المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع اسماعيل غزالي

  













يرى البعض أن اسماعيل غزالي يمثل اسلوبا جديدا في كتابة القصة القصيرة، حتى أنه بات يشكل محاولة استثنائية ومتميزة، في رفد فن القص العربي بابداع يتجاوز التقليدية. يتقن هندسة الخيال في قصصه.. لا مكان تشترطه كتابته ولا زمان، هي محض عادة سرية غريبة، عندما يشتد صهد هجيرها تمطر، فهي تختار وقتها ومكانها وتتمنع أحيانا عندما نرغمها على أن تكون بالقوة..
وفي لقاء نسأله :
* في لعبة «مفترق طرق« لم تسم شخوص نصوص المجموعة. لماذا تعيد القارئ إلى زمن ما قبل اكتشاف الأسماء؟
- عدم إطلاق اسم على الشخصية القصصية، يحررها أكثر من الزج بها في برواز ضيق، يجنبها من طائل التعسف الدلالي الذي يحاصرها بها الاسم المعطى إن بشكل اعتباطي أووظيفي. ليس رجوعا بها إلى زمن ما قبل اكتشاف التسمية، بل اسمها في المحصلة يصنعه موقعها الفاعل في القصة وعلاماتها المنتجة داخل الفضاء، ومجمل توصيفاتها وأفعالها عبر تشكل النص.
يكاد الأمر يكون تواطؤا مع القارئ أيضا، أمنحه حرية اختيار الاسم الملائم الذي توجهت به الشخصية إليه عبر زخم حضورها في السرد.
ما يشبه قتلا وقحا أو اغتيالا سافرا أن نسمّي، أن نرتكب جرم تسمية الشخصية فعل آثم. وليس كل أعمالي تخلو من شخصيات مسماة طبعا.
هندسة الخيال
* هناك من يعتقد أنك تتقن هندسة الخيال في قصصك..هل تعتقد أن الخيال فعلا يحتاج إلى هندسة ؟
- ما الخيال إلا أداة جبارة لهندسة العدم، والعدم لا يلغي الامتلاء والوجود والتاريخ والواقع. العدم يستضمر كل ذلك بشكل أوبآخر.
المبدأ الذي تحتكم إليه كتابتي السردية كامن في هذا المنطلق المجازف : الواقع جزء من الخيال وليس العكس. ( أعني كتابات ما بعد مجموعتي صائد الغربان البيض ).
وبهذا المعنى الجسور، فمتعة الكتابة تتحقق بمجازفة الخيال اللامشروطة، ولذة القراءة عمليا تتحقق بانتهاكات الخيال المغتبطة لكل حدود واقعية أوعقلانية. تلك الحدود المزيفة للواقع الجاهز وتلك الحدود المظلمة للعقل المسرف في اليقين.
استهواء الرواية ايضا
* لست ممن يكتبون القصة وحدها، بل تكتب الرواية أيضا، ما موقفك ممن يكتبون القصة فقط ولايخونونها بالكتابة في الرواية ؟
- من يكتبون القصة وحدها ويتخذونها عقيدة شخصية لا محيد عنها أحترم موقفهم الجمالي والوجودي، شخصيا يستهويني أن أكتب الرواية أيضا، دون أن يعني هذا الأمر خيانة لفن القصة القصيرة، لأن الفعل الأنطولوجي السابق على النوع الأدبي هوالكتابة نفسها، والكتابة جوهر خطير ومنسي. القصة القصيرة لعبة مشروطة بلحظة مارقة تقتضي حسما بارعا ومتقنا، لحظة غادرة بامتياز لا تمنحك خيارات عدة، والرواية عشب زاحف، يمكن أن تتنفس في إيقاعه السنفوني بأكثر من رئة، وتيه الرواية يهبك الوقت الكافي لابتداع الطرق التي تمضي بك إلى حتف السرد والحكاية معا كما ينبغي.
أزاول كتابة القصة القصيرة كفن مريب، مفخخ بالمكر العاتي، في حيز ملغوم تحدق بك الخطورة من كل جانب.
وأزاول كتابة الرواية كفن لهندسة العدم ومقامرة بنرد الخيال في معسكرات الهباء والنسيان.
* أغلب قصصك مؤسسة على خطط سردية محكمة وحبكات دقيقة، لماذا هذا الهوس بالتخطيط والحبكة ؟
- الهوس بالكتابة أولا هو الولع الدامغ، وأما تخطيط السرد فضرورة جمالية لكي يكون لتجربة الحكاية معنى، والحكاية لا تكون جديدة إلا عندما تجد لها شكلها الأمثل.
