المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

 القاص والروائي فؤاد التكرلي لــ( القصة العراقية )

  
 حاوره: عدنان حسين أحمد/ لاهاي
  
 التكرلي يقول : كنتُ أقف على الضفة الأخرى من نهر الأقاصيص آنذاك.
  
لَقِيَتْ تجربة التكرلي القصصية والروائية، وعلى مدى خمسين عاماً، اهتماماً من لدن النقاد والقُرّاء. فقد أثار التكرلي منذ بواكير حياته الأدبية أسئلة شائكة ومهمة تتمحور حول فعل الكتابة وجدواها. كان التكرلي قارئاً نهماً ينْكّبُ ساعاتٍ طويلة على الكتاب مستمتعاً كالمتصوف الذي يسقط في دوائر الوجد والنشوة والانجذاب، متماهياً في سحر الكلمات الأخّاذة، ومنبهراً بالصياغة الفنية التي تجعل من (المادة الخام) نصاً مُقلقاً يهّز القارئ، ويربك توقعاته. لم تكن أحلام التكرلي، في صباه وشبابه، متواضعة، لأنه كان يتحّرق شوقاً لكتابة نص أدبي يوازي النصوص العالمية التي استقرت في الذاكرة الجمعية، وهذا ما يفسر لنا قلة إنتاجه، إذ لم يصدر التكرلي على مدى نصف قرن سوى مجموعة قصصية واحدة بعنوان( الوجه الآخر) عام 1960، وثلاث روايات مهمة وهي( الرجع البعيد) عام1980،و(خاتم الرمل) عام 1995،و( المسرات والأوجاع) عام 1998، وعدد من المسرحيات القصيرة التي صدرت عام 1986 تحت عنوان( الصخرة). فالكم بالنسبة للتكرلي ليس مهماً، لأنه معني أساساً بالكتابة النوعية التي لا تغادر الذاكرة بسهولة.ولكي نستجلي أعماق هذا الروائي الفذ الذي يُخجلنا على الدوام بتواضعه، ونتعرف على أدواته الفنية إلتقيناه في مدينة لاهاي الهولندية وأمطرناه بالأسئلة التالية:

 هل لنا أن نتوقف عند المرجعيات الثقافية التي صنعت منك قاصاً وروائياً كبيراً. وهل كانت قراءاتك في الحقلين الثقافي والفكري تختلف عن قراءات مجايليك أمثال غائب طعمة فرمان، عبد الملك نوري، ذو النون أيوب، شاكر خصباك وآخرون؟

- أعتقد أن المرجعيات الثقافية والينابيع الفكرية التي استقى منها كُتّاب الخمسينات متشابهة إلى حد كبير. قد تتوسع عند البعض إلى حد ما، وقد تضيق عند البعض الآخر، إلا أن هذه الفروق لا تكوّن اختلافاً متميزاً بين هؤلاء الكتّاب. حتى النشأة في بيئات غير متشابهة لا تعطي دائماً ثماراً فنية مختلفة جذرياً. في ظني أن العملية الإبداعية ترتكز على دعائم شخصية غامضة الأساس وعلى موهبة الكاتب. صحيح أننا كنا أدباء ملتزمين بقضايا شعبنا، إلا أن وسائل التعبير اختلفت كثيراً، وإذا كان سؤالك ،يحمل باطنياً،معنى انتماء أعمالي إلى مستوى آخر، فأن ذلك لم يكن معروفاً أو مشعوراً به خلال تلك الفترة الخمسينية أو الستينية أو ما بعدهما. أن النقاد انتبهوا لهذه الحقيقة حديثاً وهي لم تُبحثْ بشكل مستفيض صحيح لأنها تحتاج إلى دراسة معمقة لحقل القصة الخمسيني كله.

