المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع محمد سعيد الريحاني

  
خلود الفلاح
  

- الكاتب، في رأي جان جونيه، يكتب ليغير العالم. هل تتفق مع هذا الرأي؟ وهل تعتبر القارئ شريكا للكاتب بمعنى أن هناك دائما قارئا افتراضيا نكتب له؟ ومن هو القارئ الذي تستدعيه أثناء عملية الكتابة؟

* كل إنتاج ثقافي هو إنتاج "تَغْيِيرِي" بالضرورة. فالعلم "يُغَيَِرُ" الوسائل والأدوات المادية خدمة لراحة وصحة الإنسان وغالبا ما يؤدي به دلك إلى "تغيير" حقائق كانت قبل دلك اليوم مسلمات لا تقبل بالجدل، والفلسفة "تُغَيَِرُ" وتؤطر أشكال تفكيرنا وتحليلنا لقضايانا، والفن "يُغَيَِرُ" وينمي أشكال تذوقنا للحياة...
"التغيير" كفعل هو قانون شامل ترافقه في دلك واجهة تحققه على أرض الواقع: "التغَيَُر". إن "التغيير" هو حركة التاريخ. ولأنه كدلك، فقد ارتبط دخول التاريخ بالالتزام بمبدأ "التغيير" وإن اختلفت المناهج المتفرعة عنه. ولأن الكاتب هو فاعل تاريخي، فقد كان بديهيا أن يرتبط فعله المكتوب بمبدأ "التغيير". لكن "التغيير"، في الفن عموما والأدب خصوصا، تتجاذبه مدرستان كبيرتان: المدرسة الأولى هي مدرسة "تغيير" العالم ليصبح أجمل مما كان وهو "تغيير" مُنْصَبٌَ على "الشكل"؛ أما المدرسة الثانية فهي مدرسة "تغيير" العالم ليصبح حقيقيا وهو "تغيير" مُنْصَبٌَ على "المضمون". أما أنا فمنشغل للغاية بتوحيد الشكل والمضمون، والتعبير بالشكل السردي الأنسب للمضمون المحكي.
إذا كان أفق الكاتب هو أن يصبح فاعلا تاريخيا، فالأجدر به أن يبدأ بالتجذر في محلية تربته وفهم دواخلها وأشكال دوران الحياة فيها وليس بالتمادي على قطف الثمار السهلة المتدلية على أغصان أشجار مجاورة لم يساهم في سقيها وشذبها والعناية بها. إن أزمة الإبداع العربي تبدأ بغياب نظرية أدبية عربية أصيلة وتنتهي ب"التسيب" الشامل الذي يفتح المجال أمام كل "متمدرس" بأن يقدم نفسه كمثقف أو كمبدع.
وتأسيسا على دلك، فانشغالي بتوحيد الشكل والمضمون نابع من "السكيزوفرينيا" الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمعات العربية. فالمزارع التابعة لِكُبْرَيَاتِ المؤسسات الفلاحية المفترض أن تعزز الأمن الغذائي الداخلي تصدر منتوجاتها الفلاحية المعروفة بالجودة للخارج بينما تحتفظ بالسوق الداخلي كسوق احتياطي واق من الخسائر يستوعب المرجوعات الفلاحية من الأسواق الخارجية؛ والانتخابات السياسية المفترض أن تكون أداة ديمقراطية لترسيخ الديمقراطية ليست أكثر من واجهة مغشوشة للإيقاع بالرساميل الأجنبية في فخاخ الاستثمار والتمويل وإعادة جدولة الديون؛ والتهافت على احتلال المواقع في المؤسسات والمنابر الثقافية المفترض أن يحركه دافع خدمة الثقافة والمثقفين ليس أكثر من فرصة للحصول على راتب إضافي أو فرصة للانتقام من الخصوم من خلال احتلال موقع أعلى... لكل هده الأسباب، اشتغل حاليا على "توحيد" الشكل والمضمون ب"مصالحتهما" بحيث يتوحد معها القول والفعل، الوظيفة والأداء...
هكذا أقرأ التاريخ كفعل تغييري يساهم فيه المبدع بإنتاج إبداعي "صِحَِي" متصالح مع شكله ومنسجم مع مضمونه خال من كل أشكال "الفصام" و"السكيزوفرينيا" و"ازدواجية الشخصية". إدا كانت الثقافة هي ضمير المجتمع، فإن الإبداع هو مخيلة الأمة ولا مستقبل لأمة مزدوجة الضمير و مزدوجة المخيلة و مزدوجة الإحساس و مزدوجة السلوك ومزدوجة المواقف...
وإذا كنت أقضي وقتا أطول في التأسيس لمشروع سردي يميز أعمالي الإبداعية، فلأنني أضع نصب عيني صورة قارئ مفترض غير راض على الإنتاج الثقافي الحالي... فكلنا ننتصر للحرية، ولكن "الهدف" يسبق "الحرية" ويسبق "الفعل". ف"الهدف" يحدد ل "الحرية" سياقها ومسارها ويكسبها الشرعية.. الكتابة تبقى حرة بالضرورة ولكن بدون هدف، أي نظرية أدبية، أعتقد أن الأدب لن يكون مقنعا (حين يتعلق الأمر بالأدب المعرفي) ولا بإمكانه ان يكون ممتعا (حين يتعلق الأمر بالأدب الجمالي) لعموم القراء على مر العصور، لا القراء المفترضين ولا القراء الواقعيين.


