المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

 القاص والروائي العراقي برهان الخطيب لــ( القصة العراقية )

  
 حاوره: عدنان حسين أحمد
  
- يجب أن يكون الروائي مستعداً لخسران حياته من أجل الرواية.
  
تتسم تجربة القاص والروائي العراقي برهان الخطيب بالتجدد الدائم. فمنذ أوائل الستينات أثارت قصصه الإشكالوية العديد من التساؤلات لأنها كانت تجمع بين المنهج الميتافيزيقي لجيل الستينات والمنهج الاجتماعي لجيل الخمسينات كما ذهب الناقد زهير الجزائري. وأكثر من ذلك فأن الناقد علي جواد الطاهر كان أول من نبّه إلى موهبة برهان الخطيب القصصية والروائية إذ وصفه في مجلة ( ألف باء ) بأنه كاتب من نسيج وحده، ولأنه كذلك فقد تعرض للاستجواب والمساءلة القانونية غير مرة إذ مُنعت له العديد من النتاجات، لكنه ظل أميناً إلى قلمه ومبادئه الفكرية إذ آثر الغربة كي يظل إبداعه نقياً وبعيداً عن مقص الرقيب. تنقل برهان الخطيب في أكثر من بلد ليستقر به المطاف في السويد، فقد تخلى من أجل الأدب عن الهندسة، ثم هجر الصحافة لاحقاً، كما ضحى بالترجمة، مهنته الثانية بعد الهندسة ليتفرغ نهائياً لعالم القصة والرواية. وبمناسبة صدور روايته الجديدة ( الجنائن المغلقة ) سنسلط الضوء في هذا الحوار على تجربته الأدبية والحياتية وما اكتنفها من إشكالات حاسمة غيّرت مجرى حياة أديبنا برهان الخطيب. وفيما يلي نص الحوار.

 كيف تهيأت الظروف لبرهان الخطيب لأن يكون روائياً، هل أعددت نفسك لهذه المهنة الشاقة والممتعة في آن، أم أنك تعّثرت بكتاب ما مصادفة أشعل في ثيابك حرائق أزلية؟ ما دور الأسرة والحي والمدينة في تكوينك الثقافي؟
- الروائي مثل شجرة، مثل صخرة، مثل نهر، مثل بركان، كيف يمكن السؤال عن تكوينه، أقصد الروائي الحقيقي الذي لا يختار هذه الحرفة قصد الحصول على مكسب معنوي أو مادي، بل تختاره الحرفة أيضاً ليكون مسرحها وأبنها الشرعي، ولو اختصرت لقلت أن برهان الخطيب هو ابن المكتبة التي أوجدها أبوه وأمه في بيتهما المفتوح لناس من مختلف الأديان مناراً لثقافات متعددة، وقبل ذلك حفيد الشيخ مهدي الذي علمه النحو والقرآن، وأخيه الشيخ أحمد المكفوف العجيب صاحب مدرسة الكتّاب الوحيدة في (المسّيب) وقتها، والجدة المليئة بالحكايات والأخبار، وبرهان أيضاً ابن سوق الدجاج العريق ملتقى الأقوام والأنعام، وأبن بابل الجديدة والقديمة الغنية بكل شئ حتى بفقرها. الأسرة والحي والمدينة والعالم كله فيما بعد أعمدة استقرت عليها شخصيتي أو شخصياتي المتعددة لو صح القول، لكنني لو لم أكن برهان ربما الذي ولد وفي فمه سن روبسبير وريتشارد الثالث ولويس الرابع عشر لما كان لكل تلك العوامل شأن يذكر في نحت قدري كروائي، فإلى جانبي ترعرع إخوان لي أيضاً وثلاث أخوات أصبح أحدهما طبيباً وفناناً والآخر عاملاً فنياً والشقيقات دكتورة جيولوجي ومعلمة وشيخة لعشيرة، لكن أحداً منهم لم يحاول أن يختط الدرب الذي اتخذته لنفسي وأنا أكبر الأبناء. العوامل العامة مهمة إذاً، لكن الشخصية تبقى هي الأهم.

