المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

دوريس ليسينغ:على الكتاب أن يضعوا أصابعهم على مواطن جروح زماننا

  
ترجمة: خالد المصري*
  

هذه مقابلة مع دوريس ليسينغ الحائزة على جائزة نوبل لعام 2007 أجرتها معها مارغريت فون شوارزكوف ونشرت في «دي فلت» في مايو من عام ١٩٨١. وقد أعيد نشرها في كتاب بالانجليزية جمع العديد من الحوارات مع الكاتبة بعنوان: دوريس ليسينغ: حوارات. وعلى الرغم من بُعد هذه المقابلة في الزمان، إلا أنها تلقي ضوءا طال انحساره في المصادر العربية عن كاتبة فريدة، عميقة الثقافة، غزيرة الانتاج، وهي في أوج عطائها، كاشفا عما تبنّته من آراء فكرية وأدبية في لحظة زمانية خصبة تميزت بروح نقدية صادقة لا تخلو من التشكيك والتدقيق والمراجعة للمسلمات الأدبية والثقافية في فترة السبعينيات وخصوصا تلك المتعلقة بالحركة النسوية في الغرب وانعطافاتها الفكرية والسياسية. خ. م.

شوارزكوف: ليسينغ، أنتِ امرأة انجليزية واسمك الأخير اسم ألماني شهير. من أين جاءك الاسم؟

ليسينغ: كان زواجي الثاني من مهاجر شيوعي ألماني، غوتفريد أنطون نيكولاي ليسينغ، الذي لم يكن، بأي شكل من الأشكال، ذا علاقة قرابة مباشرة بالشاعر الالماني الكبير. بعد طلاقي، احتفظت باسمه تبرّكا أو كفأل حسن لمهنتي ككاتبة، إذا جاز التعبير. بالنسبة لي، يعني حمل هذا الاسم استلهمام شاعر عبقري مثل غوتهولد إفرايم ليسينغ والتناغم مع اسمه في الآن نفسه.

شوارزكوف: في ألمانيا، اشتهرت بواحد فقط من كتبك، وهو «المفكرة الذهبية». ماذا يعني لك هذا العمل الآن؟

ليسينغ: ما يحدثه هذا الكتاب، مرة بعد مرة، من ضجة في كل مكان في العالم يبدو أمرا مثيرا لفضولي. مازلت اتلقّى الرسائل من الذين قرأوه، وبالأخص في ألمانيا والولايات المتحدة. ففي تصدير الطبعة التاسعة لعام ١٩٧١، ناقشت بالتفصيل ما يتعلق بهذه الضجة وحاولت فهم البواعث خلف استمرار هذه الرواية في إثارة العديد من العقول. كان ينبغي لثيماتها التفجيرية أن تفقد علاقتها بالواقع نظرا لحدوث عدد لا يحصى من التغيرات في تلك السنوات التي مضت على ظهور الكتاب. فما كان يعد من المحرمات في عام 1962 لم يعد كذلك اليوم.

ما أدهشني أكثر هو أنَّ أيا من القراء لم يكد يظهر استعدادا للنظر في الكتاب ككل. بعضهم عدَّه تحديا للرجال (وهو على غير هذا النحو)، وبعضهم الآخر يعتقد أنه اعتراف سياسي، بينما عدَّته مجموعة ثالثة على أنَّه يدور حصرا حول التشوش الروحي لبطلتي، أو أناي البديلة، آنا. فمثل هذه الاستجابات تقلقني لأنها تُبيّن، من جهة، المدى الذي يمكن أن يصل إليه ابتعاد نية الكاتبة عن استيعاب القراء. وتبين لي، من جهة أخرى- وهذا أراح بالي مرة أخرى- أنَّ كتابا ما هو شيء حيّ من شأنه أن يحمل العديد من الثمار.

شوارزكوف: هل تستطيعين كتابة مثل هذا الكتاب مرة أخرى، أو هل تستطيعين، على الأقل، الاهتمام بموضوع مشابه؟

ليسينغ: كلا. بداية، وكما أسلفت، الظروف تغيرت. لماذا ينبغي أن يكتب كتاب آخر حول هاتين المرأتين اللتين اتصفتا بالجرأة في ظروف ذلك الوقت، على الرغم من تهورهما في سياق تجربة التحرر؟ وغير ذلك، لا ينبغي للكتاب أن يكرروا أنفسهم أو أن يستثمروا التيمة ذاتها مرتين. العديد من القراء وحتى الناشر، توقعوا مني في الحقيقة أن أكتب «المفكرة الذهبية» مرة بعد مرة. ولكن الكتاب أشبه بالطفل. متى يولد ويقطع الحبل السري، فإنك لا تستطيعين إعادته إلى الرحم مرة أخرى. فالموضوع عتيق.