 ( العيون الخضر)، (موعد النار)،( التنّور) هي القصص التي وضعتْ خطواتك على الطريق الإبداعي الصحيح، كيف تسنى لك أن تلتقط مبكراً هذه الثيمات النابضة التي لم تخفتْ حتى الآن، بمعنى آخر، هل كنت متجاوزاً لعصرك وأقرانك القصاصين؟
- الثيمة لا تُميّز العمل الأدبي وتبقيه حياً بمفردها،أنه الشكل الفني الذي قد لا يموت أحياناً. أما أني تجاوزتُ عصري فمن الصعب عليّ أن أقول ذلك، ولكني كنتُ أكتب بشكل مختلف، وكنتُ مخلصاً لرؤياي العامة عن الإنسان.
 حَظِيتْ( الوجه الآخر) باحترام كبير من قبل النقاد العراقيين، هل تعتقد أنها كانت علامة فارقة في المشهد القصصي الخمسيني كونها كانت تُولي الجوانب الفنية اهتماماً كبيراً ولا تتحرك ضمن المدارات السائدة آنذاك؟
- نعم، هذا صحيح، فقد بدأنا – عبد الملك نوري وأنا- نولي فنية الأقصوصة عناية كبيرة ونعتبرها هي التي تقرر عما إذا كان هذا النص أقصوصة أم لا. كذلك فأني كنتُ أقف على الضفة الأخرى من نهر الأقاصيص آنذاك، بسبب اهتمامي بالإنسان/ الفرد بمواجهة مشاكله ومصيره في العالم.

 بغداد، بعقوبة، خانقين هي الأمكنة الأثيرة التي يتحرك فيها شخوص فؤاد التكرلي، هل هناك أسباب ودوافع نفسية تكشف عن حقيقة اهتمامك الحميمي بهذه الأمكنة بالذات؟

- بغداد هي مدينتي، أما بعقوبة فقد عشتُ فيها فترة مهمة من حياتي فبقيتْ مشتعلة في ذهني وذاكرتي وعواطفي، أما خانقين فهي، مع معرفتي بها، مكان روائي أكثر منه مكان واقعي بالنسبة لي.
 تميل كثيراً إلى رصد الشخصية الشعبية العراقية حتى بات النقاد يقرنون هذا الجانب بفؤاد التكرلي تحديداً، ما دور الشريحة المثقفة في كتاباتك، أعني الشخصيات الثقافية والفكرية التي تعاني من القلق الوجودي بحيث أنها تنفصل عن الواقع وترتضي بعزلتها؟

- هذا صحيح، فقد كانت الشخصية الشعبية والأجواء الشعبية تجذبني كثيراً للكتابة عنها. لا أعرف سبباً واضحاً، ولكني كنتُ أحس بأن هذه الشخصيات- محاطة بظروفها المعيشية القاسية- كانت أكثر إخلاصاً في مواجهتها للمشاكل المعقدة التي كانت تواجهها. لم يكن باستطاعتي وأنا في العراق إلا أن أكتب عن هذه الشخصيات. بعد ذلك، وبعد ابتعادي عن العراق، صرتُ أغرف من ذاكرتي، فصارت كتاباتي تستجيب لمستوى آخر أكثر كثافة وأعلى درجة فكرية. كان ذلك بسبب أنني لا أستطيع الكتابة عن موضوع أو شخصية شعبية إلا بعد مشاهدة أو معايشة مباشرة. ومع ذلك فأن هذه الشخصيات لم تسلمْ من القلق الوجودي وغيره من الأفكار.

 هل أنت نادم على كتابة حوار( الرجع البعيد) باللهجة العراقية، وهل تعرضتَ إلى انتقادات حادة دفعتكَ إلى إعادة كتابتها بالفصحى؟

- كلا، في الحالتين لستُ نادماً بالطبع على كتابة حوار( الرجع البعيد) باللهجة العراقية، ولم أتعرض لانتقادات حادة. كل ما في الأمر أن الأستاذة( رنا إدريس) مديرة دار النشر في (دار الآداب) قالت لي بأن من الظلم لرواية بمستوى (الرجع البعيد) أن تظل بعيدة عن القرّاء لعدم فهم اللهجة العراقية، وعرضَتْ عليّ إبدال الحوار العامي باللغة الفصحى لنشرها ثانية في دارهم. لقد رفضتُ عرضها ولكني عرضتُ عليها أن أبّسط الحوار العراقي وأن أجعله مفهوماً بشكل من الأشكال من قبل القرّاء العرب فوافقتْ. بقيتُ أشتغل على هذا الأمر حوالي السنة حتى أكملته ونشرتُ الرواية في طبعة جديدة سنة 1993.
 تُرجِمتْ( الرجع البعيد) إلى الفرنسية، ما هي ردود أفعال النقاد والقراء الفرنسيين على هذه الترجمة. هل نالت حقها من النقد والدراسة، وهل سُلِطتْ عليها الأضواء بما يتناسب وأهميتها الفكرية والفنية؟
- كلا، ذلك أن الظروف الأدبية في فرنسا تختلف كثيراً عن ظروفنا. الفرنسيون قُرّاء جيدون ولكنهم يحتاجون إلى النقاد لكي يرشدوهم إلى الكتب الجيدة. والنقاد لا يكتبون أو- بالأصح- لا يكترثون لكل ما يصدر في الساحة الثقافية ألا إذا كُلفوا بذلك أو لُفتَ نظرهم إلى كتاب معين. ترجمة( الرجع البعيد) إلى الفرنسية لم تكن موفقة تماماً، لأن أدبية الرواية لم تصل إلى القراء. كما أن الدار الناشرة بخلتْ على الرواية بأي إعلان عنها! مع أنها كانت الرواية الأولى في سلسلة شَمِلتْ أكثر من اثنتي عشرة رواية من جملتها ثلاثية نجيب محفوظ. نعم، لقد كُتبَ عنها أكثر من عشر مقالات في جرائد متفرقة، لكن هذا لم يكن كافياً لرواجها.

