المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

ملف: أرداش كاكافيان

  









في ساعات الشمس
ضحكاتنا كانت
حواراً للأرض.
كنا نحترق
مع ظلالنا ،
نحترق
كطيور مغتربة ،
مرّات ومرّات
كنا نجوب الآفاق
بحثاً عن الفجر
كنت أقول:
رحيلنا
ليس الا فراغاً
كنا ثوارا
في أرض تحرقها الشمس
كنا نحترق عبثا
مع الأزهار

أرداش كاكافيان

*

لو تمعنا في الفن العراقي من الشمال الى الجنوب لوجدنا انه ليس لدينا من معيار غير الانتماء المعلن لحضارتنا, ولو حاولت أن أعرض مقدمتي للفن العراقي المعاصر, عبر التوالي الزمني أو توالي الأسماء لوجدت بأن هناك عراقيين مهمين منذ زمن بعيد جدا، حيث استوعبوا الايقاع الفكري واستطاعوا الإمساك بمواطن قوة الفن المعاصر، فالعمل الابداعي الذي ينتج ما هو الا مصير الفنان.

يعد الفنان الراحل ارداش كاكافيان علما آخر من اعلام الفن العراقي الذي ترك بصمة واضحة المعالم على الفن العراقي المعاصر، حيث المعاصرة تتشكل من عدة هويات تشكيلية وهي خيوط منسوجة من صور وعلامات لا حصر لها، فهو يشتغل في منطقة التجريدية التعبيرية وهذه المدرسة اتسم بها الفن العراقي تحديداً منذ زمن بعيد، ان تجربة هذا الفنان نابعة من حضارة العلامات، حيث امتلك خبرة جيدة في التأليف الجمالي البصري والحسي كونه شاعرا ورساما، فحاول أن يرسم بشعره ويكتب بألوانه وبالعكس, ساعيا إلى بناء نسق من الأشكال يكون مستنبطا فقط من الضرورة والحرية، فهو يجرد الفن بشكل غرائبي يجعل المتلقي في اسئلة لا جواب لها, اذ انه ابتعد من الخيالات الزائفة ومحاكاة الطبيعة والاعتقادات الساذجة, أي من كل ما ليس خالصا ومن كل ما لا يكون حقيقياً بذاته, قفز بكل أفكاره الابداعية التي استنبطها من خيال الماضي وتقنيات الحاضر، لينتج من خلالها اخاديد تدخلنا عالما جميلا لا يشبه الواقع الا بألمه وحزنه، استعمل كاكافيان خامات مختلفة فقد رسم بالالوان الخشبية على الكانفاس ولون بالمائية على الخشب واشتغل بالزيت على الورق، انه لا يقف عند قواعد التعليم الاكاديمي، بل يرسم من اجل الابداع وتصويرالجمال الفكري الذي يبحث عنه دائما في كل مفاصل الحياة ... يجد المتلقي نفسه مجبراً على النظر الى تلك الاعمال التي تمتاز بتكويناتها الغريبة وتقنياتها العالية، اذ يغوص في جدال ممتد الى اعمق نقطة في بحر كاكافيان ذات الامواج العالية والرياح العاتية دون اي ملل بل عكس ذلك فهو يستمتع بما يراه من رموز وايحاءات تفتح ابوابا كثيرة للدخول اليها وهي تحمل دلالات كثيرة و اشارات وخطوطا.. اثارت جدلا على نتاجاته التي قدمها في حياته و ما زالت الى الآن تترجم الى لغات ثقافية جديدة يكتشفها المتخصصون في النقد التشكيلي، اراد هذا الفنان أن توسم نتاجاته بصمة خاصة، جعلت كل لوحة من لوحاته تعبر عن انفعال، فهو يرى الانسان بهيئة لا تبتعد عن الواقع، كثيراً لكنه يتناول في موضوعاته كل ما يثير القضايا الانسانية، بالاضافة الى ترجمة الإحساسات التي تعكسها الشخصية من خلال تصوير الشكل الحقيقي او الاعتماد على اللون والظلال والمساحات في تحديد الأشكال وعدم التركيز على التفاصيل.
لديه حس بصري يرسم به بشفافية وبساطة عالية، وان استفزازه للعقل باستمرار اعطاه فرصة لانتاج اعمال تحاكي الجمال الحسي جعلتنا ندرك بان الجماليات لا تقف عند حدود البصر فقط بل هي تنصب في الجمال الروحي، خصوصا ان هذه التجربة تندرج ضمن مدارس الفن التشكيلي المعروفة كما اسلفت الا وهي التجريدية التعبيرية. مزج في اعماله ما بين الموروث الشعبي ووجهات النظر المعاصرة لدى الفنانين الفرنسيين, فقد عاش الفنان كاكافيان اكثر من 40 عاما في باريس، نشر موقع أدب فن سيرة مطولة لهذا الفنان ومن ضمنها مقولة مهمة له اذ قال فيها: (اصبحت بغداد جزءا مني وعندما اتحدث عنها كأنما اتحدث عن نفسي، كما اكد بأنه اعتمد على ذاكرته في نتاجاته الابداعية ويعدها الوثيقة الحقيقية التي يجب تقديمها للاجيال.
إن مشكلة الفنان البحث عن الكنز ويتصوره في عوالم بعيدة, لا يدرك انه تحت موطئ اقدامه؟ الكنز في بلاد وادي الرافدين)، وكانت وصيته بان يحرق جسده ويذر رماده على نهر دجلة معبرا عن اشتياقه ورغبته في التلاحم مع بلده العراق، وهذا يعطينا دليلاً قاطعا على ان هذا الفنان اعتز بتراثه وعراقيته ولم يغادرها ابداً سواء في اعماله اوحتى سلوكه وتفاصيل حياته، وكان لاعمال هذا الفنان وقع على من شاهدها من الغرب، ففي اميركا صنفوه من التعبيريين، وفي فرنسا اعتبروه خارج الاتجاهات المعروفة.

