المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

 جاسم المطير لجريدة (الزمان) اللندنية..

  
حاوره: عدنان حسين أحمد
  
 ربما تكون القصة ومضات، وأنا أكتب دونما برنامج.
  
قد لا أكون مغالياً إذا قلت بأن القاص جاسم المطير هو كاتب مسحور بمختلف الأجناس الإبداعية، ومغرم بالعديد من حقول المعرفة، إلا أن شغفه بالعمل السياسي قد سرقه منا لفترة ليست قصيرة. فالنشاط السياسي في الخمسينات من القرن الماضي تحديداً كان " زينة المناضلين" على حد تعبير المطير. فقد اندفع بشكل محموم وراء الحلم اليساري الذي هيمن على نصف الكرة الأرضية آنذاك، ودفع ثمن نشاطه السياسي غالياً، لكنه لم يندم على شئ كندمه على قصته" الأرض البخشية" ذائعة الصيت التي كان مُقدراً لها أن تنتمي إلى كتاب أدبي ضمّ مساهمات عدة لأدباء بصريين بينهم السياب وعبد الجبار داوود البصري وسعدي يوسف وزكي الجابر وقيصر معتوق، غير أن المصادفة البوليسية اللعينة التي ألقتْ به في دياميس الظلام قد اضطرت بعضهم لأن يسحب هذه القصة خوفاً على مصير الكتاب ذاته. ولولا هذه المفارقة لكان للمطير شأن آخر لا يقل أهمية عن جيل الرواد الذي أرسى قواعد القصة القصيرة في العراق، ومع ذلك فقد واصل المطير نشاطه الأدبي في منتصف السبعينات ليقدم لقرائه باقة من الأعمال القصصية والروائية المميزة ويؤكد حضوره الفاعل في المشهد القصصي العراقي. وللتوقف عند تجربته الأدبية والسياسية إلتقته (الأيام) وكان لنا معه هذا الحوار:
 نفوس فاضلة
 يتطلع القاص جاسم المطير بعين الناقد المبدع إلى المدينة الفاضلة، ويحاول أن يعّري الواقع ويكشف عن أقنعته الزائفة. ترى هل تجّلت أمامك هذه المدينة الفاضلة في قصص (العزاء) مجموعتك البكر التي تعود إلى أوائل الخمسينات، أم أنها مجرد ومضات إيهامية تتمظهر في ثنايا المخيلة الجامحة؟

- ما التقيتُ، بعد، بالمدينة الفاضلة أو تجلياتها، لا في مجموعة" العزاء" ولا في غيرها من كتاباتي القصصية أو الروائية. في حقيقة القول، أن مهمتي الدائمة والوراثية في الكتابة القصصية هي تعرية الطغيان في صوره القصوى متعددة الأشكال، المنحرفة، الضالة، العنيفة، فأنا أعتقد باستحالة قيام مدينة فاضلة في أي مكان في العالم طالما كان هناك زمان سلطة، وقمع مصحوب باختصاص قضائي أو بمبررات قانونية. وطالما يوجد كهان كذابون في السياسة، وكهان منافقون في الدين، وطالما يوجد معلمون في المدارس والأحزاب يعلمونك الطاعة لكل مدينة ولأنواع الدساتير والتجارة واللصوصية، وطالما هناك أطباء يجبرونك على تناول السم لتموت مريضاً في مستشفى، وطالما هناك آباء ينصحون أولادهم بالخير الأعظم الذي لم يوجد بعد. عن أي مدينة فاضلة نتحدث في زمان يحذفون فيه مدينة كاملة كالبصرة أو بورسعيد من الوجود بطائرات قادرة على إصابة الهدف كوسيلة ثأرية من شعب يعاني العديد من مظالم نظامه، زمن أنظمة العالم كلها. أقول لك بصراحة، أن المدينة الفاضلة ستقام في عالم بعيد جداً، وفي مستقبل بعيد جداً. تقام عندما تُلغى من الوجود كل الوظائف القهرية والقسرية من الدولة، والدين، والعلاقات الاجتماعية.أن المدينة الفاضلة هي مدينة الجميع، يتعانق فيها الجميع، وتقوم حقاً حين تكون مؤلفة من أناس يتمتعون بنفوس فاضلة. أما متى يأتي زمان استحقاق المدينة الفاضلة في النفوس والناس والمدن. . فلا أملك جواباً إلى هذا السؤال، لأن الإجابة تحتاج إلى مقدرة يصعب توفرها في أي زمان منظور، خاصة بعد أن تهاوت يوتوبيانا الاشتراكية قبل أن ندخل القرن الحادي والعشرين.

