المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع أنتونيو تابوكي

  
تقديم وترجمة: كوليت مرشليان
  



في مجموعة قصصية بعنوان "الوقت يشيخ بسرعة" يواجه الكاتب الايطالي انطونيو تابوكي مسألة الزمن على طريقته وباسلوبه الفلسفي والوجداني الذي يحاكي المسائل الكبرى من باب التفاصيل الصغيرة. وهو وان اشتهر بكتابه "بيريرا يدعي" الذي استقبل في موطنه على انه موجّه ضد برلوسكوني فصار يسمى "الكاتب الملتزم" الا انه محسوب ايضا على المواضيع الدقيقة وعلى جماليات يعبر عنها باللغتين الايطالية والبرتغالية وهو اشتهر ايضا بترجماته الرائعة في الشعر وفي دراساته الشعرية والأدبية العامة وتبقى تجربته في الكتابة عن فرناندو بيسوّوا هي الأجمل، هو الذي قال عن نفسه انه "صار كاتباً بالصدفة".

واذا كتابه "ليلي هندي" من أجمل مؤلفاته، فان مجموعة "الوقت يشيخ بسرعة" تقدم قصصا قصيرة مؤثرة، حاول تابوكي ان يشرحها في حديث طويل له مع مجلة "ماغازين ليترير" ننقله الى العربية:

* أبعد من فلسفة الوقت، ألست تحاول في مجموعتك القصصية الجديدة ان تروض شيخوختك وبالتالي ان تروض الموت؟
ـ انه السؤال الأبدي: لماذا نكتب؟ أعتقد ان جميع الكتب التي نؤلفها هي في شكل ما طموح لترويض الموت. ربما اننا نكتب لأننا نخاف الموت. ولكن يمكن ان نقول ايضا اننا نكتب ايضا لأننا نخاف الحياة. في مطلق الأحوال، يسيطر الخوف على الكتابة، او هو الوقود لمحرك الكتابة


* أو ربما في الكتابة بحث عن الخلود...
ـ من يعرف الى اي مدى يمكن لأي كتاب ان يستمر ويبقى، انا لا اضع الآمال الكثيرة على فكرة الخلود. وبما اننا تطرقنا الى هذا الموضوع أحب أن أشير الى انني جعلت في كتابي الوقت وعلاقته بـ "كرونوس اي الوقت بالحرف الكبير وبالتالي فكرة الاستمرارية والخلود الشخصية الرئيسية في كتابي. تماماً كما حصل في كتابي "أكثر من سوء تفاهم صغير بلا أهمية" حيث كان هناك شخصيات كثيرة ولكن كان هناك شخصية مجازية تفوق الجميع وكانت الالتباس. من هنا، احب دائماً ان أنظر الى كتبي وكأنها لوحات للرسام اركيمبولدو التي كان يجعل فيها مجموعة عناصر مركبة بأسلوب يجعلها تبدو في اكثر من صورة، اي جامعة وموحدة وتؤلف وجهاً مثلاً من بعيد، ومتفرقة تعج بالتفاصيل ما ان نقترب اكثر فأكثر، وهكذا فان الشخصية الرئيسية في كتبي تسيطر على باقي الشخصيات وهي الزمن وقد عالجته ايضا في كتابي السابق "صار الوقت متأخراً، متأخراً جداً" حيث حاولت ان أعثر على أسلوب عيش مختلف للوقت في ايقاع العصر الجديد. كذلك في كتابي "تريستانو يموت" حيث هناك جدلية معينة بين زمن التاريخ وزمن حياة الشخصية ...{ اعتقد ان رأينا الحالي بالزمن يختلف عن رأي الانسان فيه من قبل، في عصور أخرى }...
* ولماذا اخترت القصة القصيرة اليوم؟
ـ ميلان كونديرا الذي كتب نصوصاً رائعة في ما نسميه "الرواية الحديثة" كان يقول بأن الاحساس بالزمن الذي يؤلف الرواية التقليدية يختلف تماماً عن الاحساس بالزمن الخاص بالرواية العصرية والحديثة. لأن الرواية الحديثة يمكن ان تتألف من مقاطع من أجزاء مقتطعة مكتوبة ويكون لها وقعها. وأنا شخصياً أحب كثيراً حجم القصة المختصرة أو القصة القصيرة. انها نوتة موسيقية مختلفة تماماً عن نوتة الرواية، وكما يقول ايضا كاتب القصة جوليو كورتازار: "يعرف كاتب القصة ان ليس له الوقت الكثير وأن الوقت ليس لمصلحته".. كتابه القصة مثل كتابة القصيدة وبالتالي فهناك التحدي الكبير فيها لأنه لا يمكننا ان نتوقف ثم نعود اليها بعد ستة اشهر مثلاً، فهذا مستحيل ان نعود الى الايقاع بسهولة. أما الرواية، فهي تنتظر، وصبرها لا ينفذ بسرعة، يمكن ان تترك رواية غير منجزة وتسافر وتعود بعد سنة مثلاً، فتجدها بانتظارك، هي مثل منزلك. تملكها وتنتطرك. أما القصة فهي مثل شقة بالايجار. فاذا تخليت عنها من دون انذار فصاحبها يقول لك عند عودتك: "متأسف، يسكنها الآن احد غيرك".


* اعترفت بأنك وقعت تحت سحر كتاب "تاباكاريا: لفرناندو بيسوّوا بعد قراءته...
ـ هذا صحيح، وسحرني بأنه استخدم في الشعر الشكل الروائي. وكان يعرف كيف يصنع من شعره روايات درامية. وهذا صعب للغاية. وبالتالي، حين عثرت على نص مكتوب في الثلاثينات من القرن العشرين ووجدت فيه هذه الدراماتورجيا العصرية، وقعت تحت تأثير سحره.. بيسووا هو مثل "الكوميديا الانسانية" بالشعر.. ولكن البناء أو الهندسة هي هندسة روائية...

