ بمعنى ان أي نص تشكيلي سواء اكان نحتاً ام خزفاً ام رسماً لايُمكن ان يكون مكتفياً بذاته ، بل متناصاً مع مجموعة نصوص استقرّ عليها النص الاخير المنجز . وبالتالي يصبح التناص في الفن الكوردي آنذاك بمثابة ترسبات ثقافية متعددة الاصوات ، يتم تحريكها من قبل الفنان ، من خلال تكثيف الاقتباسات ، فيطفوا على السطح الشكل الجديد ، بفعل الامتصاص او الحوار او حتى بالاجترار .
فالصورة الفنية لدى التشكيليين الكُرد قد تمرحلت بحدود قوانين التناص (الاجترار والامتصاص والحوار) من الطبيعي الى الثقافي فالمُجرد . فقد تواجدت بعض النتاجات مُشتغلة على قانون الاجترار الذي يُشابه الى حدٍ ما فكرة التكرار أو الاستنساخ للتكوينات القديمة دون إجراء تغييرات جوهرية عليها والتي تجعل من المشهد الجديد مجرد استذكارات للواقع الخارجي وهو بمثابة تناص مباشر كما في النتاجات الفنية ذات الاسلوب الانطباعي والواقعي . بينما هُنالك بعض الاعمال الكوردية قد ابتعدت عن هذه المباشرة واتجهت بالاشتغال على القانون الآخر وهو الامتصاص ، الذي يقترب من عمليات اعادة صياغة الاشكال المقتبسة ، اي اعادة الحياة للنص القديم من جديد حيث يتم تعامل الفنان مع المُقتبس تعاملاً تمرحلي تحولي لايمحو الاصل ، فما نجده يساعد على استجلابه المعاني الجوهرية برداء معاصر جديد . في حين تواجدت بعض الاعمال الاخيرة التشكيلية محتفلة بالتناص الذاتي (الحواري) دون الاعتماد على آليات التأمل فحسب وانما الاجتهاد في تغيير المباديء الثابتة وبالتالي يؤدي الى تعرية المثاليات او المقدّسات فلاوجود للثوابت في قواميس الحوار الشفاف . وفيما يلي بعض التجارب التشكيلية الكوردية المشتغلة على قوانين التناص قد تواجدت بين ثنايا آرشيف موسوعة الفن التشكيلي العراقي الخاص بي .

محمد عارف : خطاب المركز في رحاب السرد



ثمة سرديات في النص التشكيلي الكوردي العراقي ، وضفت الموروث الحضاري والفلكلوري والمتمثلة بالعديد من العلامات والرموز التراثية وبعض اشارات الواقع الجديد وخاصة في نتاجات الفنان الرائع الاستاذ " محمد عارف " ؛ اذ حاول الفنان من خلال طروحات السرد الذاتي ، ان يُفصح الى حدٍ ما عن مكنوناته الذاتية المتمفصلة بذاكرة الفنان البكرية وذاكرة التلقي على مر العصور ، على وفق رؤى وأساليب فنية محددة تتيح لذهن التلقي استيعاب الموضوعات الانثروبولوجية والجمالية وبالتالي يصبح موضوع السرد متموضعاً في محنة الارتداد نحو الزمن القديم .
فقد تواجدت بفعل التلقي ، الكثير من التقابلات الوجدانية الحاصلة بين نصوص الفنان محمد عارف والمرجع (الذاكرة) ؛ اذا ماعرفنا ان السرد يُقارب الفعل الانساني في تصوير الازمنة المتعددة ومن ثم اعادة تشكيل المنظومة السايكولوجية للفنان ودمجها مع عوالم الحياة الانسانية من وجهة نظر ريكور ..؛ حيث اشتغل الفنان على اشكالية التراث والمعاصرة المتمثلة في أغلب مفرداته التشكيلية (آدم وحواء – الحصان – الحمامة – الازقة – بيوت قديمة - الشجرة..) المُقترحة والمستعينة بذاكرته التاريخانية للاشياء وفق جدلية ذهنية بين أثر تلك الاحداث فينا واستجابتنا لها . فالفنان " محمد عارف " وفي أكثر من لقاء جمعني به في بغداد الحبيبة ، كان يؤكد لي في كل المرات انه يُريد ان يحقق ويتحقق من هوية أشكاله المقترحة سردياً والتي تشكلت بفعل عمليات الانصهار الحاصلة بين قصص السرد وملكة الخيال ؛ بمعنى ان الفنان قد أطلق العنان لخياله كي يُبحر بذاكرة التلقي الى الاعماق ، حيث اعاد الفنان صياغة الواقع على وفق مخزونه الثقافي والتقني والجمالي المتراكم .. بحدود هكذا سياقات وتناصات ممتصة من الموروث العربي لدى الفنان ، اعتقد ان ماانجزه من تمثيل سردي ذاتي لموضوعاته المتنوعة ( العاشق والمعشوق – الفارس البطل – المدينة الفردوسية – الشجرة المثمرة – الجبل – الشلال – الربيع – المطر ..) يقترب من الاسلوب التعبيري والرمزي ، المحتفل بالماضي الجميل المُحمّل بالاطلال والاحلام والصور الشعرية العاشقة للوطن .