 بعد ذيوع روايتك ( ضباب في الظهيرة ) انهالت عليك الآراء النقدية التي أطلقها النقاد، لكن تقييم د. علي جواد الطاهر وضعك في ( خانة ) استثنائية، إذ قال:( أن برهان الخطيب هو كاتب من نسيج وحده ) ما دور وتأثير هذا التقييم الإيجابي على برهان الخطيب ومجايليه من الستينيين؟
- كنت أشعر أنني كاتب من نسيج وحدي قبل أن يصرح د. الطاهر برأيه هذا. أعتقد أن د. الطاهر قد كشف في هذا التصريح عن نفسه أيضاً مثلما كشف عني لآخرين، أقصد أنه أثبت مرة أخرى عن جدارته وقدرته الاستثنائية على النفاذ إلى جواهر الأمور. شعرت وقتها ولإحترامي الكبير له أن عليّ أن أثبت صحة نبوءته بأعمال جديدة استثنائية بقيمتها الفنية حتى لو تطلب هذا التضحية بوظيفتي كمهندس وبحياتي، وهو ما ساعد على دفعي إلى خوض تجربة الغربة سعياً إلى حرية التعبير، وهذا ما أنجزته. اليوم أجد لكلماته التي قالها ل ( ألف باء ) قبل أكثر من ثلاثين عاماً وزناً أكبر مما كان لها آنذاك، لأنها مرّت بإختبار الواقع ونجحت فيه، اليوم مثلاً خابرني الصديق الشاعر والفنان صادق الصائغ من جدة، وهو المتحفظ في آرائه، وعبّر لي عن حماسه وإعجابه الكبير بروايتي الجديدة ( الجنائن المغلقة ) حدا كاد يبكيني وقبل ذلك بروايتي ( الجسور الزجاجية ) وهنا في ستوكهولم كَتبت سيدة الدراسات الشرقية في السويد الأستاذة الرصينة جداً مارينا ستاغ عن ( الجنائن المغلقة ) بأنها رواية تشويق عربية سياسية من طراز رفيع، وهي ثمينة جداً للقراءة. . وغيرهما كما تعلم. . هذا يؤكد نبوءة الطاهر إذاً. في أواخر السينات أثارت مقابلة الطاهر وتصريحاته فيها عاصفة من الاهتمام والتعليقات بالطبع في الأوساط الأدبية، فقد كانت تلك هي المرة الأولى ،كما أعلم، يجري الحديث فيها عن جيل الستينات وضجته حيث صنّفه إلى تجريبيين وتقليديين ، بينما تم استثناء الخطيب في خانة خاصة كما ذكرتْ، وفي مقهى أدبي أذكر أن الشاعر سامي مهدي سألني مبتسماً مازحاً خارجاً عن جديته المفرطة ما معناه:ما سر هذه الحظوة لبرهان لدى الطاهر؟. . فابتسمت ولم أرد، لكن عبد اللطيف السعدون رد بمزاح آخر لم يعجبني كثيراً فقلت بترفع: السر في الموهبة، من غير أن أشك أن المقصود هي أيضاً موهبة الناقد والإنسان الكبير د. الطاهر. لم أغرب عن ذاكرة الطاهر حتى بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على مغادرتي العراق وانقطاعي عنه بمشاغل الدراسة والعيش فقد فاجأني يوما بإرساله كتابه الفخم الثمين ( مقدمة في النقد الأدبي ) إلى عنواني في موسكو مُزّيناً بإهدائه الكريم إليّ مما كان له أعظم الأثر في نفسي.

