المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

7 كتب في الفن - من الشفاهي الى التدوين

  
عادل كامل
  













إشارة:

مادام التمييز بين مفهوم التقدم/ التطور، من ناحية، والتدهور/ الارتداد، من ناحية ثانية، خلال الألف وخمسمائة عام الماضية، شاخصة في الذاكرة، لكنها لم تقدر على محو عمل الموروثات الأقدم، خاصة في بيئات مكثت خاضعة للاقتصاد البري ـ البدائي ـ رغم نشوء مدن عربية كبرى، مثل: مكة، دمشق، الكوفة، البصرة، بغداد، القاهرة .. الخ، فان عوامل الانتقال من الصوت إلى الصورة، ومن ألشفاهي إلى الكتابة، هي الأخرى، لم تؤثر كثيرا ً في إرساء قوانين التقدم/ التطور، إزاء حقب الدوران والتراجع، وكأن حقائق التراكم ـ ومجموع الخبرات والثروات ـ قبض ريح!
وبإمكان المتلقي، المتابع، اليوم، أن يعيد قراءة حقيقة أن العرب، قبل الإسلام، دونوا/ نسجوا، المعلقات الشعرية بالذهب، بوصفها أقدم علامة عززت مكانتها بماضيها، وعملت على تترك المستقبل مفتوحا ً...، لأن الانتقال من الإشارة إلى النقش، ومن الصوت إلى الحرف، له دلالة العبور من حقبة الرعي/ الفضاء المفتوح، إلى المدينة، الاستقرار، ومن التشتت إلى المركز/ التحضر ـ والحضارة. ولكن ـ بعد قرون ـ وخلال العقود الأخيرة، فان ظاهرة (الصوت/ والشفاهي/ حد الخطابات التحريضية) في الشوارع، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، والفضائيات الأخذة بالزيادة بحسب خارطة الفوضى، والعشوائيات ..الخ، أعادتنا إلى عصر ما قبل المعلقات، حيث النص المدوّن، المعد للقراءة، بات خارج مجاله في عمليات البناء، إن كان تقدميا ً، أو مطالبا ً بالعودة إلى الأصول: أي إلى ما قبل عصر الكتابة/ وبواكير المعرفة.
ولعل الصدمات مازالت تشتغل بقوة (الخلع) و (الهدم) و (التقويض) وكأن التقدم/ التطور، يتقاطع مع (الهوية) الايكولوجية/ المعرفية، حيث تؤكد بعض الإحصائيات، أن أمة (اقرأ) تراجعت، ليس قياسا ًبالأمم المعاصرة، وما لديها من فتوحات علمية، ومنجزات معرفية كبرى، بل بماضيها نفسه، في وادي النيل أو في وادي الرافدين، وقبعت في القاع.
ولا غرابة أن هناك من يرى في هذا التراجع/والارتداد، نصرا ً مؤزرا ً في التخريب، الهدم، والعودة إلى البرية، والى محو كل اثر من آثار الخبرة، العمل، والمعرفة، أي إلى: الصفر، تقدما ً، ولكن إلى أين...؟
ولأن النخب المعنية بالكتابة ـ القراءة والتدوين والمعرفة ـ هي الأخرى، تراجعت عن أداء دورها المشهود لها في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته انتهاء ً بالستينيات، ليس برغبتها، بعد أن أصبح وجودها (الجسدي/اليومي) مهددا ً، بل لأن التقدم في مجتمعاتها أصبح يمثل خطرا ً، مما سمح لعصر (الفوضى/ وخلط المفاهيم) أن يصدمنا بـ (معلقاته) السوداء، بل وان يتوغل في التفكيك، والتقسيم، واستبدال حقوق الإنسان، بالنهب، الاغتصاب، الاغتيال، التهجير، وتهديد الحياة ذاتها بالعودة إلى عدمها.
إنها معضلة مصائر...، تزداد تعقيدا ً، بغياب (العقل) وتزداد استخفافا ً حتى بقوانين النبات، الحيوان، بمنح اللا شرعية أولويات تدفع بالمعرفة ـ بكل أشكالها ـ إلى خارج التاريخ. فهل المنجزات التي حققها أساتذة الماضي، وعلماؤه، والمعلقات التي دونت بالذهب واحدة من ابرز علاماته، سيذهب مع دخان الحرائق، وغبارها...، أم أن الظلمات، مهما تراكمت، فلا مناص من إنها لا تقدر على سلب نظام البذرة من لغز انبعاثها...؟
في عام 2015، وفي بغداد، أن تصدر ستة كتب، في الحقل الفني، أرى إنها تستحق القراءة، أو بالأحرى: لفت الانتباه إلى ما فيها من إصرار على مقاومة الغياب، والارتداد، والتشبث بحياة تنتمي إلى الألفية الثالثة، وليس إلى عصر الأصوات، والى ما قبل التاريخ.

[1] [ رافع الناصري/ النهر وأنا.. عشق على مر السنين] مجموعة كتاب
ليست محض مصادفة أن يتذكر رافع الناصري (النهر/الماء) في عامه الرابع، وقد ولد في فضاء مزدوج ـ وموحد بين الصحراء والسماء (تكريت 1940)، في فاتحة كتاب [ رافع الناصري/ النهر وأنا .. عشق على مر السنين]، بل مدخلا ً لمنظومة فنية زاخرة بتحرير الوعي من التباساته ـ وأقنعته. فالماء ليس عنصرا ً منفصلا ً عن: النار/ الهواء/ التراب، بل عنصرا ً مضادا ً للمادة، بوصفه جوهر: لغز الحياة.

والكتاب، هو بمثابة وجهات نظر مجموعة من الكتاب، تضمن إشارات تماثل عملية نسج لنص لا يعلن عن موت: الفن، بل عن نقيضه، في زمن سيادة الخراب. فالكتاب ـ بمجموعه ـ يأتي في مواجهة حقبة (تفكيك) و (محو) تعرضت لها حضارة العراق الحديث، فالمساهمون: ضياء العزاوي/ مي مظفر/ فاروق يوسف/ عادل كامل/ إبراهيم رشيد، إلى جانب شهادات: عمّار داود/ مظهر احمد/ هناء مال الله، تنسج هذا النص، وتمنحه مقاربة لمنجز رافع الناصري. وفي كلمتي ـ المنشورة في الكتاب ـ أوجزت تاريخ الناصري، بالإشارة التالية:

المعلم

لم نخسر رافع الناصري، برحيله، اليوم، بل خسرناه عندما وجد انه لا يمتلك إلا أن يغادر مشغله في بغداد، بحثا ً عن هواء صالح للتنفس: نهاية مازالت تجرجر مقدماتها معها، من غير خاتمة. فالفنان الذي أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وبكين، ولشبونة، عاد ليؤسس ورشة لفن الطباعة (الكرافيك) في المعهد الذي درس فيه ببغداد. ورشة للطلاب، وأخرى شخصية، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشغل للعمل الجمعي.
فالذي تعلمه من الأستاذ فائق حسن، ومن الرواد عامة، طوره في بكين، بدراسة أصول أقدم فن، هناك، ثم تعرف على التقنيات المتقدمة له، بأصولها الأوربية، في لشبونة. وخلاصة هذا الدرس، أن رافع الناصري، تعلم أن (يتعلم) وان يكون (معلما ً)، مثل أستاذه فائق حسن، وأساتذته في الصين، والبرتغال.
وكلمة معلم، جديرة بفنان كرس حياته للفن، وللفن بصفته علامة حضارية، أكثر من أية كلمة أخرى. فالمعلم اجتمعت فيه خصال لم تتوفر إلا لدى (أسطوات) وادي الرافدين، ولدى الحرفيين القدماء، كالصاغة، والخطاطين، والنساجين، والحفارين، والبنائيين في العراق القديم.
تعلم كيف يتعلم. وهذا لا علاقة له، بفنه، أو حتى بشخصيته، بل له علاقة بأخلاقيات العمل. بالحرفي البغدادي الذي ترجع جذوره إلى سومر وأكد، وبالحرفي الصيني التي ترجع جذوره إلى كونفشيوس، وبحرفي أوربا الكبار أمثال دورر، ورامبرانت، وغويا، ومونخ. وهي أصول اشتركت فيها حضارات متعددة، تاريخية ومعاصرة، لكنها مكثت تتقدم مع تقدم المفاهيم، والتقانات.
وإذا كنت كتبت فصولا ً عن فن الناصري، وتحولاته، وتنويعاته، فان دوره، كمعلم، تبقى لها أهمتها الخاصة. فهو يشترك مع عدد من (المنفيين) حمل رسالة (المعلم)، في عالم تحول إلى قرية صغيرة، خارج مساحات المنافي، والغربة. فأسس مشاغل عدة، في عمان، والمنامة، ودرس في أكثر من معهد، ومديرية، وجامعة، ليس بدافع تفرده بالحرفة، وألغازها، وأصولها، بل لأنه أدرك ان دور (المعلم) إن غاب، فان الفوضى لن تبني حضارة.
ومفهوم فن الطباعة يعد من أقدم المفاهيم: فالختم السومري، بصفته أقدمها، يعد الأقدم بتكرار النسخ، ثم، مع وجود (البردي) في مصر، والورق، في الصين، ازدهر هذا الفن، وغدا أكثر انتشارا ً. وبالتطور الصناعي، في أوربا، وفي ألمانيا تحديدا ً، أصبحت (ماكنة) الطباعة جزءا ً سمح للتقنية ان تمنح (العاطفة/ التعبير) مساحة أوسع للتداول. لأن مفهوم (الكرافيك)، ببساطة، يعني تعدد الطبعات، كي يغادر حدود (النخبة)، ويغدو جماهيريا ً.
والأستاذ رافع الناصري، على مدى نصف القرن الذي أمضاه في الفن، لم يتخل عن دور (المعلم) ـ لنفسه ـ وللآخرين، وكأنه ـ منذ البدء ـ تعلم ان المعرفة هي ممارسة يومية، وهي تحافظ على شرعية أنها تمتد، بحكمة ان الفن هو العمل الذي يقابل: الفراغ ـ أو الكسل. فالمعلم تعلم كيف يبني، يركب، ينسج، يولف، يجمع، يصهر ..الخ، مجذرا ً دور المتلقي شريكا ً في الفلسفة: أي حب المعرفة، كجزء من المدرسة ، الورشة، الصف، التي تمنح الجذور أصولها في الامتداد والاستحداث، كما ترسخ أصول التجدد بالاستناد إلى الأسلاف التي كانت مهمتهم، كما يقول لا وتسي: ان تضع قدمك في الطريق، لا ان تغادره، أو تمشي في المتاهة. رافع الناصري، تعلم ان يؤدي هذا الدور، نموذجا ً لتعاليم يصعب إغفال مكانتها في حاضر الفن العربي، اليوم.
فالشعوب التي تفتقد إلى (المعلمين)، بالضرورة، ليس لديها علامات. لأن حرفيات ـ تقانات ـ المعلم تتجاوز الأشكال، والأعراف، كي تجعل (الفن) حياة إزاء نشأتها، في ماضيها، أو في مصيرها. فالمعلم، لن يصبح معلما ً لأنه امسك بما هو غائب، بل لان ثمة إرادة عامة ـ قد لا تبدو معلنة ـ تعمل عملها. وهذا كان سر اعتراف رافع الناصري، لي، في ذات مرة: لا اعرف لماذا ارسم! انه لن يجد إجابة لو انه لم يختر الرسم، ولم يرسم. فهو لا يعرف لماذا يرسم، ولكنه اختار ان يرسم، وهنا تكمن جذور الحرفة ـ الصنعة، النفش، وصياغة (النص ).
فالأختام، في سومر، قد لا تنتمي إلى الفن، بمعناه المعاصر، لا لأنها تؤدي وظيفة الإيصال ـ التبادل ـ، بل لأنها تفتقد إلى المغامرة. لكن هذا محض تأويل. ذلك لأن فن (الأختام) تضمن لغز معناه، غير الشكل او أجزاءه، أو عندما تقودنا الأجزاء إلى الشكل في مقاصده؛ تلك التي لم تعد توصل (المعنى) والتي لا تستقل عنه أيضا ً. ولو لم تكن ثمة مدرسة في سومر، لكان وجود الأختام ـ فن الطباعة وتكرار النسخ ـ مستحيلا ً. والأمر اقل تعقيدا ًلدى كونفشيوس، بشعار: من لا يعمل لا يمتلك المزيد من الحقوق. فالعمل وحده سمح للفلسفة الصينية ان تنمو ـ بعد ألفي وخمسمائة عام ـ بالديالكتيك الماركسي، وتنتج مفهوما ً متجددا ً للمعلمين، بقلب التخلف إلى حضارة. ولم يجد رافع الناصري صعوبة، أو تقاطعا ً مع هذا الإرث ـ حتى مع نقيضه في التاو ـ بل مساحة للحرية: اعني: حرية ممارسة الحرية، لا تركها محض تأويلات، أو مخيالات تجريدية. فالمعلم ـ من سومر إلى الصين إلى أوربا ـ أعاد بناء النسق ذاته عند صانعي الدمى، ورسومات الكهوف، وما تم نقشه فوق الأواني من أساطير عملية ـ راح يستنطق التجربة، ويستثمرها، كي لا تفضي التجربة إلى فوضى، بل إلى خطوات تقود المعلم، إلى وجود: المدرسة ـ المحترف/ المشغل. وهو ما سمح للناصري ان يجد مجموعات من التلامذة، في بغداد أو خارجها، في أزمنة تعرضت فيه (الأعراف/ التقاليد) إلى الهدم، لمواصلة خطاه. وهو عزاء لا مناص لن يتوقف عند الرثاء، بل سيتمم مسيرة تعيد للمعلم ـ في الفن والمجالات الأخرى ـ كل ما توخته (المحترفات) و (الأكاديميات) إزاء النزعات التدميرية، للحروب، وللتلاعب بمصائر الشعوب، في عصرنا. وهذا ـ بحد ذاته ـ جزء من دينامية (اللغز) في مواجهة تحدي القواعد، وثوابتها الخلاقة.