إسماعيل الخياط : كائنات في طقوس




اجتهد الفنان " اسماعيل الخياط " في انتاج تكويناته المقترحة ذهنياً ، على تشفير موضوعاته المختارة ( الحلم – الحب والحرب – الجسد الانثوي – المدينة ..) في لغة بصرية تقترب من التعبيرية والرمزية ، من أجل استنطاق المعنى الغائب داخل السياق الدلالي العام للتكوين . .؛ حيث أجدُ أن أغلب تكوينات الفنان " اسماعيل " الاخيرة المُحتفلة بالمفردات التراثية والاسطورية ( طير ابيض – شبابيك – أبواب من التراث – اشكال هندسية – أجساد – رموز فرعونية ..) قد تآلفت مع بعض المباديء التواصلية ألاساسية أهمها المرجع الانثروبولوجي والثقافي ، فضلاً عن السرد الحكائي المُتخيل الذي يقترب الى حدٍ ما من الاداء الانطباعي ، بجانب مهمة النص المتمحورة بالبث (الابلاغ) عن معنى المعنى (المسكوت عنه) . حيث وجدت هنالك تحولات عديدة لاشكال الفنان أخذت بالتحول شيئاً فشيئاً الى مجموعة كائنات روحية في مشهد بانورامي طقوسي ، متزامنة بفعل عمليات التسطيح والتحزيز والترميز ، كتمفصل الجسد الانثوي مثلاً مع النهر أو الطير مع السلام او مع الارض الطيبة . ولهذا نرى الفنان " اسماعيل " يُعطي اهتمام بالغ لتفاعلات العلاقات الفنية من وحدة وانسجام وتضاد وتوازن ، على حساب العناصر الرئيسة ؛ اذا مااعتبرنا ان الكل لايساوي الاجزاء ، بل هو مجموع تفاعل الاجزاء مع بعضها البعض بحسب الفكر الجشطالتي ..؛ اذ تميزت اعمال الفنان " اسماعيل الخياط " بحدود موضوعتي الحلم الضائع والمدينة القديمة ، بانفتاحها على مجموعة من المرجعيات الانثروبولوجية اجتماعية كانت ام تاريخية فهو يقوم بتفكيك عناصر الطبيعة ومن ثم يهتم بتحليلها ذاتياً بهدف اعادة صياغتها وطرحها في تكوين آخر ، يسمح باظهار الجانب الجوهري لمرئياته (الطير والمدينة والعناصر المعمارية) معتمداً على تفاعل عناصر ومباديء التكوين الفني فيما بينها وخاصة عنصر اللون ومايحويه من دلالات رمزية ووجدانية ، تختزل الذاكرة الى خطوط ومساحات لونية (احمر– اصفر – اخضر) متوشحة باشارات رامزة ،تحقق التوازن الروحي والتناغم اللوني والخطي الديناميكي فيتمظهر المشهد التصويري بنسق لوني مُجرد.


سيروان شاكر : التنقيب في سرائر الحلم



ثمة نتاجات في التشكيل الكوردي المعاصر ، تحاول ان تستقطب بطريقة ما طاقات وجدانية مسكوت عنها ، من خلال الولوج الى عالم الرمز والسريرة والحُلم . الفنان " سيراوان شاكر" احتفل بمظاهر الوجود الانساني والكوني تعبيرياً ، حيث اجدُ تكويناته قد توجهت صوب فكرة تحطيم واقعية المشهد المرئي لونياً وخطياً ، بفعل عمليات التسطيح والتحوير من أجل التعبير عن ذاتيته المُغيبة في الامس والتي تحاول ان تستقصي الاثر (الألم) الحاصل من ظلام الماضي .. هذا الجرح الاحمر العميق قد اوحى للمتلقي دلالات وجدانية متمظهرة هارمونياً بهيئة مدينة بفعل المعالجات اللونية الثائرة ذات العائلة الواحدة التي تسيح بذهن التلقي الى الحدث .
