المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

أمبرتو إيكو: مدْح الإيتوبيا

  
بقلم: فابيو غامبارو
  
ت: إبراهيم فياض
  
مراجعة وتدقيق: لطيفة ديب‏

في "بودولينو"، روايته الجديدة، يعود "أمْبِرْتو إيكو" إلى المواضيع الأثيرة لديه، فيتناول أحداث التاريخ غير المتوقَّعة والالتقاء بين الثقافات المختلفة واللعب بين الحقيقي والزائف.‏

حوار من إعداد "فابيو غامبارو"‏

صدرت رواياته الأربع خلال عشرين عاماً. ومع متابعة أنشطته المتعددة كمدرّس جامعي وكاتب مقالات ومؤرّخ في الصحف، لم يتخلَّ "أمبرتو إيكو" عن مساره كروائي. لقد بدأ هذا المسار في العام 1980 بالنجاح المدوّي لروايته (اسم الوردة). وبعد (بندول فوكو) عام 1988 ثم (جزيرة الأمس) عام 1994، جاء اليوم لينشر (بودولينو) وهي رواية مغامرات ثرية بالأحداث والأسفار والمفاجآت والسخرية. استمدّ الكاتب عنوانها من اسم بطلها الفلاح الكذّاب، المتخم بالأخيلة، الذي انطلق في القرن الثاني عشر نحو اكتشاف المملكة الأسطورية التي وصفها "الكاهن جان" في رسالته الشهيرة.‏

تبدأ الرواية عام 1208 تحت أسوار القسطنطينية المحاصرة حيث يروي بطلها "بودولينو"، بعد إنقاذه من الموت، للفيلسوف البيزنطي "نيستاس كونياتسْ" قصة حياته الحافلة بالمغامرات والإثارة، فتتتالى بذلك ستون عاماً من التاريخ في وقت كانت فيه المجالس البلدية الإيطالية في صراع مع الامبراطور "فريدريك الأول باربروس". ويكتشف القارئ معارك وحروباً صليبية وجدالات لاهوتية ومشاهد خيالية وموتاً غامضاً وهوى مُتَّقداً، حتى أنه يشهد بناء الاسكندرية، المدينة البيامونتيّة(1)، مسقط رأس "إيكو" والتي يدعى شفيعها باسم "بودولينو" Baudolino بالضبط. إذن هي المرة الثانية التي ينكفئ فيها الروائي الإيطالي، الذي احتفل بعيد ميلاده السبعين في كانون الثاني، نحو الماضي البعيد ليصل بطريقة غير مباشرة إلى الاضطراب الحالي. وكي يُسْعِد قارئه فقد نسَّق روايته في رحلات تقود "بودولينو" للقاء عوالم وحضارات مختلفة مؤكداً بذلك على أهليته لاستخدام ومزج الأدوات واللغات الغريبة دون أن يتخلّى عن معرفته الموسوعية واستشهاداته المستترة وميله إلى الصور الساخرة. وهكذا بمراوغة روائية، يستأنف "إيكو" موضوعاته الأثيرة لديه منذ بداياته ليتناول أحداثاً تاريخية غير متوقعة وتحدّيات التسامح ولقاءات بين الثقافات المختلفة وعلاقات الفن بالسلطة والتراكب ما بين الحقيقي والمزيف.‏

-بعد عشرين عاماً من رواية (اسم الوردة)، ها أنت في "بودولينو" تعود إلى العصور الوسطى حيث بداياتك الروائية. ترى لماذا؟‏

-يكاد أن يكون الأمر صدفة. ففي البداية كنت راغباً في كتابة رواية عن مجموعة صحفيين يشرعون في إنشاء صحيفة جديدة. وكي يحصلوا على الشهرة، يختلقون أنباء صحفية مثيرة ومزيَّفة. لكن سرعان ما اكتشفت أن هذه الرواية ستكون شبيهة إلى حدّ المبالغة بـ(بندول فوكو) حيث يقوم ثلاثة من الناشرين باختلاق مؤامرات مزيّفة. وفي غمرة التفكير في هذه المعضلات قلت في نفسي إن الأنباء المزيّفة والأكثر أهمية في تاريخ "أوروبا" هي تلك المتمثلة في رسالة "الكاهن جان"، وهو نص عرفته وأحببته دوماً. إنها رسالة تصف بلداً عجيباً أسطورياً يبدأ انتشاره إبان عصر "فريدريك الأول باربروس"، بل يقال إن الرسالة ربما تكون كُتبت في ديوانه. وعلاوة على ذلك كان "فريدريك باربروس" هذا معاصراً لبناء المدينة مسقط رأسي، أي الاسكندرية والتي بُنيت من أجل مقاومته هو بالذات. والرواية مبنية على مجمل تلك الأحداث وفي ذات الوقت هي عودة إلى أصولي. ومع هذا، لو أن مدينتي بُنيت في القرن الثاني عشر لكانت الرواية إذن جدّ مختلفة ومع أن العصر الوسيط هو الفترة المحبّبة إلي على الدوام والتي أشعر بالاطمئنان في كنفها، فلم يكن هذا الأمر الواقع الأساسي للرواية.‏