 معارك شطرنج
 تتصدى رواية" زقاق الأقنان" للصراع الطبقي الذي أفرزته مراحل التطور الاقتصادي في المجتمع برؤية موازية للعمق الفكري المهيمن على متن النص الروائي. هل نستطيع القول أنها رواية تندرج ضمن التيار الواقعي النقدي الذي كان سائداً آنذاك؟ أم أن لك رأياً آخر؟
- أنا من جيل الخمسينات الذي نوّرته الصراعات العامة، الطبقية والقومية، أعني صراعات الساحات العامة كساحة الوثبة، والسباع في بغداد، وساحة أم البروم في البصرة، وغيرها من الساحات الأخرى. وقد حرصتُ في" زقاق الأقنان" أن أفتح التحقيق والتقصي في بعض أزقة بغداد عن مظاهر الصراع الطبقي المتخفية وراء العطف البرجوازي. أعني مظاهر العمل الرأسمالي في البيوت الذي يخفي جشعاً في طياته. كان هذا النوع من العمل قد نشأ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوربا مع تصاعد الثورة الصناعية والتنمية الرأسمالية، بينما نشأت بنفس المظهر والعمق الاستغلاليين في العراق خلال منتصف القرن العشرين مع بداية نشوء المعامل الاستهلاكية الصغيرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. والحقيقة أن هذا النوع من العمل ما زال قائماً في بغداد، وقد توّسع كثيراً خلال فترة الحصار الاقتصادي المفروض حالياً على بلادنا. لقد كشفت الرواية بشكل دقيق عن مختلف أنواع الفقر الأكثر شيوعاً في مجتمع طبقي يمر بمرحلة الدخول إلى الرأسمالية، فلم يكن أمامي والحالة هذه غير اعتماد الكتابة الروائية على تفصيلات حياتية يومية متأثرة بقوة التاريخ، وبنماذج وتعميمات أساليب فنية واقعية لتحقيق النموذج الأقصى في تصوير حالات الفقر والإدقاع والمأساة، لأن النموذج الأقصى هو الأسلوب الفعال، كما أشار أرسطو،لخضوع الشعور الإنساني إلى الميزة الإنسانية المحرضة. بهذا المعنى يمكن اعتبار الأسوأ الأقصى في العلاقات الاجتماعية- الرأسمالية مثالاً من أمثلة الواقعية النقدية في هذه الرواية. لهذا فأن أعمالي الروائية والقصصية ليست ثرثرة فلاحين، ولا ثرثرة مثقفين، بل هي سهام عنيفة متهورة أحياناً، ومقومة في أحيان أخرى، لكنها في الحالتين موجهة لتلك الفئات المهنية المتسلطة التي تمارس قهر الناس في وقت عملها وفراغها. قد أتفق معك لأقول: ربما تكون القصة ومضات،فأنا أكتب دون برنامج. كتابتي محاولة من محاولات تنشيط عملية البحث عن الفضيلة الغائبة في هذا الزمن، أو قل أنها شكل من أشكال معارك الشطرنج فيها قتلى كثيرون من دون سفك دماء، وفيها قتلة من دون عقاب وحساب.
 إذاً، على ماذا تعتمد في الكتابة؟
- أعتمد، أولاً وأخيراً، على تعددية عناصر التجربة في العمل الواحد، فيها تعرية وتكسير لأحجار الواقع الثقيلة، فيها ومض وبرق ورعد، فيها نُبذ من أفكار غير معقولة . . الخ. إن من العدل والإنصاف إخضاع القصة لمبدأ التناوب في الصدق، والتخيل، والافتراض، والإيحاء، والواقعية. القصة ليست حدثاً طارئاً، بل هي عملية تشبه إلى حد كبير تلك العملية التي تمارسها مجموعة قانونية مخضرمة لتعديل الدستور أو حمايته من تعديات السلطة الزمنية بكل أشكالها. ففي القصة وبواسطتها يمكنك أن تقوم إلى جانب الآخرين بتعديل المجتمع. خلاصة القول، أنه مهما كان ذوق القاص عميقاً وإنسانياً، إلا أن بهجته الحقيقية لا تتم إلا بتحليل المجتمع والبحث عن خلافاته، واضطراباته، وانقلاباته، وتمرداته، وعن ما يتعلق بالحمى والسكر والقتل والسرقة، وكذلك عن كل ما يتعلق بالمودة والحب والصداقة.

