المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في تجارب مجيد جمول النحتية . مجسمات الذاكرة وجماليات مدن الحداثة

  
عادل كامل
  

















* مجسمات : بعد ـ قبل ـ المرئي

قبل أن يكمل دراسته العليا لفن النحت ، في وارسو ـ بولونيا ، كان محمد جمول ، قد عرض تجاربه النحتية في دمشق ، في سن مبكرة . لقد راح يشتغل بذاكرة لا تستعيد أو تجاور ، بل ، تمتد ، مع نظام الحذف / الإضافة ، شرعية المغامرة والبناء . هذا الامتداد المتضمن توق البنّاء ، جعل الماضي مرئيا : خفايا مجسمات مصر ، وأختام سومر ، فضلا عن موروثات الجزيرة العربية . إن ديالكتيك الفن ، يقفز ، ولا يصبح شاخصا للشهادة .. فنبضات القلب في صياغتها للوثبات ، لا تعاد . فكما حملت هجرات التصادم / السكن بين موجات الجفاف وأحواض الأنهار ، فان الذات ، في هذه البقعة من الأرض ، مكثت في مأزق . وجمول ، في النحت ، يدوّن مجموع المصائر . وعندما يبلغ خطابه النحتي حد اكتمال الحذف ، نحو التجريد ، والعمل بذهنية بنائية ـ هندسية ودينامية تستمد أصولها من الطبيعة ، فانه يعيد سؤال الحداثات كاملة . تلك الفجوة بين الشيء وبين الوعي : بين المادة وما هو ابعد من خلايا الضؤ . فالكون لا يفسر بالأساطير ، كما ان أكثر العلوم عقلانية وتجريبية لا تقدر على قهر كيف تبني الأمم أشكالها في صياغة لغة الفن ـ الحوار . فالشكل يكاد يكون توازنا بين عمل الجسد ـ المجتمع ، وبين عمل كون قيد الاتساع ـ أو التقلص ..انه مسافة في حجم . وستتحدث آثار اليمن ودلمون ، مثلما آثار كهوف الجزائر / ليبيا في المغرب العربي ، ومدافن العبيد وسامراء ، فضلا عن وجود ذاكرة مخبأة تحت رمال وارض الوطن العربي ، عن ذاكرة لا مست مغزاها في الوجود .

كأن النحت أسس مرآته كي يرى كيف تشّيد أقدم المعابد ، وأقدم معتقدات الخلق . فخطاب النحت قاد الفكر القديم ـ نحونا ـ بجعل عمل المحركات يأخذ أشكاله التي لم تدمرها الأزمنة ، ولم تدمرها عقلية المتوحش ، الرحّال ، فصار النحت يتكوّن مكونا المدينة / المجتمع / والذات أمام فضاءات الحضارة . ومجيد جمول ، لم تأسره الواقعية ـ أو تشفيرات الرموز ، ولم ينصص حد المماثلة ، بل منح الفعل ( الهندسي ) مداه في التوق . انه لم يحسب رياضيا ، بل جعل المخيال يتقاطع باحتواء فاعلية بذور الوجود الأولى . هذا المفهوم للنحت ، اليوم ـ ومنذ تاق النحات القديم للطيران والانشغال بسر كيف تولد لماذا ... في جوهر زوالها ــ يكوّن مقاربة لحداثة لها وثباتها عبر الزمن : ان النحت لا يتكلم ، ولا يشبه بمثال . انه كثافة أحلام إن صح القول ، وليس بناء خامات ومعالجة عناصر فحسب : كثافة زمن ، حيث الأشكال ــ الهيئات ، تتضمن ( الشاخص ) مع نفيه ــ أليس ما لا يعرّف ــ في قانون الجدل ــ انه لا يقع أسير أحاديات أو مفاهيم ناجزة ؟ لأن مجيد جمول ، يدفع بالحلم كي لا يضيق ، أو ينتهك بالتأويل والاحتمالات . ان النحات ينحت لأن الموتى ــ منذ ولاداتهم ــ لا يكفون يحلمون أحلامهم المستعادة ، لكن ، عبر النفي ، والذهاب خارج ــ وبفعل ــ الأشكال . أليس النحت مدينة تامة ألتوق ، ومنتظمة ، كي ــ عبر النحت ــ تتجلى عناصرها حداثة لا تدحر ، لأنها ــ كما الهرم أو الزقورة أو ملوية سامراء ــ المطلق وقد صار علامة ، بالمعنى المتصل ، المقارن ، من الكلي الى المرئي ، ومن الخفاء الى الشهادة . يضاف ، مع ألتوق ، جماليات تمثلات نظام الأشكال ، باحتواء فعالية المخيال ، وشطحا ته . مجيد جمول يرتب مركز الرؤية ، جاعلا المحيط متصلا بها ، في تناغم وتصادم معا ً .. فالنحات لا يحذف إلا الذي يغدو المساحة داخل الكتلة ، وليس العكس . اليس النحت ، هو الذي رأى النحات ، والنحات ، هو الذي صنع المدينة .. ؟