-ليست العصور الوسطى سوداوية أبداً في "بودولينو". إنها بالأحرى خفيفة الكآبة حتى إنها تذكرنا أحياناً بمغامرات "أريوسْتْ"...‏

-في الحقيقة، "بودولينو" هي عكس "اسم الوردة". ففي روايتي الأولى، استحضرت عصراً وسيطاً رهبانياً، مثقّفاً وجابذاً، إذ أن الدير عالم الرواية بأكملها. أما في "بودولينو" فقد افترضت عصراً وسيطاً أقرب إلى العلمانية وأبطاله محاربون وفلاحون. إنه عصر وسيط نابذ تهيمن عليه المغامرة والأسفار. ويمكن بالتأكيد التفكير بـ"أريوسْتْ"، ولكن أيضاً بـ"تيل أولانْسْبيجلْ" وبروايات المغامرين. ولقد حدَّدَ أيضاً ذلك العالم الخاص خياراته اللغوية: ففي (اسم الوردة)، استخدمت لغة بالغة الثقافة والأسلوب اللاتيني فيما اللغة في هذه الرواية الأخيرة، هي أكثر شعبية ولهجة محليّة.‏

-تذكّرنا في روايتك هذه بالمعارك بين المدن الإيطالية في القرن الثاني عشر مشيراً إلى وضع إيطاليا الغامض والمشوّش والذي أفاد منه "فريدريك باربروس"...‏

-لقد ألمحت في الواقع إلى التشوش الذي طبع إيطاليا لزمن طويل، أعني عندما لم تكن تشكّل دولة موحدة وظلّت مدنها في اقتتال ما بينها مدة طويلة. لقد خلّف ذلك الاضطراب السياسي آثاراً لا يزال بالإمكان رؤيتها في يومنا هذا بمظاهر شتى من حياتنا السياسية. لقد أصبحنا دولة موحدة فقط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولا نزال إلى اليوم غير متطابقين تماماً داخل هيكليّتها. بالمقابل، ربما تتولّد عن ذلك الإرث مقدرتنا على الارتجال وعلى العيش في أوضاع مضطربة دون أن نستسلم للانفعال والاستغراق.‏

-إن "بودولينو" يخلق، وباستمرار، قصصاً ويكذب دون وجل ويبرهن عن فانتازيا طاغية؛ هل القصد من ذلك هو الإشارة إلى خاصة الإبداع وإلى الفانتازيا التي يعتبر البعض أنها مزيّة إيطالية نموذجياً؟‏

-لا ينبغي أن نقع في الكليشيهات. فمن خلال "بودولينو" امتدحت فقط الاختلاق اليوتوبي مستخدماً أدوات ثقافة القرون الوسطى المتأتيّة من بلدان عدة أوروبية وشرقية. لا يوجد إطلاقاً سمة إيطالية نموذجياً، باستثناء كوني قررت خلق شخصية ولدت في مدينتي الأم ونسبت إليها لاحقاً خطابات صدرت آنذاك من بلدان أخرى.‏

-في أحد مقاطع الرواية، يُعلن "بودولينو" أنه من فرط ما نتخيّل بلداناً أخرى ينتهي بنا الأمر إلى تغيير العالم الذي نعيش فيه. أليس المقصود هنا هو إقرار مذهب شعري يصلح لعملك الروائي؟‏