أصبح الفنان " سيروان " مُهتماً بالتنقيب عن سرائر مدينته القديمة ، يُفصح عن بعض المساحات الصغيرة من الحرية الغائبة ، بفعل الالم المسكوت عنه .. وبالتالي تواجدت خاصية سحرية تعبيرية مشحونة بالالم اخترقت المألوف لصالح التلقائية التي تستعيد شيئا من الذاكرة الجمعية ، اسطوري اكان ام خيالي ، فتظهر مشاهده البانورامية بمثابة مُدن تحترق بفعل الاستذكار .. وفي سمائها تخاصمت الغيوم السوداء بعضها عن بعض . الفنان " سيروان شاكر " وجد في اللون تعبيراً عن الحياة الداخلية والوجود الانساني ، بل هو ضرورة روحية للتواصل مع الآخر على الرغم من دراماتيكية مشاهده التصويرية . فقد كانت محنة الانسانية هي الموضوعة التي تستحوذ على اهتمامه ، كونها تتجاوب مع آلامه المتكررة !! فأجده يُحاول ان يحاور حزن الطبيعة المحتفلة بالالم وحالات الاغتراب والتغييب المتكررة في مشاهده العطشى الى شيء من السلام فالمدينة (الوطن) هُنا قد أصابها الطوفان الاحمر ومازالت تنتظر السلام والاحلام والهيام ، فيتمظهر اللون برنينه المتعالي والمتواصل بالانفتاح على الاعماق .


دارا حمه سعيد رشيد : الصورة الجدار .. أقنعة الماضي



ان الاسلوب التعبيري للفنان " دارا حمه سعيد " قد اعتمد على تجزئة ملامح العالم المرئي ومن ثم تطهيره من بعض اللواحق التشريحية (التفاصيل) ، من خلال اهتمامه الواضح باللون الرومانسي المُنفعل وبالخط المنحني المموه لاشكال أجساده المتهالكه ، المُعذّبة والحالمة بالآتي .. هذا الاسلوب المُعتمد على تفعيل المساحات اللونية المسطحة فيما بينها والمؤتلفة مع حساسية الخطوط المنحنية والمتقاطعة والملتقية والمتحركة بفعل التحزيز ،قد عبّر عن أحاسيس الفنان بما فيها من أفكار واحلام وآلام وذكريات مؤجلة ، مُنعكسة في أغلب موضوعاته الانسانية ( الجسد الانثوي – الطبيعة المنفعلة – الحُلم – الاقنعة - المدينة ...) ، فنلاحظ مثلاً ان موسيقىة الالوان (الايقاع) في أغلب مشاهده التصويرية كانت بمثابة المحتوى الدرامي الاساس لاشكاله ؛ كون الفنان حاول جاهداً ان يستبطن أشكاله وأجساده من خلال التركيز على ذاتيته المُغيبة في الامس ، من أجل التواصل وايصال الصفاء الى الآخر الداخلي . ويُلاحظ من الوهلة الاولى ان الفنان لم يكتفي بالتعبير عن مظاهر أجساده فحسب ، وانما وجدناه قد توغل في أعماق أشكاله باتجاه المخفيات ، ليعبر عن أحاسيسه الداخلية القابعة في ذاكرته البكرية والجمعية . هذه السياحة في الذات الانسانية المُعذّبة لم يكن الفنان " دارا " يمثلها فقط بحدود موضوعة الجسد وانما وجدناها قد احتوت مظاهر الكون ، سواء في تناوله للاشكال الحيوانية (الثور المجنح – البقرة – الطير – الخيل ...) أو للاشكال النباتية او المفردات الكونية ( الشمس – القمر – النجمة - الرعد - المطر ...) فالفنان يُحاول ان يبلور مايشعر به ، كونهُ شديد الصلة بالحياة الروحية .
وقد استذكرتُ لحظة اشتباكي مع نصوص الفنان " دارا حمه سعيد " الاخيرة باحدى عبارات الفنان الرومانسي الرائع ديلاكروا نصها : " ان الاسلوب هو الانسان " فوجدتُ ان المتتبع للاسلوب التعبيري للفنان سوف يلحظ ان العاطفة متسيدة لديه على حساب العقل .. وبالتالي يُظهر لنا الفنان حالاته السايكولوجية الشديدة التكاثر والتنوع والتناقض ، فالفنان " دارا حمه سعيد " احد التشكيليين العراقيين المهتمين بالتلقائية اللونية بانواعها فهو ينحت ويرسم كما يتحدث دون أدنى تفكير ، مُعتمداً على الانتقائية التي تحتفل بآليات التعبير والتي تزيد في قدرته على انتاج مشاهد عديدة تتميز بالبساطة والمرونة والشفافية المتعالية على المألوف .