شوارزكوف: ما هو موقِفك الآن بخصوص الحركة النسوية؟

ليسينغ: بالنسبة لي، هذا موضوع معقد ومؤلم. فقد جلب لي كتاب «المفكرة الذهبية» العديد من النعوت في ذلك الوقت- من المعاديات للرجل وأولئك المبغضين للمرأة. أُسبغ عليّ وصف القديسة جون في مجال حركة تحرير المرأة واتهمني المنادون بالمساواة بين المرأة والرجل بأني مستهترة مُشهرة بالنساء. على أية حال، الكثير من سوء الفهم أحاط بالكتاب. بالطبع، أنا مطالبة بمساواة المرأة، وأعد المرأة مساوية للرجل بصورة حتمية. بيد أني لا أدّعي أبدا أن المرأة والرجل متشابهان. ببساطة هما غير ذلك، جسديا ونفسيا وعقليا، وهذا لا يعني القول إن المرأة أغبى من الرجل. تتمتع بملكات مختلفة. لا يتشابه اثنان في العالم بصورة تامة، فكيف يكون الرجل والمرأة متشابهين؟

ما أتمناه هو حصول المرأة على الاستقلال، بحيث لا تكون عبدة للرجل ولا للمرأة المسترجلة. حاولت في روايتي «الزيجات بين المناطق الثالثة والرابعة والخامسة» أن أخلق امرأة تقترب من هذا النموذج: حرة، ومستقلة، وأما حنونة، إنسانية دون أن تكون عاطفية، وذكية دون أن تكون متعجرفة. وتأكيدا على ذلك، اتخذ الكتاب صفة الرواية الطوباوية وكانت المرأة فيه شخصية مثالية. إذن، لا أضمر أية توهمات حول ما ينبغي أن تكون عليه النساء. فهنَّ لسن أفضل أو أسوأ من غيرهن؛ هن بشر. مجرد أن تكون البطلتان في «المفكرة الذهبية» شرستين وحادتي الطبع قد دفع النسويات (feminists)، في المقام الأول، لمهاجمتي، بسبب قولي إن هاتين الميزتين جزء من تكوينهما الذاتي، وليستا نتيجة اضطهاد طويل الأمد. وإذا وصلت الحركة النسوية إلى المدى الذي لا يمكن عنده انتقاد النساء، ولا يمكن قول الحقيقة، فإنَّ الحركة فاسدة ولا تخدم النساء بصورة حسنة، بل تضر بهنّ. وهذا يعني أنها فارغة من المعنى وخطيرة.

شوارزكوف: هل تقولين إن هناك فرقا كبيرا بين «أدب الرجال» والأدب الذي تكتبه المرأة؟

ليسينغ: المرأة ترى أشياء معينة بصورة مختلفة تماما عن تلك التي يراها بها الرجل، بل ثمة كُتَّاب رجال يدَّعون المقدرة على سبر أغوار وجدان المرأة. ولكن يتعذّر حدوث العكس. إذ لا يمكن للمرأة أبدا النفاذ بصورة تامة إلى وعي الرجل. في مختلف الأحوال والظروف، يمكن للتعددية، بهذه الطريقة وحسب، أن تتجلَّى في الأدب. فعلى سبيل المثال، أظنُّ أنَّ المرأة تتصرف بشكل فطري بصورة أعمق مما عند الرجل، بمعنى أنها تتعامل مع الموضوعات النفسية بصورة فطرية، وليس بشكل علمي.

شوارزكوف: في قراءة لروايتيك «وصف مبتسر لهبوط داخل الجحيم» و«المفكرة الذهبية» ثمة انطباع بيِّن أن نظرتك للتحليل النفسي ليست إيجابية جداً.