* الواقعية : توازنات الحذف والإضافة

لم تتوقف الطبيعة ، عن إنتاج أشكال برهنت الحفريات إنها إضافات لا على صعيد الأشكال ( المجردة ) فحسب ، بل على صعيد : النظام . وهي لا تلغي حدوس كل ميتافيزيقيا تحولت الى واقع . فمحور الأشكال توّلدها تنافرات ، وتصادمات ، وخلخلة دينامية التعاقب .
وأشكال النحات لم تتوقف عند المحاكاة .. كمسلمة ميزت الواقعيات .. والأخطاء المنهجية التي سارت ــ ومازالت ــ حدت من جدلية التفاعل ، بين العوامل الموضوعية ، واشتغال الفاعل . بمعنى : ان الواقعية اكتفت بالمرئيات ، وعزلت بداهة ان الواقع ، برمته ، هو محصلة عوامل يصعب حصرها . بيد ان اثر الميتافيزيقا ، لا يقل سلبية ، حيث يهدم الشكل على حساب التشفير ، بل وعلى حساب التوازنات والخيال أيضا ً ؟
ومجيد جمول ، يضرب مثلا مناسبا لواقعية لا تكف تحفر ، وتراقب ، وتبني ديالكتيكها : الذات أمام الفضاء . إننا أمام أشكال تبرهن ان الوعي بالنحت ــ وقد صار وعيا نحتيا ً ــ هو التماعة معرفية لا تغادر شرعية بعث أقدم الأصول : محاكاة الأسرار : لا نهائية الأشكال في مواجهة ( كائن ) سيبدأ بالمحاكاة ، كي يشتغل شغل الساحر ، وينفصل ــ حد الصلة الخفية ــ مع المرئيات . ان جمول يبحث عن هذا الترابط الذي يبدو ــ لا واقعيا ً ــ في تحديد نهايات الأشكال ، مع انه نفذ عشرات النصب والتماثيل ، داخل دمشق ، وخارجها ، استمدت أصولها من تاريخ عتيق ، ومدروس لقواعد النحت الواقعي . فليست مجسماته متمردة أو تجريبية ، كما لا تذكرنا بـ ( واقعية بلا ضفاف ) لجار ودي ــ بل هو يمسك بدلالة أنظمة لا تغادر فاعلية المخيال مع الخامات ، والمثال مع التحوير ، والنحت مع الطبيعة ، والمدينة ، والإنسان في الاخير . فأشكاله لا تنفصل عن أبعاد تضاف ، لبعد الزمن ــ بدءا ً بالحركة ، نحو الإيحاء ، وكسر التكرار ن لجعل أشكاله تنتج كيانها ــ وانتهاء ً بالمعنى الجمالي القائم في النص وما يهبه ــ مع ما فيه من خفايا الباث ــ من أشكال تتكون بالحذف والإضافات . انه ينتج واقعية نحتية تحركها دوافع النحات القديمة : المحاكاة والنفي . ان جمول لا يقلد مثالا منتجا ً ( في الطبيعة ) ولا مثالا مستحدثا كلية . انه يمتد بالطبيعة نحو النحت .. فالأخير يتضمن واقعيته بالتجاور / والتحاور / مع عوامل الإضافة . أليست الطبيعة ــ بما فيها علاماتها الدالة عليها ــ تتضمن ما هو ابعد ، وليس ميتافيزيقيا ـ بالمصطلح ـ وإنما بما يماثلها على صعيد المحركات والعلل الكامنة . ان منهجا نحتيا ً، عند النحات ، يمنح الظاهراتية الجمالية ، علامات لا تغادر هذه المساحة ، يؤكد ـ المنهج ــ مدى الترابط بين المخيال والخامات .. والكائنات ، والدالات المشفرة ، جماليا ً ..
ان وظيفة النحت لا تعلن ذاتها أشكالا منفصلة ، أو مستحدثة ، أو مصنعة ، إلا بما يمتلكه من فعالية تتوازن ونظام إنتاجها : حدودها ، تقنياتها ، وخطابها في نهاية المطاف . أليست الأشكال المتطرفة ، كي تكوّن عاداتها البصرية ، وتترسخ ، تتطلب بحثا مزدوجا في الدوافع ــ المخيال / خواص الخامات ــ وامكاناتها ..؟ لكن النحات لا يخترع أشكالا مناؤة ، أو مضادة ، بل يبدأ بوظائفها ، في ذاتها ، كي تكوّن بالحذف وبدينامية القصد ، مغزاها ضمن تنويعات الحداثة ؛ حداثة تتصل بالمكونات ، ولا تتخلى عن الدوافع ..النحت بصفته مأوى لكائنات المخيال ، أو
الأطياف ، وليس للمباهاة أو المحاكاة .