سيروان باران : أبجديات التعرية والارتداد الى اللاوعي

ثمة اشتغالات عديدة لمفهوم التعرية في المظاهر المادية للاشكال المرئية في حدود التشكيل العراقي المُعاصر بشكلٍ عام ونتاجات الصديق والفنان " سيروان باران " بشكل خاص ، حيث يتم تعرية الاشكال من ماديتها ووجودها الشيئي المتمظهر امامنا ، اي تجاوز ماهو مُعلن (مرئي) باتجاه الماورائية والمافوقية ، لاكساب التكوينات المقترحة الجديدة شيئاً من الحُرية ، التي تكون بمثابة السياحة في الاعماق ، بعيداً الى حدٍ ما عن القشور والتي تحتفل بعمليات التعرية والتسطيح والتحديث لاجساده الانثوية على وجه الخصوص ، مثلما تتعرى عشتار لحظة نزولها الى مملكة العالم السفلي في الفكر العراقي القديم .
من خلال هكذا جغرافية مرتدة الى اللاوعي ومهتمة بتعرية الاشكال (الاجساد) من ماديتها ومن ثم توشيحها برداء زمكاني ممتليء بالحروفيات بحدود موضوعة الجسد الانثوي المتكررة ، نجدُ ان أغلب نتاجات التشكيلي " سيروان " التعبيرية التجريدية قد استعانت بالاتجاه الاستبطاني الذي يُعطي نماذج للتعرية السايكولوجية وخاصةً عندما قام الفنان بتفكيك الكيان الطبيعي لمفرداته ( الجسد انثوي وذكوري – الرواق – اشكال حيوانية – حروفيات – شرفات حضارية – الزهور ..) ومن ثم تحليلها واعادة صياغتها والتي انتهت باقتراح الشكل الجديد . هنا استذكر مقولة الفنان الرائع استاذنا " شاكر حسن ألل سعيد " عندما قال : ان التعرّي او التعرية بمثابة حفريات آثارية ، تزيل المظاهر المتراكمة للطبقات الآثارية ، من أجل الكشف عن الهوية . فالارتقاء بالجسد الطبيعي في بعض نتاجات الفنان " سيروان باران " الى المستوى الثقافي (ماوراء الواقع) ، تقترب من أطياف الجسد المعرفي ، وبالتالي تساعد الفنان على قطع العلائق المادية مع المرئي والتمسك بآليات التعبير والتجريد والتقيب عن سرائر الجسد وصفاته الروحية بفعل عمليات التبسيط والتسطيح لمفرداته ، على سطوح هياكله المحسوسة ، مُستعيناً بدلالات الالوان الرمزية ( الاوكر والاصفر / تراب – الازرق / السماء – الابيض / الفضاء ). حيث شكلت الاجساد الانثوية سمة متسيدة في أغلب أعماله الاخيرة ، مرتفعاً بها على المظاهر الطبيعية الى مستويات العاطفة ، الفنان " سيروان باران " هُنا يُحاول ان يشحن اجساده بمداليل ورموزو حالمة ، من خلال رؤيته الحدسية المُحتفلة بالخطاب المثيولوجي لتسجيل احدى مظاهر السعادة والامل والوطن .
استعان الفنان العراقي في الفكر الحديث بالاسطورة وتداعياتها الفكرية ، بعيداً عن السرد القصصي الحكائي المباشر وعن قانون الاجترار (التكرار) ؛ كونه قد فقد ثقته بالمرئي وتمثلاته الطبيعية لفقدان معانيه الاصلية ، في حين مازالت الاسطورة وماتحويها من قيم وأفكار روحية ومثالية محتفظة بسماتها الحداثوية ومعانيها الاصيلة . والفنان الكوردي االعراقي " نامق علي قادر " على وجه الخصوص وجد بان في الواقع المُحيط تسوده تمثلات مادية تحطم وجوده وانسانيتهُ فألتجأ الى التعبير لا التشخيص والى الترميز لا التشريح والى التشفير لا التمثيل والى الحوار لا الاجترار والى الاسطورة لا الواقع .. هذه الاشارات وبعض الاحالات عن الاسطورة وتمثلاتها في الرمز وان كانت بسيطة التمثل في اعمال الفنان " نامق علي " إلا انها تدخل في صلب اهتماماته الجمالية وتوجهاته المثالية ، المنفتحة على التراث الانساني ، المُحتفل بالاسطورة وتمثلاتها بما يتناغم مع التجربة التشكيلية العراقية بشكل عام والكوردية بشكل خاص .؛ بمعنى ان الفنان عندما استعان بمفردات الاسطورة في موضوعاته ( الجسد – البُراق – الثور المجنح – الصليب – الاشكال الهندسية ...) يُريد تذكيرنا بتاريخانية الماضي ، بل نجدهُ يحتفل بالجوهري المرتبط بالتجربة الانسانية التي تمنح الاشكال سحراً خاصاً على حساب الاقنعة . من هُنا وجد الفنان " نامق علي قادر " في موضوعة أسطرة الواقع متنفساً وحيداً لعرض أفكاره المُغيبة ، فوجدناهُ يستعين تارةً بالموروث الحضاري العراقي القديم فضلاً عن التراث الاسلامي المتمثل بمدرسة بغداد للتصوير العربي الاسلامي وتارة أُخرى بحداثات الفن الاوربي الحديث مرجعاً معرفياً وتقنياً وجمالياً في سرد أفكاره المثالية التي تحتفل باللامرئي على حساب المرئي من خلال عمليات التعبير والترميز والتحوير والتمويه للامساك بالطيف .