 مَنعتْ السلطات المتعاقبة العديد من قصصك ورواياتك أبرزها ( الشرف)، ( الطلقة)، (شقة في شارع أبي نؤاس )، ( الجسور الزجاجية ) وغيرها، وأُحلت إلى التحقيق غير مرة، هل لك أن تحدثنا عن الملابسات الفكرية والسياسية التي تكتنف أعمالك الأدبية لتفضي بك إلى محاكم التفتيش؟
- المسألة ببساطة أن أحزاباً وسلطات في منطقتنا تريد لمصلحة ضيقة جعل توجه واقع مطابقاً لتصوراتها، بينما أحلم أنا لجعله مطابقا لمصلحة الجميع. هم يرون أن خط الصراع في الحياة يمر بينهم وبين أطراف أخرى، موجودة حتى داخل الوطن أحياناً للأسف، بينما أرى أنا ذلك الخط يمر في نفس أي منا، وطنيين كنا أو أجانب، بين وحشية قديمة ترفض التفاهم والتلاؤم والتحّضر الجديد الذي يحقق للمرء إنسانيته، أو هكذا ما ينبغي أن يكون،ليكون للصراع مردود تقدمي على طريق نافع للكل، أي أنني أطرح في أعمالي رؤية للمستقبل، حتى لو كنت أكتب على مرجعية تاريخية، غير التي يؤمنون بها، لذلك تعرضت أعمالي للمنع من قبل محدودي التفكير، فيما أستقبلت بالترحاب من قبل أصحاب العقول المستنيرة كالرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي تكّرم وأرسل لي خطاباً يتمنى لي فيه التوفيق والرواج لمؤلفاتي والنجاح في حياتي، والدكتور الرميحي وزير الإعلام الكويتي وغيرهما. الصراع في المقام الأول ليس بين السلطة والمثقف، بل بين المثقف والمثقف، عكس هذا يكون الصراع مضراً بالثقافة على المدى البعيد هذا لا يعني أن يسّخر المثقف ليضرب أخاه المثقف لمصلحة سلطة أو حزب وإلاّ كان يسخَر من نفسه. خذ مثلاً ما فعله اتحاد الكتاب العرب معي، فعندما قدّمتُ روايتي ( ليلة بغدادية ) ، فعندما قدّمتُ روايتي ( ليلة بغدادية ) إليهم لتعضيدها وطبعها صدرت موافقة في ذلك وقرروا صرف مبلغ ( خيالي ) في تعضيدها مقداره خمسون دولاراً! ثم حدث شئ فنطازي غريب. . الرواية تمنع من الطبع رغم وجود موافقة اتحاد الكتاب على تعضيدها وصرف المبلغ الذي تبّرعتُ به لكتّاب في الشام، ثم بقدرة قادر يصدر قرار آخر من اتحاد الكتّاب نفسه بعد عام يمنع المخطوطة نفسها من الطبع دون تقديم تفسير عن ذلك، والمخطوطة طيلة الوقت في يدهم. أثار هذا التعارض ضجة بين مثقفينا هناك وتساؤلات وقتها لكني تناسيت تلك المشكلة حرصاً على سمعة الاتحاد، ولم أذكرها سوى الآن في باب طريف ما يحدث حين تخدم الثقافة غير نفسها. يبدو أن أعمالي الأدبية تسبب إرباكاً ليس فقط للذين ينظرون إلى الوراء، بل لبعض الذين ينظرون إلى الأمام أيضاً. . لماذا؟ لسوف أقرأها حين أشيخ لأعرف أفضل، الشيخوخة على كل حال سوف تنقذني من إدراك الكثير من المخاوف الكبيرة، على قول الروائي الرائع غراهام غرين.

