المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

عبدالعالي السراج يحاور قاسم مطرود

  


لا يمكن التمعن في سؤال التجريب وفي خطابه وبالتالي تقريب صورته في المسرح العربي إلا بطرح أسئلة نقدية تفرضها طبيعة القراءة لهذه الظاهرة ، لأن الصورة والهيئة والكينونة التي يوجد بها هذا التجريب تفرض طرح أكثر من تساؤل وأكثر من أسئلة تخص مشروعية هذه الظاهرة وخصوصيات اشتغالها ومتحولها وثابتها ومناحيها ورهاناتها وغيرها من القضايا والإشكالات التي تؤكد وجود النقد ضمن إشكالية التجريب وحضوره الواعي بهذه الإشكالية ،وكيف صار سؤال التجريب في المسرح العربي موضوعا للنقد المسرحي ، وصار الفضاء الذي يتحرك فيه هذا النقد بأسئلة تقود إلى أخرى لتضمن استمرارية القراءة والإحاطة بأكبر قدر ممكن بشساعة أسئلة التجريب وبتعدد إشكالاته المعرفية والجمالية و الفنية.
بعض من هذه الأسئلة آثرنا مطارحتها مع المبدع والناقد المسرحي العراقي قاسم مطرود أحد الأسماء الفاعلة في كتابة التجربة المسرحية العراقية بالتجريب وبالعطاء الفني المغامر.

: ماذا نعني بالتجريب ونحن نتحدث عن المسرح ؟ وما مفهومه وحدوده وأهدافه ؟ وما مراميه وتطلعاته ؟ وهل يمكن القول بتعريف نهائي أو متكامل على الأقل لهذا المفهوم ؟

التجريب هو الوجه المضاد للثبات
للتجريب تشضيات ومعان عديدة, وإذا طوقنا الحديث عن التجريب في المسرح لهان الأمر بعض الشيء, التجريب هو الوجه المضادة للسكون والثبات, وهو المحرك والمفعّل للراكد من الأفكار والقيم.
ولان الإنسان ودون وعي منه تأخذه الأيام فيدخل بالمألوف منها, ويعتاد على السائد من القيم حتى يتبناها معتقدا أنها أفكاره وقيمه وتصل به إلى الدفاع عنها والموت دونها.. وهنا يأتي دور ومفهوم التجريب ليدق جرس الإنذار محاولا استيقاظ النيام واستفزاز المخدرين بحكاوي الأمس.
وفي تصوري إن التجريب بدا منذ الخليقة الأولى ونشوء الأساطير حين بدا الإنسان الانشغال بالمعرفة والاكتشاف, وإذا اعتبرنا قصة خلق النبي ادم كمصدر للجدل, فانه حاول بل جرب تناول التفاحة محاولا كسر السائد متمردا على التابو.
التجريب هو محاولة الإتيان بما هو غير مألوف والتمرد على المكرر,
وإذا عدنا إلى البدايات الحقة للمسرح عند الإغريق فإننا نجد ملامح التجريب واضحة عند ارسطوفانيس ويوربيدس الذي هشم مفهوم السلطة الدينية, وهكذا إذا أردنا التوقف عند المراحل الأخرى من تطور الفن المسرحي فسنجد العديد من الأمثلة والأدلة التي تؤكد بان التجريب كان فاعلا في التحولات المسرحية.
ولا اعتقد إن للتجريب مفهوما ثابتا أو محدودا طالما انه صراع ضد الموت بمعناه الواسع وليس المجرد, وما أن نضعه تحت أي مسميات, فإننا وبالحال نصدر له شهادة وفاة


هل التجريب ظاهرة ؟ أم اتجاه ؟ أم تيار ؟ أم نظرية ؟ أم مقولة نقدية ؟

سأبدأ من نهاية السؤال وأقول: يقينا انه ليس مقولة نقدية أو اتجاه انه فعل ونشاط إنساني ارتبط مع الإنسان منذ الطقوس الدينية الأولى, ويمكن القول انه ظاهرة مسرحية أو فكرية لأنه وكما أسلفت ليس وليد اللحظة, وللظاهرة مقوماتها حيث تأتي كرد فعل لما يفرزه المجتمع.
انه وبحق نشاط اجتماعي دائم الحركة, وأظن وبعد ألف عام سنتحدث عن التجريب أيضا لأنه عنوان الحياة وصورة الغد, التجريب هو الشهيق الذي يطرد الزفير.


