المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





معارف... فنون
 

الفوتوغرافي محمد آل تاجر . سياحة عبر الأزمنة الجديدة

  
د . شوقي الموسوي
  



















ثمة توقٌ في الفن إلى التوحد بالآتي ؟!! كيف نستشعره ؟؟ وما مدى علاقتهُ بالآتي ؟ هل الروح الفنية غايةٌ تُدرك أم وسيلة ؟؟ هل يواجه المؤلف موته عند رسم آلامه .. أم يتألم حين يرسم موته ؟ أم يتوارى خلف أشكاله العارية المتهالكة ؟!
أسئلةٌ كثيرة تتسابق لحظة التفكير بالوجود ، عبر أزمنة الروح التي جعلها الفنان بمثابة غايات جمالية وفنية ومعنوية ، تسمو على الجسد ، ليتطلع إليها في كل لحظة فن .. فالروح لا تُرسم إلا بالروح !! فكيف يمكن للجسد ان يلمُس الزهرة التي لا يُمكن إلا للروح وحدها أن تلمسها – حسب قول طاغور - .... فالفنان العراقي المُعاصر والمُحاصر بشكلٍ عام والمصور الفوتغرافي بشكلٍ خاص ، نجدهُ قد كشف عن بعد جديد للواقع الطبيعي – بحدود موضوعة الجسد – من خلال استخدامه لآليات وبرامجيات الحاسوب والإبحار عميقاً في كوامن المرئيات بعيداً عن القشور (المرئيات) ، فضلاً عن الكشف الواضح عما هو جوهري في المرئي الواقعي ، ليصبح الاهتمام بموضوعة الجسد لدى فناني الحداثة تستدعي إجراء عمليات التبسيط والتمويه والتحديث على الشكل الطبيعي للوصول إلى الصورة الفنية المثالية المستندة إلى المخيّلة التي تتمسك بالشكل الجوهري على الرغم من منطقية التصوير الايقوني .

لذلك نجد أن الفنان الفوتوغرافي العراقي ، قد استدعى بعض الارتجالات بجانب السرعة في الأداء التصويري ، لأجل التعبير ، دون التقيّد بالمنطق الكلاسيكي ، ليصبح الواقع هنا ليس نتاجاً حسياً بقدر ماهو فكرة جمالية استحالت إلى واقع جمالي .. وما نتاجات الفنان الفوتوغرافي" محمد آل تاجر" إلا تأكيداً لما تقدم ، عندما اعتقد بان الحقيقة الفنية لا تتموضع في الشكل الخارجي (الاقنعة) وإنما في جوهره ؛ لهذا قد ابتدأ بتصوير الحدث الطبيعي المؤلف من الأجساد ، من ثم اقترح شكل جديد من خلال التنقيب في الجوهر عن طريق إجراءات التمويه والاستعارة من الايقون المصور ، بمساعدة تقنيات آلة التصوير والتلاعب بسرعة اللقطة على وفق خبرة ورؤية الفنان وصولاً إلى الشكل الفني .

مشاهد ترفض الأيقنة لصالح الجوهر

إن عمليات التهشيم والتمويه بل وحتى التفكيك في البنية الفكرية (الذهنية) في بعض نتاجات الفنان " آل تاجر " الفوتوغرافية الذي أحدثها في تضاريس الجسد ، بفعل خبراته المتراكمة بتقنيات الآلة الفوتوغرافية بانواعها والتي تساعده على التحكم والتلاعب بقصدية بفتحات العدسة ، لا تلغي الطاقة الداخلية للصورة الايقونية وإنما تُحدث تحولاً يخدم المضمون ، بمعنى ان " محمد " يُحطم بعض ملامح الايقون تقنياً ، لإحالته إلى شكل ذي طابع مثالي يجسد ملامح مدينته الروحانية (كربلاء) العتيقة المؤلفة من تراكيب بشرية ومعمارية تعايشت معاً في زمن الحرب داخل فضاء مفتوح بفعل عمليات الإزاحة ، المتخذة من التماهي مع هذا الفضاء هدفاً جمالياً يعبر عن وحدة مطلقة بين أجزاء التكوين العام والفضاء المُحيط .. فمثلاً نلاحظ وضعية بعض حركات أطراف الأجساد (رؤوس- أيادي- أقدام ) وقد تلاحمت وتواشجت بفعل الحركة السريعة واللون الحيادي المُحيط أو بفعل الاتجاه لتتخذ مساراً مفتوحاً يخترق حافات البعد المكاني .. هذا التواشج أو التجاور لاجزاء العمل الفني يجعل طقوس الصور الفوتغرافية ذات نزعة انطباعية تعبيرية ، تتعايش مع جغرافية الرسم بعد الاستعاظة ببعض عمليات الأداء التشكيلي بدلاً من التسجيل ، لإعطاء المشهد الفوتوغرافي صفة الكلية التي تُـفعِل الوجود الفوتغرافي ، مما تمنح المشهد صفة الامتداد .