ـ زياد جسام
ziyadjasam@yahoo.com


*



" هناك برنامج هولندي على القناة الهولندية الأولى أسمه ( أجمل فتاة في الصف ) وفيه يختارون إمرأة كانت في وقتها أجمل فتاة في صفها ، ثم يبدأون بتتبع أخبارها الآن مع مقابلات معها ومع اصدقائها وزملائها القدماء في المدرسة وعائلتها وعرض صور لمختلف مراحل عمرها . قبل فترة كانت الحلقة مخصصة لفتاة ( امرأة ) اسمها ( أشكاين ) حينها بدأت تتحدث عن حياتها في أمستردام و .... الى أن ذكرت بأن والدها هو الرسام العراقي أرداش كاكافيان ، حيث ربطته علاقة بأمها في باريس بداية الستينات في درس اللغة الفرنسية وطلب منها أن تجلس له موديل ثم توطدت العلاقة التي كانت ثمرتها هذه الفتاة . ثم عرضوا مقاطع له وهو يرسم وكذلك بعض الصور التي تجمعهما معاً وهي صغيرة ومقابلة مع امها التي ذكرت بأنها عادت بإبنتها من باريس وبقي أرداش هناك حيث كان الرسم كل حياته " ما أصغر هذا العالم ..... شكراً للتلفزيون الهولندي لأنه تذكر بشكل أو آخر فناننا الكبير أرداش بينما كاد وسطنا الفني والثقافي أن ينسى هذا الفنان الكبير. وهنا نكرر القول ولا نعلق على ما أدرجه الفنان ستار كاووش ، لأن هذه الحقيقة صارت واقعا ونحن نرى ونشاهد ونقرأ على الكثير من الرموز الثقافية والأدبية وحتى العلمية ، قد طوتها معالم النسيان ، ولم تسجل أو تؤرخ نتاجاتها التي حققتها في بلاد الغربة ، وصارت جزءا من ذاكرتهم وتفاصيل وعيهم ¡ في حين أننا نمر في مرحلة نطلق عليها " مغايرة " أو نزعم أنها مغايرة على ما أدرجت عليها سنوات التهميش والأقصاء ¡ أذن من الطبيعي وعلى أثر الكثير من " الصيحات " التي تطلق من خلال الصحافة المرئية والمقروءة وكذلك المكتوبة ، أن بحث ودراسة وجمع هذا الأرشيف التي تسلق الأبداع خارج أسوار الوطن . لكل مبدع وفي كافة المجالات . وهذا ما يمنح الأحياء منهم على أعادة الصلة بالوطن مرة أخرى ، وربما يفكر بالعودة لأنتاج وأعادة بث وعيه داخل حدود الوطن ثانية . وهذا الأمر ينسحب على الراحلين منهم . من خلال تشكيل لجان متخصصة بهذا الجانب لجمع الأثر سواءالثقافي بكل تمفصلاته وكذا الأمر في الجانب العلمي . ولنا في هذا التوجه أكثر من فائدة نمنحها لمن لا يعرف مبدعي وطنه الذين أحتوتهم المنافي ، ومحطات الغربة . وهي دعوة مفتوحة لكل الوزارات حسب الأختصاص . وأيضا الروابط الثقافية الأخرى من خلال علاقاتها الخارجية .
ستار قاووش