* وهل يشكل بيسوّوا مصدر التأثير وحده على كتاباتك؟
ـ أنا أتأثر بكل شيء. وافاجأ احيانا حين أسمع أحد الكتاب يقول مثلا: "انا لم أتأثر بأحد، انا فريد في كتاباتي.." أما انا فأظن وكما قال يوماً فيليب روث: "الكاتب الجيد يسرق، والكاتب السيء يقلد".. في العمق، كل كاتب هو سارق بشكل او بآخر. فهو يسرق الواقع، يسرق قصص الآخرين. هو يتلصص ويسترق السمع.. هو يسرق ويهضم ويعيد الى الخارج ما أكله. هو شره.

* ولكن هل يمكن ان تقول ان قراءتك لقصائد بيسووا جعلتك تقرر الكتابة؟
ـ كلا، لكنني بدأت الكتابة متأخراً، وأول كتاب لي أصدرته وكنت أبلغ 32 عاما بالحقيقة صرت كاتباً بالصدفة أو بسبب الملل.

* وتعلمت اللغة البرتغالية وكتبت رواية "روكيوم" بالبرتغالية.
ـ حين قرأت للمرة الأولى بيسوّوا اكتشفت ان في الجامعة التي كنت ملتحقاً بها يعلمون البرتغالية. فقلت في نفسي ولماذا لا أتعلم لغة هذا الشاعر الرائع. وبالفعل هذا ما حصل. انها لغة اكتسبتها في سن متأخر..

* وأنت لست متشابهاً بالايطالية وبالبرتغالية؟
ـ كلا، فاللغة تحدد ايضا كيف نكون. المبدأ مختلف في ثقافة مختلفة وفي تاريخ مختلف.

* كتبت يوماً: "المخيلة والأدب نوعان من المعرفة" بالنسبة للأدب نفهم ما ترمي اليه، ولكن المخيلة، كيف لها ان تكون شكلاً من اشكال المعرفة؟
ـ لأنه، حتى في البحث العلمي، لا يمكن ان نتقدم من دون المخيلة. نحن نعتمد في العلوم على فرضيات ظنية اذا هي متخيلة ننطلق منها لحين تثبيتها. علينا ايضا ان نتحلى بالحدس، لأن الحدس هو ايضا شكل من اشكال المعرفة وان هي معرفة محددة بما قبل المنطق، اي شكل من أشكال الذكاء ايضاً. ولكن لنعرف فقط انه ثمة فارق كبير ما بين المتخيل والفانتازي.


* بالنسبة لك، هل الكتابة مهنة، حاجة أم حالة شغف؟
ـ الثلاثة معاً احياناً، اشعر بحاجة للكتابة، لا كما الحاجة للأكل مثلا أو للشرب، لكن الرغبة قوية الى درجة لا تحتمل. والكتابة ليست مهنة الا في الجانب الحرافي منها. هناك عدد كبير من الأدباء الذين يضعون عملهم في مصاف الأسطورة: الموهبة، الوحي، المخيلة.. انا اقول ان كل هذا مهم ولكن الاهم هو الالتزام بالعمل وتكريس كل الوقت لذلك تماما، كما الساعاتي الذي يركب كل الأدوات الصغيرة في ساعته ليجعلها تعمل من دون العمل، الأدب اشبه بـ ... (يصمت ويصدر صوتا بشبك اصبعيه على بعضهما). وحين يسالني احد الكتاب الشباب بعض النصائح ارفض الأمر، او اقول لهم فقط اذا كان هناك نجار في الحي الذي تسكنونه، اذهبوا مساء عنده تماماً قبل ان يقفل وانظروا الى الأرض..

* في اعمالك الروائية، لا نعثر على شخصيات رئيسية بمفهوم "الأبطال" بكل معنى الكلمة...
ـ بالفعل وذلك لأن الأبطال بالمفهوم الرومنسي او بالمفهوم التقليدي يجعلونني اشعر بالخوف. ولكي يكون البطل بطلاً يحق عليه ان يكون غير متنبه الأمر اي ان يكون ذلك في لا وعيه، وعليه قبل كل شيء الا يشعر بالخوف. وأنا شخصيا اخاف الناس الذين لا يخافون. وأفضل الذين يخافون، فالخوف هو نوع من الحكمة،الخوف سمة انسانية.

* دائماً ما تسرد في نهايات رواياتك قصص شخصياتك...
ـ انها لا تكون بالفعل قصصهم، بل اعطي اشارات ومعلومات او اضع القارئ على الساحة. وذلك لأنني انا ايضا أحب ان اعرف كيف وصلوا، ومن أين اتوا، كل هذا شيء غريب. كيف تصل شخصية الى وعيك وتكون أشبه بشبح، فتدخل رأسك وتبدأ تتحرك ويصير لها تصرفاتها ووجهها وصوتها وتبدأ بالتآمر عليك.. في الواقع، احياناً نشعر بالذنب تجاه شخصياتنا الأدبية. نعطيهم الحياة، نجعلهم يتحركون، ثم فجأة نحبسهم في قفص ونجلعهم مجبرين على العيش داخل القصة التي اخترعناها لهم، وحين نسرد للقارئ من اين وصلت الشخصية او كيف وصلت، نكون في صدد تقديم هدية له، ونقول له: هاك، اني أعطيك هذه الشخصية، إفعل بها ما تشاء ويمكنك ان تتخيل لها انت مصيرا مختلفاً.

المستقبل

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6047445   Visitors since 7-9-2002