 تنزع رواياتك إلى مخاطبة ( الصديق ) و ( العدو ) في آن، وتحاول الجمع بين المذاهب المختلفة فكرياً وسياسياً كما ذهب ماركيز وهمنغواي ومحفوظ، ألم تتعرض إلى انتقادات حادة بسبب صعوبة هذا المنحى وخطورته؟
- حين انتهى الطاهر وطار في موسكو منتصف الثمانينات من قراءة روايتي ( شقة في شارع أبي نؤاس ) صاح: هذه رواية بعثية،لو كان البعثيون يفهمون ما منعوها!.. كدت أقول له اخفض صوتك رجاءً كي لا يسمعك المرافقون حولنا فأفقد وظيفتي أو أُسّفر. . لكني سكت ولم أقل شيئاً خشية أن يسمعوني أنا هذه المرة إذا لم يكونوا سمعوا الوطار حتى ذلك الحين فأفقد الوظيفة والإقامة مؤكداً، ولا أدري سمعوه أو لم يسمعوه. . رأيت سعدي يوسف يبتسم. عل كل حال فقدتُ وظيفتي وإقامتي بعد فترة قصيرة سّفرتُ في ليلة ليلاء إلى الشام. قبل ذلك في العام 1973 رآني أحد الأصدقاء الصحافيين العارفين في زيارة قصيرة لبغداد فدهش وقال مذعوراً: روايتك ممنوعة تواً في بغداد وتمشي فيها مفّرع الرأس يا لجرأتك! أهرب قبل أن يقتلوك! وهربت في ليلة سوداء من مدينتي المحبوبة. دعاني الشاعر الطيب سفير العراق إلى موسكو شاذل طاقة إليه وسألني بأدبه الجم أثناء حديث عن الرواية: أنت لست كردياً فما دعواك بالكتابة عن قضيتهم؟ فأجبته مبتسماً: وهل كان مالرو صينياً حين كتب قدر الإنسان؟ وهمنغواي إسبانياً حين كتب غدا تشرق الشمس؟ وبيرل باك وغراهام غرين وجوزيف كونراد وغيرهم كثيرون تبرعوا لوجه الله وكتبوا عن أناس وقضايا من غير مللهم. فقال: ليتك تكتب عن قضيتك العربية. فقلت بعد الانتهاء من القضية المحلية. ثم قرأ طيار كردي الرواية وإذا به يستاء أكثر ويعاتبني :لماذا جعلت الجميع يركبون الفتاة الكردية؟ فقلت له:ألا ترى في هذا شيئاً أو رمزاً يحدث للقضية الكردية؟ غير هذا وذاك هناك أمثلة أخرى عل عدم قبول الرواية من مسيسين لأنها تصّور الأمور لا كما اعتادت مخيلة المُسّيس أن تراها. رغبة بعض القراء في الإستحواذ على مضمون رواياتي تشبه رغباتهم في الإستحواذ على مضمون الواقع نفسه، هم يريدون جعلهما ذاتيين ، هكذا تعاركوا مع الرواية وتصالحوا، أي أن رواياتي حفزتهم على التفكير، وهذا يجعلهم أم هكذا أريد يخففون من غلوائهم لصالح الآخر ولصالح نزعاتهم الإنسانية المطمورة فيهم تحت ركام تطرف غير مرئي لعين غير متفحصة، وما هذا الاستياء إلاَ بداية مراجعة النفس في رأيي، أنا لا أكتب إلا لأجعل القارئ يقلق ويشك في حيثياته، بعرض الموجود على الطرف الآخر النقيض، وتغذية لا وعيه بما يجعله ينبذ القبح ويثّمن الجمال الحقيقي، بتقديم صور غير التي ألفوها للقبح والجمال، خذ قصة ( الشرف ) مثلاً التي تقلب بعض المفاهيم على بطانتها، فعلى هذا الطريق نصل إلى التغيير لتحسين نوعية حياتنا البشرية..لكني وجدت على طرف آخر من الوعي بقراءاتها أن مضامين رواياتي تمنح قارئها إحساساً كلياً بالكون والمجتمع وذاته أيضاً لتحقيق انسجام بين أحاسيسه المختلفة فحضّه على جعل وجوده ثلاثي الأبعاد متكاملاً، وتخليصه من التسطح والتصاغر، هذا ربما ما جعل ناقدة حصيفة أجنبية مثل مارينا ستاغ تكتب في تقديمها لروايتي الجديدة ( الجنائن المغلقة ) ذات أعماق وجودية كثيرة.