البيئة


*

في المعرض الأخير الذي أقامته دار ماري صالون الباريسية لعدة لوحات للفنان العراقي الكبير أرداش كاكافيان قدمت الناقدة ستيفاني لوكان بعض القراءات في لوحات كاكافيان وفنه عامة وكنت أشعر أنه بالأحرى علينا أن نبدأ نحن في تكريمة بل و أكثر من ذلك علينا أن نستعيد ولو جزءا يسيرا من أعماله الكثيرة التي وضعتها المؤسسات الثقافة الفرنسية تحت تصرفها على أساس أن كاكافيان مات ولم يكن له وريث يطالب بهذا الإرث العظيم من الفن والإبداع .
لعل ثقل المدرسة العراقية وعراقتها في الفن التشكيلي يدفعنا دائما لأن نتخيل أن هناك عدة قلاع في بقعتنا العربية كانت تنير بلا توقف ذلك البحر المتلاطم من الفن الذي تزخر به الأمة العربية منذ بدايات القرن العشرين وقد كانت المدرسة العراقية لها مكانتها كمنارة وحصن تعلم فيه أجيال كثيرة من فناني الوطن العربي منهم من عرفناه ومنهم من طوته عجلة النسيان أو كادت مثل الفنان العراقي الكبير أرداش كاكافيان .
والذي يعرفه كل مؤرخي الفن في باريس وكل أعضاء الحركات الفنية بل إنه هو و المصري جورج صباغ الوحيدان اللذان تذكرهما موسوعة لاروس للفن التشكيلي لكن محبي الفن التشكيلي ودارسيه لم يعرفوهم إلا من خلال أعمال نقدية عالمية .
يقع أرداش كاكافيان بين عدة مدارس فنية تشكل مدرسته الخاصة والمتميزة فهو في اللون وحركة الريشة تأثيري النزعة وانطباعي أحيانا كما أنه في الفكرة والتكوين سريالي يميل كثيرا إلى الجيل الثالث من السرياليين لكننا لا نستطيع إنكار نزعته الشرقية التي وضعته في مصاف الفنانين العالميين كنوع من التعبير الحداثي عن الفكرة الشرقية في الفن التشكيلي .
تعتبر الكتلة والجسد أحد قضايا التكوين في أعمال كاكافيان ومن منظور سريالي عبر كاكافيان عن الجسد كحالة من تفسخ الكتلة والتئامها مرة أخرى فنجده يخرج بشكل حصري عن المقاييس التي يتبعها السريالون فيحتفظ ببعض خصائص الجسد ككتلة غير قابلة للتجزئة وخصوصا الجسد الأنثوي .
يحتل الرمز الشعبي جانبا كبيرا من عوالم أرداش التشكيلية فنجد شخصيات بعينها استخدمها كاكافيان كرمز مثل ( المهرج ) وتتمركز أعماله في مرحلة النضج داخل أجواء شرقية بحتة فنجد اللوحات التي تحتوي اكتمالا لحضور شخص أو جسد نجدها يلبسها الروح العراقية.
يستخدم كاكافيان الرمز بكثافة وأحيانا بشكل عفوي خارجا من اللاوعي مثل استخدامه المتكرر للقارب في أعمال كثيرة ما يوحي لنا بالتعبير عن تغريبة تعيشها روحه في باريس التي عاش فيها معظم حياته ونجده يقول ( كنت أظن أنني بارحت بغداد ورحلت عنها لكنه حقيقة أصبحت قطعة مني فحينما أتحدث أشعر أن هذه بغداد التي تتكلم )