* التجاور : موضوعات الزوال والأمل

لا يقهر النحت الزوال؛ انه يسكنه في العمق ، كما في الامتداد . وجمول يتعلم من الذاكرة ــ ومن الأصابع ، إن تراكمات المعرفة لا تفضي الى انغلاق ، بل للعمل على اكتشاف بعد مضاف .. فالنحت ، في تجاوره مع موضوعاته ؛ تجاوره الدائم وحقائق زوال الظاهر / الرائي والمرئي ، يذهب حيث النحات ـ الذات ـ تتدرب للامساك بجدلية التضادات . انه لا يقلد حركة عابثة ــ ولا حركة ساكنة ــ بل يبدأ ، كحداثة ، من القطيعة مع الطبيعة . فالوعي ، وضد سقراط ، ليس امتدادا ، بل إضافة . فهل ثمة قطيعة تامة مع الثراء الصوري ــ والروحي الكامن في المحركات والنتائج ..؟ إن مجسمات النحات تحافظ على اقتراحات كبار النحاتين المعاصرين ، قبل هنري مور ، وبعد ارمتاج ، انه التحديق في مسلمات جديرة بالدحض ، لكن ــ وهنا امتيازه ــ لا يكوّن كتلة وكأنها تتدحرج ، وتغادر ، كحركة أبدية ، بل يجعل التوقف برهة تكوّن التجاور ــ الذي يأخذ معنى الانفتاح والحوار .
فالزوال يكمن ، كمسلمة ، في صلابة الخامات : من الطين الى البرونز . بيد ان تاريخ تطور النحت لا يهمل تحديات إشكالية الكائن مع الصلابة الهشة . فالاستجابة تكمن في التكرار المضاف ، وهو يتوخى إضافة معالجات لا تغادر مشروع التعاقب ، والتطور .
بيد ان ثقل موضوعات التصادم ، والإرادة ، منذ ( نيتشة ) لا تغادر مشروع التحديق في عدمها .. وستتنوع الردود ــ الاستجابات بحسب المنهج ، وفلسفته ، وأهدافه الأبعد . فالنحات السوري مجيد جمول يتمسك بذاكرة تتذكر : إنها لا تسكن ماضيها ، ولا تبعثه أيضا ً .. إنها تذهب حيث المخيال يتذكر ، نحو الأفق ــ الأمام ــ مصائر أشكاله المصنوعة بالإرادة ، والخامات المصنعة .. فالحداثة حتمت تكنيكها ، كي تأخذ بعدا ً آخر يلحق بكل تهديدات التفتت . انه ينحت كثافة آماله الداخلية ، ويقلد ، في هذا السياق ، أحلامه .فالنحات ينحت ليحلم ، وقد صار يحلم نحتا ً . فهل قهر زواله ..؟ انه ، كأقدم استعادة لتاريخ الكهف ــ المعبد ــ المدينة ــ يكرر : ان وجود الإشكالية ــ بقول لماركس ــلا ينفي وجود حلها .. انه يقهر ( القهر ) بجعله متصلا .لأن الموت وحده يتقاطع مع دينامية الإضافة ، ومع معرفة تعرف إنها قائمة على التواصل ن والكد . ان مشروع النحات العربي ، يرسم خارطة قرن طويل من الزلازل ،والارتدادات ، والركام . لكنه ، ينحاز لطيف يرفرف باثاته عبر وثباته . فالجوهر القابع داخل / خارج ، الصلابات ، يغدو مرئيا ً : صياغة آمال لها لذة التأمل الوجودي ن ولها ن في الوقت نفسه ، العناد المر تجاه مصائر قيد الاندثار . ان فنا ً لا يرى مرئياته بما لا يدحض ، لا يقول ان الحتميات ذاتها ــ كالانسحاب الى القاع ــ تنتج نفيها . ان مجيد جمول يتمسك بفاعلية الحلم / الطيف . فالنحت في سمة من سماته ، انه لا يغادر أحلام كائناته التي كفت عن الحلم ، فهو إضاءة جمعية ، وليس عتمة جنائزية . فالذات تتعالى ن في سياقها ، كحلم يستدرج أشكاله ، حيث ـ هنا ـ يأخذ هذا الفن مداه ز انه يصنع الإنسان ، مرة بعد مرة ، أمام الذي يأتي ، لكن ،ليس أمام زواله ، قبل ان يصير الاخير مادة للذاكرة ن والفعل والمخيال الجمالي . فالكثافة تغدو ، كثافة حلم ، وجغرافية وثبات أطياف ، وعيا ً شكل خطاب النحت . فهو يغادر مناخات ( جايكوماتي ) منحازا ً ، أكثر فأكثر ، لا لقهر الزوال ، أو مجاورته ، بل الحفاظ على ديناميته ، لكن ، في آثار مازالت تريد ان تمتد بالأسئلة ، ولا تريد ان تغادر الوجود ، وهو يتجسد أطيافا ً تصنعها الإرادة ، وكل الذي لا يدحض بالنسيان .

