المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع جاسم المطير عن الصحافة العراقية

  





















هنا موقع عينكاوة الألكتروني . نتكلم مع الكاتب العراقي الكبير جاسم المطير. ونساله في البدء :

* كيف تقيمون وضع الصحفيين العراقيين في العراق واقليم كردستان؟ وهل ترون حاجة فعلية الى قوانين وضمانات تضمن لهم حقوقهم وتوفير لهم الحماية والامان؟

- هناك الكثير من الرؤى النقدية حول الواقع الصحافي بالعراق. هناك أولاً وهمٌ كبيرٌ عن (الحرية الصحفية) و عن (حق الصحفي) في التعبير عن أفكاره. هناك من يريدون أن يظل الصحفي مقيما في قوقعة محدودة كحارس لهوية الدولة وأفكار حكومتها الطائفية وأحزابها المتسلطة على كل شيء له علاقة بمفاهيم (التجديد الصحفي الحر) لمنع الصحافة الحرة من الإسهام في خلق عراق ديمقراطي جديد. أقول، أيضاً، في البداية، أن ليس هناك تواصلا صحفيا يوميا بين تجارب الصحافة الكردية والصحافة العربية. وليس هناك ميدانا لتبادل التجارب الصحفية بين بغداد والمحافظات، إلا ما ندر. المساهمة العامة في صياغة تجارب الحقل الصحفي العراقي ما زالت محدودة. اللائمة هنا تقع على نقابة الصحفيين العراقيين التي شوهت في السنوات الأخيرة وجه وأهداف الصحافة العراقية كلها . لم تؤسس إرادتها وخطواتها على معطيات رؤية جذرية منهجية واحدة، بل كان هاجسها الأساسي ضمن الانتفاع الشخصي من خصوصية الموقع القيادي على رأس النقابة.
الأمثلة الشرسة في الحرب على الصحافة والصحفيين كثيرة. قتلوا ما يزيد على 250 شخصية صحفية من مختلف الاتجاهات اعتقلوا الكثيرين أحالوا العديد من أحرار الكلمة إلى المحاكم . ضايقوا القنوات التلفزيونية مثل البغدادية والجزيرة والشرقية وغيرها . منعوا انتقاد (مشروع المدينة الرياضية في البصرة) التي هدرت 500 مليون دولار . سيطرت الحكومة على نقابة الصحفيين بواسطة هيئة إدارية لا تحمل هوية ديمقراطية ولا ماضٍ نقابي مرموق، بل هوية هجينة ليست مقطوعة الصلة مع بعض أفكار وأساليب نقابة النظام البائد. كما استطاعت الحكومة جعل نقيب الصحفيين – شخصياً - حارسا لإجراءات الدولة والأجهزة القمعية بقصد فك الارتباط بين ( الحرية والصحافة ،) إضافة إلى ابتعاده عن ضمان حقوق الصحفيين في الحركة الحرة وفي الحصول على المعلومات .
الأفكار الصحفية الحرة والخصبة لا وجود لها إلا في عدد قليل من بين أكثر من 100 صحيفة تصدر في العراق. كصحيفة ( الأهالي ، والمؤتمر، و المواطن، المدى، العالم الاتحاد ، طريق الشعب، التآخي، والبينة الجديدة) لأن فيها صحفيين يحملون هوية وطنية وثقافة منفتحة وروحا متطلعة لبناء مجتمع مدني ويحملون استعداد النضال من اجل تخليص بلدنا من التأخر والتخلف الفكريين . هذه النخبة من الصحفيين العراقيين يكافحون من اجل الكلمة اليومية الحرة لكنهم لا يسلمون من شتى أنواع المضايقات لتحجيم دورهم الفكري. لا يمكن نسيان المداهمة البوليسية الفجة لمقر جريدة طريق الشعب في شهر مارس الماضي .
