المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع إسماعيل غزالي

  


















- ما هي المكانة التي تحتلها الكتابة في حياتك؟
* شيءٌ دامغُ اليقين ، أنّ الكتابة تحتلّ جغرافيا شاسعة ولانهائيّة من هنيهة حياتي ، لنقلْ صارتْ ومن زمن بعيد إدمانا وولعا ولعبا ، أمستْ غراما أزرق ، تتفصّد له هذه الكينونة عرقا وزنبقا ، وهي أكثر من عادة تدمنها هذه اليد الغائرة في الهسيس ، بله ،  غواية وإرغام  لشيء غامض دائما ما أجدني عن غرابة وحبّ في آن ، مستدرجا إلى شَرَكِه عن موعدٍ غير متّفق عليه ، هو موعدٌ مبهم ٌ مع غيماتٍ من قلقٍ ( مخضّب بالأحمر كما رسغ حجلة )  مشوّشة في سقف الخيال ، الأفّاق ( هذا المثخن بالتلصّص على الهاوية ) ،  وهما معا يتواطآن - على هامش كل يقظة أو حلم  من زحف السّاعات الحلزونيّة - على جراحة العدم  وهندسة الغيابِ لحظةَ كلّ نبشٍ في ثلج الورقة ، حيث امتحانُ الصّمت و البياض والحبرُ يندلق كما غربان تتواشج فيما بينها لتحبُك المتاهة ، أو خيمة النّصّ ...
 لايعني هذا ، أنّها جلد حياتي الثّاني ، فتجربة الحياة جديرة بالعيش خارج النصّ دائما ، لا أتعاطاها بقدسيّة  و لا أوهام لي أضفيها على  معناها وجدواها وضرورتها  .
 كهواية -  قاسية ولعينة ولذيذة رغم ذلك - أتمرّس فنون غدرها ومكرها وهباتها ورضاها وحيلها وكذبها ونبلها وجنونها ومجونها ،  لاأروم منها احترافا ، أحاول عبثا استنبات بعض الضّوء المبتهج والدّفء من برقها كي أنفخ به صقيع أيامي ...
لطالما تمنيت أن أكون عن هواية أحد محترفيها المتميّزين، وصرتُ اليوم أتمنى عن احتراف أن أكون أحد هواتها لاغير .
لطالما تمنيت أن أكون أحد وجوهها الطاعنين في الأبدية ، وصرت اليوم أتمنى الإنقطاع عنها ونسيانها إلى الأبد، ولا أستطيع لذلك سبيلا ...
ما من رضا بيني وبينها إلا في ما ندر ، خصوماتي معها كبيرة وكثيرة وإن لم أتّخذها زوجة وقرينة وحليلة ..
 إنّما أبتغيها عشيقة أبديّة ...
في الحكاية الأمازيغيّة أن الإله عندما أراد أن يعاقب النملة ، صنع لها جناحين ،  فهي ليست مما يحلق بأناقة كيعسوب ورشاقة كفراشة ولا مما يمشي بمرح ويرقص على أنامله أو حتى يدبّ على الأرض ...
أجل في الكتابة شيء ملوث من هذا المأساوي ، من هذا الّلطخ الميتافيزيقي ، وهي محفوفة بأعراض وأعطاب التراجيدي مهما زعمنا المتعة الهائلة المتحلّبة عنها ...
صدّقني ،
الكتابة ليست ترفا ولا امتيازا ...
إنّها لعنة حقّا ...