* النحت / المدينة

نستدل من النحت ، عبر العصور ، انه يضعنا في موضع ( التجمع ) . ثمة ألفة مكان صنعها الكائن . فالمكان لا وجود له ــ في الوجود ــ خارج صياغته . فآثار النحت ـ مع النحت الفخاري ـ تدلنا علة المغارة ، والكهف ، والمعبد ، وتدلنا اليوم ، على عصر تأسيس مدن الحداثة .. لكن ، في جوهر الزوال ، على تفكيك الجدران بما ينقصها من مقاومة . إن مجيد جمول ينحت مدنه . فكل نص / نصب / هو : مركز . والنحات ينحت ـ بفعل المحيط ـ كثافة هذا المركز . فكل مجسم ، بلغة الاجتماع ، له دلالة إرادة بشرية ـ مع وفرة الى جوار السكينة والأمن ـ فالمجسم ، في وجوده ، يصّور المحيط ـ النحت أمام المركز ـ عبر تقنياته ، ومضامينه ، وأشكاله . فهو صورة لمدينة كثفت حد التشفير . والمدينة عند جمول ، لا تقع في قلب الرمال ، أو بين جبلين . إنها مدينة مساحة لا تغلق حد الشاخص ، ولا تتفتح حد غياب المكان . إنها مدينة تتوازن فيها فجوات التأمل ، مع توكيدات حركية المركز . فالفضاء لا يصير كثافة ، والمركز لا يصير علامة إلا بما يدل عليه محيطه . إننا أمام مصّغرات مدن ليست من صنع المخيال إلا بجعل الأحلام تأخذ أشكالها . فالنحت الذي لا يحلم لا يسمح لنا حتى بتنفس الهواء . جمول يمنح المركز تحريضا للمحيط إن يتحسس نبضاته ــ ومخياله الفعّال . فالنص ، كما في مراكز الفضاء بابديتها الكونية ــ يعمل بازدواج الباث ــ حدود المستلم . انه حركة تبقى ترتقي بالخامة الى المعنى ، والنص لا ينغلق داخل موضوعه . فالموضوعات ، في تحليلها البنيوي ، توحد داخلها بالمحيط .. إنها لا تلغي المساحة ، لكنها تمتد بكثافة الحلم كي يبتكر أشكاله . إن النحات يصّنع خاماته ، ومحركاته ؛ موته وحبه ، مدينة تحدق في محورها : فالمجسمات تكاد تستعير فعالية ( النبع ــ البحر ) في الذهاب حيث العناصر تتلاشى كي تتكون بفعل الحلم ـ الإرادة . إنها منحوتات تستعير أشكال الصحراء ، صلابة لها مرونة لا تقهر . هنا تصير الحركة وقد شملت خفاياها : مرئياتها ومخفياتها ، باثاتها الحسية ودلالاتها الرمزية ، واقعيتها واختزالاتها حد التجريد ..الخ فالحركة تتسع بتوفر المراكز ، تتلاقى ، كي يحدق ( الزوال ) ـ فلسفياً ـ في أشكاله وقد صارت مادة للوجود . بيد ان المدينة ، تبقى ، ذاكرة / متحفا ً / ومشروعا لا يكف ان يحافظ على جمالياته ، مع ـ وضد ، كيان يمتد بأسلافه ، جاعلا النحت مادة للتأمل ، مركزاً يشغل محيطه وقد شكلته عناصره العنيدة .