هذه الوحدة المتمركزة في الأجزاء (الوطن) التي شملت نتاجات الفنان الفوتوغرافية المركبة ، قد تبنت مبدأ الحرية في التفكير الفوتوغرافي ، المنطلق من ذاتية الفنان ، حيث تفنى أقنعة الجسد (المرئي) لصالح المخفي ، لتأخذ التكوينات البانورامية بُعدها الصوفي الذي يجعل منها إيقونات متراكبة ذات المعاني إلانسانية ، تنسجم مع نوع الانفعال ؛ لان الفنان " آل تاجر " قد تعامل مع طاقات مشاهده البصرية أكثر مما هي أشكال فوتوغرافية بسبب وعيهُ المعرفي والأدائي الذي قادهُ إلى حصيلتين الأولى مفادها ان معنى الفوتغراف لا يتوقف عند حدود المرئي المنسوخ عن الطبيعي ، بل يتجاوز الآلة نحو الذات المبدعة ، والثانية ان أصنام البعد المكاني لا تنفلت من ذاكرة الفنان البكرية ، فتحولت الأجساد إلى قباب وأشجار وأطلال البيت العتيق ، بل وتحولت إلى وطــن ..؛ على اعتبار ان ألأجساد المتراكبة والمترابطة معاً بفعل الألوان الداكنة قد أحالت ذهن المتلقي إلى تكوينات روحية تحمل بين طياتها دلالات فكرية وجمالية لحظة تدخل المخيلة فيها على وفق مثال جمالي مقترح من قبل الفنان ، مبتعداً عن الدلالة المطابقة للايقون نحو دلالة تقترح التأويل عنواناً لها .. كمحاولة من الفنان محمد آل تاجر لتحويل الأشكال الثلاثية الأبعاد إلى مسطحات في عفوية واعية تقترب من عين الفنان الانطباعي بعض الشيء الذي يرسم ما يرى ليصل إلى ما لا يرى .

ملامح التنوع والتشبه بالمثال

ان المساحات اللونية البنيّة والرمادية ( لون الجسد - الأرض..) في بعض مشاهد الفوتوغرافية ، قد آلفت بين الأجساد المتداخلة في الفضاء التصويري الناتجة من تضادات اللون الأبيض (الفترات) والأسود(الوحدات) ضمن دائرة التدرج اللوني ، وساهمت في إشاعة مبدأ الوحدة في التنوع والذي لا يخلو من منحى تصوفي .
وان استثمار الفنان " محمد آل تاجر " للتكوينات الدائرية والمنحنية الناتجة بفعل حركة الأجساد واختياره الانسجام اللوني ، جعله يتفحص حدود اللا معنى في المعنى ، عبر انتقال بعض مفردات مشهده التصويري إلى فضاءات شبه لا شكلية ذات سمات تحديثية ؛ كونه قد أهمل صلابة الشكل الايقوني المنطقي لصالح الأشكال المحورة عن الطبيعي ، على الرغم من تناوله في بعض تجاربه السابقة موضوعة البورتريه ، الا انه قد اعتمد على تصوير الاحاسيس القابعة وراء الاقنعة ، ليجعل من التمويه والتبسيط غاية تشخيصية لمفهوم الصورة الفنية .. بمعنى أن الرؤية العميقة التي فرضتها ذاتية الفنان المصور قد أحالت تكويناته الجسدية إلى دلالات عميقة لمواضيع الحياة والإنسان المطرود من جنة الإنسانية !!.. لان أغلب نتاجاته قد مثلت مشاهد إنسانية أُريد لها أن تتشبه بالفراشات حينما تُحلق إلى المجهول لتطلعنا على الآتي .