ولد أرداش كاكافيان - لأب أرمني هرب من البطش التركي - في الموصل عام 1941 وهوى الفن منذ صغره مما دفعه لأن يكون عضوا في جماعة بغداد الفنية التي أسسها الفنان جواد سليم وفي السبعينيات رحل أرداش كاكافيان ليكمل دراسته بمعهد البوزار في باريس وحصل على ليسانس العمارة الداخلية وفي عام 1967 حصل على الجائزة الأولى من صالون الخريف التشكيلي في باريس وأصبح اسمه يتردد في أجواء باريس الفنية ثم واصل نجاحاته فحصل على جائزة دووم العالمية عام 1971 .
قام أرداش برحلات فنيه عديدة للهند واليابان وفي الهند أطلق عليه الفنان الهندي والناقد هاريش كابور ( فنان العوالم البعيدة ) واقتنت هيئات ثقافية كثيرة في الهند أعمال له .
وفي عام 2000 رحل أرداش كاكافيان في باريس بعد 45 عاما من الفن وكانت وصيته الأخيرة أن يحرق جسده ويلقى رماده في نهر دجلة في العراق .
وكان يقول في لقاءاته الأخيرة ( أحاول أن أبحث عن أمومة الجسد في فكرة تشكيلية جديدة) .

باسم توفيق


الراية

*

هناك مصائر غريبة، نقرأ عنها في الروايات أو في سير العظماء، لكن مصير أرداش كاكافيان الذي يستدعي ابتسامة مُرّة، هو بلا شكّ بين أغربها، وأكثرها شراسة.
لا شيء في حياة هذا الفنّان الممتاز كان يبشّر بنهاية عبثيّة، مأسويّة إلى هذا الحد. فكلّ مؤشرات النجاح والسعادة كانت تنضح منه وتغمره، وتنتقل بالعدوى إلى كلّ من عرفه في باريس الثمانينات. كلّ شيء كان يوحـي بالرضـى والنجاح : طريقة حياته، تنقلاته بين العاصمة الفرنسية ومرسمه الريفي في النورماندي حيث امتلك مزرعة واسعة وخيولاً وحيوانات كان يتكــلّم عنها بفخر وسرور، كمن يذكر أصدقاء يعتزّ بهم... أسفاره بين فرنسا والولايات المتحدة، حيث شقّ طريقه فنياً... وحتّى زياراته إلى بغداد، حيث التقيناه في أكثر من مناسبة، وكان يجمع في التعاطي مع من حوله بين مودّة الابن العائد، وحياد الفنّان المغترب الذي صار ينتمي إلى فضاء آخر... قبل التكريم الرسمي من دون تردد، وكان يسكنه الحنين إلى دجلة، إلى الناس والمشاهد الواهية وتقلّبات الضوء وأشياء العمر الهارب والطفولة التي تطارده كجرح لم يندمل...
كل شيء كان يوحي بأن أرداش مواليد الموصل، 1941 اقتصّ من ماضيه، وانتصر على السنوات الصعبة، ونال الاعتراف والتكريس. فما الذي حصل فجأة، حتّى بدأ الانحدار إلى الهاوية؟ هل هي اللعنة تطارد فنّاناً عراقيّاً آخر أواخر القرن العشرين؟ أم أن المصير التراجيدي الأرمني هو الذي استعاد أرداش، استدعاه ليلتحق بذاكرة مثخنة تثقل كاهل القرن المنتهي؟!