ليسينغ: تعرضت للكثير من التوبيخ لكوني معادية علنية للتحليل النفسي. ولكن بلا ريب، وصفي بـ«معادية» ينطوي على مغالاة، فأنا مناهضة للنهج الحالي القائم على الإسراف في التحليل النفسي. هذه النزعة رديئة للغاية في قرن غدا صامتا، تبتدع فيه الكلمات على ما يبدو لإعلان الحرب وليس للتصريح بالمحبة. بكل تأكيد، الإنسانية بحاجة إلى علم النفس، لأنها ببساطة تعاني من القصور في التعبير عن العواطف. وعلى الرغم من ذلك، واصلت مناهضتي لمناهج دراسة الحالة والتي يتم فيها تصنيف البشر ووسمهم بميزات متأصلة. كل شخص عبارة عن فسيفساء عجيبة من آلاف القطع، كل منها متفرِّدة. وإذا كان هذا الوصف شبيها بالكليشيه أو المسلّمة، فمن غير شك أن ثمة حقيقة كامنة خلفه. ولأنَّ السيكولوجيين يهملون مرارا هذه الحقيقة المهمة؛ فإن البشر يجدون لزاما عليهم أن يلفتوا النظر إلى هذه الكليشه أو المسلَّمة مرة بعد أخرى.

شوارزكوف: في اعتقادك، ماهي وظيفة الكتّاب في زماننا؟ وما الذي يستطيعون عمله؟ وما الذي يتحتم عليهم القيام به؟

ليسينغ: ليست هناك أجوبة شافية مجمع عليها لهذه الأسئلة. فهناك المئات من الكتاب، ونحن أفراد متلهفون للحفاظ على حيواتنا الداخلية وعلى أفكارنا. في اعتقادي، من واجب الكتّاب، إذا تعاملوا مع مهنتهم بصورة جادة، أن يضعوا أصابعهم على مواطن جروح زماننا، ولكن هذا ليس كافيا. كل منهم يستطيع إيجاد العيوب في الظروف السائدة ومن السهل أن يغدو مثل هذا العمل صرعة. في رأيي، يتحتَّم على المؤلِّف أن يصبح، بعض الشيء، شبيها بالنبي، يقتفي الخلل قبل أن يغدو ماثلا للعيان، ويفقه الموضوع قبل أن يصبح نزعة سائدة، شاحذا حسه وحواسه لاستشعار أدق ذبذباته.

شوارزكوف: هل من الممكن أو هل يستطيع، أو يتحتَّم على الكتَّاب أن يعبِّروا عن أفكارهم السياسية في أعمالهم؟

ليسينغ: عندما جئت إلى لندن قبل أكثر من ثلاثين سنة برفقة ولدي، وفي محفظة جيبي عشرون جنيها، كان لدي إيمان راسخ مفاده أن كوني كاتبة يعني تغيير العالم. آمنتُ أن من واجبي أن أكون ناشطة سياسية، أن أدخل في حملة مناهضة الظلم، وأن أخوض في موضوعات سياسية، أينما حللت، سواء كنت واقفة أم جالسة. ولكن، ما هي السياسة؟

للتعبير عن ذلك شعريا، السياسة لا تعني خبط أجنحة. فالكاتب محض صوت منعزل في البرية، يسمعه جمع من الناس ويتخطاه معظمهم. فقد احتجت لوقت طويل لكي أدرك أنه ينبغي للكتاب في كتبهم أن يبعدوا أنفسهم عن الخوض في الأسئلة السياسية الحاضرة. إنهم، بذلك، يستنفدون طاقاتهم بحماقة ويحجبون عن أنظارهم تيمات إنسانية عامة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

شوارزكوف: أنتِ نفسكِ كنتِ شيوعية ...

ليسينغ: هذا يفسر بالتحديد السبب وراء تجاسري على التعليق حول الموضوع. بتأثير من زوجي الثاني صرت شيوعية متحمسة. أما العامل الآخر، فقد كان مرده غيظي من الأوضاع في أفريقيا الجنوبية، ولاحقا بسبب تصوراتي حول منطقة العمال في لندن. كانت عملية تحرري بطيئة وموجعة. في سلسلة روايات «مارثا كويست»، وهي، إلى حد بعيد، روايات سيرة ذاتية، أصور تطوري نحو الماركسية ومن ثم ابتعادي عنها، عملية تحرري من الوهم. أدركت لفترة طويلة أن خلاص هذا العالم لا يكمن في أية إديولوجيا سياسية، فكل الإديولوجيات مضلِّلة وتخدم أقلية قليلة وحسب، وليس الناس عموما.

شوارزكوف: إذا جاز لي استعمال هذه الكلمة السائدة الآن، هل أنت «محبطة»؟

ليسينغ: كلا، لقد أصبحت أكثر تعقلا، إن لم أكن متعقلة تماما. فبعودتي للمرة الأولى وأيضا الأخيرة إلى إفريقيا الجنوبية في عام 1955- منذ فراري إلى انجلترا- ألفيت نفسي فجأة مدركة لحقيقة أن تقلباتي السياسية كانت مجانية وغير ضرورية. كتبت حول هذه الاستشفافات في يومياتي حول تلك الرحلة في «العودة إلى الوطن» والتي مثّلت بالنسبة لي التوديع النهائي لشبابي.