* في نسيج رواية ( حب في موسكو )و ( الجنائن المغلقة ) أدخلت عدداً من الشخصيات الأجنبية،هل وجدت صعوبة في توظيف هذه الشخصيات الأوربية في النص الروائي الذي تغْلب على مساره أحداث وشخصيات عراقية، ولماذا لا يغامر الروائيون العراقيون المبثوثون في المنافي البعيدة بالكتابة عن الفضاءات الغربية؟
- يجب أولاً معرفة الشخصية التي تكتب عنها في الواقع جيداً قبل نقلها إلى المسرح الروائي، غير مهم إذاً منشأ الشخصية الروائية محلية أو أجنبية، لأن المهم كما بيّنت معرفتها التي تتيح لك الكتابة عنها،وإلاّ كانت الكتابة تصورات تحملها أحوالك بدل الخوض في الحال القائم. ومعرفة الشخصية الروائية في واقع لا تتم لمجرد الرغبة في ذلك إلاّ إذا إتّبعتَ أسلوب الدراسات الميدانية مثلاً وهنا يدخل النص في الافتعال والمتخيل، لأن الرواية لا تكتب بطلب مثل الدراسات العلمية، بل بشحنة وجدانية هائلة تستمر ربما أعواماً وقت كتابتها. الحدث الواقعي الذي هو مصدر الحدث الروائي الجيد هو الذي يتحكم في ظهور الشخصيات الروائية. إذاً يجب أن تكون لحياة الروائي علاقة بحيوات شخصياته الروائية، في الأصل يتبعها الانعكاس، ليعرفها جيداً ويعبر بالتالي عنها جيداً في روايته، أجنبية كانت أو غيرها. إذا السؤال في الحقيقة هو عن حياة الروائي، لماذا هي بهذا الشكل والمحتوى، ولماذا لم تكن بغيرهما؟ وهذا لا يتحدد بخيارات الروائي، بل بمجمل تجربة مَن حوله، كونراد همنغواي ومالرو وغيرهم عندما كتبوا عن أجانب بالنسبة لهم فلأن أوربا برمتها خرجت إلى العالم سواء لاستعمار أو غيره، وهم خرجوا معها وعبّروا عن تجربة شعوبهم من خلال تجاربهم الخاصة، وعندما كتب برهان الخطيب ما كتب فعل الشئ نفسه تقريباً مع اختلاف الشكل والمضمون طبعاً. التماس مع الأجنبي بقدر القدرة على زج النفس في الواقع الجديد. أن تكون موجوداً ببدنك في أوربا لا يعني أنك موجود فيها حقاً، غالبا ما يكون هذا الوجود بالنسبة لمعظمنا كأنه أمام صورة، لأن طبيعة خروجنا إلى أوربا مختلفة عن طبيعة خروج الأوربيين إلينا، أنت تعرف ما أقصده، المهم إذاً خوض تجربة من الداخل، لا الاكتفاء بالتفرج عليها من الخارج، بينما يعيش أغلبنا في شرنقة داخل عائلته ( الوطنية ) خائفاً من حدوث مشكلة له في وسط ليس هناك فيه من يدافع عنه إذا حدث حادث، فمن أين تأتي المواضيع والشخصيات الأجنبية إذاً في حياته وبالتالي في أعماله الروائية في هذا الحال؟ يجب ان يكون الروائي مستعداً لخسران حتى حياته من أجل روايته، من أجل الإستحواذ على الواقع الجديد وخلق حياة جديدة له وبالتالي خلق الموضوع الروائي الجديد الغني في هذا الحال بتشعباته وشخصياته محلية وأجنبية. شخصية الروائي يجب أن تكون على درجة من التعقيد والتطور قريبة إلى الأجنبي ليتاح له معايشته والتفاعل معه ومعرفته وجره إلى عالمه الروائي، صحيح أن تجربة فرد غير مطاطية، والروائي مثل رياضي لا يستطيع تسجيل رقم قياسي في كل رواية، لكن الفرد قادر على إعادة صياغة تجربته حتى بكسرها وبالتالي إغناء عالمه الروائي وإبداعه، بينما يستسلم كثيرون منا لمصائرهم ما يتبدى سقماً على وجوههم وأسلوبهم فلا يعودون يميزون للأسف بين الثرثرة والسرد الفني. قل لي مَن منهم ذهب إلى أوبرا وزار متحفاً وغيّر حياته إذا لم تكن تعجبه واقترب إلى حياة( الأجنبي) واستوعبها أقول لك مَن في أعمال منهم تجد شخصيات أجنبية. . قرأت لك قصة حسنة عن فنانة أجنبية لو أوضحت قالوا: لأن عدنان يجري مقابلة معه.