لا يمكن الاستغناء عن الحبكة في فن قول الأشياء التي تضطلع بها القصة القصيرة، والحبكة تتخلق لحظة الكتابة بشكل كامل، أما تخطيطها المسبق فلا يمكن ترجمته بشكل تام وإلا سيكون الأمر مجرد رسم بياني. للكتابة لحظة الكتابة كلمتها الفيصل، وفي غضون ذلك تفاجئك منعطفاتها ومنعرجاتها وغرائبها التي لم تضرب لها حسابا ولم تخطر في بالك.
ولأكون واضحا فكل تخطيط هو أوليّ، وبمثابة أشباح تتراقص في الذهن لا غير، ما يشبه غبشا في صحو ممتنع، واستمتاعي الشاهق بالقصة القصيرة أعمق وأخطر عندما تختار القصة القصيرة تخطيطها المفاجئ لحظة كتابتها، أو عندما تنسف تخطيطي الواعي المسبق.
* أبطالك مأساويون ولهم حكاية تراجيدية مع المدن، ما السر في ذلك ؟
- لا أقصد أن يكون أبطالي هكذا ( شخصيات مأساوية بالضرورة ) وإن كان الفن يستضيء بذهب المأساة كي يكون فنا، والمأساة هنا غير أحادية المعنى، ربما شخصياتي عندها نزوع صدامي وغرائبي مع واقعها أومع الأمكنة التي تعيش فيها، مدننا العشوائية مثلا، هذه البشاعة الإسمنتية المرتجلة والفداحة البشرية المتورمة داخل فوضى سرطانية ماحقة.
هي شخصيات غير متصالحة مع المدينة ليس لأنها أجنبية أو هامشية، بل لأنها شخصيات غير نسقية. شخصيات تدمن العزلة حد الوله، تمارس قدرها الكاريكاتوري في حيز الغرابة والدهشة والجنون.
القصة القصيرة تنحاز للاناقة
* هل حقيقة أن القصة تنتبه إلى التهذيب والرشاقة بينما الأشكال الكبيرة تنزع نحو السيطرة والاستحواذ؟
- هذه عبارة للكاتب الأمريكي ستيفن ميلهاوزر وردت في شهادته : طموح القصة القصيرة التي وسمها بحبة الرمل وهي استعارة مأخوذة عن الشاعر وليم بليك. بالتأكيد القصة القصيرة تنحاز للأناقة أكثر، عبر حرصها المولّه كي تكون رشيقة بامتياز، ليس عن محض نزعة نرسيسية، بل هو مطلب جمالها النوعي الصعب الذي يجد مبرراته الإستيتيكية في ماهيتها العنيدة كجنس أدبي محفوف بالخطورة. إنها فراشة الأنواع الأدبية.
الرواية لأنها ذات نزوع شمولي وكلياني فهي مستحوذة بشكل سنفوني وامبراطوري لأشكال الحكي وفسيفساء المعرفة وتشعب الفكر ومعنية أكثر باستغوار فوضى الأشياء وتخوم المجتمع واستقصاء معترك التاريخ وحفريات السياسة الخ بالمعنى الذي يجعلها تلتفت إلى المركزي والمركب والملحمي، فيما القصة معنية بالهامشي والانشطاري والمهمل.
* قلت سابقا إن قصصنا ينقصها الخيال..كيف؟ واليس الأجدر في القصة الأدبية وإن اعتمدت على عنصر الخيال أن تحاكي واقع الكاتب أو بيئته؟
- القصد هو مغامرة الخيال المتعلقة بظواهر الفانتازيا. وما قلته هو أن القصة العربية يعتورها نقص مزمن في الخيال، وتفتقد مجازفة المغادرة للحدود المرسومة، كما تعاني من خصاص حاد في استكناه الغرابة اللامرئية التي تطوق واقعنا المرئي.
وهنا لا يمكن نكران الظواهر القصصية على ندرتها التي أسست للحظة سردية ذات منطلق تخييلي منزاح، تحتكم إلى رؤية فانتازية، مؤسسة لمتن حكائي يستمزج الغرابة بالواقع، بالمعنى الذي لا يقتضي خلق تمفصل مع هذا الواقع.
بل هو الدفع الجسور بتجربته صوب حدود قصية، بالشكل الذي يضيئه عبر مرايا جديدة وحيوات غير مرئية سلفا.