*( وزارة الثقافة/ بغداد/ دائرة الفنون التشكيلية ودائرة قصر المؤتمرات )

2ـ [يا باسل الحزن ـ الفنّان جواد سليم كما رآه الشاعر عبد الأمير الحصيري] تأليف: مؤيد داود البصّام.

تجتمع في هذا الكتاب [يا باسل الحزن] لمؤيد البصام، عناصر متعدد تجعل منه وثيقة من الصعب أن يعيد نسجها، وكتابتها، سوى مؤيد البصام نفسه. إنها ليست بديهة، بل لأن الاعتراف ـ مع النفس وضدها ـ بات غائبا ً، من ناحية، ولأن التقدم يتطلب حفرا ً في مخفيات التاريخ قبل أن يتوارى، ويغيب، من ناحية ثانية. فالشجاعة ـ هنا ـ تتجاوز المغامرة، لأنها تقف ضد اللامبالاة، والخمول، والسكينة، خاصة عندما تتعلق الكلمات بالمصائر، والاتجاهات، والتيارات التي مازالت تمتلك أطيافها، وأشباحها، في واقعنا اليوم.
فالكتاب يرجعنا إلى ستينيات القرن الماضي، مسلطا ً الضوء على عدد من علاماته، التي شارفت على الاندثار، والزوال. فالكاتب يدوّن ـ ولا يحكي ـ كيف كتب الشاعر عبد الأمير قصيدته، احتفاء ً باستذكار بجواد سليم، وأسباب إقامة المهرجان، في الوقت نفسه يسلط الضوء على موهبة شعرية كبيرة مكثت بعيدة عن ذاكرة الوسط الثقافي ـ بل والاجتماعي أيضا ً.
فالكاتب لم يهمل نظام السيرة، الاعتراف، الشهادة، الوثيقة، وقد رصدها من الداخل، بوصفه شاهدا ً عليها، فضلا ً عن مشاركته فيها، وفي أحداثها، بأدوات فنان، قاص، ناقد، عاش حقبة تميزت بالتمرد، الصخب، والمرارات أيضا ً. واليكم بعضا ً مما كتبه، في هذا الكتاب إلى جانب شهادات أخرى:
ـ "
في العقد الستيني من القرن الماضي، اندلعت حركة ثورية في مختلف إنحاء العالم، صاحبت التطورات الهائلة في العلوم المعرفية والتكنولوجيا وتقنيات الاتصالات والمواصلات، وقد شكل جزؤها الأكبر الطلبة وفئة المثقفين والشباب، وكان الفضاء الثقافي العراقي، واحدا ً من هذه الفضاءات الذي تحرك بفورة ثقافية جاءت مخاض من كبت الحريات، وفرض الرأي الواحد، ولو بأشكال وصيغ مختلفة ، فتارة نحو اليمين، وتارة نحو اليسار. وفي هذه الانتفاضة التقت الاتجاهات السياسية والمعرفية على رأي واحد، وهو لا بد من التغيير، وإيجاد البديل الحضاري للارتقاء بالإنسان والوطن. وفي وسط هذا الاهتمام كانت تلتئم حركات فنية وأدبية وسياسية أنتجت أفكاراً تجريبية وإبداعات عظيمة، ما زالت ثمارها تؤطر المشهد الثقافي العراقي حتى اليوم .
كنا مجموعة من ضمن مجموعات الوسط الثقافي العراقي والبغدادي آنذاك، تختلط فيها الاتجاهات الفكرية والسياسية، ويغلب عليها الطابع اليساري، المحكوم بالرؤية الماركسية لتحليل الواقع. وقد دأبت هذه المجموعات على التواجد مستوطنةً مقاهي الباب المعظم ، ما بعد ساحة الميدان : مقهى عارف أغا ومقهى الزهاوي ومقهى حسن عجمي ومقهى البرلمان، بعد أن أغلقت مقهى البلدية في ساحة الميدان التي كانت تجمع الجميع على اختلاف مشاربهم وأختلاف التيارات التي منتظمون في مساراتها، يزحف اليها منذ الصباح الباكر بعض من الأدباء والفنانين أمثال الشاعر عبد الأمير الحصيري وآخرين من العاطلين عن العمل أو طلبة الكليات من محافظات العراق الدارسين في كليات بغداد، والبقية تأتي تباعاً من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى الرابعة أو الخامسة مساء ً، لتبدأ مسيرة ثانية من جديد إلى شارع أبي نواس على ضفة دجلة، وفي الساعات المتأخرة تنتهي ليلتهم النواسية، وبعد هزيمة حزيران العام 1967 ، اهتزت المشاعر، وأحدثت قناعات وآراء من ابعد نقطة للأمل إلى أقصى نقطة في الخيبة والسوداوية، كانت القوى السياسية قد خرجت من تجربة حركة 14 رمضان عام 1963 الدموية، التي تناحرت فيها قوتان القومية بما تضمه من حركات ذات وجهة نظر قومية، وأحزاب مثل حزب البعث العربي الاشتراكي..الخ، وقوى عرفت باسم اليسار، ضمت الشيوعيين والاحزاب والحركات الاشتراكية، وهي الأحزاب والقوى التي كان بعضها مؤتلف في جبهة وطنية ضد النظام الملكي، قبل مجئ النظام الجمهوري عام 1958، ثم افترقت وتناحرت بعد فترة قصيرة من عمر النظام الجمهوري، وهيمنت ما تسمى بقوى اليسار على الشارع العراقي، وقادت حملة شعواء ضد ما سمي بالقوى القومية، وقد تراوحت بين مد وجزر، حسب أهواء رئيس الوزراء آنذاك الزعيم عبد الكريم قاسم، فتارة كانت تقوى شكيمة القوى اليسارية وتارة القوى القومية، ولم يكن للاحزاب الدينية تاثير يذكر، وكانت ردود الفعل عند مجئ القوى القومية وحزب البعث للحكم شباط عام 1963 ، بعد إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم، أكثر دموية مما سبق من صراع سابق على مدى الاربعة سنوات من حقبة ما بعد الملكية، وتحركت الأحقاد والثارات، ألا إنها انتهت بتناحر نفس ما يسمى بالقوى القومية، واستلام عبد السلام محمد عارف السلطة في 18 تشرين الثاني 1963 ، فزج فيها البعثيين في المعتقلات وطوردوا، ووجدوا أنفسهم وجها لوجه في السجون مع معتقليهم السابقين، وهم يستقبلونهم، ويغنون لهم ( سبحان الجمعنا بغير ميعاد )، ولم تستمر حقبة الرئيس عبد السلام محمد عارف طويلا ، لتسقط طائرته وهو في زيارة إلى مدينة البصرة العام 1966، وتبدأ مرحلة حكم شقيقه الرئيس عبد الرحمن عارف الذي جاء بروح التسامح والانفتاح، ما جعل الكثير من القوى السياسية تقوم بمراجعة وتقييم مرحلة الاقتتال التي جاءت بعد حركة 14 تموز 1958، وهو الأمر الذي انعكس على الأدباء والفنانين والمثقفين بشكل عام ليبدؤوا مرحلة جديدة من العلاقات والانفتاح على أفكار التجديد والحداثة.
كنا وقتها نحاول لم شتاتنا، لإيجاد واقع يحقق لنا أفكارنا وآمالنا وطوباويتنا ، وتثبيت هذه الأفكار على ارض الواقع، وقد اجتهد كل بطريقته وحسب رؤاه، خصوصاً وان هذه الفترة جمعت تماحكات كبيرة بين المثقفين والأحزاب السياسية على الساحة والأنظمة الحاكمة، وقد أخذت كتابات جهينة التي كان يحررها الصديق الكاتب جليل العطية تشحن الشارع. وفي شارع الرشيد بين بداية شارع المتنبي وساحة الرصافي الآن، كانت هناك مقهى يترك صاحب المقهى الجرائد ليقرأها رواد المقهى مجانا ً، وقتها قامت الدنيا من قبل أصحاب الجرائد على صاحب المقهى، وكان اسم المقهى ( النصر )، على اسم جريدة النصر التي كانت حاملة شعلة التغيير والثورية، وأكثر محرريها من اليسار أمثال مؤيد الراوي وأنور الغساني وشريف الربيعي وآخرون، وهي تكتب المقالات النارية وتحرض على ابقاء الشارع متوفزاً عقب هزيمة حزيران. وقتها قمنا بتأسيس مجمع ثقافي لكل الفنون والآداب سمي ب (مؤسسة البصام للثقافة والسينما والمسرح ) أصدرنا من خلاله مجلة باسم (الفنون المعاصرة)، كنت رئيس المؤسسة ورئيس تحرير المجلة، وقدمنا عبر تلفزيون بغداد عدة تمثيليات عن القضية الفلسطينية باسم (فرقة مسرح المجددين) التابعة للمؤسسة، مثل الأدوار فيها المبدعون . فاضل خليل ، ولطيف ياسين ، ونزار السامرائي ، وفاضل السوداني ، والمرحومان كاظم ألخالدي ، وعبد الله ألجواهري ، وهم من أهم عناصرها إلى جانب فنانين آخرين .
ومن أفكارنا التي حاولنا زرعها وثبتناه في منهاج المؤسسة، أن نعطي المبدع العراقي دوره ومكانته ونعزز الصلة بينه وبين المتلقي والجماهير، فقمنا بأول خطوة وهي إقامة احتفال بذكرى رحيل الفنان جواد سليم ، فنان الشعب لأجل إن نُعرِّف عامة الناس بصاحب النصب الخالد في ساحة التحرير في الباب الشرقي، وهي بادرة لم يكن متعارف عليها وقتها، ونادرا ًماقامت أي جهة غير رسمية بمثل هذه المبادرة، وبالأخص لفنان، وطلبنا من تلامذة جواد وأصدقائه المساهمة في هذه الذكرى، فلم يلب الدعوة إلا العدد القليل من الفنانين متذرعين بشتى الحجج والأعذار ، ومن أقوالهم: من هو جواد حتى نقيم له مثل هذا الاحتفال ؟ ويجيبون على تساؤلهم: هو فنان مثله مثل الآخرين ، وبعض منهم قال هذا شيوعي مثلكم فاحتفلوا به انتم . وغير قليل من الذين وقفوا يكتبون ويصرخون بعد ذلك متفننين بفن جواد وعلاقتهم به، هم من وقف يومذاك ضدنا وسخر منا، وقالوا ما لنا وما له . إلا أن كل ما قوبلنا به لم يفت في عضدنا .وقمنا بالتحضير لإقامة الاحتفال على " قاعة الشعب " في الباب المعظم . ولكن واجهتنا مشكلة إن إيجار " قاعة الشعب " في اليوم الواحد ثلاثون ديناراً ، وهو مبلغ كبير في عقد الستينيات من القرن الماضي ، خصوصا ونحن كل ملكيتنا ثقافتنا وكتبنا التي لم تطبع بعد ، ورسومنا التي لم تعرض ، ومسرحياتنا التي لم ترتقِ خشبة المسرح . وذهبت وقتها إلى الدكتور مالك دوهان الحسن _ وزير الثقافة والإرشاد - ، وشرحت له الأمر، وللحقيقة كان أنسانا ً متفاعلاً، وحاول قدر استطاعته، وهو في هذا المركز، تسهيل مشكلات الأدباء والفنانين وحلها، فاتصل بأمين العاصمة المرحوم مدحت الحاج سري وطلب إليه مساعدتنا . وذهبت إلى أمين العاصمة الذي حاول تسهيل الأمر قدر استطاعته، بان جعل المبلغ خمسة دنانير فقط . أقمنا الاحتفال ، وحضره نيابة عن وزير الثقافة والإرشاد ، الذي كان يومها خارج بغداد ، مدير عام الإذاعة والتلفزيون آنذاك ( مثنى الطبقجلي ) ، وامتلأت القاعة بمحبي الفنان جواد سليم من الأدباء والمسرحيين أكثر من الفنانين التشكيليين، وألقى الشاعر الراحل عبد الأمير الحصيري قصيدته الرائعة التي على الرغم من طولها ( إذ اجتمعت في 130 بيتا ) كان الجمهور يطلب منه إعادة بعض الأبيات بين الحين والآخر .
الآن بعد ستة وثلاثين عاماً، ومن بعد احتلال العراق أقيم احتفال للفنان جواد سليم من قبل وزارة الثقافة، وقد تساءلت مع نفسي . لماذا لم نقم بأي احتفال له خلال تلك السنين ؟ هل كانت السلطة السابقة ستمنعنا فعلاً ؟ أو تحول دون قيام مثل هذا الاحتفال، لجواد أو لإسماعيل ؟ أو لكاظم حيدر وسواهم من رواد الفن الحديث في العراق ؟ أم أننا كنا نلهث وراء ذواتنا، ونبني أمجادا لأنفسنا، فنسينا روادنا وفنانينا وأدباءنا ومبدعينا ؟ أم شغلنا الهم السياسي في الداخل وفي المهجر عن مثل ذلك ؟ ويبقى السؤال ! لماذا ؟]
وعن القصيدة وشاعرها يكتب :