 لنتكلم عن الغموض، هل تعّمدته في روايتك الأخيرة ( الجنائن المغلقة ) أم أن الأحداث كانت على هذا القدر المحير من التداخل والتنافذ والتقاطع بحيث بحيث تركت الشرطة السويدية تتخبط في عجزها وفشلها أمام قضية ملغزة حيّرت شعباً بأكمله؟

- ليس لي الحق في تفسير روايتي، وأنا لا أظن أنها على هذه الدرجة من الغموض. أغلب العراقيين في السويد وخارجها يعرفون أن جريمة كالتي حدثت في الرواية جرت في الواقع، في ستوكهولم تحديداً، سوى أن الحقيقة كما أرى وهي متخيلة طبعاً معروضة في الرواية بصورة مجّسمة، بينما ظلت صورتها في الواقع غامضة حقاً. الواقع إذاً أكثر غموضاً من الرواية، ربما على القارئ تحريك تلك الصورة المجسمة في مخيلته ليرى أوجهها الأخرى فيزول الالتباس والغموض منها ويعثر على حله الخاص لما جرى ويجري.
*كيف تقيم تجربة الأدباء العراقيين في المنافي، وهل تعتقد أن منجزهم الإبداعي يوازي مساحة الحرية المتاحة لكتابة نصوص حرة لا تتخوف من مقص الرقيب؟
- لم يكن منجز الأدباء العراقيين، وأنا لا أتكلم عن نفسي هنا، على المستوى العالي للحرية المتاحة لهم فيها ولا على مستوى المواضيع والأوقات الكبيرة التي عاشوا فيها، نعم هي أوقات صعبة لكنها طرحت حولهم وأمامهم على الورق التاريخ كله، هكذا هي أوقات التاريخ صعبة حرجة، نعم لكنها تطرح مواضيع كبيرة وتصنع كتّباً ورجالاً عظاماً، قد يقول أحدهم التاريخ لم يعد ينفع، هذا موضوع أتركه لكتًاب السياسة، لكن الأدب النابع منه يبقى نافعاً إلى الأبد، خذ أعمال شكسبير وتشيخوف مثلاً إذا لم تكن تصدقني هي دائماً في الصدارة. ظهرت بعض الأعمال الأدبية العراقية المقبولة، في الرواية( امرأة القارورة) لسليم مطر و( المسرات والأوجاع ) لفؤاد التكرلي، وبعض النصوص القصصية، ( النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان سوف تعيش أيضاً، لكن هذا لا يتناسب مع عدد ( الأدباء) العراقيين في المنافي والفيافي، ولا مع طول الفترة التي قضوها فيها، ولا مع طبيعة المرحلة التي جابهتهم بأسئلة كبيرة عن المصير والذات والانتماء وغير ذلك مما أشرت. بعد وفاة غائب قيل لي: صولجان الرواية في يدك يا برهان، وبعد وفاة عظيمنا الجواهري سمعت: مَن سيخلفه على العرش من الشعراء؟ لكني لا أجد حكمة في الخوض في هذا الموضوع، ولا في تدافع حول (منصب) الروائي الكبير والشاعر الكبير للعراق، رغم أن هذا واضح منذ الآن، الجواهري في الشعر والخطيب في الرواية، لأن ذلك سيتقرر من نفسه حين نكون جميعاً قد متنا بعد خمسين عاماً مثلاً، وحين تستقر الأوضاع في بلدنا وتؤسس لجنة أكاديمية تجمع ما نُشر وتنظر فيه بحياد فتدفع إلى مزبلة بالغث وهو كثير وترفع إلى رفوف وهو قليل ما ينفع الناس. أظن أن السبب الأكبر لا يكمن في موهبتهم، بل في