الفنان والفضاء الممتد

ثمة فضاءات ممتدة ، في الاسطح الفوتوغررافية لدى الفنان " محمد آل تاجر " ، ساعدت في انتاج الاطياف ؛ بحيث وصفت بانها قد أصبحت تارةً بمثابة أبعاداً وجودية وتارةً أخرى بمثابة طيفاً أو وهماً يفرضه ذهن التلقي ، لحظة فعل القراءة بعد مغادرتنا للمشهد الفوتوغرافي الاول . من هُنا نُلاحظ نشوء علاقة جدلية متفاعلة بين النتاج الفوتوغرافي كوجود عياني (مرئي) والمكان الجغرافي الطبيعي ، وبغياب المكان المحدود سوف يفقد المحسوس الطبيعي بُعدهُ الوجودي الملموس بصرياً لحظة مغادرة الجسد الفوتوغرافي المقروء فتبدأ البصيرة عملها في التفاعل مع الفضاء الجديد الذي أقترحته الذاكرة الجمالية في انتاج الاطياف ؛ على اعتبار ان الفنان " آل تاجر " قد عمد على التركيز على التصورات الكلية ، بعيداً عن الجزئيات التي يحويها المرئي الطبيعي من خلال تلاعبه بأمكنة وأزمنة الفوتوغراف من أجل الغاء الخصوصية الواقعية لكل مشهد فني عام والتي يلهث ورائها مبتدأ او موهوب ، فينتقل بالصورة من مرحلة الايقنة باتجاه مرحلة التنقيب في الاعماق ، لصالح الرمز والمخيال .
مثل هكذا فضاءات مخيالية ، مقترحة من قبل الفوتوغرافي " محمد آل تاجر " في اغلب نتاجاته ، تفرض على المتلقي لها ، تواصلاً فكرياً وثقافياً ، يتخذ صفة الحضور لحظة خروج زمن المشهد من حدوده الطبيعية ويدخل في علاقات تستوعب مساحاته اللامرئية الممتدة الى مالانهاية ، لان الفنان هُنا قد اهتم بمسألة تهشيم الاطار العام المُحيط ، فتصبح ابواب التلقي منفتحة الى الخارج ، لبلوغ المرحلة الديناميكية في الفكر والتفكر .

فالفنان العراقي الفوتوغرافي يعمل في أغلب الاحيان على اعطاء مشاهده الفنية تعددية في الزمكانية .. فالانسان والطبيعة والسماء والارض والمياه ... تتحرك وهي متداخلة وكأنها سابحة في فضاء بلا حافات .
الجسد وآليات التعبير
بفعل الافكار المثالية وبعض الارتجالات الواعية لدى الفنان ، تتحول الاشكال في المشهد فيما بعد من مجرد عناصر طبيعية الى علاقات ايحائية متراكبة من خلال عمليات التحكم بفتحات العدسة والتي تمنح الصورة النهائية قدرة تعبيرية روحانية – كما في تجربته الاخيرة روحانيات 2008 - تحتفل بالانتقائية على حساب التوثيقية (المحاكاتية) .
ان الفنان محمد في مثل هكذا تجارب ، احتفل بالتعبير من خلال فعل الايحاءات الجسدية لمشاهده الروحانية المتعبدة ، بجانب الاشارات المتكونة على وفق رؤية الفنان الحدسية ، تبرز اللامعنى الثقافي في المعنى الطبيعي ، فتتغير الاشكال (الاجساد) وفقاً للتحولات الفكرية المتناثرة والمتكاثرة ، فتصبح هذه الاشارات والحركات الجسدية والرموز الدلالية للتكوين العام للمشهد ، بمثابة وسائل تعبيرية يمكن ان تؤلف مع المتلقي الآخر نظاما اتصالياً بلغة متعالية ؛ على اعتبار ان الدلالة تؤثر لشيء ما والإشارة توصل جمالاً ما يُنقب في سرائر الرمز .