لا شك أن جميع الصحفيين العراقيين يقرءون دائما الواقع اليومي، الذي يعيشونه. إنه واقع مليء بالمفاجئات والمباغتة، فقد تساوى واقع الحال بين ما هو قبل إصدار قانون (حماية الصحفيين) في مجلس النواب وما بعده ، وهو قانون كسيح أهمل مشرّعوه إهمالا تاما آراء ومقترحات وتعديلات كثرة من أصوات صحفيين عراقيين أحرار ومجربين عاملين في مسرح الوجود الصحفي منذ عقود طويلة. ظل الواقع من منظور الأمان الشخصي معدوماً، بنظر السلطات الحكومية، وهو يتماثل تماما مع المنظور المهني والوظيفي المهمل والمركون تماما في (وجود) نقابة الصحفيين، البعيدة عن حقوق الصحفيين، في العمل والحياة. ليس في جهدها اليومي نص يحمي عمل الصحفيين ، ليس فرضيات قادة النقابة صون حياة الصحفيين وهم يواجهون في حركتهم تحينا ً من أعداء الصحافة، داخل أجهزة الدولة وداخل أجهزة الإرهابيين وعناصر الميليشيا.
*هل باعتقادكم لمثل هذه الحملات تأثير على الجهات المعنية العراقية وتحريكها من اجل منح الصحفيين حريات أوسع في عملهم، والابتعاد عن مضايقتهم في العمل؟
- ان طرح القضية بهذه الصورة غير وارد ولا مقبول في أنظار (الجهات المعنية..!) خذي رأيي صريحا جداً: أن وضع الصحافة العراقية في هذا الزمن وفي فترة قادمة ليست قصيرة سيبقى غامضا.. سيبقى كئيبا حال الصحافة والصحفيين، ففي الدولة والبرلمان توجد المتناقضات السياسية، التي حولت الواقع العراقي الحالي إلى لغز جعل من تراتب الحقوق الصحفية ليس في المرتبة العاشرة برؤية المسئولين عن الإعلام والثقافة بل بالمرتبة الأخيرة لا احد يهتم بسلامة الحاضنة الصحفية ولا بالبنية الصحفية ولا بالفعالية الصحفية اليومية ولا بحقوق الصحفيين ولا بكرامتهم حيث تهان، هنا وهناك، ببساطيل وسلاح حماية الوزراء والمسئولين الحكوميين . التجربة الصحفية العراقية لم تنتج بنية ديمقراطية خلال السنوات التسع الماضية. ليس هناك لغة تواصلية مفهومة بين الصحفيين ونقابتهم وليس هناك لغة تواصلية بينهم وبين شبكة الإعلام ولا بينهم وبين وزارة الثقافة. ما بين الدولة والنقابة علاقات نفعية استهلاكية لا تمثل لغة الصحفيين الديمقراطيين. المسئولون الكبار في الحكومة الاتحادية (معظم الوزراء) لا يفرقون بين الحرية الصحفية وبين تبعية الصحافة للدولة كما كان الحال في النظام البائد. كذلك الحال بنظر المسئولين الصغار في الحكومات المحلية (معظم أعضاء مجالس المحافظات) فهؤلاء يوجد بينهم من لا يتورع ، هو أو حمايته، من مصادرة كاميرات المصورين وتكسيرها . منهم من لا يتورع عن اعتقال هذا الصحفي أو ذاك لساعات أو لأيام حتى من دون ابسط أمر قضائي. تنهال عليه لغة شتائم ذات وزن وقافية ليست مألوفة حتى بين حثالات المجتمع كما حصل مؤخرا في بغداد والبصرة والناصرية. لا يمكن نسيان ما قيل أن احد أفراد أجهزة الأمن استخدم العصا الكهربائية لضرب احد الصحفيين تماما كما كان يفعل سبعاوي إبراهيم الحسن ..!