*فوق الفنتازيا
 هل تعتقد أن" الزبزب" قد حققت هدفها الفنتازي، أم أنها تدور كمجموعة قصصية في الفلك الواقعي الصادم بالرغم من استغراقها بالجو الغرائبي المرّوع؟

- لا تنتمي مجموعة" الزبزب" إلى الفنتازيا. أنها طريقة جديدة في السرد والقول، وهي في الوقت ذاته صياغة تجريبية لنوع من الصدق والاستقلالية في مراقبة الجسم الغريب الجاثم على صدور شعبنا، وعلى صدور أبناء الأمة العربية كلها" الخوف"، أعني الخوف من السلطة. فالزبزب مجموعة من القصص القصيرة السردية استندت على صفات بعض الحيوانات لتمتص بالتالي صفات الوحش الكامن في أعماق بعض الناس الذين يريدون أن يحولوا شعباً بكامله إلى سجين سياسي واحد مذعور ومرّوع بالصمت. انه( زبزب، جرذ، دب، جراد، خفاش . .الخ) رموز متعددة لمضاعفة الجانب المأساوي لأحداث واجهت الناس في عصر التسلط الشامل. حاولت من خلال ذلك تركيب الأحداث بإثارة التعجيب التراكمي. هذا التعجيب لم يقم على فراغ ولا خيال، بل على واقع معاش في العراق في قصة( الزبزب) ومعاش في العالم الثالث في قصة( جموع الفئران) ومعاش في الاتحاد السوفيتي المنهار في قصة(انهيار الكهوف الثلجية)، ومعاش في قصة( عام الثور). من هذا ترى أن قصص المجموعة ليست فنتازيا، وليست تراثاً، بل مستفيدة من العنصرين. فالروع الذي فيهما كان خرافياً لأن الروع الموجود داخل المجتمع العربي هو بشكل ما فوق الفنتازيا، وما قبل التراث.

 لعبة الحُب
 لديك رواية جديدة بعنوان( رسائل حب خليجية)، ما الذي تريد أن تفصح عنه من خلال هذا العنوان، آخذين بنظر الاعتبار، أن العنوان هو مفتاح النص الروائي؟

- روايتي المعنونة( رسائل حب خليجية)، هي رواية الأزمات السياسية والثقافية في زمن معين وفي مكان معين. قبل ربع قرن من الزمان، وفي مياه الخليج العربي وعلى شواطئه. أنها أزمات ذات سيرة تاريخية لمجموعة من الناس يفكرون خلال حركة متواصلة من الإغماء والوعي بدافع من المسؤولية الرسمية وإثبات الذات لتحقيق السيطرة على ثروات الخليج. هذه الرواية هي شكل من أشكال التعامل مع إشارات من واقع مُؤَرَخ أعتمد على موقف ونهج محددين. فهي رسائل بين عاشق وعاشقة من حاملي فكرة التسلط البريطاني، همها المشترك مصادرة ثروات، وأخلاق، وعادات،ورجولات،وموضوعات لصالح (الأنا) المتحققة، في النهاية بالسيطرة الاستعمارية البريطانية على منطقة الخليج العربي. خلال هذه الرواية نتعرف كيف يمكن أن يتحول الفرد من الداخل إلى الخارج، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الحرية إلى العبودية، ومن العزلة والغرابة إلى القوة. بطل الرواية يحمل وعياً استخبارياً يروي في رسائله بدايات كشف قدرة دولته على السيطرة. والبطلة العشيقة تكشف عن قدرتها على إشباع حاجات السياسة والناس وكلاهما يمارسان بواسطة الرسائل لعبة الحب من بعيد ومن قريب بسلام هادئ تارة، وبأحداث عاصفة وشائكة تارة أخرى، لكن بانحناء تام لعواطف وآمال الإمبراطورية البريطانية الساعية لمياه الخليج.