-في الواقع، إنها تعريف للإيتوبيا. لقد تخيّل "كريستوف كولومبس" عالَماً، لكنه، خلال سعيه لتحقيق حلمه، خُدع. غير أنه مع كونه خُدع، اكتشف أميركا وغيّر العالم بذلك. وهذا ما يحدث في كل الإيتوبيات. وفي النتيجة، "بودولينو" ليس كاذباً؛ ذلك لأن الكاذب هو ذاك الذي يكذب فيما يتعلق بالماضي والحاضر، بينما الشخص الذي خلقته، يكذب فيما يخص المستقبل، ومن يكذب حول الماضي والحاضر يمكن أن تناقضه الأحداث. ومن يكذب حول المستقبل فهو إيتوبي قادر حتى على إقناع نفسه بكذبته ذاتها لأن الأحداث لمّا تقَعْ بعد فلا تستطيع أن تناقضه. لهذا يذهب دوماً إلى أبعد من ذلك بحثاً عن إثبات حدسياته.‏

-هل هذا التعريف للإيتوبي يتوافق كذلك مع البحث عن الكاتب الروائي؟‏

-أرى أنه كذلك. لأن الرواية تمثل دوماً خلق عالم محتمل وهناك روايات عظيمة لها القدرة على تبديل واقعنا. لكن حذار! يجب ألاّ تتصوّر أن كل هذا التفكير صُمِّم من أجل إنشاء روايتي. قطعاً لا. لقد أردت فقط أن أروي قصة رسالة "الكاهن جان". ولو أني أردت التحدث حقيقة عن الإيتوبيا لكنت كتبت مقالاً علمياً لا رواية. وفي تلك الحال، كنت سأقول إن الإيتوبيات جميلة إلى اللحظة التي تتحقق فيها في الواقع. فحين تحقق ذاتها تغدو مآسي على الدوام. والإيتوبيا تخدمنا بدعوتنا إلى التقدم مع ثقتنا بأنها لن تتحقق.‏

.............................................‏

-خلال رحلته باتجاه مملكة "الكاهن جان"، تواجه "بودولينو" عوالم غريبة، كما يلتقي أشخاصاً غرائبيين وخياليين. وموقفه من هذه التعددية يتجلى كدفاع عن التسامح واحترام الفوارق. والمقصود هو تلك الضرورة التي ما فتئت أنت تدافع عنها المرة تلو الأخرى.‏

-بكل تأكيد، إنما في هذه المرة أضفت عناصر جديدة. لقد شدّدت في هذه الرواية على كون العنصرية لا نهاية لها. فـ"بودولينو" يسافر فعلاً داخل إقليم مسكون بالمسوخ الخارجين من كتب الحيوان القروسطية. وفيما يُعْمِل النظر إليهم، يدرك أنّ تلك المسوخ بما أنها يختلف أحدها عن الآخر لا تدرك حقيقة التباين العرقي. وهي تدرك جيداً بالمقابل الاختلافات اللاهوتية بما أن كلاً من تلك المسوخ ينتسب إلى واحدة من كبائر هرطقات القرون الأولى للمسيحية. وبالتالي هم يتذابحون لأسباب دينية. آنئذ يدرك "بودولينو" أنه، إلى جانب العنصريات القائمة على لون الجلد، توجد عنصريات مبنية على أفكار وديانات.‏

-لقد كتبت أن الخلافات الجسمانية لا حسبان لها طالما أن هناك حساباً فقط للخلافات الفكرية. هل يعني ذلك أنه ينبغي دوماً الصراع دفاعاً عن الأفكار والقيم؟‏

-في روايتي، يتقاتل ويتذابح المسوخ من أجل تفاصيل مذهبية لا لأفكار أساسية. وليس هذا بالأمر الحسن. عموماً ينبغي الكفاح من أجل قيم جوهرية يجب عدم التساهل بصددها. حتى أني كتبت مقالاً نُشر منذ بعض الوقت على صفحات جريدة (لومونْدْ) حيث ذكرت أن التسامح وتفهُّم الآخر لا يستبعد وجود ثوابت في الخيارات والقيم ينبغي الدفاع عنها.‏

-عند قراءة "بودولينو" يتولّد لدينا إحساس بأنك وجدت تسلية كبيرة في كتابتها...‏

-حتماً. وكالعادة دائماً، وخلال مسار الرواية- بالنسبة لي خمس أو ست سنوات- على العموم أنا أتسلّى كثيراً. ولكن في النهاية أحزن للغاية لأني فقدت اللعبة.‏

"عن الفرنسية"‏

(1)- المدينة البيامونتية نسبة إلى بيامون وهو سهل واقع في سفوح الجبال وهو باسم منطقة في إيطاليا.‏

( فابيو غامبارو ( ( امبرتو ايكو (‏
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339224   Visitors since 7-9-2002