ـ هل تجد في القصّة القصيرة، متسعا كبيرا للتعبير؟
* هناك أكثر من سبب غامض يجعلني أتورّط في القصّة القصيرة كما لو أتورّط في حبّ عشيقة كما أسلفت القول ، إن كنت تعني بالمتسّع الكبير للتّعبير بالنّظر إلى الحيّز والحجم والبنية المدغومة ، فهذا  تضطلع به أمومة الرّواية بكلّ تأكيد ، أمّا في القصّة القصيرة فليس أمامك سوى تكثيف الرّؤية كما لو تؤرّخ لصحراء من خرم إبرة ، ليس في وسعك المشروط إلا تقليم غابة الرّؤيا ، وحلج صوف الكلمة ونقش منمنمات الصّورة على حصاة في شاطئ العزلة القصيّة ، واستدراج سنونوات الخيال الجامحة إلى الرّقص على رخام برْق اللّحظة ...
في القصّة القصيرة ليس هناك متّسع كبير للتّعبير من وراء زجاج شرفة بانوراميّة ، بل التقاط حادّ ،  محفوف بأعطاب الإنفلات ،  التقاط مارق كما لو بعين صقر من وراء زجاج الومضة ...  ومضة متشعّبة تتلاءم وذات انشطاريّة تنبري لتشظّيها البلّوريّ الدّقيق ،  بلغة غائرة التّركيز والتّشذير والتّبئير ...
أمّا إن كنت تعني ، بالمتسع الكبير للتعبير طبيعة العلاقة بالقصة القصيرة كجنس أدبي وما يتيحه من إمكانيات ومهارات فن القول ، قد تغنيك عن بقيّة الخارطة الأجناسيّة والإبداع والخلق ، فأنا لا أزعم هذا الحبّ المزمن لجنس القصة القصيرة كعقيدة أو ديانة لا زوغان عن أفقها الأحادي ...  بل الذي أزعمه هو حب الكتابة الدامغ ، وأما الجنس الأدبي فذريعة لممارسة هذا الفعل الغريب ...
وهذا الحبّ الفسيفسائي والمتشعّب والمتشذر والمتشظي والمتناقض والمفارق  لاينفرد به ولع القصة القصيرة وحده ، بل هناك خيانات شرعية لها مع ضروب أنواع مجاورة ، وإن على سبيل  النّزوة ، رواية وشعرا ، غير أن هذا لايمنعني من الإعتراف ، باستثنائية غراميات القصة القصيرة ، الأقرب دفئا ومرحا وعزاء من انشطارت الوجود في داخلي وخارجي ...

ـ لكل كاتب طقوسه قبل و أثناء و بعد الكتابة، هلا حدثنا عنها؟
* لست عرّافا ولا عازف هجوج منذورا لليالي الحضرة في الصّويرة أو ليالي عيساوة في مكناسة الزّيتون  و لاساحر قبيلة منسيّة في أدغال إفريقيّة أو أمازونيّة كما لست مستحضر أرواح أو صارع جنّ كي تكون لي طقوس قبل وأثناء وبعد الكتابة ...

ـ من أين تمتح الفكرة النواة للشروع في كتابة قصة قصيرة؟
* الفكرة الّتي تستفزّ ماء الغياب ليندلع في خلاء القصّة،  هي مثل نجم متطاير من حجر تشحذ فوقه السّكاكين ، مثل قمر في ماء دلو ، مثل وخز دبّور لطفل الذّاكرة ، مثل أزيز جندب في ظهيرة الخيال ، مثل حصاة بيضاء في قعر نهر ، مثل ناب حيوان نافق في كثيب صحراء  ... الخ
الفكرة هذه لاتكون مكتملة وصلبة وواضحة تماما إلا وأنت تباشر اجتراح أفقها على البياض ، وهي في البدء تكون مجرّد إيحاء بحجم نقطة أو نمش ، يصرّ أن يتكاثف ويتفاقم ويستفحل ، ويؤرق ويزعج ويبقبق كما فقاعة مرق في طنجرة الرّأس ،  وهكذا إلى أن تشرع مرغما على موافاته أجله لحظة تشكلّه في نصّ ...
هذا لايعني أبدا أنّ كل القصص تنتج عن فكرة مسبقة ، بل هناك من القصص ما لايفصح عن فكرته اللّعينة إلا في لحظة الكتابة ذاتها وهنا طبعا الأمر متوقّف على القوّة اللاّشعورية و ماكينة اللاّوعي أي طبقة النّسيان الرّهيبة  ...
لا يمكن أن تُمتح الفكرة إلاّ من صهد الذّاكرة الفوّاح ، هذه الّتي تشبه مكتبة صامتة  مجهولة لطروس هائلة من الصّور واللّغات والأصوات والوجوه ... الخ وعمل القاص والكاتب لايعدو أن يكون نبشا أركيولوجيا في رمل هذه الذّاكرة من أجل استغوار تلك المعادن واستخراج المستحثّات وبقايا العظام  ، لترميمها في صورة جديدة ، ليست بالضّرورة وفيّة لشكلها الأوّل ، لأنّ الأمر هنا لا يتعلّق ببساطة أي محاكاة وإنّما بتركيب معقّد وغامض ، يتعلّق أكثر بخلق مغامر ، مغاير ، يندمغ في خلفيّته كلّ تبن وطين وسديم تلك  العناصر الأوّليّة ولكن يتمّ مسخها وتغريبها في صوغ جامح ، أو خرائطية محدثة ، وهندسة غير مألوفة أو نقيضة ...
كما يمكن أن تمتح هذه الفكرة الهاربة دائما من واقعيّتها الأكيدة ،  ليس طبعا وفق تلك الفكرة البليدة التي تقول بأنّ الأفكار نلتقطها من قارعة الطريق ولا من خلال انعكاسها في المرايا المنتصبة في الشوارع ، وإنّما الفكرة بنتُ التّجربة الحرّى ، لابد من أن نفلي عانة اليومي كي نعثر على قملتها الذّهبيّة ...
أيضا يمكن أن تمتح هذه الفكرة العنيدة ، الجارحة ، من كلمة ، من اللغة ذاتها ، فهناك قصص استندت في بدئيتها على رنين كلمة غريبة ، يشبه إلى حد بعيد رنين قرط حالم ، سقط من أذن امرأة جميلة على صخرة نهار من قرمز ، أو كلمة دائما غريبة ملفعة كما رذاذ مطر منسيّ ، أو كلمة غريبة مباغتة ، مرتطمة بزجاج الذّهن كما ارتطام طائر الدّوريّ بزجاج نافذة خريفيّة ...  إلخ
وما لايمكن نسيانه هنا ، هو أن الفكرة أيضا بنت القراءة ، ومن الممكن والرّاجح دائما ، استنباتها من نصوص آخرين دون أن يعني الأمر استنساخها  ، أي ما يشبه إيقاظا لشبح ما داخل مقبرة الخيال تضطلع به قراءة قصيدة أو رواية أوسماع  أغنية أو مشاهدة  فيلم ، يجعلك تطارد هذا الشبح في مهاوي نصّك الخاص ، ومن المفترض طبعا أن يوقظ  نصّك هذا شبح مخيّلة كاتب ثان ويطارده في متهات نصّه أيضا وهكذا دواليك ....