هل يمكن الحديث عن التجريب في المسرح العربي ؟ وما دلالة الحديث عن هذا التجريب ؟ وما حدود الاختلاف والتقاطع بين التجريب في المسرح الغربي وقرينه العربي؟

التجريب موروث انساني مقرون بإرث الشعوب
التجريب مقرونا بإرث الشعوب وقدرتها على تجاوز الممكن والصعاب وقبول ما هو جديد على البنية الاجتماعية وليس كل بلد مستعد لاستقبال الجديد والمستحدث بالحياة بل هنالك من يجهز نفسه للدفاع عن قيم الأسلاف والتي يعتبرها ثوابت لا بد من أن يقف بالمرصاد أمام كل قادم جديد على نهجه أو صورته الثابتة.
لذا فيمكننا الحديث عن التجريب في المنجز الحضاري الذي حققناه والقدرة على الإتيان بفعل مضاد, بمعنى تجريبنا لنا وحدنا بسبب كثرة الخطوط الحمراء التي تربينا على وجودها في البيت والمدرسة والشارع والتلفاز والجامعة والمسجد, نحن محاطون بالخطوط الحمراء لذا فحركتنا التجريبية هي بحجم الكسورات والتجاوزات لتلك الخطوط, ويمكننا أن نستشف وجه الخلاف الواضح الكبير بين المسرح الغربي ومسرحنا بسبب الشوط الطويل الذي قطعوه في ركب الحضارة.

هل استطاع المسرح العربي تأصيل ظاهرته لينتقل إلى زمن التأسيس الجديد والمغاير بالتجريب ؟ وهل الشرط الحضاري العربي مناسبا لخلق حالات تجريبية عربية ؟

التجريب المسرحي العربي و الشرط الحضاري
سأتناول الجزء الأخير من سؤالك لأهميته, إن كلمة مناسب والتي وردت في كون الشرط الحضاري مناسبا للتحرك والعمل في حيز التجريب, إنها كلمة ضبابية ويمكن أن يطرح السؤال على فنان فرنسي أو ألماني أو هولندي وستكون الإجابة مختلفة حتما, وأقول اجل إن التجريب مناسب وفق المستوى والحالة التي يعيشها وطننا العربي وتجريبنا تجاوز القواعد الثابتة وفق ما متاح له من تجاوزات للتابوات, طالما يكون إدهاش المتلقي غاية مثلى في معمدانه, لذا سيكون التهشيم للتابوات بدا من العزف على نغمات جمالية جديدة وخلق تكوينات لغوية خارجة عن السياق وإقصاء أفكار كانت نائمة في دفة الكتب السمراء وبناء عالم يلحق بالركب الحضاري لهذا العالم.


هل استطاع التجريب في المسرح العربي أن يتخلص من ثقل مجموعة من الأسئلة من قبيل أسئلة: التأصيل، التأسيس العلاقة مع الآخر، الهوية … للانفتاح أكثر على ما هو إبداعي جمالي ؟ أم انه لازال رهبن هذه الأسئلة التي ظلت ملازمة له من البداية حتى الامتداد ؟

التجريب وأسئلة التأصيل والتأسيس والهوية

ولان الفن الأصيل والمسرح بالخصوص معني بإثارة الأسئلة الكونية التي تدفع الإنسان إلى المعرفة واستنطاق الأشياء.
إلا انه ومن الصعب البت أو القول بان التجريب قد تخلص من ثقل الأسئلة المحورية, كالتأسيس والتأصيل, لأننا مازلنا نؤثث عالمنا الفكري محاولين رصد النافع منه منهجا وواقعا, والمسرح العربي لا ينفصل عن الواقع الذي تحمله جموع كبيرة كنعش كبير لتتخلف عن ركب عصر لا ينتظر أحدا, ما اعنيه ليس هنالك شيئا مجزئ كحالة منفردة يمكننا الوقوف عند عتباتها كذات تحمل صفاتها الوراثية ولا مرجعية لها.
إن العلاقة الوشيجة بين المسرح والآخرين لهي أوثق علاقة إبداعية, ولا يقوم أو ينمو هذا الفن دون الآخرين وفي صورته الأولى هو المتلقي ناهيك عن الأوجه والدلالات الأخرى.
إن واقعنا العربي محاط بالخرب بل من بشاعة إلى أبشع لواقع سياسي مزري إذا يقتحمنا الإعلام بالعديد من صور أشلاء إخوتنا وأحبتنا مرمية على الطرقات أو معلقة بحبال مشانقهم وكل هذا العدم ويراد منا أن نؤثث واقعا مسرحيا جماليا, إن مسرحنا يناضل وحاله حال المناضلين في قول كلمته في إرساء نظم جمالية عسى أن نستبدل المشانق بكلمات محبة ونحول الجثث المرمية في الطرقات إلى عروض مسرحية تخاطب الغد والأمل والحياة



هل يكفي الانزياح او التمرد على كل اوفاق الكتابة النصية لامتلاك شرعية الانتساب الى مشروع التجريب ؟ وهل مجرد رفع شعار التجريب أو تبني اسئلته يؤهلان النص المسرحي لامتلاك القدرة على التحديث والتجريب ؟

التجريب هو الفهم العميق لكينونة العالم

التجريب في معناه الأولي, موقف ولا اعني به موقفا سياسيا أو دينيا, بل هو موقف إنساني جمالي منطلق من الفهم العميق لكينونة العالم, ويقينا ليس مجرد التصريح من الكاتب بأنه كتب أو سيكتب نصا تجريبا هذا يعني انه ولج هذا العالم أو حاول التمرد على سلطته السياسة والدينية والمؤسساتية فهو تجريبي.
الأمر هكذا بالفعل وأكثر بكثير, أن يكون المجرب حاملا مشعلا يمكنه أن ينير به الدروب بعد أن يعزم على تهشيم المصابيح المنطفئة القديمة وان يحمل بين جنباته الصورة المثلى لعالم جديد مدخله الجمال بكل صوره, بعد أن يرمي الصور القديمة في العالم الذي لا رجعة فيه.
يجب أن يكون المجرب ممتلئ بحزن العالم وفرحه وصمت العالم وصراخه, المجرب فيلسوف عصره وباني قصورا ليست لها مثيلا على الأرض من قبل.