* ما هي مقترحاتكم في هذا المجال؟
- كثيرة هي المقترحات التي كتب عنها صحفيون عراقيون مناضلون في مختلف الصحف المدى ، العالم ، المواطن ، طريق الشعب وغيرها لكن تلك المقترحات لم تقترب من الكرسي الحجري للمسئولين المعنيين فضاعت أكثرها من دون أن تدق ناقوسا في آذانهم . الجهات الحكومية والبرلمانية المعنية بحقوق الإنسان الصحفي لا يمكن الانتظار منها شيئا يشبع رغبة الصحفي إلى حريته في قول النقد وكلمة الحق. هذه الجهات لا تريد أن تفتح باباً نقدياً واسعاً ضد أخطاء أجهزة الدولة. لا تريد أن تأتي بالنقد إليها وبأيديها لأنها بالأساس مرتبطة بايدولوجيا معادية للصحافة الحرة و الديمقراطية. على الصحفيين أن لا (ينتظروا) عطاء من الدولة أو من نقابتهم المسروقة التي صارت تابعة لها كما كانت في عهد عدي صدام حسين. على الصحفيين أنفسهم أن يحققوا بأنفسهم غايتهم النبيلة ومقاصدهم المشروعة في نيل (الحرية الصحفية) عبر توسيع تضامنهم وتجربتهم في خلق نقابة حقيقية تملك تنوعاً ثرياً وكبيراً في الحقوق والتطبيقات الحرة. هذا يستلزم ، أولا وقبل كل شيء، إجراء تغيير عاجل في بنية القيادة النقابية والدعوة إلى انتخابات ديمقراطية سريعة وتظهير سجلات النقابة من الطارئين عليها، لانتخاب هيئة إدارية جديدة تضم الأصوات الصحفية الديمقراطية تتمكن ، بالأفعال والأقوال، على خلق نقابة صحفية قادرة على السباحة في تيار العصر الراهن، تيار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ورفع مستوى حقوق المرأة إلى مراتب العالم المتحضر.
إن مهمة الصحفي الأولى هي إنتاج أفكار جديدة يضعها أمام المسئولين في المجالات كافة المسئولين عن تسيير أمور الدولة، المسئولين عن تأمين مصالح المواطن وحقوقه في العيش الكريم وفي التطلع لمستقبل أفضل. لا بد من التأكيد، هنا، أن الصحفي النجيب هو المنتمي للوطن أولاً وللفكر التقدمي ثانياً قبل انتمائه لمعتقده ولقوميته ولطائفته ولتراثه. ينبغي على الصحفي أن يتخلص من عزلته وقوقعته الحزبية والطائفية متوجها نحو عالم الوطنية الحق ، بل نحو عالم الإنسانية جمعاء، بمزيد من التجديد الفكري والإبداع الصحفي في (شكل) الصحيفة التي يعمل بها وفي (مضمونها). من الضروري أن يفهم رجل الدولة ورجل الحكومة وعضو البرلمان أن الصحفي يفقد هويته الخاصة وأفكاره الخاصة إذا ما أرادوا له أن يكون تابعاً لهم وداعية لأفكارهم ومنزهاً لمواقفهم ، كما يحاول بعضهم أن يحوّل الشاشة التلفزيونية وصفحات الصحف إلى أدوات لتبييض الوجوه السود ، المقصرة في واجباتها والفاسدة في هدر المال العام . يجب على رجل الدولة النزيه أن يتحرر من محاولات ربط مهمة الصحفي بما يناقض مصالح الشعب.

