المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

عبد الحميد الغرباوي يتكلم عن القصة القصيرة جدا

  
حسن البقالي
  















في "قال لي ومضى" أودع عبد الحميد الغرباوي أرض السرد 121 بذرة قصصية قصيرة جدا، ومضى.
وهو حجم أكبر من أن "تحشر" ملامحه في هذه العجالة (كما لو أننا نولج الجمل في سم الخياط).
لكن إجمالا، يمكن الجزم بأن المجموعة جولة ضافية عبر مختلف التيمات والموضوعات، وكذا أنماط القص الحاملة لها.
فمن القصة / السطر إلى القصة / الومض فالقصة / القصيدة.. ومن القصة / المونولوج إلى القصة / الحكمة، إلى القصة الهادئة التي تحتل الصفحة كاملة وتعالج السيرورة والحدث دونما عجلة، إلى القصة التي يتوقف السرد فيها مع كل خطوة قبل أن يستأنف المسير اعتمادا على الكلمة / الجملة، إلى القصة الواصفة مع الاقتضاب و الوجازة اللذين يفرضهما الحيز الضئيل، إلى القصة / المرآة العاكسة عبر التناص لأعمال سردية عالمية: تنويع وثراء ملحوظان في الدلالة وشكل إنتاج الدلالة.
وإذا كانت شهرزاد تقول لتبقى، فإن سارد الغرباوي يقول ليمضي. ذلك أن المؤلف يموت ويبقى الأثر.
لكن المضي في القصة القصيرة جدا ليس نهائيا، فمجموعة من القصص تبلغ 121 قصة لا محيد من أن تدعو السارد إليها مرارا وتكرارا. و بين الذهاب والإياب، ترن " قال لي ومضى" مثل لازمة لانهائية.. يتم تحريفها أحيانا ليصبح القول سؤالا، أو يغيب المخاطب من التركيبة اللغوية الأساس، لكن الخطاب يبقى.
واللافت للنظر أن القصص الحاملة للازمة المذكورة ترد خلال المجموعة بشكل كتابتها ذات الخلفية الرمادية والإطار، إبرازا لها وتمييزا عن غيرها من القصص، مما يحتاج إلى دراسة أكثر تأنيا..
إن الغرباوي في " قال لي ومضى" لا يحب أن يرزح تحت سطوة الوقت المتحدر من ساعة معصم، لكنه بالمقابل يعرف أن بإمكانه تدراك ذلك عبر أعين القطط.. و إسقاطا، عبر عيني المرأة الجميلة الشبيهة بقطة.
و نسأله :
* لن يمر قارئ "قال لي ومضى" دون أن يلتفت إلى الخاصيات الشكلية التي تميز المجموعة. ولنكتف هنا بخاصية ترتيب القصص ترتيبا أبجديا..
هل هي محاولة لتوريط القصة في رؤية معجمية ما؟
وألم يسبب غياب خمسة أحرف (هي الدال والذال والظاد والقاف والياء) نوعا من الإرباك لخطاطتك؟
وهل يمكن اعتبار "قال لي ومضى" حجة الوداع لعلاقتك بالقصة القصيرة جدا، أي أنك طرحت هنا ما شئت تصورا ورؤية وإنجازا. قلت.. و آن لك أن تمضي إلى اهتمامات أخرى بعد أن هالك حجم الفوضى؟