الظروف الصعبة التي عاشوها، لو كانت لديهم موارد تقيهم شر العوز لأبدعوا أفضل حتماً، العوز جعلهم لا يستطيعون تكريس أنفسهم للعمل الإبداعي. لكني في المقابل لا أجعل من هذا عذراً لأحد، كان عليهم أن يكونوا أقوى من ظروفهم وأكثر إخلاصاً لمواهبهم مما لأجسادهم عموماً، وأقرب إلى الورق ومعاناتهم مما إلى عوائلهم وجلسات القيل والقال، هم تخلصوا من مقص الرقيب حقاً، لكن بعضهم لم يتخلص من مقصه الذي ورثه عن أجداده وكان فيه مقتله، وكل هذا أمر طبيعي، بروز موهبة شئ عصي نادر حقاً وإلا ّ ما كانت هناك قيمة كبيرة لموهبة، أنت تجد في غابة عشرات، وربما مئات الأنواع من النباتات تنموا وترتفع وتموت بين موسم وآخر، لكنك لا تعثر على النبتة العصية ذات الفائدة العظيمة المسماة (جنشين ) سوى في أماكن نادرة جداً قصية منيعة على بصر كانت صاعقة ضربتها وظلت الأرض تحجب خبيأها عشرات ومئات الأعوام. وفي يوم مبارك تململت نبتة هناك، وأظهرت نفسها بطيئاً فوق جذرها القوي، ذلك هو حال نبتة الجنشين، وهو أيضاً حال موهبة حقيقية.
 أشار القاص والروائي المبدع عبد الرحمن مجيد الربيعي غير مرة إلى تجربتكم الروائية المتميزة، ولكنه يأسف لغيابكم عن المشهد الأدبي المتمثل بحضور الندوات الثقافية والفكرية، كيف تفسر لنا هذا الغياب وما تقييمك لتجربة زميلك الربيعي؟
- الحضور ضروري لكني أريده بين أوادم لا بين قرود، وهو آت في وقته المناسب، لكني لا أعتقد أنني غائب تماماً عن المشهد الأدبي، أما إذا كنت تقصد بأن حضوري لا يتناسب وكبر تجربتي القصصية والروائية التي امتدت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً فهذا صحيح ولأسباب خارج عن حدود تجربتي، بل وثبته نقاد لهم باع طويل في النقد كالدكتور صالح هويدي والأستاذة فاطمة المحسن والشاعر عبد الرضا الصخني والشاعر خالد المعالي وغيرهم، مجلات وصحف كثيرة نشرت عني رغم أني لا أنتمي كما قلت إلى شلة، في العام الماضي وحده كان لي أكثر من عشرين حضوراً فيها، رواياتي تصدر بانتظام منذ بداية التسعينات بعد تخلصي من نير الترجمة، ست روايات في التسعينات فقط صدرت لي، لكن العتبى على نقادنا الغافين والتوزيع السيئ لكتبي، هذا صحيح، بسبب ظروف النشر السيئة في الوطن العربي. أما إذا لم تكن بعض وسائل الإعلام ترغب في النشر عن أعمالي فهذا شأنها ولن يكون هذا غريباً عليّ في جو تهريج نعيشه هنا وهناك، يكفيني في هذا الحال حضوري في الأماكن التي احترمها وتحترمني. زميلي الأديب المعروف عبد الرحمن الربيعي كتب مرة. لو كانت أعمالك لمصري لسمع بها حتى الساكن في القطب! ولك بقية الكلام. عبد الرحمن متتبع جيد لما ينشر في العراق والوطن العربي، بارع في الصحافة الأدبية، أخيراً قرأت له قوله أنه كاتب وكاتب فقط وهذا دلالة نضج، حاول