عوني سامي : ملامح التجريب والتركيب والتجريد (شيفرات وملامح)



ثمة تمركزات واضحة المعالم حول تشفير المرئي بالاعتماد على الذاتية الفردية ، في حدود التشكيل الكوردي العراقي ، قد يبدو غريباً بعض الشيء ، حيث تبنت أغلب النتاجات الفنية بعض أساليب التجريد الغنائي ، المُحتفل بالجوهري بالرغم من تسييد بعض التجارب الاساليب الواقعية على الساحة التشكيلية المتعاقبة . فالذات اصبحت المحور الاساسي لبعض الفنانين العراقيين ، بل هي مركز لكل خطاب تشكيلي .. وعلى وجه الخصوص تجارب الفنان " عوني سامي " الذي طرح أفكاره باسلوب تجريدي يُناهض الواقعي ، بل ومُحطماً له .
الفنان " عوني سامي " من الفنانين الكورد الشباب المُجدين ، حاول جاهداً استنطاق مرئياته وانسنتها متأملاً جواهرها لا قشورها ، فنجدهُ في بعض اعماله الفنية يبتعد عن الامتثال لقوانين المرئي التشريحية من خلال عمليات البحث والتجريب والتلصيق والتسطيح التي يجريها على اشكاله وبالتالي يُنتج أشكالاً جديدة تحتفل بالتجريد على حساب التجسيم فتتمظهر أشكاله ( مربعات رمادية – أشكال طوطمية – خطوط – نقط – بقع لونية حمراء مركزية – مواد مختلفة ..) في اطار التأمل فتكتسب لغته البصرية دلالات مثالية تجعل من النص الجديد المُقترح بفعل عمليات التلصيق والتحزيز والتحطيم جمالاً خالصاً ؛ كون الجمال الخالص يتموضع في الشكل الخالص على حد تعبير الفيلسوف كانت ..؛ من خلال هكذا تجريد وتشفير للواقع المحيط وجدتُ بان هنالك تعددية في الازمنة بحدود مفهوم التناص في اعمال الفنان " عوني " قد ساعدت النص الجديد على استنباط معالم الزمن ، ليصبح ذا دلالة اشارية (ايحائية) تتمفصل مع القانون الهندسي العام وبالتالي يُعطي للمتلقي تعددية في المعنى لحظة فعل القراءة .
من هُنا أرى ان الفنان الكوردي بشكل عام والفنان " عوني سامي " بشكل خاص ، أنصب اهتمامه على تمزيق و تحطيم دلالات المكان الموضوعية ، لصالح تعددية الازمنة الجديدة ، عندما حاول اختراق الفضاءات اللامرئية المخفية (الاطياف) من خلال استعانته بالاشكال الهندسية والحيوانية ذات الفكر الطوطمي ، بفعل عمليات الحذف والاضافة والتمويه والترميز والتجريد فالفنان " عوني سامي " كالمنقب الذي يهتم بالبحث عن ماهو جوهري ومثالي من اجل المضي قُدماً الى مناطق ومديات بلا حافات .