شوارزكوف: ما الذي تطمحين إلى تحقيقه وما الذي تستطيع كتبك أن تحققه؟

ليسينغ: إذا كنت صادقة، ومثل هذا الصدق بالطبع يجرح كبريائي فالجواب: ليس كثيرا. ولكن أستطيع تحفيز الناس على التفكير وتسليتهم وجعلهم يعون أشياء ربما لا يتمكنون من مشاهدتها أو سماعها في دوامة الحياة اليومية. فمهنة الكتابة، فوق كل شيء، عملية أخذ ورد. بهذه الطريقة، أجد نفسي أتعلم من قرائي بالمقدار نفسه الذي يتعلمونه مني. وبشيء من الدهشة والخوف، أدرك أن هناك العديد من المشاكل وفي كل مكان. فكثيرا ما يبدو لي هذا وكأني في «قلعة بلوبيرد». في كل مكان ثمة أبواب أستطيع فتحها وخلف كل باب مغلق يجلس شخص ذو روح كسيرة.

شوارزكوف: ما أهمية اللغة بالنسبة لك كوسيلة للتعبير عن الأفكار؟

ليسينغ: لا أحب أن أعبر عن نفسي بأسلوب معقد. ينبغي لأي كتاب أن يكون متاحا لفهم كل شخص. ولهذا السبب، أثمن الأمثال والمجازات والحكايات الأمثولات الرمزية وألجأ إلى أشكال أدبية سهلة ولكن مناسبة جدا لأغراض تفسير أعمق الظواهر روحيا. وعلى الرغم من ذلك، أجد نفسي مجبرة على الاعتقاد أن اللغة تصطدم بشكل متكرر بالحواجز. فعلى سبيل المثال، كيف للإدراكات العميقة أن ترتدي أردية الكلمات على نحو مقنع؟ هناك تظهر اللغة كسيحة بشكل يرثى له، وإدراكي لهذه القضية يجعلني أغرق أحيانا في مأزق إبداعي.

أدركت محدودية اللغة للوهلة الأولى عندما كنت اجتهد في البحث عن كلمات لوصف أحلام الأنا في «المفكرة الذهبية». فكلما كبرت في السن، أصبح مهتمة بصورة أعمق بواقعية الأحلام التي أؤمن أنها مرايا ومنافذ للروح. تستهويني الطريقة التي بها يتم تمثيل الرموز وتعدديّة العالم في الأحلام. فمع نهوضي كل صباح، أقبض على الورقة المسوّدة التي كتبت عليها أحلامي الليلية وأتشبَّث بها. ورغم ذلك، تغدو عملية القبض بالكلمات على عالم الحلم الذي يتشابك فيه الوهم بالحقيقة، والضبابية بالضوء، أمرا في غاية الصعوبة. يمكن بسهولة أكبر تمثيل كل هذه الأشياء في فيلم سينمائي أو الرسم، ولكن في كتاب؟ ولذلك السبب، تنازلت، في هذا الوقت، على الأقل عن مشروع حميم لازمني لفترة طويلة وهو كتابة سيرة ذاتية تننتاول أحلامي في السنوات العشر الأخيرة. على رغم ذلك، سأواصل متابعة هذا المشروع الحلم بهمة. فهذه هوايتي الثالثة بعد اهتمامي بحديقتي وقططي.

شوارزكوف: في «ذكريات باق على قيد الحياة»، يلعب المستقبل دورا في لندن تتبدّى مدمرة تماما، يستوطن فيها البؤس والفقر والرذيلة، في نهاية الرواية ثمة امرأة كبيرة وبنت تخترقان جدارا. هل لهذه الاستعارة علاقة بحياتك الخاصة وبعملك؟

ليسينغ: بالطبع. فبعد الرواية شرعت في إشغال نفسي وبشكل مكثَّف بأفكار خيالية، وانتقلت من عالمنا الراهن إلى عالم عجيب من مجرَّات غريبة. في هذه الفترة، دُشنت حقبة جديدة في مسيرتي ككاتبة.

