المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في نجربة رافع الناصري . حين تصنع التقنية عملا

  
علي النجار
  
















الموت عشقا. هذا ما راودني وأنا أراقب خطواتي المتأنية كي لا افقد لمحة عشق, أو لمسة غزل لونية تشرق أو تومض فجأة من سطح هذه اللوحة التي تتسع رؤاها آخذة معها حتى الفضاء الذي يحيطها في قاعة المتحف الوطني الأردني للفنون. وليتكرر الفعل نفسه في العمل المجاور, والذي يجاوره, حتى نهاية العرض, الذي حاولت جهد إمكاني أن لا انهيه . هل كان معرضا استعاديا لرافع الناصري حقا(*), أم كان حفل لاستعادة ما فقدناه من إشراقه الروح عبر أزمنتنا المتتابعة القسوة. أمام هذا الحشد الجمالي ليس لنا سوى أن ننسى كل خساراتنا, عثراتنا, خيباتنا, آثامنا الصغيرة, ضمن إغراءات العاب الروح هذه التي أتابع ومضاتها عبر كل فضاءات هذا العرض الاستعادي. فهل استعاد رافع كل صبوة أيامه المشرقة, دفعة واحدة. هو, الذي بالكاد كان يلاحظ آخر وأجمل انجازات عمره, قبل مفارقتها الأبدية. لقد تأخر, مثلما تأخرنا كثيرا في كشف خزينه المذهل هذا لنا دفعة واحدة. لكن هل نلوم أنفسنا حقا. أم نلوم عثرات أزمنتنا التي ساهمت في تأجيل ما لا يستحق التأجيل. نسمة عذبة حطت على ودياننا. رفت وأنعشت. وغادرت, لكن ما تبقى من آثارها لا يزال عالقا بأذيالنا.

هو رافع نفسه, هو المرح ممزوجا بالجد والإجادة. كما عرفته طالبا في معهد الفنون الجميلة. أنا القادم من مدينة غافية على الفرات في العام(1958). وحيث كنت لا أزال أتعثر بأولى خطواتي على الدرب السهل الممتنع. لم أره ولو مرة إلا وهو مبتسما, مازحا, أو لاهيا بفرحه. ليست لا مبالاة بالمطلق بما يدور حوله. فهو وإن كان سعيدا. واعتقده كذلك. فسعادته استمدها من ولعه بالإفصاح عما يروم من هذه الحياة. وما يرومه سوى الإمساك بظله الشفيف, وعدم إفساح المجال لشطره عن ذاته. ثم بقي ضله وفيا لأحلامه حتى أوان زمن الوداع. لكن, ليس غريبا أن يلتصق ظله بأفضل تلامذته الذين رعاهم كما حضن الأم. وكان وفاؤهم له مشهودا.
ذهب بعض من كتب عن أعماله إلى أنها لا تخلو من تعبير عن آثار مآس, أوهام, أحزان, خرائب وخراب بيئتنا ونفوسنا. لكن هل للحالم الكبير أن يلوث حلمه بخراب ما, هو لم يكن احد صانعيه, ولا مريديه. هو الباحث عن راحة النفس والبال, حق فطري مكتسب. وحيث الطبيعة مصدر إلهامه الأول والأخير, لا تزال تحتفظ لأرثه بالكثير من نقائها. ما بين ضفاف الفرات وحمرة أطيانه. طمر سره. ثم عاد مرة أخرى, وأخرى, ينقب بحثا عنه. لم يكن باستطاعته أن يلوث فرشاته بصدأ النفوس وعث البيئة.