تجارب كوردية متجاورة : سحر التخييل والتغريب

يتعمق اداء فعل الذات المغتربة لدى الفنان التشكيلي العراقي عندما تكون هُنالك ملامح للغياب والتغييب في الهوية وفي الفن وباداء فانتازي ، يحتفل بعمليات التغريب والتركيب والتهجين بين ماهو واقعي وماهو مُتخيل . انه غياب يخترق مناطق اللامرئي في المرئي فيقترح أشكالاً جديدة وفق رؤية حدسية ماورائية ، تقترب من العوالم السوريالية ، فتحدد جغرافية للصمت الابدي . هذه الرؤية الماورائية وجدناها في بعض نتاجات التشكيل الكوردي العراقي لدى الفنانين ( بُرهان سابير – ماجد شاليار - روناك عزيز - دارا محمد علي – عادل محمود - تريفا أنور – فارس تمر ..) . ففي منحوتات الفنان " بُرهان سابير " نجد ان الفنان قد سعى في أغلب نتاجاته الفنية الى تغييب العالم المرئي (الموضوعي) لصالح العالم الداخلي (الجوهري ) في أشكاله المركبة ( كائنات مركبة – تكوينات طوطمية – اقنعة الجسد – اشكال اسطورية سوريالية وتراثية ...) هذا التغييب يُساعد ذهن التلقي في اختراق مناطق الحُلم والعودة بالاشكال الى الينابيع باتجاه الزمن الماضي الجميل ، الممتليء بالحكايات الخليقية والاساطير المحتفلة بسحر التخييل والتغريب ..؛ حيث تمظهرت مظاهر الحداثة من تحديث وتجريد وتركيب في منحوتات الفنان " سابير " باشكال رمزية ، سوريالية كما هو واضح في عناوين معارضه السابقة (الاقنعة 1988– طوطم 1999 – مخلوقات2000) مُستحضراً ذاكرته البكرية واللاجمعية المختزلة للموروث الحضاري فتتحول الى ثيمات ميثيولوجية للتأويل لحظة فعل القراءة .
بينما نلاحظ في رسوم الفنان والصديق " ماجد شاليار " ذات الطابع الواقعي ، تشتغل على اظهار ملامح المدينة القديمة بما تحويه من ذكريات وحكايات تنتمي الى ذاكرة المكان اكثر مماهي تاريخانية ،فهو يرسم ذاتيته عبر امكنته القديمة المُفعمة بالذكريات مستعيناً بخياله الخصب وتقنياته الاكاديمية المحتفلة بالتعبير . فالفنان " ماجد " يتأمل مرجعياته عندما ينتج موضوعاته المتعددة (سوق شعبي – عربة وحصان – طبيعة ريفية – رقصة كوردية – ملامح مدينة ..) ليُعبر عن محنته وليدون وجوده الانساني ولا يُحاكي مباشرةً ، اذا مااعتبرنا ان الرسم طريق للوجود ، فالفنان يحتضن الماضي الجميل وبالتالي يشعرنا بالامتداد والارتداد الى الجذور .
ومروراً بتجربة الفنانة " روناك عزيز " نلاحظ وفي حدود موضوعة ثنائية الجسد ( الرجل والامرأة) ثمة أمكنة غرائبية مخفية تكمن في أعماق التمظهرات (الخطوط والالوان) ، قادرة على توسيع مدارات السرد الذاتي واغنائه بالجانب الروحي المتعدد الاصوات بفعل تعددية الازمنة والامكنة في المشهد الفني العام وخاصة في الاعمال الاخيرة التي وجدت في عملية ادخال المواد المختلفة والصاقها على السطح التصويري ( خيوط – عجائن – ورق ..) أساساً في تكويناتها التعبيرية التي تُسيح بنا الى عوالم الحميمية والسلام والذكريات والى الانسانية المفقودة في الزمن الاحمر هُناك !! لذلك نجد ان الفنانة " روناك " قد صبت اهتمامها على الفكر الانثروبولوجي المحتفض بطاقات التعبير ، بحثاً في جوهر الاجساد (المرئيات) عن الحلم الضائع (الوطن) .
في حين وجدنا في تجارب الفنان " دارا محمد علي " احتفالاً واضحاُ بثنائيات الوجود وهي متجاورة ومتحاورة ( رجل وامرأة – الانسان والطير – الحب والحرب – الليل والنهار – الاسود والابيض – الموت والحياة – الواقع والخيال – السماء والارض ..) حيث قام بتجريد وتخليص المرئي (الايقون) من صوره المكانية التقليدية والذي يساعده على استحضار ذاكرة الحلم والوهم والرمز ، ليصبح الزمن هُنا بمثابة تيارٌ هائج لا يكشف المعنى الظاهر بل يُحرّف بقايا أمكنته من أجل التنقيب في سرائر الرمز للوصول الى الاعماق والى الصمت ، باتجاه الحقيقة الجمالية .. وهنالك مفردات أخرى كانت اكثر حضوراً من غيرها في اعمال " دارا محمد " تمثل الاشكال الكونية ( الشمس – النجم – القمر – السماء ..) وهي تُحدق بنا وتحلق بذاتيتنا الى المثال ، بمثابة عودة الى الينابيع والى استذكار الذكريات والى تشييد معمار الذاكرة المغتربة فتكون شاهدة على عصر الحروب كبديل للبقاء وحلول الحياة في أشكاله المركبة فانتازياً .