ـ [ إن قصيدة عبد الأمير الحصيري المعنونة ( يا باسل الحزن) ملحمة، مقترنة بملحمة جواد سليم ( نصب الحرية ) وعظمة إعماله، فهي ليست قصيدة عادية، ولم تأت عادية لأنها كتبت في شيء غير عادي . رافقت الشاعر عبد الأمير منذ لحظة بدأ أول حرف خطه (لباسل الحزن ) حتى آخر حرف فيها، وكان لا بدَّ من اتخاذ إجراءات لتغيير بوهيمية عبد الأمير الذي لا يفارق الخمرة ولا الخمرة تفارقه ، وعندما يشرب يخرج بعبع من داخله لا يهمه من يكون أمامه كبيراً أو صغيراً ، فما في عقله وقلبه على لسانه، ولا هو يأبه لخطر ، تتملكه شجاعة نادرة لا يمتلكها أشجع الشجعان . ولان الاحتفال سيحضره وزير . وشخصيات من غير الوسط الفني والأدبي، لهذا منعته من شرب الخمرة قبل الاحتفال بثلاثة أيام . ومن روعة عبد الأمير أنه كان يشعر بأن ليس هناك من يدانيه قامةٌ شعرية ، لهذا تراه متمرداً مشاكساً ، ولكنه يكون كالحمل الوديع عندما يعرف أن الشخص الذي أمامه صديقه ولا يريد له إلا الخير، لذلك لم يعترض على كل إجراءاتنا. أرسلته مع الفنان فاضل خليل والفنانان الراحلان كاظم ألخالدي وعبد الله حسن إلى " حمام عدنان " في شارع الرشيد ، واشترينا له بدلة من محلات الملابس في سوق الهرج عند ساحة الميدان، بسبعمائة وخمسين فلسا ً لا غير ، وكان مقر المؤسسة على سطح " مقهى عارف أغا " ، وأجلسنا عبد الأمير على كرسي وأمامه الطاولة ، ومنعنا أي شخص من الحديث معه ، فقد لازمه الفنان فاضل خليل ليسكته ويسكت الآخرين حتى يكمل القصيدة. وعند باب المقهى كان بائع مشويات الكبدة (المعلاك) يحمل صينية بين وقت وآخر إلى عبد الأمير . جلس عبد الأمير من الصباح يكتب القصيدة ، وانتهى منها عصراً ليقرأها قبل أن ينقلها من المسودة إلى شكلها النهائي، ونحن بين مصدق ومكذب لما نرى و نسمع وأخذتنا نشوة، فصفقنا ورقصنا طرباً لما أجادته قريحة هذا العبقري .]
كما يكتب عن الشاعر الراحل:
ـ [ عبد الأمير الحصيري ، هذا الإنسان المغبون المنسي ، الذي عرفته وصاحبته، خلال ستينيات القرن الماضي، وجمعتنا صداقة، تخللتها فترات جِفوة وخصام لتصرفات عبد الأمير التي لا يحكمها ضابط، فهو خليط من الأمزجة المتعددة والمجتمعة في شخص واحد، وهذا هو سر عبقريته، قلة من كان يدرك جوهره، فهو ذلك الطفل في هيئة رجل، قلب شفاف صافي، وعقل راجح، يملك من المعرفة بقدر معرفته مسالك الشعر ودروبه . لقد شرب الشعر و شربه الشعر ، حتى أضحى جزء منه . فالشعر جزء من تكوين عبد الأمير الحصيري ، وكان شاعراً فلتة من فلتات الدهر، فقد حفظ شعر الأولين منذ عصر ما قبل الإسلام والعصور التي تلته، وقرأ كتب التراث والتاريخ العربي وألا سلامي والعراقي، وهذا ما تجده في شواهد في شعره ، أو يتذكر من باع لهم القصائد والكتب في التاريخ والأدب ، وهو يلجأ على ذلك عندما يحتاج النقود لشراء الخمرة . إلا أن المجتمع لم يحتمل مثل هذه الفلتات ، لغلبة التخلف على التحضر، لهذا لم يكن المجتمع مستعدا لتقبل مثل هؤلاء الأشخاص . وقد أدرك عبد الأمير هذه الحقيقة ، لذلك انغمر في شرب الخمر، وهو القائل عن نفسه في مجلة الديار لمحاوره الكاتب اللبناني فاروق بقيلي، وهي محاورة نشرت على ثلاث حلقات " إنني شاعر هذا العصر وهذا العالم من القطب إلى القطب وليس من الخليج إلى المحيط وحسب، وأحسب أنني لست مغالياً في ذلك ، ولا مانحاً نفسي غير ما تستحقه ، ولا أسيراً للغرور أو مصاباً بداء العظمة "، ( مجلة الديار/ العدد 49 من 1/7 ص 59 ) كما حدث لآخرين قبله . وقد تساءلت كثيرا في السنين الماضية . فهل من الممكن أن يكون الغبن لهذه الأسماء المهمة هو حداثة رحيلها من بيننا ؟ وقد تظهر بعد فترة زمنية بيننا، ولكن الزمن يمضي ولا أجد من بينهم من يهتم كثيراً بتكريم هؤلاء أو يذكرهم كمبدعين ، ضحوا بكل شيء من اجل فنهم ، وقسم منهم اختلط تفانيه بحب الوطن وقضاياه مع حبه للآداب والفنون ، فلاقى الكثير من الغبن على يد السلطات أو في الحياة الاجتماعية أمثال سليمان غزاله ، وأنور شاؤول ، ومحمد توفيق وردي ، ومصطفى نريمان ، ومصطفى جمال الدين ... والقائمة تطول ، وهذا ما يجعلني في بعض الأحيان أفكر وأتساءل هل إن الأنانية والتخلف وراء المعضلة في عدم الوعي بأهمية منجز هؤلاء العظام ؟ وفي بعض الأحيان أعزو هذا إلى أن مجتمعنا يخلو من الارستقراطي والرأسمالي المثقف والذي لديه الاستعداد للتضحية بجزء من ماله لأجل حبه للفن والآداب، كما حدث ويحدث في الغرب . ولكن يردني في هذه المسألة أن كثيراً من الأصدقاء المبدعين بلغوا مناصب رفيعة في الدولة العراقية، إلا أنهم لم يلتفتوا إلا إلى أنفسهم وعائلاتهم وقبائلهم وأحزابهم ، ولم يلتفتوا إلى الآخرين من المبدعين الذين عملوا بإخلاص وبهم ثقافي حقيقي من أجل الثقافة والمثقفين وليس من أجل أنفسهم ومصالحهم، وبالتالي قد تكون الأفكار السوداوية هي الصحيحة على هذا الأساس (الأنانية ، والأنانية المفرطة).
وهذا يذكرني بحادثة تكشف عن أن النفوس الطيبة حال ما يسعها الحال ، تعبر عن جوهرها، فقد عدت لزيارة بغداد قادماً من الأردن ، عندما كنت مقاتلا في صفوف حركة المقاومة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، استقبلني عبد الأمير الحصيري بفرح وجرني إلى "مطعم شريف وحداد" عند مدخل جسر الأحرار من جهة شارع الرشيد، وقلت له : عبد الأمير ما عدت اشرب ، أنا ألآن قد هداني الله واصلي وأقوم بتأدية كل الفروض . فالتفت إلى عامل المطعم وقال له : هات نفر كباب ، وقوزي على تمن ، ونفر كص على تمن ... فصرخت به. عبد الأمير ، نحن اثنان وليس عشرة ! فقال بحماس ، وهو يخرج النقود من جيب سترته بيده مكوراً إياها : لا تهتم لدي نقود ، وبدأت أقبض راتباً (لعد اشلون أوفيك مال السنين الماضية ). فقلت له ضاحكاً : تموتني بالأكل وتخلص مني ..
هذه الحادثة توضح مدى طيبة عبد الأمير وكرمه ، وشفافية روحه وبساطته ورفعة خلقه، فلم ينس الأيام التي كنت انفق فيها عليه، أو عندما حاولت أن أجعله يخفف من الشرب فأسكنته معي في السرداب الذي كنت استأجرته في "الحيدرخانة" من جهة السجن المركزي القديم بجانب القشلة وبناية محافظة بغداد القديمة، ولكنني في يوم ما، عدت من طريق أول فرع قبل مقهى حسن عجمي ومحل شربت حاج زباله إلى غرفتي، فقابلت عبد الأمير وعبد الله حسن الجواهري وهما يتأبطان مجموعة من الكتب . فتفاجئا . وعرفت أن ما يحملان من كتب هي كتبي، وسألتهما إلى أين بكتبي ؟، فتلعثما وقالا : نريد أن نكتب بحثاً واستعنا بهذه المصادر . فقلت لهما . أعيدا الكتب وسوف أعطيكم المال لتشربا . من بعدها قلت له: عبد الأمير لا فائدة منك ولا جدوى معك أبحث لك عن مكان آخر غير هذا، وانأ متأكد من انه لو تسلم منصباً أو حصل على مال مهما بلغ لما تورع عن تذكر الحاضرين والغائبين، فعندما كان يبيع قصيدة أو أكثر ويكون المبلغ قد تجاوز الدينار، يلتفت إلى أصدقائه فيدعوهم للشرب على حسابه، فقد كان ما بيده ليومه، ولم يكن "شايلوكياً" ليفكر بالغد. وقد روى لي الشاعر عبد المنعم حمندي أكثر من حادث . فقد كان يدعوهم هو ومنعم حسن إلى الشرب على حسابه ، وكذلك ما حدثني به الكاتب رزاق إبراهيم حسن .
كان لقاء شريف وحداد في أوائل سبعينيات القرن الماضي هو آخر لقاء بيننا، إذ سافرت وحين عدت ثانية ، عرفت انه قد مات، ولم يكن في وداعه في مستشفى الطب العدلي، إلا ثمانية أصدقاء، وفي وداعه عند القبر في النجف أيضا بضعة أصدقاء ’ منهم الشاعر سعدي يوسف ، وعبد المنعم حمندي ، ورزاق إبراهيم حسن ، ورياض قاسم ، وجمعه اللامي ، ونزار عباس ، ومنعم حسن ، وحسن العلوي ، وخليل الاسدي ، وياسين النصير ، وصباح التميمي ، وجليل حيدر ، ونايف السامرائي ، ويوسف نمر ذياب ... وكان النحات منقذ شريدة قد صب قناعاً لوجهه ، وقرأ الشاعر الرائع سعدي يوسف قصيدة أمام قبره ، وحمل خليل ألأسدي باقة الورد الوحيدة من قيادة الحزب الشيوعي العراقي، لتسجل بغداد نهاية احد عظماء صعاليكها الذي استقبلته بالأحضان ولم يفارق الحياة إلا على أرضها.]
وعن جواد سليم والشاعر الحصيري فيذكر:
ـ[ من يقرأ شعر عبد الأمير الحصيري وينظر إلى لوحات ومنحوتات جواد سليم، يدرك مباشرة أن هناك قضية مشتركة تجمع هذين الفنانين الرائعين، كما جمعت الكثير من الأدباء والفنانين العراقيين، في تلك الفترة، في اندماجهم باعتبار الفن يحوي كل الأنساق، قبل أن تظهر علينا ما بعد الحداثة الرأسمالية لتضع في أولوياتها الاختصاص واختصاص الاختصاص، ( وهي مسالة ليست موضوعنا، لأنها تتطلب نقاشاً وفهماً نتبين فيه الصح والخطأ) وبهذا فقد الأدب والفن الكثير من الخصائص المشتركة التي كان لها الأثر المؤثر في ارتباط الثقافة عامة بمصالح الجماهير، والتفاف الجماهير حول الثقافة والمثقف، منح الثقافة بعدها الجماهيري في وسط محيط المتلقين للفن والأدب والتحامهم و اندماجهم مع نضال أبناء العراق لبناء وطن متطور يفتخر به، ولاعتزازهم ببلدهم العريق سليل حضارات ضاربة في القدم، الذي قدم الكثير للبشرية من هذا الإحساس بعظمة الموروث العراقي كان الهاجس الذي يتمحور حوله اشتغال الأدباء والفنانين العراقيين والمثقفين بشكل عام، وجواد سليم وعبد الأمير الحصيري بشكل خاص في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ولم تكن قصيدة ( يا باسل الحزن )، محض قصيدة شعرية قيلت في مناسبة، وإنما هي قصيدة تمتلك الروح التي تجدها شاخصة في " نصب الحرية " وفي أغلب أعمال جواد سليم. فالقصيدة في شعر الحصيري إختلاط مقصود بين بناء القصيدة القديمة وبين القصيدة الحديثة من خلال الاستيعاب المعرفي والذوقي لتطور بنية القصيدة الشعرية وبقية الأنساق الفنية والسردية وتطوره في حقبة الحداثة. وكذلك ما نجده في أعمال جواد بين وعيه بأهمية الحداثة وأهمية الارتباط بالواقع والمراحل التاريخية لتطور الفنون. إن في أعمالهما قضية مهمة ما بين الذاتي والجمعي، فالشاعر عبد الأمير الحصيري ينطلق من الذاتي إلى الموضوعي، من الشخصي إلى الجمعي، وهو ما نجده مطبوعا ً في أعمال الفنان جواد سليم، وإن كان بصورة أخرى.. فجواد ينطلق من الجمعي إلى الشخصي. ولكن لكلا المبدعين هاجسهما الإنسان في مأساته وآلامه، لهذا نجد شعر الحصيري مشحونا ً بالأسى والتوجع من اجل الإنسان والوطن، وعلى ما فات وما يطمح أن يصير، ويتعالق مع تمرده الجواني ضد الواقع من خلال القصيدة، بإيجاد الشخوص والموضوعات والرموز التاريخية والوطنية التي يتمثل فيها هذا الحراك الداخلي، وهو ما يسمى الاستعارة في الشعر، وتمثل الصورة في الأعمال الفنية، من خلال سحب الرمز لإبراز دلالة معينة والموضوعات التي يتحدث عنها الحصيري، سنجد ما يوازيها في بحث الفنان جواد سليم في أعماله، وبالذات نصب الحرية، وتوافقها مع ما ذهب إليه الحصيري في تشبيهاته ورموزه وتشفيراته...