حينما اشترك في احد العروض المكرسة لإدانة الغزو والخراب الذي أصاب بلده العراق(**). لم يقترب من سقط متاع الحروب, ولا قذائفها, استعراضا, كأقرانه المشتركين في هذا العرض. معرض(موطني), الذي أقيم في قاعة سوات, في دبي(2010). كان رافع الناصري, هو الوحيد الذي لم يشبه الآخرين, في قراءته للمحنة العراقية المعاصرة. فهو لم يستطع, ولم يكن بإمكانه أن يقترب من أدوات الحرب الشرسة, ولا أن يستعرض قساوتها, وآثارها المرعبة. فكيف بصنعها, ولو افتراضا, كما زملائه في هذا العرض. رغم ذلك, فان أعماله أبانت عن أطياف غربة سرية لا تخطئها العين. هي مجرد استرجاعات لأزمنة لا يود أن يفقدها, أزمنة باتت أرشيفية. هي دجلته وفراته, هي الطبيعة و بيئته المحلية التي فارقها قسرا, تعاود حنينها, ولو من على صفحات مصورة باتت صفراء لقدمها. لكنه وكما في بقية أعماله الأخرى, لم ينسى اشتغالاته النصية. وكانت نصوصه المثبتة على هذه الأعمال الصور, لا تحمل إلا تأويلا واحدا, هو الحنين لاستعادة الديار وشواطئها. فهل استعادته الديار!, لتتعادل المعادلة الصعبة لاستحضار النقاء الذي بدت علامات فقده تحوم في الأفق ناعبة.

خلال كل محاولاته اكتشاف سر الطبيعة الأم, وهي منطقة بحثه المفضلة. لم يتواني عن التنقيب عن جوهر أسرارها, التي لم تكن لغزا بالنسبة له, بقدر من محاولة للإنصات إلى تلاوين مبثوثات لحم الطبيعة ولحمتها. ومظهرية سرمدية فضاءاتها اللا متناهية. لم يكن إلا منقبا دارجا في اللا متناهي من أسرارها. وكلما تقدم به العمر, كلما زاد شغفه بلا متناهياته, حيث لون الشفق الأحمر بدرجات عتمته ورقته سكنا لحواسه القابضة على لا محدودية تيه فضاءاته. هل كانت الطبيعة لرافع زهرة الربيع, أم الربيع مزهرا. أم الأحمر يختتم به أزمنة مهرجانات عمره(1). هل هو ختم الشمع أودعنا, حاويا على كل إسرار صنعة ايامه. ربما كان يتنبأ بما سوف تؤل إليه أسراره وأختامها. أو ربما هو القلب الذي يخفق في اشد حالات انفعاله. لكنه, وهو العقلاني, لا يني عن ترويض حتى نزوات قلبه.
ثمة احمر صيني, واحمر هندي, واحمر عراقي بلون حبات الرمان. اللون الصيني مشرق, لكنه ملتصق بسطح الورقة وقابضا على مساماتها. الهندي منحدر من عتمة جوف المعابد, زقورة بنكهة تماثيلها الشبقية. مثلما هو احمر مهرجاناتهم الذي لا يخلوا من جمالية, لكنها جمالية مراوغة, تتبخر بمجرد ملامسة الهواء مخلفة طعم البنفسج. احمر رافع الناصري غير ذلك في أعماله المتأخرة, هو متعاشق وبكل درجات أطيافه المتعددة والورد. والورد ديمومة العشق, لا نزوته. فهل سعى رافع ليديم عشقه, ام ليمنحنا ديمومته, التي هي جذوة الحياة, وعصارتها الوجدانية الأحلى. حكمته التي نماها طوال سنوات كده الفني, هي التي بقيت مترسبة حيث آثاره ما أن تلوح حتى ترقق أحاسيسنا. فهل كلن فنان حسي!. اعتقده كذلك.
حكمة السنوات المتقدمة والخبرة المتراكمة بعالم اللون البيئي والوجداني, لم تكن مجرد عبث. لقد أهلته لان يهبنا أطيافا, ما كان غيره ليمنحنا بمثلها. وليس لنا سوى ان نعيد السياحة في عالم هباته المصنوعة من ينبوع الجمال العذب.