* تنتقد منظمات حقوق الإنسان الدولية ما يتعرض له الصحفيون والإعلاميون العراقيون، في حين تنادي الحكومة العراقية بأنها تقدم لهم الكثير، كيف تقرؤون هذه المفارقة؟
- قراءتي الأولى والأخيرة أن وعي منظمات الصحافة العالمية خاصة منظمات صحفيون بلا حدود ومنظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن حرية الكلمة قد ارتقى إلى مستوى عال من الارتباط بالهوية الصحفية الحقيقية، وبمفاهيم الفكر المعاصر الجديد، ومكافحة كل فكر استحواذي سلطوي في كل بلد من بلدان العالم بما في ذلك العراق، حيث نجد المحاولات المتعددة المراجع لمصادرة حرية الصحافي باسم (الوهم الديمقراطي). صارت للصحافي، خصوصا في العقدين الأخيرين، مكانة بارزة في العالم الرأسمالي الغربي حيث لا تفرض عليه أي وصاية ولا قيود ولا يواجه أي شكل من أشكال التهديد والقتل والممارسات العقيمة بإزاء ما يقدمه من المستجدات الفكرية النقدية وغيرها حول إحداث بلاده أو زمانها أو صدمات حكومتها وأخطاء أحزابها. حتى الصحفي العامل في صحف الحكومة فأنه مالك لحق النقد بلا حدود. الحرية الصحفية مقدسة. تلك قضية ينبغي أن تكون واضحة في مقاصد الصحفيين الأحرار وفي نقد (الآخر) كما أن هذا التقديس يجب الاعتراف به من قبل كل مسئول حكومي نزيه يريد لبلده وشعبه الخلاص من التخلف والتأخر.
حين يسود هذا التصنيف بين الصحفي والمسئول في الدولة فأن الحرية في البلاد لا تعاني أزمة ولن تكون هناك إشكالية إنسانية يعاني منها الصحفي تهديدا بالموت، كما هو حال الصحفي في عراق ما بعد 2003 تماما مثلما كان الصحفي الحر يواجه التعذيب والموت زمن النظام السابق مما اضطر مئات الصحافيين الأحرار إلى الهجرة في بلاد الغربة .
صحيح ان العراق يمر الآن بمرحلة انتقالية، مرحلة التشكل الديمقراطي، لكن العراق يعاني من جهة ثانية استقطاباً حاداً في اندفاع العديد من القوى الحاكمة نحو التمسك بإفرازات العالم القديم وبأصولياته الدينية والمذهبية. تحاول معها هذه القوى فرض التصورات اللاهوتية الغيبية والماورائية على صفحات الصحف وعلى فضاء البث التلفزيوني، وفرض الحرب الصحافية – التلفزيونية على الحرية والديمقراطية والعلمانية وكل أشكال العقلانية الفكرية . هذا ما نشهده بمهام عشرات القنوات الفضائية العربية التجارية - الخاصة في المملكة العربية السعودية ومصر وغيرها تقوم بنشر الظلامية الأيديولوجية مما انعكس شيء من نوعيتها التجريبية المتخلفة على بعض الصحافة التلفزيونية في إيران والعراق التي لا يأتي منها غير عوائق ومآزق ومعضلات تحد من انطلاق عقول الناس العراقيين نحو التقدم الفكري إلى أمام.
الواقع الصحفي الراهن في بلادنا يستوجب على الصحفيين الأحرار أن يهدموا كل الأسوار الأيديولوجية والغيبية والعمل على استبعاد الرفض المطلق للحرية الصحفية وأن يخلصوا أجواءها من لغات اللعن والرجم والتكفير، مثلما توجد ضرورة لاستبعاد لغات تبييض وجوه حكام ومسئولين منتفعين، هنا وهناك. لغة الصحافة الحرة ينبغي لها أن تسود بين الجميع على أسس الحوار وتحويل الحقل المعرفي الصحفي كله إلى بستان خصب من خلال الحوار الخصب المتبادل لتشكيل المنفتح من الأفكار إلى طاقة جبارة قادرة على الخلق والإبداع في كل ميادين الاقتصاد والسياسة والأعمار والثقافة والفنون على أسس متجانسة من القيم القيم الفكرية والصور الإنسانية والتطلعات المستقبلية.


بصرة لاهاي في 20 – 4 - 2012
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6448095   Visitors since 7-9-2002