يا سليل الشمس ،يا موطني -------المرتدي ثوب الربيع القشب
يا سلسال " فرات " غدق ------- لسوى ثغر العدى لم ينضب
وابن ريا " دجلة " منسكب -------- يا لسجايا الزمان الحدب
وأبن مجد أرج صاغت له بابل في الكوى أسمى منصب (1) الرموز التي استخدمها عبد الأمير الحصيري في شعره، بشكل أو آخر ، في تمجيد الإنسان العراقي والحضارة العراقية، بتاريخها السومري والبابلي والأشوري، تتوافق مع البحث الذي عمل عليه الفنان جواد سليم، وهنا تكمن القضية التي تتوافق في البناء الفني والرؤية لشكل النص بين المبدعين العراقيين بوجه عام، وبين جواد وعبد الأمير بوجه خاص، فكلاهما كان يغرف من النبع نفسه، وإن كل حسب نسقه. ففي الوقت الذي كانت الرؤى والافكار تتجسد في خيال جواد لتتحول إلى أشكال محسوسة تُظهر هذا العالم البهي من الصور مرسومة والأشكال المنحوتة، كانت لدى عبد الأمير تنتج صوراً جمالية من عالم المعاني. إن الشروط الإبداعية التي كان يعمل بها الفنان جواد سليم جعلته على اتصال مع الإنسان في حياته، وكان نضاله من اجل الإنسان يتلخص في نقل حالة الإنسان العراقي وواقعه - الذي كان يرفضه ويناضل من أجل تغييره نحو الأفضل عبر أداته الفن. وفي هذا يقول عباس الصراف عن جواد سليم، " فالرجل في اغلب منحوتاته، رمزَ الألم والعذاب والمأساة، فهو مملوك ذليل يسير في ركب،(موكب ملك آشوري1942)، وهو شبح محنط في،(البناء1945)، وهو حيوان ملاصق للثور يحرث الأرض في،(الإنسان والأرض 1950)، وهو آلة عضلية ترفع الأثقال في(العامل 1953)، وهو البليد القانع بزمالة كلب في الريف(1954) " (2) هذه الإيحاءات الرمزية التي يذكرها عباس الصراف عن أعمال جواد سليم، هي الطروحات الفكرية التي آمن بها جواد ( بعد أن درس تاريخ العراق وأصبح على وعي ودراية بكثير مما يختزنه من تفاصيل الحياة التي عاشها أسلافه، ووظفها ونقلها كموضوعات في أعماله ، وكما يقول الصراف في موضع آخر من كتابه جواد سليم، ( أن موضوعات جواد في الرسم والنحت مدارها الدراما ألإنسانية)، (ص91)، فنجد هذا المنحى الإنساني للنضال من اجل الإنسان ومتابعة المأساة التي يعيشها، في جملة أعماله التي صاغها صياغة تشكيلية بارعة، وهو الصدى الذي يتردد في شعر عبد الأمير:
" وأنشُر قلبي راية
ترتلُ أحلام شعبي
وأعبرُ ليل السجون بجسر السلاسل
عبر نار رؤى الفاتحين
أنا " عروة الورد "
شيخ صعاليك أزمنة الأرض .
رمز بطولة هذا الزمان المكلل بالنار . ،
رمز الجبابرة الكادحين !! (3)
إن اتخاذ الرموز وبناء العلاقة بين الماضي والحاضر، تمثلت في أغلب أعمال الفنانين والأدباء في تلك الفترة، فقد حدثت هذه الانعطافة التاريخية في بلورة المفاهيم والمنطلقات الفكرية والإبداعية على النحو الذي يجعل من الماضي والتراث منطلقا ً للحداثة، لا الركون والتوقف عند ما مضى. ومن يقرأ البيان الأول " لجماعة بغداد الفن الحديث " 1951 يدرك الفهم الحداثوي للتواصل، " أنهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم، ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية مميزة " (4).
وكذا نجد هذه الروح التواقة لرؤية الوطن والإنسان في أعلى مراتبها عند معظم أدباء وفناني العراق، وعندما نختص في البحث نجد هذا التركيز لدى جواد وعبد الامير، وهما وإن يظهرا البؤس، وحالة التردي التي أصابت الأمة، إلا أنهما يوازيا ما بينهما، ما دعاهما إلى التغني تارة والتوجع تارة أخرى، في مناجاة الوطن والإنسان، واستحضار التاريخ للتذكر، إلا أنهما كانا يتوقان إلى تغيير هذه الصورة المأساوية، فكما نجد هذه الاستحضارات تتلبس أعمال جواد سليم النحتية أو الرسوم التي رسمها، ستكون قصائد عبد الأمير محمولات لهذه الأفكار:
جئت من الآتي..عبرت السنين بيارقاً ينسجهن الحنين
أن تغسل الشمس بأفيائها مياه ينبوع الظلام الحزين
سهرانةُ الأعُين تطفو به كواكباً يرقد فيها الأنين
يعبرُ شوقَ عالم ٍ لم يَزل في رحم الحرف المشظى..جنين(5)
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الفترة التي عاش فيها جواد سليم وعبد الأمير الحصيري لها مثل هذا التأثير في هذا الحراك الفكري، أم هي حالة خاصة بهما ؟ الحقيقة إن النضال من أجل الإنسان والعراق الحر المتطور كان يكتسب البعد الجماعي، ليس على صعيد الأدباء والفنانين وإنما لدى قطاعات كبيرة من أبناء الشعب العراقي، والروح النضالية التي كانت تطغي على مجمل الشارع العراقي، وكان لأبناء الطبقة الوسطى، أو البرجوازية الصغيرة، الفعل الديناميكي في تحريك الروح الوطنية عبر البث الثقافي الذي كانت تمارسه في مختلف الأنشطة الفكرية والفنية، وهي الروح التي صاغت الكثير من الأعمال الأدبية والفنية في تلك الفترة.
عندما نقرأ قصيدة ( يا باسل الحزن )(6)، يتملكنا الإحساس بالفخامة والسمو، التي توصلها الرؤية البصرية للتماثيل والنصب الآشورية وهو إبراز للقوة إذا كان في الحجوم بشكل عام، أو في العضلات والقوة الجسدية للمجسدات. وما يظهره (نصب الحرية ) هو ضخامة الكتلة وحركتها الرشيقة. فعندما نبدأ من صدر البيت لقصيدة جواد النحتية، ( فالنصب بيت شعري كلاسيكي) ، وهو توافق التزم به شعر عبد الأمير الحصيري (الشعر الكلاسيكي)، الالتزام بالوزن والقافية الموحدة ونظام الشطرين، ( الصدر والعجز)، وهو التزام مبني على وعي بما يمثله الشعر من أهمية في الذائقة السمعية العربية. وعندما ننظر في مدونة جواد سليم نجد هذا الجمع بين الرؤية البصرية والرؤيا الذهنية، وإن جاء تمثال الجندي يتوسطهما ليقرب المتلقي من خلال وضعه بين مرحلتين، وهو في الوقت نفسه اختلاف الصدر عن العجز في ثنائية التعبير، وكذلك التزامه بالأسس التشريحية لجسد المشخص، وإن أحدث فيها رؤية تعبيرية مستقاة من الإرث الحضاري العراقي والبعد الحداثوي للتقنية التي أشتغل عليها. وهنا نجد أنفسنا أمام عملاقين استطاعا أن يهضما الأبعاد التاريخية والفكرية لتراث شعبهما، لمنحنا رؤية بصرية وذهنية، تمثلت بشعر عبد الامير ونحت جواد ففي نصب جواد نجد هذه الرؤية البصرية للأشكال متجسدة في عمله النحتي، وفي شعر عبد الأمير هذه الرؤية الذهنية للصور المتلاحقة .
ياسروة الفن غنيها وفاء ندى باغصن أيها للمنتهى قطبُ
وباركيها بالحان لعل بها سراب ساحلها الفضي ينسكبُ
فأنت بالطير والأوتار مثمرةوغفو ظلك بالأسماع مختضبُ
ياسروة الفن ما أشقاك عن ترف مليكه تاجها الحرمان والسغبُ
وعرشها خفق أرواح وأفئدة وشعبها من ثمار السر يأتلبُ
إستبرق الجحد والسلوى لها حلل ومن لألئ حلم حولها قببُ(7)
وهذا هو وجه الالتقاء بين جواد وعبد الأمير، إذ التزم كليهما بالأسس الفنية المستندة إلى قاعدة واحدة، وأحدثا أطروحات حداثوية في بناء الشكل للمفردة، وهو واضح في تقنية التشخيص لدى جواد وبناء القصيدة العمودية عند عبد الأمير، التي ضخ مفاهيمه ورؤاه فيها واختار بعمق مفرداتها، وكلاهما اتكأ على التاريخ والموروث العراقي والعالمي في توظيف النص، ففي صدر النصب ما يعارض عجزه، ويقابل أحدهما الآخر كأنه يندفع إليه، وهذه الثنائية هي التي تحكم قصيدة الحصيري:
أو كنت تخترقين الموت ساخطة ٌ وتجمع الأفق عن أعلامك السحبُ
ونحت ليستل من مجامع الحرقة التي تشتعل في قلب كل ثائر هذا التوثب للحديث عن القهر والظلم والتخلف وما آلت إليه حال الأمة والشعب، ليوقفنا عبد الأمير على الرؤيا نفسها التي تعتمل في داخله وتتطابق وما ذهب إليه جواد، فشعره صور متلاحقة بهذه الثنائية التي عمل عليها الفنان، ( الإنسان والحرية) وكذا هي صور جواد المرئية، في قول عبد الأمير:
ما بالنا نكرم البؤس بصائرنا عن غفلة فنقاسي فقد ما نهبُ
ونستدر جفاف النجم تزكية لمقصد من جرار الصبح ينسكبُ
إذا اتخذنا قبور الريح أوسمة أولد الشمس إن لم يفطن الذهبُ
ولا ستعرنا حديث الرمل تسلية في وحشة الصبر ما دام الأسى يثبُ
مليون عام توارت في تمردها والكون في واحة الإسرار يضطربُ
فلو تعالت جدار لاستراح على إقدامه الترب، والتآذت به الشهبُ(8)
اللغة الفخمة والبهاء الذي يتحدث به، تحمل الفخامة نفسها التي تتسم بها الكتل النحتية في( نصب الحرية)، إذ تجد خلف السرد الذي يتسلسل في الملحمة هناك فكرة ترسخت وتوضحت في المقطع الأول للنصب، وهو ما نجده في رؤية عبد الأمير الحصيري في الأبيات التي يصف فيها جواد:
جواد من صفوة فيها ابيح لها مما تشاء من الإلهام تنتهبُ
سبع أقلت مراسيها على ندم فكل مرفأ على أثارها تعبُ
تسري ببحر عيون تستفيض على مياهه المهج الحزنى فيصطخبُ(9)
إن روح بغداد والعراق ممزوجة في نصب جواد وقصيدة عبد الأمير، وهذا هو البعد الذي اشتغل عليه الفنان العراقي، فناً وأدباً، لأن قضية حب الوطن كان لها التأثير الأكبر في الحراك الثقافي، كما هو في سائر مفردات الحياة الأخرى. وهنا نجد أنفسنا أمام روعة الصياغة التي ألهمت الشاعر كتابة ملحمته، أمام الملحمة الشاخصة أمامه وعظمة الأبعاد التي استقى منها تصوره، إذ نجد التراث والتاريخ العراقي والعربي، يزخر بهما النصب رمزا ً ودلالة، وكذلك هضم جواد للفن العالمي ومؤثرات الفنان بيكاسو واضحة عليه، كما تأثر الفنان بيكاسو وغيره من فناني العالم بالفن السومري والبابلي والآشوري، ، ( الحافر يدق على الحافر )، وهذا ما يعطي للنصب قيمته الإبداعية والجمالية، كونه يضع الحقل الجمالي للشكل بموازاة النص، ويطيح بالمفردة لحساب الشكل العام وتجسيد النص بكتلته العامة. لم يكن تخطي جواد لكينونة الإلحاح بإيجاد فن عراقي عربي، أمام الفنون العالمية، إلا كونه قد تخطى في تلك المرحلة فكرة القطرية إلى الاندماج بروح العصر، وتسامي الفن. لقد بلغ بهما الشغف لإحداث نقلة حداثوية، ولكنها مرتبطة بالموروث والأصالة، وتمثل استمرارا ً لما قدمه الأسلاف من إبداع، مع التحولات الفكرية والشكلية في العالم. إن وقفنا أمام إبداعهما ليس في النصب أو قصيدة يا باسل الحزن وحدهما، إنما في كل ما قدماه من إبداع، وهو ما يظهر، وبجلاء لنا هذا التطابق في الرؤية التي جمعت بينهما، وأخيرا قد تكون الصدفة قادته، ولكنهما غادرا عالمنا، بتقارب زمني في عمريهما.