- متى تختلف مع نصك؟ وما الذي على نصك أن يقوله وأن يسمعه؟

* خلال الكتابة، أشعر بنوع من التوحد مع النص المكتوب لدرجة يصعب فيها التمييز بين من يكتب من. لكن فور الانتهاء من الكتابة تتباعد المسافة بيني وبين المادة المكتوبة. آنذاك، يبدأ خلافي مع نصي لأنني أصبحت أراه من منظور جديد مختلف وعلاقتي به صارت تحكمها الموضوعي وليست الذاتية. وقد يقودني خلافي معه إلى التريث في نشره أحيانا لمدة خمسة عشر عاما كما حدث لي مع نص "عاشق" أو عشر سنوات كما حدث لي مع نص "الفرجة والضباب والمشروع" أو "في انتظار الصباح" أو ثمان سنوات كما حدث لي مع نص "الحياة بملامح مجرم"... فليس كل ما كُتِبَ هو صالح للنشر والقراءة والتداول. إن الأمر يتعلق بالمساهمة في صناعة ذوق جمالي لأجيال القراء وليس بالحضور اليومي على صفحات الجرائد وغير الجرائد... فالنصوص الحقيقية الصالحة للنشر عليها أن تكون حرة وتعبر بحرية وتتواصل بحرية مع قارئ حر.

- النصوص لا تعكس العالم فحسب بل هي تعكس، في نفس الوقت، رغبات كتابها. في رأيك، هل يعول الكاتب اليوم على التقاء هذه الرغبات مع رغبات المتلقي أكثر من إنتاج عالم موجود بطريقة مختلفة؟

* تاريخ الفنون تاريخ واحد. وما حدث للفنون التشكيلية عبر العصور حدث لباقي الفنون الأخرى ومنها الأدب. فقد عرفت اللوحة التشكيلية تطورا من نقل الواقع الخارجي إلى نقل الأفكار الداخلية. فقد كانت اللوحة التشكيلية منذ العصور القديمة تحكي "قصة" عن حدث ما يضم فضاء وشخوصا ومركز اهتمام؛ ثم تقلص مجال اللوحة في عصر النهضة ليركز بشكل شبه حصري على الإنسان أكثر من سواه فنشط فن "البورتريهات" كما عرف به ليوناردو دا فينشي وميكائيل أنجيلو؛ ثم بدأت اللوحة مع المدرسة الانطباعية تدخل تدريجيا إلى "ذات" الفنان لترسم انطباعاته عن الموضوع المرسوم وليس الموضوع القائم على أرض الواقع ومن هؤلاء فينسنت فان غوخ وصديقه بول غوغان؛ ثم غرقت اللوحة تماما في ذات الفنان مع الإسباني بابلو بيكاسو الذي كان يقول بأنه لا يرسم غير أفكاره...
وعلى خطى التطور الذي عرفته اللوحة التشكيلية، سارت باقي الفنون من مسرح وسينما وموسيقى وشعر وتطورت من نقل الواقع الخارجي القائم إلى خلق واقع داخلي ذاتي. إنه تحول من الحقيقة المطلقة إلى الحقيقة النسبية، من سلبية الإنسان إزاء واقعه إلى تحرير الإنسان وتحرير حواسه وانطباعاته وأفكاره...