 تربطك بغائب طعمة فرمان علاقة حميمة، وكان يفرح حينما تذكر اسمه في بعض الحوارات، ترى ما الذي ستقوله الآن بعد رحيله الفاجع الذي صدمنا جميعاً. هل لك أن تتوقف عند بعض المحطات الأساسية في حياة غائب طعمة فرمان؟

- كان غائب أديباً كبيراً على المستوى الشخصي، وعلى مستوى الإنجاز، وكنتُ أجد في دماثته وصراحته وحبه للأدب سبباً لإحترامه. كنا في صف واحد في متوسطة الرصافة في سنة 1943، وكانت هذه السنة هي بداية اهتمامنا بالأدب، وكنا نتبادل الكتب التي تقع بين أيدينا. وفي سنة1966 خابرني غائب إلى منزلي في باريس وهو في طريقه إلى موسكو حيث يعمل، فالتقينا على الغداء في بيتي وقّدم لي نسخة من روايته الأولى( النخلة والجيران) وكنت سعيداً به وبها.

 في ( خاتم الرمل) تضاءل اهتمامك باللغة كثيراً، ترى هل تستدعي أحداث هذه الرواية الكتابة بأسلوب مغاير لما إعتدته سابقاً؟
- في ( خاتم الرمل) هناك لغة أخرى ذات منحى خاص، ولقد خلط البعض من النقاد بين اللغة السردية العادية وبين اللغة القصصية ذات الدلالة. وهذا موضوع نقدي دقيق يطول فيه الحديث.

 توفيق لام يمارس الحب كثيراً في( المسرات والأوجاع)، ألا تعتقد أن هناك إفاضة في الجانب الإيروتيكي غير المبرر فنياً، ألم يكن بإمكانك أن تجعله يمارس الحب ثلاث أو أربع مرات في متن الرواية الطويلة نسبياً كي يتسنى لك ملامسة مشاعره الإنسانية الأخرى خارج الهموم الجسدية؟

- كلا، وفي ظني،أن الدخول في منطق الرواية سيجعل القارئ يفهم أن كل شئ فيها مبرر.

 لا يميل فؤاد التكرلي إلى الرد على بعض المشاكسات والتحرشات الأدبية. هل ستخرج عن طورك ذات يوم لتتصدى لهذه الإدعاءات الباطلة ؟

- كلا بالطبع.

 تحمل روايتك القادمة عنواناً خادشاً وهو بصقة في وجه الحياة) هل ثمة إحباطات نفسية قادتك إلى اختيار هذا العنوان، ألا تعتقد أن الحياة جميلة وينبغي أن نحتفي بها رغم كل المصائب والملمات؟

- هذه رواية كتبتها سنة 1948 ويمكنك أن تحدس أنها لم تكن بعيدة عن دائرة الإحباطات.

 يروّج البعض بأن الروائيين العرب لا يتابعون مسار تطور الرواية العالمية، وأنهم يكتبون بروحية القرن التاسع عشر. ماذا تقول أنت في روايات فاضل العزاوي، سليم بركات، صنع الله إبراهيم، الطاهر بنجلون، فؤاد التكرلي وغيرهم. أحقاً لا تتابعون التطورات الحاصلة في مسار الرواية العالمية؟
- التطورات في مسيرة الرواية العالمية لا تعني دائماً كتابة ما هو جيد وجميل، وأن تكتب رواية تقليدية معاصرة خير- في نظري- من فوضى لغوية لا معنى لها، معتكزاً بغباء على مقولة التجديد! أما إذا كنا نقرأ أو لا نقرأ الروايات الحديثة، فأن ذلك يظهر في إنتاجنا. وبالمناسبة، فلا علاقة للكاتب الفرنسي بن جلون بالأدباء العرب، ومن السخف أن نحاول اعتباره روائياً عربياً.