كثيرا ما يتحاشى من يتصدى للكتابة عن أعمال الفنانين مفردة الجمال, كي لا يقع في مطب تجاوز مقومات العمل الفني لصالح البهرجة الجمالية التي تتحاشاها أعمال ما بعد الحداثة. لكن فنان مثل الناصري تدرب كثيرا ضمن فضاء حداثة الفن في عنفوان زمنها التعبيري الأدائي, وبلغ بها شأوا منذ السبعينات. في تلك الفترة الزمنية التي كان بها اللون عنصرا مهما في صياغة الأعمال الحداثية الجديدة, بكثافته, ورقته, وسيولته, وسطوته, بعد انتشار الاشتغال على الوسائط اللونية الجديدة, ومنها مادة الأكريل, الذي سمح للون(البيور) ان يأخذ مداه على اتساع أحجام الرسوم الكبيرة. كان رافع من أوائل الفنانين العراقيين الذين جربوا الاشتغال بهذه المادة التلوينية, واكتسب درايته الكاملة بمديات قدراتها الأدائية, ولينتج لنا أعمال, أن لم نقل عنها مرادفة لأعماله الكرافيكية, فهي تقترب منها في فضاءاتها وملمسها واحفوراتها. ثم لتتعاشق وإياها في مستويات واحدة.
لم تكن معارف رافع بحراك التشكيل الشرقي والغربي, عبثا. هو الذي حرص على أن يكون على اتصال دوري بتحولاتها, وطرق مسالك معالجات أسرار تقنياتها وأداء موادها الصانعة للعمل. ولم يكن كل ذلك ترفا, أو مجرد حب استطلاع. بل كان مسعى تثقيفيا لاستحواذ أدوات بحثه المضني من اجل فض أسرا ارثه البيئي المحيطي والأثري. بأدوات حداثية, هي جزء من ارث عالمي. لقد حاول بأدواته هذه استكشاف مناطق بكر, وحيث أسرار الروح المعجونة بتربة شواطئ طفولته وإقامته البغدادية. سارحا حتى أفق سماواتها, حيث خط الفصل هو نفسه خط الوصل. خط ترك الناصري كثيرا من سنوات عمره معلقة على حد شفقه. موازنا ما بين خفتين. هما من ابتكار ذراته الفيزيائه الافتراضية, وقبة السماء الحانية على فضاءات (أرض السواد) المعطاءة. ثم مر خفيفا بينهما. تاركا آثار لغز مروره.. لقد كانت السماء في أعماله السبعينية متنافذة والقباب الإسلامية. عمارة للروح قبل أن تكون للمشهد الأثري.
لم تكن اللوحة في أعماله الأولى إلا حرفا. ولم يكن الحرف, أو النص ألحروفي, في أعماله المتأخرة إلا علامات أثرية ضمن علامات أخرى. لقد اتسع سطح العمل حد احتواء البيئة والأثر والنص في عملية تراكمية تعاقبية, وانتهى إلى إعلان سطوة الفضاء على ما عداه من علامات. واعتقد أن هذا الأمر لا بد له أن يحدث. فالسبعينات هي زمن الحرف العربي بلا منازع. ورافع كان احد فرسانه المغامرين. وكان الحرف في أعماله الحروفية الكرافيكية, يقترب من شاكر حسن آل سعيد, لكنه في نفس الوقت يفترق عنه. يقترب لإعلانه الحرف قيمة لذاته(كما أل سعيد). وافتراقه عنه, بكون حروفه كانت مهيمنة في صياغتها البلاستيكية على مساحة واسعة من عمله, لتشكل دالتها الأبرز. بينما كان حرف آل سعيد, مجرد علامة مهملة, رغم ضروريتها لصالح مرجعيتها المحيطية.
قليلون هم مجايلو رافع الناصري, حتى على المستوى الفني العالمي, في مجال اختصاصه الكرافيكي والتلويني. وتحضرني التجربة الانجازية للفنان الصيني الفرنسي(تشاو ووـ سي ), التي تحمل مشتركات متقاربة ومنجز رافع الناصري. أولا: بمرجعيتها الصينية للرسم المائي والكرافيكي الذي تدرب عليه بداية حياته الفنية(مثلما مرجعية رافع الناصري الصينية لدراسية للحفر على الخشب والألوان المائية ). ثانيا: تحولاته اللاحقة اثر مغادرته بلده الصين والمكوث في باريس, و تأثره في بداية مشواره الأوربي بالفنان النمساوي( بول كليه). ومن ثمة اطلاعه في السبعينات على البوب الأمريكي في نيويورك رغم قصرها. (تساو) ومن اجل بناء مجده الفني في أوربا, حاول الافتراق عن مرجعيته الصينية الفنية التقليدية وتقنياتها. لكنه لم يتخلى بالمطلق عن استلهام ارثه الفني الصيني الذي هو جزء من ارثه الشخصي. وكانت عناصر هذا المورث الصوري والخطي الأبرز, هي الحاضرة دوما في كل أعماله اللاحقة, رغم تقنيتها التجريدية الأوربية المعاصرة, التي لم تكن تخلو من اثر للتعبيرية.