ـ بماذا تشعر عندما تقرأ لكاتب آخر أو كاتبة أخرى نصا قصصيا جيدا، أو نصا لا تستسيغه ذائقتك؟
* قراءة نص جيّد ، يعادل جرعة حالمة من سديم متعة هائلة لا تتحقّق بأيّ شكل من أشكال التّخدير  ، النّصوص الجيّدة كما وجوه أصدقاء نادرين ، لايمكن نسيانها بسرعة ، ولها مكانة وارفة في متحف داخلي ، هذا إن لم  تحرّض يدك   على ممارسة عادتها الغريبة ، أي الكتابة ، فمثل هذه القراءات الطّازجة ، وما أقلّها ، تعجّل بانفراج غيوم اليد ، ينضج معها مزاج الحبر ، وتجفل لها حيوانات المخيّلة ، كأنما حشرات تنشب في لحمها إبرها ، وتستنفرها لركض جامح وجانح في هضاب الرّؤيا ...
أمّا ما لاتستسيغه ذائقتي فلا بأس من الإطّلاع عليه بين حين وحين ، وتقليب غلّته بأكثر من مصول ومذراة ، لإعادة النّظر فيه ، فالنّظر إلى النّص ليس ثابتا دائما ، كما أنّ الذّائقة غير مستقرّة تماما ،  و من الطّبيعي أن تكون متماوجة ومتحوّلة  وقلقة وفقا لتصدّعات و تحوّلات الرّؤية إلى العالم و الذّات والأشياء ...