مع بعض كتاب جيلي في الستينات تجديد الأدب وكان هو من المبرزين في ذلك. منذ أواسط الستينات أشرت في مقابلة لي نشرت في جريدة النور آنذاك إلى اسمه وثلاثة أو أربعة أسماء أخرى باعتبارها علامات مبشرة بخير القصة العراقية الجديدة، لكن فات زملائي هؤلاء للأسف أن نزعة التجديد هي جزء من الأدب القصصي لا كله، وهي كانت وستظل موجودة فيه دائماً، وفي أي بلد، بل وكان يمكن أن تكون جزءاً من تاريخ إبداعي متنوع لأي منهم لو فهموها كما فهمتها أنا مثلاً، أنا أيضاً بدأت آنذاك كتابة القصة الجديدة، أقصد القصة التجريبية غير المعتادة. نشرتُ مثلاً (باسم السيد المدير )، ( الدمية والصليب )، ( الأنانية الشريفة )هذا العنوان أجده مضحكاً الآن، بل وروايتي الأولى ( ضباب في الظهيرة) التي اعتبرها المستشرق بوريس جوكوف من نوع( ضد الرواية ) الذي يقف على النقيض من مقومات الرواية العادية،وغير ذلك لكني سرعان ما فهمت، غير صحيح الاستمرار على هذه الطريقة إلى الأبد، هذا سيعني أنني لا أتطور، بل أني ما اخترت التجريب آنذاك إلاّ لتمرين نفسي على كتابة القصة الحقيقية التي اسماها الربيعي أمامي الحكاية وسمّيت أنا قصته التجريبية وقت كانت مجلة جبرا تنشر لنا، وفيما ظل الأديب عبد الرحمن الربيعي مخلصاً لفكرة التجديد بخاصة في هذا الشكل، وهذا لم يستهو تلك المجلة كثيراً التي كانت من أهم مجلات الستينات فنشرت القليل له والكثير لي فيها، أعدادها موجودة حتى الآن. أخذت على عاتقي أنا وبعض زملائي الأدباء الشباب آنذاك كخضير عبد الأمير مهمة كتابة القصة التي سميت واقعية والسير بها على خطى الكتاب الكبار والعالميين، ولعل من الطريف هنا أن أذكر أيضاً أنني قدمت مجموعتي القصصية الأولى للطبع عام 1965 بواسطة الشاعر الصخني لوجود المطبعة في مدينته وقدم عبد الرحمن مجموعته الأولى إلى مطبعة بغداد بعدي حسب معرفتي، لكن مجموعته ظهرت قبل مجموعتي فكسبت مجموعته رهان من سينشر منا نحن كتّاب الستينات، كما أسمونا، أول كتاب، بل ووصل الربيعي إلى مجلة( الآداب ) قبلنا جميعاً، وكانت وقتها من المجلات المهمة. عرفت الربيعي شخصاً دمث الأخلاق، حلو المعشر، وتبادلنا الزيارات مع أهلنا حين كنت في بغداد فلم أرَ منه سوى اللطف وطيب الجوهر، وأعتقد أنه من أكثر من ساهم في تفعيل الحياة الثقافية في الوطن العربي منذ منتصف الستينات، هو ( خوش ولد ) كما نقول نحن العراقيين، وموقفه في الدفاع عن البياتي مشّرف، لكني لا أرضى ولا أفهم تهجمه على سعدي يوسف وفؤاد التكرلي فهما أيضاً علامتان كبيرتان في أدبنا العراقي خاصة والعربي عموماً. أعتقد أن حساسية بينهم تزول حال تصبح أوضاع بلدنا طبيعية.













 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559843   Visitors since 7-9-2002