ماهي الاختيارات الجمالية التي راهنت عليها النصوص المسرحية العربية التجربية ؟ وهل تحمل هذه النصوص وعيـا نظريا وجماليا بالتجريب ؟

الكتابة النصية وسؤال الوعي الجمالي بالتجريب

إن الواقع العربي وإرهاصات المجتمع الذي يحاول البناء كغيره, مقابل من يمسك معوله الدائم, لهو مؤهلا لان يفرز صورا تجريبية على مستوى الفكرة والبناء السردي لحوار الشخصيات وبالتالي ينتج هذا شخوصا غير عادين وغير مرتبطين بضرورة الحكاية والية كتابتها والالتزام بنقطة بدايتها ونهايتها, وفي نهاية الأمر ينتج هذا عرضا تجريبيا منطلقا من الفكرة الجديدة والشخصية الغرائبية المتمردة على ما هو مألوف وسكن من اللفظ والطروحات الفكرية الجديدة.
ويقينا إنها تحمل وعيا نظريا وبعدا جماليا مقرونا بالمرحلة والمكان التي تنطلق منه وقوة وضعف الرقيب الذي يهيمن ويفسد كل جديد.

هل هناك تراكم حقيقي حققه المسرح العربي حتى تصير قضية التجريب موضوعا للقراءة والمكاشفة والنقد ؟

التجريب في المسرح العربي حاضر نصا ونقدا

مشكلنا كعرب هي إننا لا نحترم منجزنا وقليل هم الذين يقفون متأملين بعض ما تقدمه العقلية الإبداعية هنا أو هناك, ولو لا مجلة مسرحيون التي اشرف عليها لقلت لك: ليس لدينا تراكم أو نتاج إبداعي, ولكن ما يرد إلى المجلة من نصوص إبداعية في حيز التجريب المسرحي وطروحات نقدية ودراسات معمقة في المجال نفسه مما عزز في نفسي القول والتأكيد, بأننا نمتلك الناصية التي تمكننا من البوح في وجود التجريب في مسرحنا العربي نصا ونقدا اشكالويا.
ولا يعني هذا غير الوقفة المتأنية من قبل الشرفاء أصحاب الكلمة الصادقة, أمام مبدعيهم المسرحيين وعلى اقل تقدير في بلدانهم بعيدا عن الفعل المؤسساتي والحكومي, وأنا على ثقة تامة ستزخر مكتباتنا المسرحية بالكتب النفيسة التي أثثت وستاثث إلى مستقبل أفضل لجيل مسرحي يعرف أين يقف على اقل تقدير.

كيف قرأ وتلقى النقد المسرحي دينامية التجريب في المسرحي العربي ؟ وكيف تقصى حقائقه وأهدافه ومراميه وتطلعاته؟ وما أبعاد هذه القراءة وخلفياتها ومرجعياتها ؟ وهل استطاع أن يواكب التغير الذي حدث ويحدث ، وان يغير أدواته ومناهجه التي ظل يقرأ بها الممارسة المسرحية العربية في تراكماتها، وذلك بخلق أدوات ومناهج جديدة قادرة على استيعاب خصوصية المرحلة ورهاناتها الكبرى ؟

النقد وسؤال التجريب

ما زل النقد لم يقدم ما يجب تقديمه من طروحات وافية بالنسبة للتجريب في مسرحنا العربي, لقد حاول بعض النقاد كتابة كتاب عن التجريب أو مقالا نقديا خجولا يمر مر الكرام على فهم هذا التمرد, الثورة, استكشاف التراث وهدم الساكن الراكد منه, ولان وجها من وجوه التجريب هو تجاوز الراكد من العقائد والمفاهيم والنظم البالية والانفتاح على ثقافة وتقاليد الآخر, لذا فقد يخشى الكثير من الدخول إلى هذا المضمار, خشية من السلطة والتي هي الوجه المضاد للتجريب.

هل يمكن القول الآن انه عندنا مسرح تجريبي عربي يحمل كل خصوصيات التفرد والتميز ؟

في الإجابات السابقة يمكننا أن نستشف الإجابة على هذا السؤال وخصوصا السؤال الثامن حيث قلت: اجل تتوفر لدينا كل مقومات المسرح التجريبي ولدينا مبدعين كبار في كافة الفنون المسرحية, إلا إنهم يحتاجون إلى من يسلط الضوء على منجزاتهم .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561312   Visitors since 7-9-2002