شوارزكوف: في السنوات الأخيرة كتبت أربع روايات خيال علمي. هل أصبحت كاتبة خيال علمي؟

ليسينغ: لا أصنف هذه الكتب على أنها خيال علمي. لا علاقة لها بـ«العلم»، بمعنى المعرفة العلمية والتكنولوجيا. أترك هذا الأمر لزملائي من الكتاب الذين لديهم معرفة حقيقية بشؤون التكنولوجيا. لدي شكوك في العلوم كما تطبق اليوم، فهذا الحقل متسم بضيق الأفق، ومشغول بالغد وليس بما بعده. كلا، رواياتي تصورات خيالية أو يوتوبيات بأدق ما تحمله الكلمة من معنى، ومن غير شك، ان علاقتها بأعمال أوريل وهكسلي أقل شبها من علاقتها بأعمال توماس مور وأفلاطون. فهي حكايات رمزية مستنبطة مما يجري هذه الأيام. إذن، ما أصوره، مثلا، في الكتاب الثالث من السلسلة «اختبارات السيريين»، عبارة عن تجارب جينية انتقدت ما يسميه العلماء اليوم بالاستنساخ. ولكن على الرغم من تفوقهم المحدد على سكان الأرض روحيا وأخلاقيا، فإن مواطني المجرات البعيدة أخيرا يتساوون معنا مجددا كبشر.

شوارزكوف: في بعض كتبك مثل «ذكريات باق على قيد الحياة» و«شيكستا»، تظهر الأرض مدمرة بالتلوث البيئي والفوضى، والتمرد، وكأنك تتنبئين بمستقبل يعزُّ فيه التفاؤل بكوكبنا. هل أنت متشائمة مما يخبئه المستقبل للإنسانية؟

ليسينغ: لا بد من الاعتراف أنّ رسم الرؤيا النبوئية على الجدار غدا أمرا سائدا على نحو ما. منذ الطفولة وحتى الآن، لم أكن متشائمة، بل ما أراه هو ندرة الفرص، في هذه الأوقات، لأي تفاؤل كبير. فأينما تنظرين، ستجدين الحماقة والفوضى. ولكن لعلّ هناك فرصة ضئيلة لقيادة السفينة بمنأى عن سلاسل الصخور. لا بد أن نبدأ بتعليم الصغار أن يتقبّلوا ذواتهم على أنهم أفراد متكاملون، بصرف النظر عن جماعاتهم أو أعراقهم. فقط البشر الواثقون بأنفسهم والذين لا يشعرون بالدونية يستطيعون مناقشة القضايا والتحاور على أساس من التكافؤ. هذه هي الخطوة الأولى للتقليل من العدوانية والكراهية.

فيما يتعلق بالساسة، فلا أدعي، مثل أفلاطون، أنه ينبغي أن يحكمنا الفلاسفة. يجب على ساستنا أن يكونوا بشرا يتحلّون نوعا ما ببعد نظر أطول مما هم عليه الآن، بشرا يفقهون ويحترمون إخوانهم البشر. الأمل وليس غير الأمل، هذا ما يتبدّى لي الآن. ولكن، مادام أن الأوان لم يفت بعد، فإنني لن أتخلى عن الأمل في أن الحياة على الأرض ستدوم لفترة من الزمن.

شوارزكوف: يبدو أننا نادرا ما نجد موضوعات لم يتطرق لها كاتب هنا أو هناك. هل ثمة موضوعات غير مطروقة؟

ليسينغ: لسوء الحظ، هناك القليل من الموضوعات المستساغة والمحببة إلى النفس. أنا شخصيا مهتمة بالنمو المتسارع للبطالة بين الشباب. فمجرد التفكير بعواقبها أمر مريع تماما. ماذا سيحدث، على سبيل المثال، لو توحَّد مثلُ هؤلاء العاطلين من العمل والتائهين في عصبة واحدة؟ لنأخذ، على سبيل المثال، تجربة ما قبل الولادة. فهل يُطبع الجنين في الرحم بأحداث ومشاعر خاصة؟ هل تنتقل بهجة الأم أو قلقها إلى جنينها؟ أنا متأكدة أنه يمكن للصغار أن يتشكلوا ويقعوا تحت أي تأثير قبل مجيئهم إلى العالم.

وإلى جانب انهماكي بمشروع بحثي في الأحلام، أكرس كثيرا من الوقت للتأمل بعمق في مثل هذه القضايا. لا أعرف إن كان سيتمخّض عن هذا كله كتاب ما.

* أكاديمي بجامعتي هارفرد، كامبردج

مجلة نزوى
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057112   Visitors since 7-9-2002