لقد سعى(تساو) للعمل على أن تتداخل في تفاصيل مظهرية أعماله كلا المرجعيتين (الشرقية والغربية), من خلال فهمه الشخصي لكامل عناصرهما الأبرز والأكثر تأثيرا لإنتاج الأثر الفني. فهو لم يتخلى في رسومه الزيتية عن المنظور المتعاقب الذي هو عنصر أساسي من عناصر رسوم المشاهد الواسعة في الرسم الصيني, لكنه سعى لتحويره ليخدم أغراضه الفنية الجديدة. ولم يتخلى عن عناصر بيئته الأثرية. لكنه وفي كل محاولاته اشتغل على أن تنصهر هذه الميزات والعناصر في مشهديه متداخلة لا متقاربة, تؤكد فنتازيا فضاءات البيئة والتفاصيل الكرافيكية الدقيقة المبعثرة أو المنتشرة ضمن مساحات موشور ملونته وظلال خلفياتها أو أطيافها. كما استرجع التقليد الصيني بامتداد العمل لأكثر من لوحة(ثلاثة لوحات متجاورة). مع استعادة الحساسية اللونية (كما في موشور الألوان المائية)لخلق صياغات فنية تضمر افتراقات بنية أعماله الداخلية والوسط الفني الأوربي. افتراق لا يتقاطع بشكل مطلق معه. من هنا تكمن أهمية أعمال هذا الفنان, الذي ساهم في الهام الكثير من الفنانين المعاصرين. ولا يزال تأثير أعماله واضح حتى الآن, لدى العديد من خيرة الفنانين الملونين العرب.
تتشابه مصائر العديد من الفنانين, وتفترق أحيانا. ورافع الناصري اعتقده الرديف المتكافئ للصيني (تشاو) على المستوى الفني العالمي المتقدم. كلاهما بني مجده على تقنيات الحبر و الورق أولا. وبقيت هذه التقنية هي الخلفية الأساس لكل نجاحاتهم اللاحقة. مع اتساع مساحة اشتغالهم بتوظيف مفردات مرجعياتهم الأثرية. بدأ من النصوص الحروفية والاشارية إلى البنية المعمارية المحيطية. من خلال محاولات لتفكيك وإعادة صياغة عناصر الطبيعة الأربع, في اجتهادات صياغة ملونتهم المهيمنة على بقية عناصر العمل الأخرى. مثلما أنتج(تساو) في السبعينات أعماله التجريدية المهمة التي أهلته واحدا من خيرة الفنانين التجريديين الأوربيين. كذلك رافع نذر جهده الفني للعمل التجريدي سواء الكرافيكي أو ألتلويني, بالتزامن وتجربة تساو الفنية. أي في أثناء, وبعد دراسته في برشلونة. لكنه وكما تساو لم تغريه الأعمال التجريدية الأوربية لذاتها, إلا لينفذ منها إلى تصوراته الخاصة. لقد كان درس الحفر على المعدن(الكواتنت), الذي تدرب عليه في برشلونة(2), مع مشاهداته الأوربية, كشفا هائلا دله على مساره الفني الجديد. مسارا قراءة الأثر المحيطي المحلي بأدوات تجريدية أوربية, هي الإضافة المهمة ألأخرى لمهاراته الشرقية السابقة.