- غياب خمسة أحرف هو مثل احتراق خمسة مصابيح خلال حفل فرح قد يكون عقد قران، أو ازدياد مولود، أو خلال حفل عزاء...لا فرق عندي بين هذا و ذاك...
الفرح و الحزن أرجوحتان يتأرجح  عليهما الإنسان على امتداد سنوات العمر...
ما قد تحدثه تلك المصابيح المطفأة، لن يكون مؤثرا، بلا شك، على التوهج الذي قد تحدثه باقي المصابيح، لكنها كافية لتحدث مساحة صغيرة من العتمة أو الظل...
تلك العتمة أو الظل هو ما يسعى أو يعمل كل كاتب إلى إحداثه في نصوصه القصصية القصيرة أو القصيرة جدا احتراما لحرية و فطنة و ذكاء القارئ...
نفترض أن القارئ الذي يقرأ لنا لا يطلب منا توضيحا، شرحا أو تفسيرا، و بالمقابل فكل كاتب قصة، ينتظر بلهفة ما سيخرج به القارئ من نتائج و تأويلات مما قرأه من نصوص...
ما يهمني شخصيا، ليس ما أود قوله للقارئ من خلال نص قصصي، لكن ما استخلصه هو من المقروء...أما هل وافق فهمه لما أردت قوله من خلال نص قصصي، فذاك أمر أحتفظ به لنفسي، و بناء عليه إما أستمر في خط كتابي معين أو أتوقف و أبحث عن خط كتابي آخر...و هنا يكمن سر بحثي الدائم عن الجديد، و المنفرد...
طبيعتي تنفر مما هو نمطي و لا ترتاح لرطوبة (غمولة) الرتابة...
الكاتب الجيد، هو لاعب موهوب، عندما يدخل الحلبة أو الميدان، يحاول دائما أن يفاجئ الجميع بحركات و أساليب لم تكن في الحسبان...قد تكون غريبة حتى...

لذا فخاصية ترتيب القصص، بالذات، ترتيبا أبجديا، هي ليست محاولة لتوريط القصة في رؤية معجمية ما، و إنما هي  نزوة فنية، راودتني و أنا أهيئ المجموعة...هي بنت لحظتها، كما القصة نفسها...لأني و ببساطة ناصعة البياض لا أضع خطاطة أو تصورا مسبقا لنصوصي، كل شيء يأتي انعكاسا للحظته الخاصة...
القصة القصيرة و القصيرة جدا، كائنان هشان، لينان..شديدا التوتر و الحساسية، لذا، في تصوري، لا يقويان على تحمل ثقل و عبء رؤية من هنا و تنظير من هناك...
أجل، كنت صرحت لبعض الأصدقاء بقولي إن (قال لي و مضى)، هي رسالة وداع...لكنه تأجل، بعد أن ضمنت مجموعتي الأخيرة (ثمة أشياء صغيرة تحدث) نصوصا قصيرة جدا...
لا أخفي ما للقصة القصيرة جدا من جاذبية تضاهي جاذبية غادة فاتنة... لكن حجم ما أحدثته فتنتها من فوضى هالني، لذا قررت العودة نهائيا، بعد تنطع، و نكران إلى محبوبتي القصة القصيرة، التي أكيد غفرت لي  زلتي و خيانتي، و أنا بصدد وضع آخر الترتيبات لمجموعة تحمل نفسا جديدا، و هناك مجموعة أخرى في طور الاكتمال...
***
نماذج من قصص الغرباوي القصيرة جدا
 
اختناق

قال متأففا:
" كل هذا ضيّق... ضيّق جدا..."
ثم رسم ظل ابتسامة على  شفتيه و أردف:
" أنا واثق من أن العالم،
هذا العالم،
بعد حوالي مئة عام،
سيكون رحبا.."
بيد أنه سرعان ما شد على جبهته قائلا:
" ما أضيق هذا القول !..."

إدمان

أشعلها، جدب نفسا عميقا...الآخرُ يرقبه،..
جدب نفسا ثانيا عميقا...
الآخرُ، صابرا، ينتظر دوره..
جدب نفسا ثالثا قصيرا، ثم سلمها إليه.
 جدب نفسا عميقا...
آخر، صابرا،يرقبه...
جدب نفسا ثانيا عميقا، فامتدت يد الثالث...
هناك رابع قادم...

الجميلة

وُجدت هذه الورقة ملقاة على قارعة طريق، و ممهورة  بـ (نيكولاس، سارد يوناني ):
"هل تذكر أيها الفم عندما طاردني رجل لأنني قلت إن ابنته ذات الثماني سنوات ستصبح عاهرة ممتازة؟ ...
كل ما عنيته بقولي هو: إنها جميلة جدا..."

عن المحلاج
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559838   Visitors since 7-9-2002