- هل من الممكن أن تنشأ حميمية بينك وبين شخصياتك القصصية؟

* نص "افتح، يا سمسم !" المكتوب سنة 1991كان أول نصوصي القصصية القصيرة باللغة العربية بعدما لفظتنا الجامعية إلى واقع البطالة باسم "التخرج". وقد كتب النص بتقنية التداعي الحر المميز للأحلام والخواطر الحرة. وككل نص أول، عرضته على جلسائي في المقهى للقراءة وسماع الآراء. وقد أعجب به أحدهم أيما إعجاب وطلب مني السماح له بأخذ النص للبيت لإعادة قراءته. لكنه أضاع النسخة الأصلية من النص في أسبوعه الأول. لذلك، كان علي، بعد ثلاث سنوات، إعادة كتابة النص من وحي الذاكرة وبنفس العنوان وإرساله إلى ملحق » بيان اليوم الثقافي«، أحد الملاحق الثقافية الرائدة آنذاك. لكنني لم أقرأ النص منشورا على صفحات الملحق. وبعد ثلاث سنوات أخرى، أعدت كتابة النص مرة ثالثة (سنة 1997) بعنوان جديد، "أحلام الظهيرة"، لكنني لم أقرأه منشورا. وبينما كنت أستعد لتحرير النسخة الرابعة من النص سنة2000، أي بعد عشر سنوات من المسودة الأولى، جاءت المفاجأة السارة: فقد زارني أحد أصدقاء الطفولة وأخبرني بإعجابه بكتاباتي القصصية ومن ضمنها نص "افتح، يا سمسم !" في نسختها الثانية المنشورة سنة 1994 ضمن مواد ملحق فاتني من » بيان اليوم الثقافي « ونص " أحلام الظهيرة" المنشور سنة 2000. وقد كانت زيارة استثنائية صالحتني مع طفولتي في شخص الصديق الزائر كما صالحتني مع بداياتي الأولى مع جنس أدبي أعشقه وهو القصة القصيرة ومع قصص أخرى لإصرار نصوص كتاب آخرين على الحياة كقصة رواية "تحت البركان" Under The Volcano التي أعاد تحريرها كاتبها مالكوم لاوري Malcolm Lowry ثمان مرات بعد كل مرة تعرضت فيها الرواية للضياع أو الحرق أو السرقة...
وإذا كانت الحميمية مع النص الأول ظاهرة في هذا الإصرار على عدم الاستسلام لسرقته أو ضياعه أو نسيانه، فإن عدوى الحميمية تنتقل تدريجيا لتشمل باقي مكونات النص ومن ضمنها الشخوص (Characters). ولذلك، أعترف بأنني بدأت مشواري الإبداعي بتدوين أحلامي وسردها إما خامة أو في شكل قصصي تخييلي مُعَدََلٍ ولا زلت مواظبا على ذلك؛ كما أعترف بأن الكاتب، مثل الممثل الذي لا يمكنه تمثيل غير نفسه أمام الكاميرات، فهو لا يكتب إلا عما تربطه به علاقات خاصة من تيمات وفضاءات وأزمنة وشخوص؛ وأعترف أيضا بأنني أرتاح كثيرا لطريقة السرد بضمير المتكلم، رغم أنها ليست سمة نمطية لنصوصي، لكونها تتيح ذلك "الحلول" بمفهومه الصوفي في الشخصية القصصية، "حلول" الكاتب في الشخصية عند الكتابة ثم "حلول" القارئ في الشخصية عند القراءة. وهدا النوع من "الحلول" هو أسمى أشكال الحميمية التي تنشأ بين الكاتب وشخوصه.