 صرخة
 من خلال قراءتي لمنجزك الإبداعي لم أقع على أثر ملموس لإفادتك من التيارات والمدارس الغربية. كيف تفسر هذا الاستنتاج؟

- هناك فروقات كثيرة بيننا وبين الغرب، لديهم قوة ، ونحن مازلنا نؤمن بالضعف. يحكمون أنفسهم بالديمقراطية، ونحكم أنفسنا بالسلطة والقسوة والألم. هم يكتفون بامرأة واحدة، ونحن نشتهي كل امرأة. هم طماعون، ونحن ميالون إلى أن القناعة كنز لا يفنى. هم يؤمنون بالعقل والقانون والعدالة، ونحن نتمسك بالعشيرة والوعظ. هم يهتمون بالعلوم الجامعية، ونحن بالقسم الداخلي لسكن الطلبة الجامعيين لذلك كله ظهرت روائع بلزاك، وديكنز، ودستويفسكي وغيرهم. من كل هؤلاء تعلمتُ شيئاً واحداً هو أن أصرخ طالباً النجدة منساقاً وراء بلاغة اللغة العربية، وجمال الصورة العربية والتراكم التراثي الحر. أن صرختي هي تعبير عن رغبتي الخاصة في الكتابة الخاصة، وبطريقة خاصة.

 نفق عميق
 كيف تنظر إلى تجربتك القصصية التي تعود إلى أوائل الخمسينات ضمن المشهد الذي تألق بأسماء ذو النون أيوب، فؤاد التكرلي، عبد الملك نوري، غائب طعمة فرمان وآخرين؟
- عشتُ كاتباً في ثلاثة عقود متباينة الوقائع، هزتني أحداثها بعنف، وهزتني تجربتي القصصية التي انقطعتُ إليها أثناء مواجهات ليس فيها عدل. لا مجال للمقارنة مع أسماء المبدعين الذين ذكرتهم. صحيح أن بداياتي كانت في الخمسينات، لكنني خلال هذا العقد ظفرتُ ب( وظيفة) العمل السياسي السري. كان هذا النوع من العمل زينة المناضلين في الأحزاب السرية، حيث انطلقتْ أعمالي ونشاطاتي ومواهبي داخل الخلية وليس في وجه مجلة أو داخل كتاب. كنت فضولياً في السياسة والشعر والقصة والرواية والمسرح، لكن فضولي الكبير توّجه نحو السياسة. وقد أبعدني مزاجي المتلهف للسياسة عن الإبداع الأدبي. لم أندم على ذلك، بل أنني اعّبر عن عرفاني بالجميل لذلك العمل الدقيق الذي لولاه لما مارست الكتابة والقصة بتوازن واتساع. كانت الخلية السياسية هي مدرستي الأولى. أما في عقد الستينات فقد كان عليّ أن أدفع ثمن النضال السياسي في البقاء سجيناً سياسياً إلى أن حررتُ نفسي بنفسي مع سجناء آخرين عبر نفق عميق حفرناه بأصابعنا وأعصابنا وحدقات عيوننا. في السبعينات كان عليّ أن أستريح من تعب العقدين السابقين ومن تعب سجونهما. وبعد ذلك مارستُ الكتابة، بل واصلتها، وسأظل بكل الحالات ذاكرة من ذاكرات البصرة والعراق. فمازال عندي خزين كبير لأحداث ووقائع سأواصل كتابتها في هذه الأيام.

 الكاتب في سطور
 من مواليد البصرة/ العراق.
 عمل في الصحافة العراقية والعربية لأكثر من ثلاثين عاماً.
 أسس الدار العالمية للنشر في بغداد.
 صدرت له في القصة والرواية:
 المولود في مدن القلق.
 العزاء.
 الزمن المخجل.
 نهار النرجس.
 الزبزب.
 زقاق الأقنان.
 تأملات سجان.
 رسائل حب خليجية.
 في السياسة والاقتصاد:
 النفط والاحتكارات ودول الأوبك.
 حول سياسة الانفتاح الاقتصادي.
 النفط والاستعمار والصهيونية.
















 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6561320   Visitors since 7-9-2002