المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع قاسم حول

  
فيصل عبد الحسن *
  

المخرج العراقي قاسم حول من الفنانين العراقيين الذين أثروا في السينما العراقية وأثروها بأفلامهم الروائية الطويلة كفيلم الحارس عام 1968 والذي فاز بجائزة نايت الدولية وأخرج فيلم بيوت في ذلك الزقاق وفيلم تسجيلي آخر في السبعينيات عن أهوار العراق أسماه الأهوار.وقبل ان يغادر العراق أسس فرقة مسرح اليوم وأصدر مجلة السينما اليوم وسجن لفترة بعد سنة 1968 وبعد اطلاق سراحه سافر الي لبنان حيث اخرج ملحمة غسان كنفاني عائد الي حيفا، وصور الكثير من معارك بيروت اثناء احتلالها من قبل الجيش الاسرائيلي وآخر الافلام التي شرع باخراجها فيلم (الحسين) وهو حلم حياته الذي توقفت الشركة عن انتاجه في الوقت الحاضر بسبب ظروف احتلال العراق، وأخيرا فهو يعمل حاليا مخرجا تلفزيونيا في فضائية الاندلس التي مقرها اسبانيا،وتعيش أسرته الصغيرة زوجته وأبنته في هولندا. أجرت الزمان معه هذا الحوار عندما زار المغرب أخيرا للمشاركة في اعمال الانتاج التلفزيوني لشركة المغترب العراقي بالمغرب د. فائق الحكيم.. واليكم نص الحوار:
* في الوقت الذي يشهد فيه واقعنا العربي أزمات حقيقية، نتساءل عن دور السينما العربية بما يجري؟
ــ بعد أن انتهت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي ساد النهج الليبرالي في الثقافة حيث كان المثقفون منقسمين في انتماءاتهم الفكرية بين ما هو اشتراكي النزعة وبين ما هو رأسمالي وحتي في مفهوم القيمة الجمالية وتفسيرها.. كان هناك في الخمسينيات في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا اتجاه ثقافي في مجال الأدب والسيناريو والفن السينمائي، وكانت أمريكا تتهم أولئك المثقفين بالاتجاهات الشيوعية، وكلنا يتذكر التصفية المكارثية والمحاكمات للمثقفين وطردهم من هوليوود وحرمانهم من العمل، وقد طرح تلك المشكلة الفيلم السينمائي المعنون بـ(الجبهة).. وحتي في إيطاليا سادت موجة الانتماء للشيوعية وبشكل خاص الفنانين، اتجاه في حقيقته مودة أكثر منه ثقافة. هذه الحالة انتهت واليوم تأخذ الثقافة مسارا مختلفا. والعالم العربي ليس بعيدا عن هذه التأثيرات.. اليوم هناك تحولات في المسارات وتحولات في النهج الثقافي والسياسي وسيصيب بالضرورة النهج الاجتماعي والحضاري وسيصيب بالضرورة أيضا الهوية.. ولكنه اتجاه سيسود ولا أحد يدري إلي أين تسير الأمور وكيف سيصبح حال الثقافة في ظل الفضائيات التي جمعت الأدب والفن والإعلام والإعلان والرقص وكل شيء.. في قراءتي بأن الفن سوف لن يكون ذا تأثير كبير كما نعتقد.. أنا في تصوري إذا استطاعت الثقافة وبشكل خاص ثقافة المرئيات أن تتسم بصيغ جمالية فنية عالية المستوي فإنها ستسهم في ترسيخ القيم الجمالية عند المتلقي وهذا وحده كاف. أنا أعتقد أن تطور المرحلة ستحتاج إلي ثقافة المتعة الذهنية والعاطفية، فالفن والثقافة الأدبية ينبغي قراءتهما بعين مختلفة في عالم التطور أو لنسمه العالم المختلف. عربيا من الجانب السياسي ستنهار نظم أو ستبدل هي أخلاقها وهيكلتها الثقافية والسياسية، وستتأثر السينما بالضرورة وستظهر موجة كبيرة من الإنتاج الأدبي والفني ولكنه في النهاية سيمر عبر راشح المتلقي وراشح الحقيقة الموضوعية والقيم الجمالية.
* برأيكم ما عاناه المبدع العراقي، هل سيؤثر علي أعماله الفنية و الأدبية لعقود طويلة أخري؟
ــ المبدع العراقي عموما وقف موقفا شجاعا في مواجهة الدكتاتورية. فالعالم والعالم العربي كان يقف مع الدكتاتورية، وكان المبدعون العراقيون يقفون وحدهم ضد هذه الدكتاتورية. في مجال السينما كان من الصعب علينا أن ننتج أفلامنا بعيدا عن العراق، أولا السينما هي فن الواقع، ولكي ننتج فيلما عن الأهوار فنحن بحاجة إلي أهوار. وفي جانب آخر فالكاميرا لا تستطيع يد الفقراء أن تحملها.. الكاميرا تحتاج إلي يد ذهبية لحملها.. ونحن بعيدا عن العراق لا نمتلك هذه اليد الذهبية. وفي مجال الكتابة الأدبية من الشعر والرواية، فالكاتب العراقي كان أقل معاناة من ناحية الإنتاج، ومع ذلك فإن إبتعاده عن واقع العراق يصبح تأثرهم بالواقع وبالتالي التعبير عنه، ضعيفا.
التعبير عن الواقع الدكتاتوري سوف يترك تأثيره في شكل الأعمال الأدبية والفنية لفترة غير قصيرة.. ذلك لا يعني الهروب من المستقبل أو الحاضر ولكن فترة الدكتاتورية هي فترة غنية في مشاكلها وهي مادة مثيرة للأعمال الأدبية والفنية. وحتي اليوم فالفنانون الغربيون لا يزالون ينتجون أعمالا عن النازية. وبالنسبة للعراقيين فإن الدكتاتورية التي جاءت إلي العراق منذ 17 تموز (يوليو) 1968 وحتي 9 نيسان (ابريل) 2003 سوف يتم التعبير عنها بأشكال فنية كثيرة قد يكون بعضها مسليا.. كوميديا.. وقد تكون هناك كوميديا مرة وقد تكتب ملاحم كبيرة عن تلك الفترة المظلمة. بالتأكيد، ونعم، سوف يبقي الكتاب والفنانون يكتبون وينتجون كثيرا عن تلك الفترة الغريبة والمتعبة التي عاشها العراق.