الهوامش:
1- عبد الأمير الحصيري، ديوان مذكرات عروة بن الورد، دار الحرية للطباعة، بغداد. 1973،ص34.
2-عباس صراف، جواد سليم، وزارة الإعلام، 1972. بغداد،ص88.
3- عبد الأمير الحصيري. ديوان مذكرات عروة بن الورد.ص98. المصدر نفسه.
4-عباس الصراف ، ص96. المصدر نفسه.
5-عبد الأمير الحصيري. بغداد، ديوان بيارق الآتين، مطابع دار الجاحظ، بغداد، 1966. ص8
6- عبد الأمير الحصيري: يا باسل الحزن، مجلة الفنون المعاصرة. العدد الأول، بغداد 1969،
7و8و9_ المصدر السابق.
(صدر الكتاب عن دار دجلة ـ ناشرون وموزعون ـ عمان 2016)

3 ـ [الفن الحديث] تأليف: ماريو امايا، ترجمة: د. نوري مصطفى بهجت.
يذكر الفنان والطبيب د. نوري مصطفى بهجت، انه أثناء ترجمته لكتاب (تاريخ الجمال) لمؤلفه امبرتو ايكو، لا حظ تنويها حول موضوع الفن الحديث، أي: الارت نوفو. فيذكر: انه الأسلوب الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، خلال الثورة الصناعية والمكننة في أوربا، في الحقبة التي كان فيها العراق تحت الحكم العثماني.