بينما نجدُ ان سحر التخييل قد تموضع بشكل واضح في اعمال الفنان الكوردي " عادل محمود " ذات الطابع التعبيري والسوريالي وخاصة في موضوعة الجسد الانثوي ، المُشبع بالرمزية والاستعارية والمُحتفلة بالتلقائية والعفوية بالالوان .. ؛ حيث يستخدم الفنان الرمز القابل للتأويل تارة وتارة أُخرى يقوم بالدوران حول بعض النقاط المعتمة في خارطة الجسد متوارياً خلف تلال التأويل ، مُبتعداً بذلك عن المادية المُحددة للجسد الانثوي .
وفي تجربة أخرى من تجارب التشكيل الكوردي العراقي تتواجد تجربة الفنانة " تريفا أنور " المتمسكة بالمبدأ القائل بان التعبير وسيلة أكثر مما هو مجرد احاسيس رغم ارتباط التعبير والاحاسيس معاً بالانسان ؛ لان المشاعر لدى الفنانة " تريفا أنور " كانت بمثابة تجربة ( حُب – حُزن – فرح ..) أكثر مما هو مجرد أوهام تتخذ أشكالاً متنوعة ( طير – جسد – وطن – دائرة – نقاط – مطر – ماء – سماء ...) ، تحمل فكرة يُراد بثها الى الآخر فتتجسد كوطن بفعل القراءة وتتعدد معانيها ( طفولة – ذكريات – قطرات المطر – الربيع – الحب والحرب – الحُلم ..) . هذه الذاتية السحرية في أعمال الرسامة " تريفا أنور " قد جعلت من الغرائبية في اللون التعبيري ، تتصاعد من خلال الوانها وخطوطها المتطاولة أدائياً فتساعد التكوين العام لاعمالها الاخيرة ان تفلت الى حدٍ ما من احادية المكان ، توغلاً في الاعماق .
ووصولاً الى تجربة الفنان " فارس تمر " التشكيلية المتوغلة بالوجدان التعبيري والمحتفضة بالمثالية ، نجد ان الفنان قد اهتم بانتاج مشاهد احتفالية باللون المُحمّل بالعاطفة .. فالاشكال هُنا تأخذ قسطاً من البساطة والتحرر من بعض أصنام البعد المكاني حينما اعتمد الاسلوب الرومانسي في تناوله لموضوعاته المختلفة ( الحياة الصامتة – الطبيعة – المدينة ..) حيث أضاف الحياة الى عوالم الاشكال الصامتة (ستل لايف ) من خلال عنصري اللون والحركة الديناميكية المستعينة بملكة الخيال والتخييل في رحاب الذات الجمالية .
تجارب جديدة : انطباعات وارتجالات وتكوينات
قد يتوهم البعض ان الرسم من الطبيعة مباشرةً سواء اكان باسلوب طبيعي او انطباعي ، فن سهل .. ولكن ما ان يبدأ الانسان بالرسم من الطبيعة آنياً تبدأ محنة الرسم .. وبالتالي يتوجب على الفنان ان يكون مُلماً بحيثيات الطبيعة بصرياً وبصيريا وتقنياً في حدود التشكيل المُعاصر . فالمشهد الطبيعي بما فيه من بانورامية عالية وخصائص تلقائية متمظهرة على اسطح لوحات التشكيليين الكورد العراقيين ، نجده قد اصبح في متناول الذات الانسانية بحدود أحد أساليب السرد الانطباعي . فالتشكيليين الكورد امثال ( كوران جبار وهاب – زينب حسين – محمد محي الدين ..) نجدهم قد اهتموا بتأليف مشاهد الطبيعة تصويرياً بصرياً وبصيرياً ، مُعبر عن وصف عام للمكان والزمان المقترحين والتي تمثل سرداً يحتضن الحدث ، او يروي حكايات المرئيات في الطبيعة او يصف بعض ملامح الطبيعة . حيث يمكن حصر هذا الوصف باكثر من وظيفة حسب توجهات كل فنان تشكيلي .. فربما يصبح عملية امتزاج الوصف بالسرد المباشر للمشهد الطبيعي وبالتالي نلاحظ اهتمام الفنان بتفاصيل المشهد وبالاداء التقني (السكين) والاكاديمي للون وانعكاساته والفضاء التصويري .