* مسيرة حياتك كانت مثيرة وخاصة حين نتذكر ظروف خروجك من العراق، ووصولك الي لبنان وبعد ذلك نزوحك الي اليمن ثم اليونان وأخيرا أستقرارك مع زوجتك وأبنتك في هولندا وعملك الحالي كمخرج في فضائية الاندلس باسبانيا.. كيف أنعكس كل ذلك علي نتاجكم السينمائي؟
ــ بعض الملابسات عبرت عنها في كتابي (مذكرات جواز سفر)، خلال وجودي في بيروت ولعشر سنوات، عشت حياة مع الفلسطينين ومعاناتهم والصراع مع إسرائيل وكنت أصور المعارك في الخطوط الأمامية ولعل أهم معركة وأعنفها خضتها بالكاميرا هي معركة اجتياح لبنان الأول عام 1979 عندما طوقت مدينة صور بعد أن تركها أهلها وبقيت خالية تماما من السكان.. لقد صورت المعارك في تبنين في جنوب لبنان وواجهت القوات الإسرائيلية وتحت قصف عنيف ولعدة أيام، ثم دخلت مدينة صور الخالية بعد أن طوقها الإسرائيليون وكانت رغبتي عميقة بتصوير مدينة فارغة.. تجاربي كبيرة في هذا الجانب.. ولكن القيمة الفنية لأعمالي كانت تعبر عن طبيعة الظروف في لبنان.. حرب أهلية.. عدم وجود ستوديوهات والإمكانيات الفنية للفلسطينيين في ظروف القتال.. ولكن لعشر سنوات من الحرب بالكاميرا تعلمت الصبر والقوة.
* كيف تري الآن مستقبل الفيلم التسجيلي؟
ــ الفيلم الوثائقي الذي كان يستكمل لغته التعبيرية، حيث بقي تجريبيا لفترة بعكس الفيلم الروائي الذي يمتلك مقومات لغته، لأنه مرتبط أساسا بالدراما التي يعود تأريخها إلي أكثر من ألفي عام.. أعني دراما المسرح المؤرخة بمسرحية المتذرعات لأسكيلوس في الإغريق عام 490 قبل الميلاد.. الدراما لها تاريخ، ولو أنصفنا العراق لعرفنا أن ملحمة كلكامش الذي يعود تأريخها لأكثر من خمسة آلاف عام هي دراما كاملة وعظيمة في بنائها ويمكن أن تشكل بداية الدراما في العالم.. بذلك أقول بأن فن السينما الروائية مرتبط بهذا التاريخ، فيما الفيلم التسجيلي والوثائقي جديد العهد ولذلك فإن لغته السينمائية كانت في طور البناء، ولكن بمجيء الفضائيات التلفزيونية فإنها سرقت الضوء من الفيلم التسجيلي السينمائي. هذه الفضائيات عندما تنتج الفيلم التسجيلي فإنها تفرغه من محتواه الإجتماعي وتحوله إلي شكل مسطح.. بمعني أن الفيلم التسجيلي التلفزيوني يسطح الواقع إنطلاقا من مفهوم أن التلفزيون فن سهل لأنه يخاطب العامة بإعتبار التلفزيون يزور العائلات من دون استئذان! بين السينما الوثائقية التي لم تعد لها صالات وبقيت تعرض في إطار المهرجانات السينمائية الوثائقية وبين سطحية التلفزة ضاع الفيلم التسجيلي.. كان بإمكان محطات التلفزيون أن تنهض بالفيلم التسجيلي وتدعمه ليصبح قيمة فنية جمالية إضافة إلي قيمته الاجتماعية.
* أنتجتم بعض الأعمال السينمائية في العراق، واليوم أنتم تحاولون الإنتاج خارج العراق.. ما طبيعة هذه الأعمال؟