فالفنان يرى في الفوتوغراف تمثيلاً لفكرة ما متواجدة في ذهن الفنان ؛ اذا ما اعتبرنا ان الصورة الذهنية (الذاكرة) لا مصدر لها سوى الاحساسات ، فالشكل الجديد الذي أخرجه الفنان " محمد ال تاجر " يبحث عن التعبير الناتج من اتحاد المضمون (الأعماق) مع الأجساد وبالتالي يبدأ التنقيب عن الطيف (اللغز) الذي يوحي ولا يعبر بالرغم من كونه أحد أجزاء التعبير من خلال تنوع الأفكار وتعدد المشاهد البانورامية في الصورة الفوتوغرافية لدى الفنان لحظة تسجيل اللحظة الهاربة السريعة .. فتصبح الصورة الفوتوغرافية الفنية التي أوجدها الفنان ، صورة ذهنية أكثر مما هي صورة بصرية فتتداخل الأجساد مع بعضها البعض وتتكامل مع مفردات المشهد ككل بفعل لحظة التحول بالبحث عن أطر جديدة تتموضع فيها خارج الشكل الطبيعي (الواقعي) .
ماوراء الاقنعة :
سعى الفوتوغرافي العراقي منذ سنين قليلة الى ما وراء الأقنعة ؛ على اعتبار ان الفن الجيد في الفكر الحداثوي يجب عليه ان لا يكتفي بتسجيل الانطباعات ، بل عليه ان يُعبر عن التجارب الانسانية والقيم الروحية ، فتصبح الصورة الفوتوغرافية أداة الفكر الجديد ، الذي يحتفل به في رصد العوالم الخفية . فالفنان هُنا أصبح منتجا لا مستهلكاً للطبيعي ؛ بوصف ان عملية الانتاج – من وجهة النظر الافلاطونية – ضرب من التركيب ، فالصانع يبرز الى الوجود صوراً جديدة مغايرة للطبيعي .. وعلى هذا الاساس نجد الفوتغرافي " محمد " قد تحرر من الوضعيات الطبيعية التقليدية فأصبحت الصورة أكثر ارتباطاً بالأشكال الضبابية (الطيفية) التي نراها في أغلب الاحيان تستبطن المعاني العميقة فيها . فالفوتوغراف العراقي قد أصبح مع بدايات القرن الحادي والعشرين – قرن الحروب – مجموعة أفكار ومدونات متناصّة ، تحتفل بالجمال والمخيال على حساب المرئي المحدود في سبيل الوصول الى المضامين القابعة وراء الأشكال .. وبصراحة وجدتُ ان نتاجات الفنان " محمد ال تاجر " الأخيرة كانت أكثر جرأة وتلقائية من غيره من زملائة الفنانين الآخرين ، بل وأشد خروجاً عن ظاهرة التسجيل البصري العادي ، لصالح تحطيم طبيعة الشكل المرئي وصياغته إلى تكوينات جمالية ما ورائية .

بمثابة خاتمة :

الوطن بما فيه من قبور يصبح موضوع إبداع الفنان علّـها تُعيد للإنسان المغترب ما فقده من أحلام وسط ركام لا نهائي من الألم ، علنا نجد بعض عناقيد الفرح .. فمقولة أن نجعل من الكلام أغنية اعتبرت في الأمس معجزة ، اما اليوم فهي تزيح الستار عن الكنوز المتخفية والتي تتطلع إلى الحوار الشفاف لترسيخ مفهوم الإنسان الكامل .. ليصبح الوطن موضوع التعبير ، يدون ما تستكشفه تعبيرات الفنان وليس ما تراه عينيه ، من خلال عمليات الإيماء والتمويه بفعل الحركات الايقاعية للأجساد والتي ترفض التشكيلات المألوفة ، بل وتتجاوز الأقنعة (المُعلن) فتنطلق بالصورة الفوتوغرافية إلى مديات بلا حافات .














محمد آل تاجر
- العراق / 1969
- بكالوريوس فنون تشكيلية / كلية الفنون الجميلة / جامعة بابل 90-1991
- عضو مؤسس في جمعية مراقبة حقوق الإنسان العراقية IHRWS
- عضو نقابة الفنانين العراقـيين
- عضو جمعية التشكيليين العراقيين
- عضو الجمعية العراقية للتصــوير
- عضو NPPA
- المعارض الشخصية : (1986-1987-1989-1991) العراق
- المعارض الشخصية ( 2006 ) عمَان

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6224990   Visitors since 7-9-2002