فيأتي النص المترجم ليوضح مدى أهمية هذا الأسلوب في الفن العالمي...، وفي فنون الشعوب غير الأوربية. فلقد غدا أسلوبا ً متكاملا ً، بعد أن عمل فنان الارت نوفو على فك جميع الارتباطات مع الحقبة الكلاسية وكسر الحواجز بين الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، لأنه مثل طريقة خاصة من التفكير حول المجتمع الحديث وأساليب التصنيع الحديثة.
وعلى الرغم من تراجع أثره خلال حداثة المجددين من فناني القرن العشرين، إلا انه عمل جسرا ً مهما ً بين مؤرخي الحركات الفنية الحديثة، بالإضافة إلى ذلك فان حركة الارت نوفو قد نالت اعتراف اليونسكو، والمؤسسات المعنية بالتراث الحضاري. لأن الارت نوفو: هو من الأساليب الفنية والهندسية المعمارية والتصاميم والفنون الطباعية المستوحاة من الطبيعة، فضلا ً عن ديناميته الشكلية المتموجة والمتدفقة بالأقواس والخطوط ذات الإيقاعات المتعددة المنبه إلى مكامن الجمال في أصولها وإعادة الحياة لها بمنحها إضافات رمزية وجمالية. لأنه سيشكل نظرة بصرية متميزة على خلاف الفنون والحرف التقليدية، إلى جانب استخدامه للخامات غير المألوفة لبلورة رؤى فنية أكثر صلة بروح العصر.
هنا تظهر أهميته كعنصر يسهم بإعادة العلاقة ما بين المجتمع والفن برؤية متحررة ومحفزة لتأمل الأسرار الجمالية في الطبيعة، دون إهمال العمل على خلق هيئات غير متوقعة. وهي رؤية الباحث ماريو امايا، بعد استعراض تأثيراته في فنون مختلف العواصم الأوربية.
( الكتاب صدر عن شبكة الإعلام العراقي ـ عام 2015)

4 ـ [ التصميم الكرافيكي ـ دراسة تحليلية] ـ معتز عناد غزوان.
توغلت الحداثة في معمار الحياة المعاصرة بقدرتها على بناء مفاهيم تطبيقية باليات سلسة، أو عنيدة، بفعل المفاهيم النظرية. على أن الخبرة النظرية لم تعد فائضة إزاء عصر مميز بالتحولات والتجدد.
الكاتب معتز عناد غزوان يسهم بدراسة مفهوم (التصميم الكرافيكي) وأسسه، مانحا ً النظريات والأفكار تطبيقاتهما اليومية، البصرية والتكوينية، جماليا ً.

فالتصميم الكرافيكي هو: نشاط له علاقة بكل أشكال العرض، ليس بوصفه واجهة تقود الى المنتج في ما يشبه المنبه العرضي، بل هو الطاقة التي من خلالها يصبح الموضوع مادة للخيال والحلم، لا مجرد لحظة استهلاكية عابرة. ذلك لأن قيمة المنتج (المنجز الفني) لا تكمن في مادته، بل في الخطاب الذي يعيد صياغته، ليسهم بتنمية هذه اللغة والكشف عن بعض مخفياتها، وأسرارها.
هذا ما اشره د. سعيد بنكراد ـ في تقديمه للكتاب ـ موضحا ً أيضا ً إن التصميم الكرافيكي هو لغة قائمة بذاتها، لها قواعدها وتركيبها الداخلي، فهي لا تكرر حالة تواصلية سابقة عليها، ولا تستعيد فائضا ً طارئا ً، بل تقول ما لا تستطيع المفاهيم التعبير عنه وفي جميع الحالات لا يمكن فصله عن الرغبة في التعبير عن انفعالات الإنسان، ظاهرها وغابرها، وعن قدرته على تثبيت منتجات الفكر في رموز مادية قابلة للتصميم والتداول في الفضاء وفي الزمن. فما ضاع في اللغة، يستعاد من خلال التعبير البصري. فنحن في واقع الأمر نتحدث داخل عالم ونبصر داخل عالم آخر.
وفد تناول المؤلف هذا الموضوع بقراءة: اثر السريالية وخطابها البصري، وجماليات التكرار، والأبعاد النفسية في ملصقات الأطفال، وفاعلية النقطة ودلالاتها في التصميم الكرافيكي، بالتحليل وبالصور اغناء ً لموضوعه في مجالات طالما أهملت، ولم تأخذ أهميتها كعلامات قائمة على أسس جديرة بالدراسة، والبحث، والقراءة.
( والكتاب صدر عن شبكة الإعلام العراقي ـ عام 2015)

5 ـ[تنمية التذوق الفني التشكيلي ـ دراسة تجريبية] د. ماضي حسن


من يتصفح كتاب د. ماضي حسن [تنمية التذوق الفني التشكيلي ـ دراسة تجريبية] قد لا يخطر بباله إن الكتاب أنجز خلال سنوات الموت: فالاحتلال لم يتوقف عن هدم المؤسسات، الذاكرة، والدولة، بل ذهب ابعد من ذلك بإعادة (العراق) ـ ضمن حرب سرعان ما راحت تتوغل في الهدم ـ إلى ما قبل عصر الزراعة. فخلال هذه السنوات كان ماضي حسن يراقب، برهافة رسام، بلده يتعرض للضياع، بصمت، وكأن ثمة مسرحية أعدت وعلينا أن نؤدي فيها أدوارنا الهامشية، ونغيب.

ولأنني واكبت دراسته، يوما ً بيوم، فان تشبثه بمفهوم التربية، في مجال الفنون التشكيلية، سمح له بإجراء دراسة تجريبية توضح مدى أهميتها في مجالات الحياة بصورة عامة، وعند الفنانين على نحو خاص.
فيذكر د. عبد المنعم خيري، بان الكتاب هو: دراسة ميدانية رائدة في اختصاص التربية الفنية في العراق، فهي تؤكد وجود علاقة بين النواحي الوظيفية والجمالية، فضلا ً عن رسم الخطوط العريضة للطريق الذي يسلكه الإنسان لكي يحصل على المتعة الفنية....، لكنها (متعة) تستند إلى الأدوات، ومنها البصر، فالأخير يشكل نسبة 83%، حيث التذوق الفني يعني تقديرا ً جماليا ً/ فنيا ً، ويحتاج إلى مستوى مهذب ومتطور لإشباع الذهن بالمدركات الصورية المخزونة والممارسة المستمرة لتدريب العين....، إن الباحث معني عبر دراسته هذه بالتذوق الجمالي/ الفني..، ليس على صعيد التطبيقات العملية، لدى الفنان، بل الصعيد النظري أيضا ً.
وعمليا ً فان التربية لا يمكن عزلها عن المستويات الأرقى للإدراك، ضمن الفنون الجميلة على اختلاف تخصصاتها التي تعد وسيلة من وسائل تنمية سلوك الفرد المتعلم وتوجيهه توجيها ً تربويا ً وفنيا ً، فهي ليست دراسة لمهارات حرفية حسب، ولكنها نشاط ذهني وبدني يشحذ القدرات الإبداعية لدى المتعلم، عبر تنظيم أفكاره واهتماماته وتربيتها وتخطيطها، وعبر ابتكار أساليب تستند إلى حداثات العصر، ودورها في بناء ذائقة متجددة، وجمالية.
( صدر الكتاب عن دار ألجواهري ـ بغداد ـ شارع المتنبي)

6 ـ [تناصات المرئي] د. جواد الزيدي.