- يقول أحد المتخصصين الفرنسيين في مجال الترجمة أن "القرن العشرين هو أروع عصر للترجمة". إلى أي حد يسهم المترجم في صياغة مفهوم العالم الواحد؟

* نشدان السلام في العالم يقتضي العمل الدؤوب على التقريب بين الشعوب والثقافات واللغات، والترجمة فاعل رئيسي في هذا المجال إذ يمكنها المساهمة في إحلال التقارب والسلام بثلاثة أشكال هامة...
أولا، الترجمة تساهم في تقارب الثقافات وحوارها وتواصلها كما تساهم في دحر التفكير الإقليمي والعرقي المشبع بالتفوق على الآخرين محتكرا المركز ودافعا الآخرين للأطراف. وعليه، فالترجمة، خاصة ترجمة الآداب، بإمكانها أن تجعل من كل الآداب واللغات روافد للأدب واللغة الإنسانيتين تماما كما تجاهد اللسانيات، على الجبهة الأخرى، في سبيل توحيد القواعد اللسانية للغات الإنسانية...
ثانيا، يمكن للترجمة أن تكون مرآة للذات في لغات الآخرين. فالشاعر والفيلسوف الألماني المعروف وولفغانغ غوته مبدع "فاوست" فاجأته النسخة الانجليزية من عمله بقراءات كان قد أغفلها هو نفسه حتى ترجمت إلى لغة أخرى.
ثالثا، الترجمة توصل العمل إلى اللغات الحية لتحيا بها وفيها. إنها عملية إنقاذ ثقافي. وهده مسؤولية كل المثقفين حسب تخصصهم واهتمامهم. فمن غير المقبول أن يقدم مثقف في القرن الواحد والعشرين نفسه كناطق بلغة واحدة ويتراجع للخلف عازفا عن المساهمة في إنقاذ الأعمال الأدبية التي يراها مهددة بالزوال والفناء كما يرى الفيضانات تجرف الأحياء دون بدل جهد في انقاد أحد منهم...
والقرن الواحد والعشرين، الذي يبقى قرن التقنية بامتياز، يدعم الترجمة بلا حدود من خلال توفير التقارب التواصلي عبر الإنترنت أو سهولة تداول برامج الترجمة الفورية، على علاتها، والتي تفيد بشكل مقبول أو متوسط في مجال العلوم والتقنية دون المجالات الأدبية التي تحتاج بالضرورة إلى "إنسان مترجم"، فضلا عن تنافس الدول في الترجمة للأمم الأخرى لدوافع شتى...


- "أنطولوجيا الحلم المغربي" و"أنطولوجيا الحب" و"أنطولوجيا الحرية" المندرج تحت مشروعك " الحاءات الثلاث" حدثني عن هذا المشروع. وهل يمكن لمثل هذه المشاريع أن تؤسس لمدارس جديدة في مجال جنس أدبي معين؟