تراثنا العربي الهائل خلفية باذخة لهذا النزوع الغرائبي، قبل استكشافه في تجارب أمريكا اللاتينية أو المدرسة الايطالية أو فن القص الياباني والأمريكي أيضا. هذه الطروس العجائبية مهملة أيضا في تراثنا الشفوي، وتحتاج إلى تطوير وتثوير أشكالها الخامة. طبعا وعي القاص النظري ورؤيته الجمالية حاسمة في خلق استراتيجية فنية وإبداعية لذلك.
الخيال هنا غير مقتصر على الغرائبي والعجائبي الذي يتمازج ويتماهى مع حياتنا اليومية، بل ما هو فتراضي أيضا، وما هومفتقد عمليا، هوفن المغادرة وانتهاك الحدود الموهومة.
والرهان الخلاق بهذا الصدد، يمكن استغواره قصصيا عبر قوة الأحلام التي تظل الطريقة المثلى الغائبة، في استضاءة وفهم وجودنا الغريب.
شكل أمثل للاحتيال
* ذكرت في لقاء صحفي أن الكتابة هي الطريقة الوحيدة الممكنة لمواجهة قانون الموت الفظ. وحتمية النسيان الأعمى…ألا تعتقد أن الكتابة ذاتها قد تكون ملجأ الكاتب إلى الهروب من مواجهة الواقع والتعبئة تجاه قيم مثلى كالحرية والعدالة؟
- الكتابة شكل أمثل للاحتيال على الموت ومجابهة سطوة النسيان، هذا وهم يراود الكاتب، ليس كي يخلد فعلا، بل لتتردد صرخته طويلا في نفق الوجود عبر ترك أثر.الأثر هوما تنجح الكتابة في خلقه، وتأبيد صورة ما في الخراب الهائل الذي يهدد تجربة الانسان المنذورة للزوال.
الكتابة هي فعل حرية في حد ذاته، وليست أبدا هروبا من الواقع مهما كانت سريالية أومنفصلة عن واقعها بشكل مفرط. كل كتابة تستضمر واقعا ما بصورة من الصور، والواقع ليس هوما تواجهه الكتابة، الكتابة تواجه النسيان والعدم والهباء.
توصيفات مخيفة
* البعض يرى أنك تمثل اسلوبا جديدا يعد محاولة استثنائية ومتميزة، في رفد فن القص العربي بابداع يتجاوز التقليدية.هل يعتبر اسماعيل غزالي أحد أعمدة الحداثة القصصية العربية؟
- تخيفني مثل هذه التوصيفات والتسميات، ولا يمكنني أن أزعم ذلك أو أرتاح لهكذا تقدير جليل مع أنه يغبطني، كل ما في الأمر أنني أحاول أن أكتب قصة جيدة وغريبة، تشبهني إلى حد غائر، قصة تهبني لحظة فيروزية للعب والمتعة، أجرب فيها أدوات مشاغبة وأحرضها على مغامرة أشد خصوصية، فتعض بأسنانها الطفولية على ردن قميص خيالي وتجمح بي بعيدا عبر دوامتها المريبة، صوب حافاتها المغتبطة.
أن يكون لي أسلوبي المتفرد، شرط أنطولوجي لمجازفة وطقوسية الكاتب كي يكون كاتبا بالفعل، وهذا مطلب جوهري سعيت منذ نصوصي الضالة الأولى كي أجترحه وما أزال أجتهد بحب وقساوة كي أكون جديرا به.
وأما النقاد العرب الذين يرونني رفدت القصة العربية بالجديد فأقدر شجاعتهم النبيلة وتوسيمهم الثمين، تلك مسؤولية فادحة على كاهل ما سيُكتب من بعد، وفي كل الأحوال أتحاشى تصديق ذلك حتى لا أسقط في كمين الرضا والاطمئنان. أحب أن تبقى علاقتي بالكتابة بنفس اليوتوبيا الخاصة والحرية البهيجة التي تجمعني بها، وألا تخدشها هذه المؤثرات الناهبة.
نبذ التسرع واحترام الايقاع الطبيعي
* بين مجموعتك « لعبة مفترق الطرق« و« بستان الغزال المرقط«..ما الذي تعلمه اسماعيل غزالي على الصعيد الأدبي؟
- لعبة مفترق الطرق وإن كانت مجموعة مستقلة بذاتها، فهي ضلع سردي من كتاب رباعي الأضلاع هو بستان الغزال المرقط المكون من مجموعة عسل اللقالق ومجموعة لعبة مفترق الطرق ومجموعة منامات شجرة الفايكنغ ومجموعة الحديقة اليابانية ، كتاب جامع يحتكم إلى نسق جمالي موحد.