لعلّ الجواب في لوحته، في تلك الظلمة التي تتلفّع بها العناصر... في تلك الاضاءة المقلقة التي تتجاوز التعبيريّة، لتضفي على المشهد "المشلّع"، المفتّت، بعداً تجريديّاً أحياناً، واسرافاً في الاختزال حتّى الفراغ. فمظهر الفنّان السعيد، لم يكن يخفي الحسرة العميقة، ولا العلاقة الاشكاليّة بكائناته ومواضيعه. والفوضوي، المشاكس، الذي لم يكن يمانع في الارتماء في أحضان الرومانسيّة، كان يحاصر شخصياته في العزلة والحيرة. هنا على قماشة اللوحة ذات الألوان القانية، تبدو الأمور على حقيقتها: نغوص على الجوهر: عدميّة أرداش كاكافيان ليست إلا تعبيراً عاصفاً عن غربة مزدوجة، عن الذات وعن العالم، غربة الأرمني التائه الذي لا يسعه التعامل مع الوجود إلا بصفته انسلاخاً دائماً، ومع العالم إلا بصفته مذبحة كبرى، ولو مموّهة خلف زخارف كارنفاليّة مختلفة.
هذا هو أرداش، كان الحزن يرشح من ابتسامته، وكانت ضحكاته الصاخبة حبلى بنواح كثير. وعندما اختلّ العالم الخارجي، بعد قضيّة عبثيّة مع دائرة الضرائب، انفجرت براكين الداخل لتجرف كلّ شيء في طريقها. كنّا نظنّ أرداش في أميركا، هذا ما أكّده لي قبل أسابيع قليلة الموسيقي السوري الباريسي عابد عازريّة، حين ورد اسمه في حديث الذكريات. لم يكن أحد يتصوّر أن الفنّان الذي ترك بغداد العام 1961، شاباً لامعاً لفت أنظار جواد سليم وعبر بـ"جماعة بغداد للفنّ الحديث"، يعيش منزوياً في منزل متواضع في احدى القرى الفرنسيّة المنسيّة... وأن الشلل أدركه منذ سنوات، وزجّ به في صمت مديد... وأن الموت سيخطفه هكذا، وهو لم يبلغ الستين. هل سنرى يوماً اللوحات التي رسمها أرداش كاكافيان في سنواته الأخيرة؟

بيار أبي صعب


الحياة


*



... لا تخلو الكتابة في النقد التشكيلي من الإنارة والتوثيق، ولو غلب جانب التوثيق مؤخرًا وعلى الصعيد العالمي، بعد أن بات لكل فنان الحق في تفسير أعماله وطروحاته. وفي تشكيلنا العراقي هناك إغفال واضح لتجارب مهمة لم تساير الطروحات القاصرة المعرفة بشكلانية وأنماط محدودة.

ومن أمثلة هذا الإغفال ما تعرضت له تجربة الفنان (أرداش كاكافيان) الخصبة. هي تجربة بعيدة عن مسارات مألوفة لدينا، فمنذ لوحته " بائع الفستق " نهاية الخمسينات وحتى " ابر الذاكرة" وما بعدها. هو فنان متفرد دخل معجم لاروس مع الفنان المهم جواد سليم، وعلينا الاحتفاء بتجربته وإعادة اكتشافه ودراسة آثاره من جديد وبما يليق به، من أجل إنعاش ذاكرة التشكيل العراقي بمحاور هي من منتجاته.