ــ في العراق كانت عندي شركة سينمائية هي شركة أفلام اليوم وقد أنتجنا فيلم الحارس الذي يعتبر إشارة مهمة في تاريخ السينما العراقية، وكان أول فيلم عراقي يحصل علي جائزة عالمية وهي التانيت الفضي من مهرجان قرطاج السينمائي عام 1968. وكنت أسست فرقة مسرح اليوم وأصدرت مجلة السينما اليوم التي رأست تحريرها.. لكن مجيء سلطة الدكتاتورية عام 1968 أدي إلي إغلاق الشركة واعتقالي فغادرت العراق إلي لبنان، ولكني عدت بدعوة بعد قيام ما كان يسمي الجهة الوطنية، فأخرجت فيلم الأهوار التسجيلي وفيلم بيوت في ذلك الزقاق الروائي، وأيضا لم تعجبني الحالة فعانيت كثيرا حتي إستطعت المغادرة والعودة إلي لبنان.. في لبنان أخرجت العديد من الأفلام التسجيلية وفيلما روائيا واحدا هو فيلم عائد إلي حيفا عن رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني. ثم تنقلت بين اليونان وهولندا وأخرجت ستة أفلام عن الطوارق والحياة الريفية في ليبيا تحت عنوان تراثنا الجميل كما أخرجت فيلم ليلي العامرية وهو فيلم روائي تجريبي لم يعرض ولكني سوف أجري عليه بعض التعديلات في يوم ما وأعرضه لأن فيه مشاهد جميلة عن المرأة العربية في صيغة روائية تجريبية. كما أخرجت للتفزيون الهولندي القناة الإسلامية فيلم (السلام عليكم) عن السلام في الشرق الأوسط وعرض من القناة التلفزيونية هذه. وآخر أعمالي فيلم (سيمفونية اللون) من إنتاجي وهو فيلم ثقافي تشكيلي موسيقي. كتبتُ سيناريو فيلم (الحسين) وكان مفترض أن نباشر بتنفيذه.. طبول الحرب التي كانت تقرع دعت الشركة المنتجة التوقف مؤقتا عن إنتاجه وتأجيل العمل فيه حتي تتوضح الأمور وتستتب. كتبت الآن سيناريو لفيلم يحمل اسم (المغني) عن شخصية الدكتاتور صدام حسين وأسعي لإنتاجه.
* ما هي أسباب هذا العشق للفن عندك منذ الطفولة.. هل هي مسألة متوارثة؟
ــ عائلتنا كلها تعشق الفن والثقافة مع أن والدي ليست له أية علاقة لا من بعيد ولا من قريب بالفن والثقافة بل هو لا يقرأ ولا يكتب. كنت أطلب منه في صغري خمسين فلسا كل أسبوع لأذهب إلي السينما.. وفي يوم ما سألني (ألم تشبع من مشاهدة السينما؟) كان يتصور أن السينما هي مكان مثل المقهي.. لا يعرف أن السينما تعرض أفلاما كل أسبوع.. عندما كبرت وأنتجت فيلم الحارس في بغداد بتسعمائة دينار استلفتها من أبي الذي كان أميا ولا يعرف ما هي السينما وكنا نعيش في البصرة، وكنت تسلفت منه تسعمائة دينار لتساعدني في إنتاج الفيلم، وعندما علق أبناء أخي ملصق الفيلم في الدار سخر والدي مني وقال (لقد أخذ مني تسعمائة دينار من أجل هذه الصورة!).. أخي عازف عود أبناؤه كلهم رسامون وموسيقيون.. ولا ندري مبعث هذه الجينات الفنية.. في كل الأحوال أن جدي هو كاتب ملحمة كلكامش الذي عاش قبل سبعة آلاف سنة! من الطبيعي أن نكون نحن بهذا القدر من العطاء.. كل العراقيين.
* لقد رحلت الدكتاتورية إلي غير رجعة.. هل سترجع لبلدك العراق؟
ــ لست من ركاب العربة الأولي!
 
* فيصل عبد الحسن: قاص عراقي مقيم في المغرب

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561233   Visitors since 7-9-2002