من المألوف استجماع قصص في إضمامة وإطلاق عنوان مجموعة عليها، سواء كان يجمع بين هذه القصص خيط ناظم أوكانت كل واحدة تيمم بوجهها شطر جهة مختلفة. فهناك من ابتدع فكرة الكتاب القصصي (في الغرب) المشيد على نصوص مترابطة ذات وشائج، يجمعها أكثر ما يفرقها، (أسلوب محمد خضير سباق لذلك عربيا).
بستان الغزال المرقط ليس هذا هو منحاه، بل هو ديوان جامع لأربع كتب قصصية، ليس متوالية حكائية بالضرورة، ولكنها كتب قصصية يوحدها إيقاع سردي هارموني في الخلفية العميقة، مع احتفاظ كل كتاب باستقلاليته في الظاهر .
لا أعني به جامع النص لجيرار جينيت، بل أعني به كتابا سرديا موحدا لكتب قصصية، هي بمثابة جزر منفصلة، يلحمها أرخبيل واحد. أقرب على مستوى استراتيجية التجميع إلى نغمة طراز جيمس جويس. مع اختلاف جذري طبعا.
ما تعلمته بين لعبة مفترق الطرق وبستان الغزال المرقط، هو نبذ التسرع، واحترام الإيقاع الطبيعي لاختراع النص ونسيان ما أنجزته بأسرع ما يكون وعدم الارتكان إليه كمجد مزعوم، والانخراط المؤرق في التفكير بالأجمل المريب الذي لم يكتب بعد.
* من هم آباؤك في الأدب؟
- لا آباء لي في القصة، وهذا لا يعني أنني لقيط أدبيا عمليا، أومن سلالة جيل بلا أساتذة، بالعكس، لا يمكن أن أنكر الوجوه القصصية الأثيرة والمؤثرة ضمنيا، فيما يشبه تقاطعات متماهية لخطوط الذوات الكاتبة : إدغار الن بووبورخيس وبوزاتي وياسوناري كاوباتا وأحمد بوزفور…الخ4 – لمن تقرأ ولمن تكتب؟
قراءاتي لا تقتصر على الأدب محليا كان أوكونيا، وتشمل حقولا مجاورة أوبعيدة، بما في ذلك العلوم، خاصة الولع بالفيزياء، والفلسفة وكتب النباتات والطيور والحيوان والموسيقى الخ.
لست محتالا أو ماكرا إن قلت لك لا أعرف لماذا أكتب أولا، حتى أعرف لمن أكتب ثانيا.
* هل يوجد لاسماعيل غزالي طقوس معينة عند الكتابة ؟
- يكفي أن الكتابة طقس في حد ذاته، قطعا لا طقوس لي في الكتابة، الكتابة مزاجية، وليس بيني وبينها أي ميثاق أونظام، أزاولها كقدر لئيم ولا أمجدها كامتياز.
لا مكان تشترطه كتابتي ولا زمان، هي محض عادة سرية غريبة، عندما يشتد صهد هجيرها تمطر، فهي تختار وقتها ومكانها وتتمنع أحيانا عندما نرغمها على أن تكون بالقوة.
* هل توجد خطوط حمراء في الكتابة؟
- الخطوط الحمراء وجدت لكي تردمها الكتابة. هناك حدود للجنس الأدبي ولا حدود للكتابة. حدود الجنس الأدبي هي ما يضمن لمغامرة الكتابة حريتها المأمولة.
وأما حدود المجتمع والكادر الأخلاقي، فليس هاجسا أبدا يثقل وجهة الكتابة لدي.

---------------

سيرة مقتضبة لإسماعيل غزالي

قاص وروائي مغربي من مواليد 1977.
صدر له :
- التمتمة، 2000، رواية، دار السعادة، مكناس.
- رقصات الخلاء، 2005، قصص، دار سعد الورزازي، الرباط.
- رطانات ديك خلاسي، 2007، كرنفال قصصي، دار أبي رقراق، الرباط .
- عسل اللقالق، 2011، قصص، عن جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي، الخرطوم، السودان.
- لعبة مفترق الطرق، 2011، قصص، دار فضاءات، عمان، الأردن.
- خرير الأحلام، صرير الكوابيس، 2012 ، روايتان قصيرتان، دار التنوخي، الرباط.
- بستان الغزال المرقط،، 2012، قصص، دار أبي رقرارق، الرباط.



القدس الثقافي
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339264   Visitors since 7-9-2002