الكرافيك هو عشق رافع وهو حاضر في كل استلهاماته الفنية. مرجعيته الورقية حاضرة. سواء كنص(كاليغرافي) شعري, أو حروفي. في دفاتره الفنية, أعماله الكرافيكية والتلوينية. تقنيته اللونية هي بعض من أثار تقنية حفر الطباعة الذي سال حبره وعم السطح واخترق الأخاديد. هي نفسها في أعماله الملونة بالاكريلك, رغم اتساع مساحاتها. ولو تفحصنا أعمال الكرافيك(الكواتنت) التي أنتجها وعرضها في دارة شومان ـ عمان (1997). لوجدناها تحمل نفس خصائص أعماله الملونة الكبيرة(200 في 200 سنتمتر) المتأخرة التي أنتجها في عام(1013) هو إذا يعيد إنتاج تقنيات خبرته الورقية على مواد أولية أخرى, عبر أزمنته المتعاقبة, رغم اختلافات اداءاتها. ويحقق فيها نفس النتائج المتقدمة الأولى. إن لم يتعداها. بالتأكيد خلف كل ذلك تكمن حساسية الفنان الفائقة التي تخط مساراتها عبر فضاءات أعماله المفتوحة على خطوات اقتراحاتها. فهل كان القدر يقود خطواته عبر مسالك الأجداد, حتى زمن المنجز العالمي الحديث, كما كان بالنسبة للصيني تساو. إن كان ثمة مشتركات جمعت أعمال رافع الناصري بأعمال(تساو ), فهي, وبرأيي
مشتركات فرضتها طوبوغرافيا الأثر الجغرافي والكاليغرافي الخطي. لكن طوبوغرافيا موطن (تساوـ ووـ كي) الأصلي, ليست كما طوبوغرافيا الناصري. كما أن النص الصيني ليس كالنص العربي. إضافة إلى ما أضافه الناصري لعمله من علامات أثرية محيطية وإسلامية وحروف ونصوص عربية. لقد كانت مناورة الناصري العلاماتية أوسع من نظيره (الصيني ـ الأوربي). بعدما وعى الناصري درس الحداثة الأوربية, استيعابا وتقنية. وكان لهذا الدرس الحداثي أثره الأعمق في تحولاته اللاحقة والذي استمر مرافق له طوال مسيرة حياته الفنية الثرة.
اعتقد, ومن خلال ممارستي المتواضعة لحفر الأحماض الكرافيكي, بأنه فن التعلم على الصبر, وحبس الأنفاس, ليس لانتظار النتيجة النهائية, بل لصنع ه النتيجة. هنا أتذكر الدرس الأول لأستاذ الخط العربي المعروف(هاشم البغدادي) وهو يقود أولى خطواتنا لرسم الحروف, بقوله: احبس نفسك حتى نهاية رسم الحرف, ولتبقى يدك ثابتة مع الإنصات لدقات قلبك.. بالتأكيد هو يقصد بث الروح في الأنامل التي تقود الحبر عبر مساراته الدقيقة التي خلفتها فطنة الأجداد, القابلة للتشذيب دوما. ليست قصبة الخط سوى أداة. كما إبرة الحفر الكرافيكية. لكنهما أدوات بحاجة لان تتحول إلى بعض من ألأجزاء الاستثنائية لجسد الفنان. لا أن تكون غريبة او طارئة. الفهم الوظيفي للأداة الفنية وعلاقتها بجسد الفنان وذهنه. هو الذي يخلق من الأداة عقلا قد لا يحتاج إلى القيادة في لحظة الهام مستحضرة. كما الألوان وبقية المواد الأولية, هي نفسها, من يستعملها المحترف الملهم, والمبتدئ. لكن يبقى للإلهام سطوته الخاصة التي تنتج أعمالا باستطاعتنا أن نطلق عليها فنا. واعتقد أن هذا الأمر, هو بالذات, ما كان يدركه رافع الناصري. الفن بالنسبة له سبيلا موصولا بذاته الفاعلة التي نذرت نفسها لمسالكه لا عن قصد سوى الإنصات إلى نبض قلبه المفعم ببهجة الحياة, رغم قسوة طوارئها التي جرب مراراتها في أزمنة غربته المتأخرة, نأيه عن بغداده التي استلهمها أرضا ونهرا وارثا. عن ألفة ضاعت في دروب البحث عن مرادفاتها. لكنه, وهو المكتنز حبا للحياة المعطاء, بقي وفيا لعطائه ذاته, دون أن يعفره بأية ملوثات, وما أكثرها في أيامنا هذه. لقد حافظ وبمعجزة على تماسكه مثلما حافظ على ثبات يده التي تقوده إلهامه, وحتى وهو يصارع آفة جسده التي أخذته منا. فهل أكثر ثباتا من هذا.