ـ كيف هو تعاملك مع اللغة؟...هل  أنت مع من يتشدد في  أن تكون اللغة متينة خالية من المفردات الدخيلة أو الجارية على لسان العامة، أم أنك مرن في تعاملك معها و قد لا تتورع في توظيف مفردات من خارج المعجم ؟
* تطوّر المعجم يقتضي رفده بكلمات جديدة وإن من خارج  مدار قدسيّة الّلغة ، إن كان في استعمال الدّخيل والجاري على لسان أيّها النّاس وظيفيّا فهذا ليس غريبا على لسان القصّة القصيرة الشّره للعق ملح وسكّر أشكال اللغات والأصوات واللّهجات ...
المرونة هنا ، مشروطة طبعا بتوظيف جمالي ، دون أن يعني الأمر استرخاصا في التعامل مع اللّغة ، فالّلغة بقدر ما تشقى داخلها ، وتحفر في إمكانياتها اللانهائية ، بقدر ما تهبك وتباغتك  وتشهر لك  زبد شواطئها اللاّمحدودة ...
لست مع المرونة أبدا في قول الأشياء بلغة مهترئة وركيكة ، والإستناد إلى تعالق الّلغات كمبدأ في الإشتغال إما أن يكون متوازنا ، فسيفسائيا ، أو لايكون ...
وأمّا أن يلهج النّص بمفردات من خارج المعجم ، فممكن جدا دون أن يفيض على بلاغة القول القصصي ...
التعامل مع الّلغة هو نفسه التعامل مع ماكينة الأدب ، إن رائحتك في لغتك الخاصة  ...
هناك ولعٌ غائر بالتّرحال داخل مهاوي الّلغة و ما يرتق هذه المهاوي من أفق لانهائي ... أكثر من ذلك ، فالكلمة ليست موجودة لإهراق لهاثها كيفما اتفق ، الكلمة كينونة وبها وعليها ترصّص النّصوص ، ولذلك وجب العناية القصية بالحفر عنها وفيها ، وإيلائها حيّزها اللائق بها ، وبفراغ المعنى الذي تؤثثه كما ينبغي ، لطالما تخيّلت أو تعاملت مع الكلمة كما طائر جارح وكاسر له أفقه الذي يمكن أن يحلّق بك فيه أو يهوي بك من سطوح غيماته ، أجل كل  كلمة هي أفق  بامتياز ...
أي نعم  اللّغة مطالبة بالتكثيف والاقتصاد والرشاقة القصوى في القصة القصيرة ، فن اصطياد الفراشات هذا ، وأنا مع تثوير هذه الّلغة الذي يستهويني حد الوله الإمعان في هوامش و شعرية نثرها غير المخصوص بقصيدة النّثر لأنني أنفر من  ضروب الإنشائية الفجة وجاهزية الخطاب الخبرية والتواصلية المهترئة ولايستهويني أن أسلك طرائقها الكسولة ، السّهلة المباحة والشائعة ...
 نعم لاغرابة أن ينسحب هذا على لغة القصّة وليس الشّعر وحده ، فإن كان الشّاعر هو سارق النّار في الميثولوجيا اليونانية ، فالقاص اليوم يكاد يكون هو سارق هذه السّعرات الحراريّة من الشّعر - خاصّة قصيدة النّثر -  والموسيقى والإيقاع ووو ... الأمر هنا ليس محض مفاضلة ، بل ما يشبه حاشية لتوصيف مارق ، توصيف  لما تستمزجه القصّة داخل كميائها الخاصّة ، المدغّمة ، من كلّ أشكال الإبداع الكوني ...
وشعرية القصّة هنا غير مقتصرة على تثوير لغتها طبعا ...
تعاملي مع الّلغة في نصوصي الأخيرة التي تتمثل هسهسة جنوني أكثر، وأعني قصص صائد الغربان البيض ، وقصص عسل اللّقالق ، هو تعامل خزّاف يحترم أدواته ، فيها حرص أكبر على الذّهاب بعشق غياهبها إلى تخومها الزّرقاء ...
هو تعامل صوفي ، هرمسي ، فيه يتألق الإنصات العميق ، لموسيقى الغياب داخل كل كلمة ...
  إنها القصّة التي  لاتفكر إلاّ ببصرها وبالكلمات ترمّم وتحمّض صورها ...
ـ هل أنت الذي يحدد شكل القصة أم التيمة هي التي تتحكم في ذلك؟
* في الكتابة لايمكن الجزم بتحديد شكل للقصّة ، مهما كان هذا الشكل واضحا عن سبق رصد وتخييل ، أي قبل الشّروع في إنجازه ، قبل تحقّقه النّصّي ، فلن يكون تماما ، وفيّا بالكامل ، لما سبق رسم معالمه في الذّهن ...
أي نعم للتّيمة ثقل جاثم على بوصلة وجهات النّص ، لكن لحظة تحقّق نصّية هذا النّص وشكله بالأساس ، هي تحتكم في اعتقادي إلى تضافر كل عنصر مهما بدا تافها في خارطة  الكتابة / القصّة ، وعيا وموهبة وتلقائية و لغة وفكرة وصورة وتيمة وحوارا ونقطة وفاصلة وصمتا وفراغا و.... إلخ
كي أكون صادقا :
الشّكل تحدده القصّة ذاتها ... كل قصّة تحدّد شكلها ، لحظة كتابتها  ...
ـ ما مفهومك للتجريب؟ و هل القصة القصيرة في شكلها التقليدي مضى عهدها؟
* التجريب هو في البدء وعي  - جمالي ونظري وفكري ومعرفي  -  باللحظة المأزومة للجنس الأدبي ، وما يقتضيه ذلك من ممارسة الخروج من الدّائرة المغلقة ، هذا وجه أليف للمسألة ، الوجه الآخر لهذا الوعي المشاكس صارخٌ ، وهو معنيّ  بضرورة تأزيم نسق هذا الجنس الأدبي ، النّسق القصصي ...
وفي الحالتين المذكورتين على سبيل التمثيل والتوصيف المختزل لفضيلة التجريب ، لاالحصر طبعا ، هو كلّ  ممارسة جمالية  - جسورة على الهدم والتجاوز والتأزيم -  تستند آلة اشتغالها على  الأدوات الخاصّة ، المبتكرة ، التي تشقى في نفض الغبار عنها وتستجدي قابليتها وفاعليتها ، خروجا بها عن وظيفيتها الأولى إلى وظيفيتها  الأخرى ، المبهمة واللاّمتوقعة ، كي تعينك على حفر نفقك الخاص داخل ليل القصة القصيرة ، الذي تتغيا نهاره، التّجريب وإن أصبح يعني كل شيء ولاشيء عند كثيرين ، هو دليل مشفّر ذاتي تحتاجه الكتابة المسكونة بطموح التّمايز والمغايرة والإختلاف والجديد والتّجاوز والإستثناء ...
التّجريب هو شقاء التّميز اللاّبد منه ،  يؤدّي القاص المجرب أو التّجريبي ضريبة قلقه الحاد باستمرار من أرقه وواقعه ووجوده وكوابيسه و ...  داخل وهم كتابته وهو يكشط صدأ الإشتباه ، وملح التساكن والتناسخ عن جلده من أجل استشراق  واستبراق واستبزاغ معدن فرادته  .
كلّ كتابة مُؤرّقة ومنقوعة بصوديم هذا الشّقاء ،  أو موسوسة بهذا القلق الجمالي ، هي تجريبية في منحاها اليسعى نحو النبش في الغريب والغامض والمجهول ، من أجل تحقّق نصي فيه من الجمال المدهش واللامألوف ما يجعل قصتك فواحة بدمك وجراثيمك وهسيس آلة جنونك ...
مفهومي للتّجريب ليس نمطيا ولا عبثيّا أيضا ، هو بشكل أو بآخر يحتكم إلى مفهومي للكتابة ذاتها ...
هل أزعم بأنني أمتلك جوابا لسؤال الكتابة ...
هذا ما لاأستطيع أن ارتكب حماقته أبدا ...
فلو توضحت لي تلكم الأسباب الغامضة التي تقف وراء الكتابة لتوقّفت فورا عنها و أقلعت عن عادتها ... ففي غموض أسبابها حياتها الأبديّة ...
لاحظ إذن ، كيف نتجرأ عن حماس ودربة على  مجاورة  الإفصاح  بخرائطيّة سؤال التجريب ومقاربة مفهومه وإن بشكل نسبي و مفتوح ...
 وكيف نخشى ونتورع ونتعفف كلما تعلق الأمر بسؤال الكتابة ، هذه المتوبلة بميتافيزقيّتها المهولة ، لا نجرؤ ولو عن فضول وافتراض أن نقف على مفهومها ودواعيها ومعناها ، كمعضلة وجوديّة ...
لماذا ننسى عن عته وترك وإهمال هذا الجوهر الخطير لفعل الكتابة ونهدر كل الكلام والضوء في الإنصراف إلى مسوخها ؟
القصّة القصيرة في شكلها التّقليدي ستبقى طروسا ، يلمعُ نحاسها في الخلفية المائية لكل قصّة محدثة وجديدة ...
ـ لكل كاتب تيمة أو تيمات محددة قد لا يخرج عنها إلا لماما.
ـ  ماهي التيمات الطاغية على مجمل كتاباتك القصصية؟
* هذا متروك للقراءة ، ما لايستطيع الخروج عنه أيّ قاص هو جلد القصّة ذاتها ، وأمّا إن كنت سأعدّد مجمل التّيمات الّتي تلهج أو تمور أو ترطنُ بها قصصي  ، فهي ممهمورة بولع الهامش ، الهامش بكل ثقله الإنساني والجمالي والوجودي ...
والهامش هنا ، كما حاولت أن أوضّح أكثر من مرّة ، غير مقتصر على المكان والجغرافيا ،  الهامش كأفق للغياب واللاّمسمى والمجهول والغامض ، وفيه الكتابة منذورة للحفر عن الغريب والمدهش و اللامألوف ، تيمة وشكلا وتقنية وأسلوبا وتخييلا و...إلخ