يختار د. جواد الزيدي المرئي (الصور/ الأشكال/ العلامات/ الرموز ..الخ) ثيمة لمفهوم التناص (مميزا ً الاختلاف بين التناص والإغارة، بين الاستعارة والسطو، بين السرقة الخلاقة والانتحال السلبي...الخ) في التشكيل العربي الحديث...، منهجا ً له في كتابه [تناصات النص]. إن عملية (التأثر والتأثير)، وإلقاء الظلال من العمليات المهمة في الحقول المعرفية بشكل عام والفنون على وجه الخصوص، إذ لا يمكن: نشوء شيء من فراغ ما لم يكن هناك إطار معرفي ومرجعي يغلفه ويحتويه. ويرى: إن كل اثر جديد قائم على مبدأ التناصية، حيث تتداخل النصوص عبر التاريخ الشخصي، أو المرشح من اللاوعي الجمعي لتنتج نصا ً جديدا ً، وهذا ما يفسر لنا التماثل الكبير في حكايات الشعوب على الرغم من اختلاف البنية الزمكانية..

فالنظم المعرفية الحديثة قد اقترنت بأخرى سبقتها، فهي تظهر بأشكال وأنماط مختلفة لكنها تأسست على مبدأ الخلاصات المترشحة منها، ولهذا يعود الفكر والفن إلى المهادات الأولى يستلهم منها توابع جديدة...
ليذكر: ففي الفن تتم العودة إلى فنون الكهوف أو إلى التراث المكسيكي والتراث الفني الأفريقي استشهادا ً بنكوص الفن الأوربي الحديث إلى هذه المرجعيات الهامة، فضلا ً عن الانفتاح على الموروث الجمالي والفكري العربي الإسلامي والتعاطي معه بجدية لاغناء الشكل الفني الحديث وتحديدا ً في حقل الرسم...؛ حيث امتلك "الشرق الإسلامي" نقاء اللون والفكرة المطلقة التي كانت تنعت فلسفته بها، فضلا ً عن كونية الرمزية والخيال الشاعري الذي ينسجم مع أطروحات الواقعية السحرية التي سادت كمنهج لبلورة الخطاب في الثقافة الأوربية.
فيلقي الضوء على مفاهيم التناص ـ المرجعيات والمعنى، ثم تناص الخفاء والتجلي في الرسم العربي الحديث..، واثر المتخيل السحري في الرسم الواقعي العربي..، وتمثلات النظم الزخرفية، والحروفية، وتناص الرسم العربي وجوهر العمارة الإسلامية...
والباحث ـ هنا ـ يضع المتلقي أمام حقيقة إن تجربة الفنان العربي الحديثة وليدة تأثيرات أوربية، متنوعة، ومختلفة، الأمر الذي حتم عودته إلى ارثه الإسلامي...، فظهر النسق ألحروفي كأحد التيارات البصرية، بالإضافة إلى المورثات واثر البيئة والثقافة...الخ، ليؤشر اثر الثورة التقنية وحدوث الانزياح الهائل على الصعيد الفكري والأخلاقي، بهجرة الفنان العربي إلى الأصقاع الباردة، حيث حدثت تحولات نحو التجريد الخالص الذي هجره الفنان الأوربي منذ قرن من الزمن، أو التمثل بتيارات ما بعد الحداثة بعد الضخ الإعلامي للثقافة السائدة...، منبها ً إلى دور وسائل الاتصال الحديثة والسريعة التي كانت عاملا ً مهما ً في التعرف على أدق التفاصيل في حياة الأخر الثقافية وسهولة الوصول إلى المعلومة الجديدة. كل هذه الأسباب مجتمعة دعت الفنانين الشباب للتناص المباشر مع تلك التجارب دون العودة إلى مراجعتها أو مراجعة تراثية، في ضوء حلقات الاندماج والتلاحم بين الثقافات، لهذا لم يظهر تيار فني مرئي يستند إلى تراثه الفكري والجمالي، أو في الأقل ما يصبح امتدادا ً حقيقيا ً لذلك الجيل الذي صنع أدواته وحارب من اجل تكريسها في ذاكرته، وذاكرة الآخر، بوصفها جزءا ً من هوية محلية وإنسانية قبل كل شيء.
(صدر الكتاب عن دار أمل الجديدة ـ دمشق 2015)

7 ـ [محطات بين الطب والفن] تحرير: معتز عناد غزوان.

قد يبدو كتاب [محطات بين الطب والفن] سيرة شخصية للفنان والطبيب نوري مصطفى بهجت، قام بإعدادها، معتز عناد غزوان، ولكن قراءتها، ستقود للتعرف على حقائق جيل رائد لن يقارن إلا بالحقب البطولية! وهذا ليس إطراء ًلشخصية استثنائية مثل بهجت، وليس إضفاء هالة على جيل أنجز مهمته كاملة، بل لأننا إزاء تاريخ أبى أن يدفن تحت رماد حرائق حضارة قدر لها أن لا تغادر بيسر!