الحفر ألطباعي على الخشب, وأسرار الرسم المائي, هما خبرته الأكثر أهمية, التي لازمته طوال حياته الإبداعية. لكن, وعلى الرغم من كل ما عرفه عن أسرار صنعتهما الفنية, مع ما تبعها من تقنيات الكرافيك الأخرى. لم تكن هذه الخبرة بالنسبة إليه إلا مجرد أداة جاهزة للحفر في عمق الأثر, اثر أقدام الغابرين من ارض السواد. ومهارة الكرافيكي في طبعته الحبرية السوداء التي هي دالته الأكثر وضوحا. الطبعة السوداء بعمق وقساوة مشارطها(خطوطها) ودرجات ظلالها, وعثرات أو نجاح حضوضها. هي التي مهدت له سبل الارتقاء في مسيرته الإبداعية المتوالية. ميزاتها المهمة ,هي التي حافظ عليها في غالبية أعماله إن لم تكن كلها. فالصنعة المتقنة مطلوبة بموازاة التصور والبحث عن مصادر الإلهام. ويبدو أن درس أستاذه الصيني(هوانغ يو يي) الذي فتح عينيه على وسعها لملاحظة تلاوين البيئة البكر, كما هو حال الفن الصيني التقليدي بتقشف ضربة فرشاته يصنع كائنا.
رغم كل ما تعلمه رافع من درس الحداثة الأوربية, في دراسته الحفر على الزنك في لشبونة لاحقا. إلا أن الفرشاة الصينية بقيت ملازمة بوفائها له ولتنتج لنا هذا الكم المبهر من الدرس الفني الجمالي الذي لا يضاهى. هذا ما تخبرنا به أعماله الكرافيكية. منذ طبعاته التي نفذها في زمنه الدراسي الصيني. ومنها المنظر الطبيعي (1962) العمل الذي استوعب به أسرار رسم الطبيعة الصينية حفرا على الخشب. أعماله(المونوتايب) التي نفذها في بغداد(1988). هي الأخرى لا تخفي بالمطلق اثر الفرشاة الصينية, رغم كونها تخط حروفا عربية. كما في رسوم كتابه عن محمد درويش في عام(2009). وان لم يكن تأثير ضربة هذه الفرشاة واضحة بقوة في أعمال أخرى,مع ذلك فان آثارها لا تختفي بالمطلق. فالدرس الأول لا يغادر الذهن بسهولة إلا ليعود في صيغ أخرى. هكذا هي أعمال رافع الناصري تعاود صياغة درسها الأول دوما. بموازاة الحراك الثقافي الجمالي الزمني. ولتبقى في مصاف العلامات البارزة للفن التشكيلي العراقي. وفخر للمنجز الفني لواحد من ابرز فناني عقد الستينات إبهارا.

06ـ02ـ2014


احالات :
(*) ـ رافع الناصري(50) عاما من الرسم والطباعة. عمان المتحف الوطني للفن, العرض الاستعادي, نهاية عام 2013.
(**) قاعة سوى, دبي. المعرض المشترك لمجموعة من الفنانين العراقيين, بعنوان(موطني) في آذار(2010).
(1)ـ أعماله الملونة(ابن زيدون) ومقاربات لها(2010) المنفذة الأكريل على الكامفس, وبقياس مقارب للمترين مربع. التي تطغي عليها أطياف اللون الأحمر ومقارباته.
(2) ـ زمالة كولبنكيان للدراسة في (كرافورا) لشبونة لتقنيات الحفر على الزنك والحجر
(1967 ـ 1969 ) Gravura


التشكيل العراقية.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6457386   Visitors since 7-9-2002