هذا الفنان الذي كان مولعًا باستنطاق ذاكرة لم تبرح وطنه رغم إقامته المزمنة في الخارج " فرنسا وأمريكا " بسبب من تشبعه بعمق انتمائه وسطوة حضارة بيئته. هو مثل العديد من الآخرين تدرب كثيرا في الغرب، لكنه سخر موهبته الفذة بما وفرته له دراسته للتشكيل وبعدها الهندسة المعمارية من إحياء لذاكرة المكان والسياحة في أجساد هي بعض منه. لقد أورث أعماله زخمًا تعدى الانفعال للإحاطة بعوالمها وهواجسها المشيدة برهافة الفطرة وسطوة المعرفة، ولا يمكننا اختزال تجربته بمصطلحات الواقعية أو التعبيرية كمصطلحات جاهزة تحيلنا لمديات مناطقها دون الالتفات إلى هاجسه الشخصي، باستنطاق ذكريات بيئته الأولى التي سكنته دوما، والتي كان يتردد عليها بين الحين والآخر.

كم هو عسير أن تنفذ أعمالا تتسم بمسحة واقعية دون أن تقع في تأثير الكم الهائل من المألوف من مدارسها. هنا بالذات يكمن تفرد أعمال (كاكافيان) ببناءاتها واختزالاتها وفصاحتها. وفي مجال تفحصنا لأعماله نجدها لا تبتعد عما بثته أعماله الأولى من مقدرة على تضخيم الجسد الإنساني وتغليبه على بقية العناصر الأخرى، أو تناهيه وسعة عناصر البيئة التي تحيطه، وهي مشبعة دومًا بألوان فيض عواطفها المهذبة.

أعماله بمجملها موروث أخذ حيزه ضمن أعمال أسلافه المعدودين، وبات علينا الإشادة بها لإثراء حصيلتنا الجمالية والمعرفية، ولكي لا تضيع هذه التجربة المهمة في زمن متهافت متسارع. وكانت خيبة أن لا نجد الاحتفاء بتجربته في أحدث إصدار عن التشكيل العراقي. مثلما أغفلت العديد من التجارب الأخرى واكتفى بالمألوف المتوفر منها، وكما يبدو بسبب من عدم الاهتمام باستقصاء المعلومات الدقيقة ومن مصادرها، وكأن الأمر لا يخلو من عجالة أو عدم دراية في الإحاطة بأهمية هكذا مشروع وضرورته في زمن ضياع العديد من الحقائق خلف واجهات عديدة، رغم الإقرار بصعوبة هكذا جهد.

ولكن ألا يلزمنا التوثيق بأمانة من أجل أن نساير الآخرين في ركبهم، ولا يعقل أن تتكرر تجربة توثيق التشكيل العراقي كل عقد أو عقدين من السنين بكل أخطاءها النخبوية أو العقائدية أو المؤسساتية. يبدو أن ما نطلبه عسير، ولكنه يجب أن يكون كذلك كشهادة حقيقية عن حقبة صعبة لأجيال لاحقة.

بما أن زمننا الآن، وكما يطلق عليه (المعاصرة) مفتوح ومتفتح القريحة على نتاجات فن شعوب منطقتنا " الثالثة " ألا يحفزنا ذلك على أخذ مبادرتنا دون أن نقف في الصف خلف زملاء لنا من أمريكا اللاتينية أو شرقي آسيا أو أفريقيا والهنود وغيرهم.

جميل ما يقدمه بعض فنانينا من لبنان أو فلسطين ( وخاصة المهجرين) أو المغاربة أو العراقيين أو.....الخ. لكن الأجمل والأهم أن نعي دورنا الحضاري بشروطنا الموازية لحضارات العالم المعاصرة والمتممة لها دون الالتفات إلى مطب معايير التسويق لمؤسسات ومناطق تحاول سيادة حساباتها ومعاييرها الخاصة.


انعام كجه جي
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559892   Visitors since 7-9-2002