فما أنجزه معتز عناد، بإعادة بناء صرح اجتمعت فيه عناصر (الإبداع) يعد ـ بذاته ـ إحياء ً لمشروع (التحديث) الذي عمل عليه جيل الرواد، والذي مازال يتعرض للمحو....
وإذا كان فائق حسن لم يدوّن مذكراته، بسبب انشغالاته بالفن ـ وكما قال لي قبل نصف قرن: لا وقت لدي ّ ـ فان معتز عناد سيكرس جهدا ً علميا ً نادرا ً ودقيقا ً ليدوّن قصة احد علامات هذا الجيل ـ بعد قرون طويلة انشغل فيها سكان العراق بدفن مستقبلهم، قبل دفن حاضرهم، كرها أو طواعية، ليعيد لها مكانتها، في عصر صارت النكبات تتجمع على طمس ملامحه.
وليس هذا ثناء ً للباحث معتز عناد ـ في عصر حرب الجميع ضد الجميع، وفي عصر تقسيم المقسم، وفي زمن: اُقتل قبل أن تقتل ـ بل اعترافا ً بان ما عمل عليه نوري مصطفى بهجت، وجيله، يحافظ على لغز (العنقاء): لغز بلاد ما بين النهرين: تنهض الشعلة من الرماد، كما تنبثق الأنوار من الظلمات، وكما يخرج الحي من الموت!
ولكن من هو نوري مصطفى بهجت؟
عندما أبصر نوري مصطفى بهجت النور، عام 1924 لم تكن بغداد، ومعظم المدن العربية، تحلم بأكثر من ديمومة الانتماء إلى الماضي: قرون امتدت حتى كادت لا تترك أثرا ً لها، كالذي أنجزته بغداد، قبل ألف عام، في عصرها الذهبي. وهذه ليست مفارقة، أن يأخذ التمرد مداه تحت تيار (التحديث) أو أن يضع حدا ً ـ بلا مبالغة ـ حمل عنوان: الريادة، بل، برنامجا ً مازالت قراءته مؤجلة، بما أنجزته من تدشينات رائدة، بعد قرون من الظلمات.
على أن مشروع (التحديث)، بعد الحرب العالمية الأولى، سيشكل ظاهرة استدعت تضافر مكوناتها. فالمدينة، بغداد، للمرة الأولى، لم تعد معزولة عن تيارات التغيير، والتحولات، لأنها، في هذا السياق، سمحت لظهور من يعيد الحياة إليها، ليس وفق تعاليم القرون الوسطى، وعصور محاكم التفتيش، والحروب الأهلية، بل بحسب التحول للعبور نحو عالم قائم على: الابتكارات، والتدشين، ومغادرة الرضا بالخمول، وكراهية المعرفية!
ولأن نوري مصطفى بهجت، في نشأته البكر، وما بعدها، وجد مساحة للتقدم، وليس للردع، فانه لم يغامر في الاكتشاف، وفق مفهوم الكسب أو الخسران، بل أعاد ـ عبر لاوعيه ـ مفهوم بناء الحضارات المخبأة/ المستترة، التي كوّنت خارطة عمل جيناته الوراثية، مع حاضره، كي تتوازن فيهما عناصر البناء، مع مفهوم التدشين، أو الابتكار، في عصر الحداثات الأوربية، بغزارة تنوعها، وعملها على نسج دروب المستقبل، وليس الارتداد، أو البقاء في الصفر. فوجد انه إزاء عالم شبيه بعمل المنقب الاثاري في الكشف عن المخبآت، والمخفيات، وفك طلسماتها، ومشفراتها، فكان الوعي بما سينجز، قاده للحفر في أكثر المناطق غموضا ً: الوعي بالحياة ـ أي الوعي بجمالياتها ـ وإنها لم تخلق للغياب، بل كي تتجانس فيها ديناميتها، وعلاماتها، مع كل تقدم لا يتطلب موهبة معزولة عن الجهد فحسب، بل مثابرة تحكي ذات العناد الذي تمتلكه البذور في مد جذورها داخل أقسى المناطق صلابة.
فالنشأة، وولع بهجت بالفنون، مهدت له ممارسة رسّخ فيها شروطها النظرية، والفكرية، فالخيال لديه، لم ينفصل عن الممارسة العملية، إزاء متغيرات تطلبت عناد البذرة، ولغزها في الأخير. فالرهافة تجذّرت كممارسة ليس لقراءة المشهد، بل للديمومة الإقامة في مناطقه الخلاقة: الحياة بصفتها مشفرة بتاريخ طويل للتحولات من الأرض (الآلهة الأم)، إلى اليد، ومن ثم إلى الوعي، الفكر، وقد اجتمعت لصياغة الوعي بتضافر هذه الأزمنة في زمنها المستحدث، وتكامله، كحياة غير فائضة، وجديرة بالإضافات: التدشينات.
وبقراءة الأسماء المميزة لمرحلة الرواد ـ منذ ثلاثينيات القرن الماضي وصولا ً إلى خمسينياته ـ فان وعيا ً بالتركيب أو التوليف، والتنوع أو التعددية، كان ممهدا ً للخروج من الصفر ـ تقريبا ًـ نحو مدينة ترغب ان تنسج مصيرها، من الداخل، رغم عثرات الماضي وتراكمات سلبياته، من ناحية، والتيارات الحديثة الوافدة أو التي مازالت غريبة، من ناحية ثانية. بل كان على بغداد ان تستثمر موروثاتها الخلاقة المدفونة، وما كان يحدث في العالم، على نحو يعيد إليها هويتها، ومعالمها الحقيقة، كمدينة لم تمت، ولم تدفن بعد.
فكان نوري مصطفى بهجت يمتلك استعدادا ً كي يكون: رساما ً، أو نحاتا ً، مثلما كان هذا الاستعداد ـ بالفطرة ـ ان يصنع منه موسيقيا ً، وبالاستعداد ذاته لم يكن الطب معضلة، إن لم يكن حرية أكدت ان قسم (ابوقراط) فلسفيا ً، قبل ان يكون معنيا ً بمهمات الطبيب، منهجا ً لسبر أغوار المناطق الجديرة بالاكتشاف، والدخول في أبعادها النائية. فالحياة ـ بلغزها ـ تمتد، ولا تغيب، لان حضورها سيعيد ـ من غير تكرار ـ سر عبور ما هو جدير ان يقاوم هذا الاندثار، وكأن الزوال، عبر الحضور، غياب شبيه بامتداد العدم، وقد أصبح حضورا ً تاما ً. فاللعبة تلعب وكأنها كتمت فضائح الغوايات، وصاغت منها، قانون الديمومة، ومقاومة الخمول، أو التراخي، ليصبح عملها تحديا ً دائما ً، وكأن سيزيف ليس معاقبا ً، بل قائما ً على انتظار ما قد يكون انتظاره ليس عبثا ً، أو هدرا ً لرمزية الإنسان، ووجوده في الأصل.
كانت فلسفة الشاب نوري مصطفى بهجت، قائمة على الوعي بما يمثله المستقبل للمدينة، وسكانها، فقد كانت بغداد تستعيد هويتها بالتعددية، وبحريات لم تكن وهمية، أو زائفة، مقارنة بالقرون التي عاشتها خارج التاريخ، وبعيدا ً عن أداء رسالتها.
وهذا ما تفصح عنه قراءة يوميات الطبيب ـ الفنان، أو الفنان ـ الطبيب، لتجربة امتدت أكثر من ستين عاما ً، وهو يعيد تدوينها، كحياة نعيد قراءتها، مرة بعد أخرى، بصفتها قدوة، أو نموذجا ً لإنسان نسج تاريخه، وجعل منه علامات إبداعية، في حقل الطب، وفي مجال الفنون الجميلة أيضا ً.
فإذا كانت (السلعة) تكتسب ثمنها بالجهد المبذول فيها، إضافة إلى عوامل لا تحصى مخبأة فيها، فان الجهد الذي بذله نوري مصطفى بهجت، غادر حدوده الشخصية، نحو المدينة ـ بغداد ـ وحضارتها. وذلك لأنه لم يصنع (سلعا ً) بل صاغ علامات تؤكد ان موت (الفن) ـ بتحوله إلى سلعة أو بضاعة أوالى شيء من الأشياء ـ ليس إلا نسقا ً قد لا يدوم طويلا ً، ما دام الفن ـ والإنسان في الأصل ـ لم يستجب إلى تحول العالم إلى سلاسل من التصادمات، بل، بما يشبه عمل القدر، تحديا ً آخر يعيد تعريف الخلود، بقلب الأبدية، إلى مفهوم ليس للإنسان فيه وقت للآسف، كما قال بطل ساغال، في رواية: الموت حبا ً.
ففي هذه اليوميات، ما يقود إلى: لغز ـ التاريخ، لغز المتعة، أو اللعب، وهو احترام العقول بالدرجة الأولى، وليس إلى الربح، فثمة منفعلة لا مناص إنها غير منفصلة عن ميتافيزيقاها، لكن ليس للغطس فيها، بل للتحرر من التباساتها. فالمنفعة ليست مستقلة، مثلما لا يوجد جمال في ذاته، حتى لو كان تام العلة، أو من غير أسباب، كما في فلسفة بعض المثاليين. فثمة توازن بينهما، يمد بالإقامة، لا على حساب المتعة، أو على حساب الجمال، بل بتضافرهما لصياغة الأداء في الممارسة (الطبية)، من جهة، وعبر بناء النصوص الفنية، من جهة ثانية. فالرؤية لدى الطبيب الفنان تدحض النفع، وتخالف مفهوم الإنتاج ـ الاستهلاك، نحو المعنى، وقد غدا فعلا ً انطولوجيا ً ـ بيئويا ً، ينبني ويتجذّر بالبناء، وقد غدا فعلا ً مستحدثا ً، ضمن أزمنة تميزت بما تركته أزمنة الرداءة، فضلا ً مواجهة الحاضر بقدرات نادرة على التجاوز، والتقدم.
ففي التفاصيل الاستثنائية التي يرويها عن قرى العراق النائية، عبر عمله، كطبيب، وفي تأسيسه المبكر لمشروعات العلاج الطبيعي، ودوره في التجمعات الفنية، من الرسم إلى الموسيقا إلى التجمعات الفنية، والثقافية، لا يغرق، أو يغطس، حيث الشيطان يكمن فيها، بل على العكس، نحيا الحياة بصفتها تحديا ً دائما ً يمنحها ديناميتها ـ وديمومتها.
فالطبيب لم يختر إلا دحض (المهنة) أو (الوظيفة) كي يجعل الوسائل مندمجة بغاياتها، ويجعل منها رهافة ترتقي بالفعل نحو رمزيته، وما يمتلكها من مُثل، وجماليات.
فهل كان هذا محض مصادفة، أن يظهر جيل أسهم فيه رواد: الطب، العمارة، القانون، الشعر، الفنون التشكيلية، المسرح، الموسيقا، الرواية، العلوم الاجتماعية، النقدية، والفكرية..الخ، أم كان استجابة لبلد انتظر قرونا ً كي يغادر ظلماته ويتلمس ما سينسجه تحت الشمس؛ مصيره إزاء عالم يتأسس على التحديات، وليس على الانتظار..؟
يوميات الفنان الطبيب، أو الطبيب الفنان، وقد اشرف على تحريرها شاب دؤوب موهوب شديد الحرص على مفهوم ديمومة الابتكار، الأستاذ معتز عناد غزوان، ستأخذ موقعها ليس في الذاكرة، أو في تاريخ الثقافة الحديثة في العراق، فحسب، بل في الاستجابة لاستكمال تدشينات لو لم تجد، مفازتها، وحلقاتها، وروادها، فان خطر الارتداد ليس مزحة!
وهنا ستأخذ القراءة ممرات كل منها يقود إلى النتيجة ذاتها: الهوية. وإذا لم أكن معنيا ً كثيرا ً بالطب ـ رغم انه احد أكثر شروط الحياة حيوية ـ فان النصوص الفنية للطبيب، ستبقى مميزة بانحيازها لعمل اجتمعت فيه الدوافع الفنية ـ الجمالية، بالنسق الايكولوجي. فقد قدم لنا، مع جيل الرواد ـ واعني بهم الجماعات التي ظهرت منذ نهاية ثلاثينيات القرن الماضي حتى خمسينياته ـ خلاصات شكلت تاريخ مفهوم الفن الحديث في العراق. تاريخ لا يروى حسب، بل غدا مرئيا ً، لتضافر روافده العالمية، بموروثاته الزاخرة بالمشفرات، وبحاضر قاوم غيابه.
فالانحياز إلى الطبيعة: الهواء والمكان ليس استعارة من مدرسة من المدارس، قدر الانحياز ذاته للبيئة بتنوعها الفريد، على اتساع المساحة التي عاشها من أعالي جبال كردستان إلى اهوار الجنوب في الصحين والحمار، كما ان انحيازه إلى أية مدرسة فنية ـ وهذا ما حصل للأستاذ حافظ ألدروبي ـ لم يكن إلا نسقا ً شبيها ً بالانتقال من الشفاهية إلى التدوّين، ومن الإصغاء إلى التأليف على صعيد الأصوات، كمثال لتجريبية استبعدت العشوائية نحو وحدة تضمنت تنصيصات كي تثمر توليفاتها الانطباعية، لكن ليس بالمعنى الانفعالي ـ اللحظوي ـ إلا كي تعزز رؤيته الواقعية في علاقة الفنان بالمكان، وتاريخه، وأساسا ً في منح الروحي شفافية متحررة من القيود. وربما كان هذا واحدا ً من الأسباب التي سمحت له أن يشترك مع فائق حسن والشيخلي والقصاب ومحمود صبري في جماعة الرواد (1950)، وليس في جماعة الانطباعين العراقيين، انتماء عفوي لبدائية معاصرة قائمة على الخبرة، وليس على التلقائية، أو المصادفات، مما سمح له أن يدوّن ـ بالرسم ـ تاريخه الروحي، إلى جانب التاريخ الذي عاشه مولعا ً بالوطن كانتماء إلى الحضارة، وليس للأرض حسب.
ذلك لأن هذه الوحدة، بين التاريخ والذات، شبيهة برؤية الفنان إلى سلامة الجسد/ الفكر، عبر تخصصه الريادي، ومن ثم، فان رؤيته، كطبيب، أكدت ان الحياة من غير فن، كعلامة منفصلة عن سياقها، فالجدل، وربما (الصيرورة)، في هذا النسيج، لخص ّهذه الوحدة، كانسان لم يفرط بما كان يراه ينتظر هذه التعددية ـ وهذا التكامل.
إننا إزاء مثال للرهافة ـ إنسانيا ً وجماليا ً ـ والقائمة على ضرب نادر من أدوات التعبير، من غير إسراف، وبحكمة منحته هذا الثراء، وهذا العنوان: الريادة، من الطب إلي الفن، ومن المرئيات إلى ما تخبأه الحياة من مشفرات صاغها كمن أراد للموسيقا، والموسيقا أبدا ً، أن تحفر جذورها ـ وبراعمها ـ في الإنسان ـ كعلامة ـ وهو يكّون حضوره، بمثل هذا التهذيب، والأمانة، ومن غير تذمر، أو حتى شكوى.
(الكتاب صدر عن وزارة الثقافة/ دائرة العلاقات الثقافية العامة ـ بغداد 2015)





 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6224965   Visitors since 7-9-2002