* في كل ثقافة، يمر الإبداع الأدبي بأربع مراحل.
المرحلة الأولى هي مرحلة نمطية الشكل ونمطية المضمون وتتميز بانضباط النص لقواعد فنية جاهزة ومضامين محددة ومتعارف عليها: قصص الوعظ والإرشاد...
المرحلة الثانية، مرحلة نمطية الشكل مقابل تحرر المضمون، تتميز بلزوم النص قواعد فنية جاهزة مع هامش يسمح بابتكار مضامين جديد. وهده هي مرحلة الكلاسيكية في كل أدب في أي ثقافة.
المرحلة الثالثة هي مرحلة تحرر الشكل ونمطية المضمون. وهده المرحلة هي مرحلة بداية نشوء المدارس الأدبية الكبرى المعروفة المتمردة على الكلاسيكية والتقعيد في الكتابة. وتتميز هده المرحلة بتجميد المضمون ليتحرر الشكل. ولتجميد المضمون، يتم الاتفاق على مضمون واحد كان عند الرومانسيين هو البكائية وعند الواقعيين هو البؤس والجشع وعند السرياليين هو الحلم والخرافة... وبتجمد المضمون، يتحرر الشكل ويحتكر اهتمام الكتابة والقراءة والنقد...
أما المرحلة الرابعة، مرحلة تحرير الشكل وتحرير المضمون، فتبقى مرحلة تحرير الشكل والمضمون معا وهي خاتمة المراحل ما دام هدفها هو سعادة النص أو انسجام النص مع ذاته أو تصالح شكل النص مع مضمونه.
ومشروع "الحاءات الثلاث" يشتغل على المرحلة الرابعة، مرحلة تحرير الشكل المضمون معا. وقد بدأنا بإخراج أزمة المضمون الإبداعي العربي إلى السطح: أزمة الحلم والحرية والحب في الإنتاج السردي العربي ... فالمرحوم القاص والروائي والمسرحي المغربي محمد شكري لم يحلم ولو مرة في كل أعماله السردية والمسرحية فقد كان أسير الواقع رغم كل الضجة التي أثارتها أعماله. والحب في السرد العربي تتناوله النساء بكل حرية بضمير المتكلم لكن المبدعين الرجال يقاربونه بضمير الغائب ربما للتبرَُؤ منه!!! أما الحرية، فقد كنت أعلم علم اليقين بالأزمة الحقيقية التي سأواجهها خلال إعدادي للجزء الثالث من "الحاءات الثلاث" الخاص ب"أنطولوجيا الحرية" ولذلك أخرته إلى حين نجاحي في إعداد الجزأين الأولين. فالكثير من الكاتبات والكتاب راسلونا وأعربوا عن رغبتهم في الانتماء للخمسين قاصا مغربيا والمشاركة في الجزء الخاص بالحرية لكن أغلبهم انسحب لصعوبة الكتابة في موضوع الحرية... إنها الحقيقة جلية: فالكاتب العربي لا يخوض في هده المواضيع الثلاث، "الحاءات الثلاث".
إن تحرير المضمون يمر عبر بوابة الاستمتاع ب"الحاءات الثلاث"، ويليه بعد ذلك تحرير الشكل في أفق تسهيل "زواج الأحرار" ومصالحة الشكل الحر بالمضمون الحر.
إن "الحاءات الثلاث" هي ثلاثة أبعاد لقيمة واحدة: "أن يكون المرء نفسه"على أرض الواقع ويقابله إبداعيا "أن يكون النص نفسه". إن الأمر يتعلق بمفاتيح المصالحة مع الذات: إنه لأمر مستحيل أن يكون المرء حرا وهو لم يحلم في يوم من الأيام بالحرية ولم يعشق الانطلاق؛ وإنه لمن غير ممكن أن يحب المرء دون أن يكون حالما في هيامه وحرا في تجربته الغرامية؛ وإنه لمن المستبعد أن يحلم المرء دون أن يكون حرا في أحلامه وعاشقا لتأويلاته لها... الحلم والحب والحرية ليست سوى ثلاثة أسماء لمسمى واحد"أن يكون المرء نفسه". وإذا ما تعلق الآمر بالإبداع، "أن يكون النص نفسه".
أما عن إمكانية مثل هذه المشاريع التأسيس لمدارس جديدة في مجال جنس أدبي معين، فأعتقد أن المدارس في التقاليد الأدبية لا تدشن كما يدشن المسؤولون الإداريون المشاريع العمومية بالطقوس المعروفة والمعروضة يوميا على التلفزات الرسمية العربية. المدارس تبدأ دوما بالعمل الفردي التطوعي الجاد والحقيقي الذي يبشر بالحلم والحب والحرية وينير الطريق ويعطي المثال وينحت بدلك "قطبا جاذبا" أفقه تطوير العمل الدي بدا فرديا ليصبح مؤسسيا، ويصير مدرسة قائمة.
وعليه، فإن المشروع وإن بدا مغربيا فإنه سيتوسع عربيا بالضرورة لأن الأمر لا يهم المغاربة لوحدهم بل يهم كل من يفكر باللغة العربية. إن الأمر يتعلق بانتفاضة ثقافية. ولدلك فالنصوص الخمسين المشاركة في الأجزاء الثلاثة ليست أسرى اختيار عابر إنها نماذج مرجعية للقصة الغدوية لكننا نعتمد وسنعتمد على كل الفاعلات والفاعلين في كل البلاد العربية لإغناء النقاش وإذكائه والترويج للمشروع والتعريف به...