  ـ هناك من يتهيب  دخول مسابقة أدبية للحصول على جائزة، سواء محليا أو عربيا، هل أنت من هذا الصنف، و لماذا؟
* الجوائز لاتعني أبدا ، مصداقية النّص الأدبي ، ليست مقياسا أبدا لقيمة العمل الأدبي الجمالية ، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالصّورة المختّلة و الزّائفة والملوّثة لما يسمّى بالمشهد لثّقافي العربي ، حيث يُهندس سيناريو هذه الجوائز بشكل زبوني، والمنطق السياسوي الفادح الذي يقف وراءها كان وما يزال ينتصر لمصالح بليدة مكشوفة نبغ في التكريس  لحماقتها القائمون على  هذه السّلط  الثقافية المبتذلة ، وهو تكريس مائع صار يفوق بكثير  رداءة الأنظمة السياسية نفسها ...
الكتابة لاتتوسّل إلا الانهمام بقلقها ، واستكشاف لحظتها الوجودية واستكناه مرايا ذاتها المنشطرة واستقصاء أفق سؤالها دون القفز على روح اللعب والولع بمغامرة لذتها وغوايتها المحتدمة ... إلخ
خارج هذا ، فهوامش صغيرة موازية ، لاحقة على لحظة الكتابة الجوهرية، أي أنّ الجوائز من الممكن انتظارها إن كانت نزيهة وغير مشبوهة  وهذا غائب تماما ...
الجوائز ليست رهانا ولا أفقا ولا يعوّل عليها ...