بينما نجد هنالك خاصية وصفية اخرى لدى الفنانين امثال ( وليد جعفر - سيروان محمود – دلشاد – عبد الرحمن كلهو ...) والمتمثلة باحتضان الحدث او المرئيات باسلوب انطباعي مائل الى التعبيري ، مما يؤدي الى اضفاء سمات التماثل على بعض تكويناتهم كونهم يؤرخون زمن التجربة الذاتية للانسان .. فالذات المغتربة قد عدت لدى الفنانين الكورد الهاجس الاساسي للرسم من الطبيعة وهي المسؤولة عن تغيير طبيعة الطبيعة وعن الافصاح عن مكنونات الذاكرة البصرية بمساعدة الوسائل والتقنيات التصميمية والعناصر التكوينية – اللون خصوصاً – مما يتيح للمتلقي الاستمتاع بالسياقات السردية المتوارية خلف الاشكال .
في حين نجد ان الفنانين ( صباح محي الدين مصطفى – هادي محمد ..) قد رسموا الطبيعة من وجهة نظرهم الذاتية وليس كما هي ؛ على اعتبار ان ادراكات الفنان الكوردي الحسية تتمفصل مع ذاتيته المُغتربة بجانب خبراته الادائية الاكاديمية التي استنبطوها من دراساتهم الفنية المتراكمة ، لاجل تسجيل اللحظات البصرية الآنية الهاربة والتي ترى ان كل شيء في تغيير وتبدل مستمر ، لذلك يسجل الفنان ويجرد انطباعاته الذاتية السريعة لحظة فعل الرسم ازاء التحولات المتسارعة في معالم المشهد الطبيعي . فاللون هُنا قد أصبح عاملاً متغيراً مما يؤدي الى ان يسمح باستمرار الانتقالات اللونية في الزمان والمكان والتي تلاصق تحولات المناخ الجغرافي للمشهد من أضواء وظلال والوان وفضاءات رحبة .. بينما تواجدت تجارب أخرى مختلفة للفنانين امثال ( علي جولا – علي كريم – خليل ابراهيم – دلير كاميران – صفاء المهاجر – ستار سالي – شمال بابان ..) وقد احتفلت بالاسلوب التعبيري والتجريدي على حدٍ سواء حينما انتجوا مواضيعهم ( رجل وامرأة – المدينة – أقنعة – اشكال هندسية ...) ، والتي شكلت البنية المعرفية للمشهد التشكيلي العام لفن كوردستان فأصبح الرسم عندهم فكراً يساعدهم في الاهتداء الى العوالم المخفية وراء المرئيات . فضلاً عن نتاجات الخزف للفنانين (سويل قاسم - قادر ميرخان ..) المشتغلة على الانساق الحروفية ( لفظ الجلالة – نصوص لآيات قرآنية – أشكال معمارية – قباب ومنائر – أرقام ..) لتؤسس سمة بنائية ذات طابع مثالي ؛ مما يسفر عنها إقتراح ايقاعات لونية موسيقية تتردد أصدائها بين ثنايا التكوين العام للخزفية .
واخيراً تواجدت بعض تجارب الفنانين ( سليمان شاكر – ابتهال توفيق – ممدوح كريم رستم – عدنان عبدالقادر ..) قد انتهجت الاسلوب الواقعي القريب من آليات التعبير ، حيث احتفلوا لونياً بالمحيط وبمختلف الموضوعات ( بيوتات – أزقة – ريف – جبال – طبيعة – رقصات شعبية – الحياة الصامتة – الانسان ..) فالمشاهد البانورامية هُنا حصيلة لامتزاج المرئيات مع ذاتية الفنان ومن ثم الانصهار والتداخل معاً لانتاج الشكل الجديد .. هذه الذاتية كان لها حضوراً في المشهد العام للنتاجات الفنية .
بمثابة خاتمة :
ان الفنان الكوردي العراقي يُحاول جاهداً ان يضيف الاحساس بالجمال على مشاهده الفنية الجديدة المُقترحة بفعل آليات التخييل ، من أجل تصوير انفعالاته الذاتية وأفكاره المتأرجحة مابين المثالي والطبيعي الديناميكي دون الاسهاب الى حدٍ ما في تفاصيل المشهد . هذه التجارب التشكيلية المُفعمة بالجدية والجدلية في المرئي واللامرئي وجدناها تحمل من التعبير والانطباع الآني مايكفي لان يثير فينا إحساساً بالجمال وبالتالي الاحتفال بالرمز والرمزية والحميمية المتواجدة في ملامح الحياة الفنية للتشكيل الكوردي العراقي .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559877   Visitors since 7-9-2002