- الذي اعرفه عنك أثناء الكتابة القصصية انك تنطلق من النهاية كبداية اقصد تبدأ بعنوان المجموعة ثم العناوين الفرعية ثم تخرج النصوص إلى السطح. هل أنت بذلك تسعى لتكسير المعتاد؟

* اعترف بأنني أكتب بشكل "مختلف" عن أشكال الكتابة المتداولة حاليا. فأنا لا أكتب ب"النصوص القصصية الفردية المتفرقة" ثم أجمع نصوصي مع تقدم العمر في مجموعة قصصية. فأنا أكتب ب"المجموعة القصصية" وهو شكل "معكوس" تماما يبدأ من الكل (المجموعة القصصية) ويتدرج نحو الجزء (النص القصصي وتقنياته السردية). أفكر، أولا، في عنوان للمجموعة القصصية وهو العنوان الذي يصبح مباشرة تيمة محورية تجتمع حولها كل عناوين النصوص التي تتناسل داخل حقل مبحث واحد كان في مجموعتي القصصية الأولى"في انتظار الصباح " (2003) هو "الانتظار والفراغ والقلق الوجودي"، وفي مجموعتي القصصية الثانية "هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر" (2005) كان هو "العودة إلى البراءة"، وفي مجموعتي القصصية الثالثة "موسم الهجرة إلى أي مكان" (2006) كان هو "خِيَارُ الهجرة وعنف التهجير"، ولدي ثلاث مجاميع قصصية تنتظر الخروج للنور: الأولى عنوانها "وراء كل عظيم أقزام" و تيمتها المحورية هي "العلاقة بين الانبطاح والاستبداد"؛ والثانية "مَوْتُ المؤلف" و تيمتها المحورية هي "النهاية والموت والخلاص"؛ أما المجموعة القصصية الثالثة فعنوانها "كما ولدتني أمي" وتيمتها المحورية واضحة من عنوانها وُضُوحَ الشمس في "بنغازي"...
وأود، بالمناسبة، أن أؤكد لعموم المبدعين في مجال القصة القصيرة أن "الكتابة بالمجموعة القصصية" هي أسهل الطرق في الكتابة القصصية وأنجعها على الإطلاق رغم التخوف الذي يبديه الكثير من الكتاب من الأمر؛ كما أن "الكتابة بالمجموعة القصصية"، أي الكتابة من الختام كما تفضلتِ، تعين على التركيز والتحكم في النص والإمساك بخيوطه بنجاعة ودعم التفكير النسقي وتعقلن الكتابة وتسرع الانتاج وتجعل الكاتب يختار نصوصه عوض أن تختاره هي...
حاليا، أفكر في التفرغ للترويج لهده التجربة ولتعميمها إن بين الكتاب المتمرسين أو بين ناشئة الكتابة القصصية ما دمت متحمسا لكي تصبح هده الطريقة في الكتابة القصصية خاصية تميز القصة العربية القصيرة عن مثيلاتها في باقي مناطق العالم لكونها تردم الهوة بين الرواية والقصة القصيرة.


- هل من حقيقة يبحث عنها نصك القصصي ؟

* ما تراه العين هو "البداهة" ما دام لم يسبقه إخبار أو توجيه. لكن ما تراه العين بعد إخبار أو إرشاد أو تكوين يصبح "حقيقة". إن الفرق بين "البداهة" و"الحقيقة" يكمن في التمثلات أو التصويبات الثقافية أو التدقيقات المعرفية التي تسبق حضور العين وتوجه أسلوب اشتغالها. وعليه تصبح "الحقيقة" واقعا نسبيا يتغير بتغير التمثلات والأفكار المسبقة.
لكن رغم نسبيتها، تبقى الحقيقة مجال بحث خاص بالفلسفة بينما يبقى الجَمَالُ مجالا خاصا بالفن. أما أنا فأبحث عن الحقيقة الجميلة أو الحقيقة الممتعة. إن مجال اشتغالي الولوع بالشكل الفني لا يغفل الاحتفاء الواجب بالمضمون. فالأدب لا يمكنه، في يوم من الأيام، أن يصبح سمفونية خالصة بلا مضمون. ولا في إمكان الأدب أن يصبح ائتلافا لونيا خالصا بلا مضمون. كما أن الأدب لا يمكنه تعويض الفلسفة أو الصحافة بإلغاء الشكل والتركيز حصريا على المضمون.
إن الحقيقة التي يبحث عنها الإنسان في حياته هي عين الحقيقة التي يبحث عنها النص الأدبي: "أن يكون ذاته". تصالح الإنسان مع ذاته يفتح له أبواب السعادة؛ وبالمثل فمصالحة الشكل والمضمون داخل النص الواحد تكسب هدا النص قيمة أدبية يتلهف القارئ للاستمتاع بها.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057145   Visitors since 7-9-2002