ـ هل هناك مجموعة قصصية على الأبواب؟
 * هناك مجموعة جديدة هي قيد النّشر تحت عنوان : عسل اللّقالق ...
  - كلمة تختم بها هذا اللقاء
ما من كلمة يشرق بها نصل لساني إن كانت معنية بختم ما ، لتكن كلمة شكر  ، على هذه الإستضافة أو الالتفاتة من المحلاج / مركز القصة العربية ...

* إسماعيل غزالي من مواليد 1977 ، دشّن أفقه القصصي بنصوص واقعيّة جديدة كما هو بارز في مجموعته الأولى رقصات الخلاء ، ثم تحوّل عنها بتجريب شكل من أشكال الكتابة المضادة والعبثيّة ، ضمن كرنفاله القصصي الثّاني الموسوم برطانات ديك خلاسي وهي نصوص في السّخرية اللاّذعة والقلق والفصام والرّماد والسّوداوية  ، وفيها استمزاج لبعض المهارات والأساليب المحدثة لفن القول القصصي ، غير أن موهبته سيفجّرها في اللاّحق من النّصوص ،  و يتمرّد عن كلّ ما سبق باعتباره مجرّد تمرينات عاشقة وعتبات سديميّة  أولى، وذلك  بانتهاك تلك الملامح البدئيّة و المواصفات الإنفعاليّة لتَشكُّل لغته الخاصّة ، إذ مع كتاب صائد الغربان البيض ، سيسلك طريقا مغايرة تماما ، ففي نصوص هذا العمل تتّضح خصوصية الكتابة عند إسماعيل غزالي ، وهي ممهورة بلغة شعرية دامغة ، مولوعة بالأحلام المتداخلة والمربكة  ، وهندسة المتاهات المركّبة  ، والإستناد إلى الدوّامات الحلزونية والكوابيس الهذيانية  إلخ  وهذا المنحى الفانتازي سيتضاعف أكثر في قصص مجموعته الجديدة : عسل اللقالق . وفيها جنوح كلّي نحو الغرائبي والسّحري والعجائبي الماسخ لواقعه المختل واستيهامات الذاكرة المؤرقة باعتماد تقنيات سينمائية وحبكات بوليسية وارتياد فضاءت الحلمي و الخيال العلمي إلخ...

عن المحلاج


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6156875   Visitors since 7-9-2002