 عندما تكتب نصاً روائياً طويلاً يستغرقك بضع سنوات. كيف تحافظ على جو نفسي واحد كي لا يضطرب إيقاع الرواية. ألا يؤثر اختلاف الأوضاع النفسية للكاتب إلى الرواية برمتها، وكيف تضمن السيطرة على الشخصيات، آخذين بنظر الاعتبار أن بعض الشخصيات قد تختفي أو تموت نتيجة إهمال الكاتب؟

- هذه من أصعب المواقف،وبالطبع أن السيطرة على مسيرة الرواية وتطورها وعلى دوام منطقها الروائي هو من جملة مهام الروائي، فإذا نسي أو أهملها في يديه فهذا من شأنه، ولكنه لن يصبح روائياً محترفاً.
 هل نستطيع القول أن جيلكم ( جيل الرواد) هو جيل بلا آباء، لأنه لم تسبقكم تجارب مهمة في القصة والرواية، وهل كنتم تعولون على المنجز العالمي الذي كان يصلكم آنذاك؟ وأنت شخصياً منْ الذي لفتَ نظرك وكنتَ تجد زاداً معرفياً في قراءة نصوصه؟

- لا جيل هنا بغير روّاد، سواء كانوا وطنيين أم أجانب،ومن الإجحاف الإدعاء بغير ذلك. لقد اعتبروا جيل الخمسينات رائداً لأنه نقلَ الأقصوصة العراقية إلى مستوى فني جديد لم يبلغه كتاب القصة السابقون. كنا تقرأ لكتابنا وللكتاب الأجانب، وفي اعتقادي، أن سعة الإطلاع لا تكفي للإبداع، بل أن الوعي بنواحي الأعمال الكبيرة فنياً هو العنصر الحاسم في تطور الكاتب.

 مرّتْ عليك في تجربتك القضائية الطويلة الكثير من الأحداث والمشكلات الاجتماعية والنفسية لكنك لم تستفدْ إلا من حادثة واحدة، وقد حولتها إلى نص بداعي بعنوان( التّنور)، بينما تعزو قلة إنتاجك الإبداعي إلى انعدام المواد الخام، هل لك أن تفسّر لنا هذا التناقض؟

- ممارسة القضاء لا تقّدم مواضيع قصصية ملائمة لرؤياك الأدبية، بل هي تفتح لك باب الإطلاع إلى أعماق في المجتمع العراقي لم يكن بوسعك الإطلاع عليها. وفي هذا المجال هناك مادة خام فحسب وهي ليست أدباً دون الشكل الفني الذي على الكاتب أن يختاره وأن يكون موفقاً في اختياره. ماذا تعني للكاتب أن يطلع إلى إضبارة قضية جنائية ملخصها أن أحداً ما قتل آخر؟ أن الظروف والشخصيات وما وراء هذه الظروف والشخصيات، هي المادة الخام التي تقدمها لك الإضبارة الجنائية، وهي مادة فوضوية لا رابط فنياً لها، لذلك يتوجب تشكيلها، عند ذاك تبدأ المعضلة. كيف يمكن أن تكون هذه المادة الخام ملائمة لما تريد التعبير عنه من أفكار حول العالم والإنسان؟ كيف نختار، وماذا نختار؟ وكيف نشكل فنياً شكلاً معاصرا محترماً؟ تلك مشاكل أدبية شخصية، قد لا يفكر فيها البعض، ولكنها-بالنسبة لي- كانت هاجساً مستمراً.

 كتبتَ العديد من المسرحيات ذات الفصل الواحد، لكنك لم تكتب نصاً مسرحياً طويلاً، هل ثمة أسباب تحول دون كتابتك نصاً مسرحياً طويلاً؟

- كتبتُ حواريات من أجل التعبير عن فكرة لا أقدر على التعبير عنها بشكل آخر. وكنت كتبتُ مسرحية طويلة نشرتُ فصلاً واحداً منها في مجلة ( الآداب) سنة 1953، وكانت عملاً فاشلاً.


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561134   Visitors since 7-9-2002