* جماليات : لذائذ الصدمات والانبثاق

عدا المناهج الراسخة ( السكونية ) تقدر الا تذهب حيث الإضافات / الحذف ، عبر المنجز ، تمتلك خفاياها الجمالية . وبفعل هذه المناهج ، يتلقى التشكيل العربي ، تكرارات لم تعدل ــ في واحدة من ملامحه ــ مسارات الإبداع . وبفعلها ، فان نفي التكرار ، منذ محمود مختار وجواد سليم والسجيني واساعيل فتاح والرحال ، منح المخيال ديناميته الجمالية . كانت حداثة النحت العربي ، منذ مطلع القرن العشرين ، تفكك الكتلة الصلدة . فلم يكن للنحت دور الوثن . كان مركزا ً لكائنات تستعيد ـ وتكوّن ـ مدينة بمعناها المعاصر ، والمشّرف .
جمول ، يترك خاماته تفكر . لقد صهر نفسه معها حد ان الأفكار تعلن عن ذاتها بوحدة عناصر البناء مع عمل الدوافع . فالنحات لا ينحت وظيفيا ً. ان أولى جماليات نماذجه انها ليست للزينة ، والترف ، في عالم ينزف كبرياءه أزمنة كاملة ، بل تتخذ الحركة ــ عمل الفجوات مع الفجوات الأكثر كثافة ــ معيارا ً للتشكل . إنها تصنع ( الكيف ) بزخم الأسئلة . فالحركة تذهب نحو المركز / ومن المركز ترسم مديات المحيط . والنحت يتحرك بعلاقة ( روح ) الجدل وقد تكاملت فيها روافدها : استعارات واستذكارات وتعديلات وابتكارات أشكال استمدت أصولها من الطبيعة / والإنسان . بيد انها ن بصلابتها ، تجعل الحلم مرئيا ً . إننا أمام حروف لغات مشبعة بثراء الذاكرة ، ومحنتها ، وتوقها ، لا تكف عن الرقص . إنها ضد الانغلاق وضد أي تحليل ( تحت ـ نفسي ) إلا الذي يجعل المتحرك وقد أدى انفتاحه نحتا ص يوازن بين الكلام والبوح . فمجيد جمول يصور شفافية عنيدة تقارن ــ وتجاور ــ بين الأضداد : المرونة والخشونة ، الهندسة بصفتها لا تعزل عن ظاهريات الوعي وصياغته : قسوة الخطوط الحادة مع مرونة سبعها الإيقاع ( الهارموني ) تضادا ً منسجما يعري أنظمة الأقنعة وترف الباروك ..الاربسك في مغزاه الأحادي . وللنحت ، هنا ، أبعاد متجمعة ومتداخلة ، وليس رؤية ذات بعد واحد : انها ـ بعد العمق والارتفاع والأفق ـ تصّور تحدب أطياف الزمن ، مشهدا لا يستعير ، بل يمثل كل الذي في اتساعه يجتاز المشاهد : البعد المّولد للأبعاد ، ضد سكون العابر .. فالنحات يحفر خطابه النحتي في قلب مدن لا تقع على حافات المجهول . فخاماته ـ وحتى المصّنعة بالمواد البلاستكية ـ تحمل تضادات الجفاف والطوفانات : الارتفاع والتوغل والسكينة ، لا التي تفضي الى ( نعم ) ، ولا نعم التي تتنكر بـ ( لا ) .. حروف بلغات يصنعها فن النحت وسياقه منذ صارت أصابع الكائن تتلمس جغرافية الحلم ، وتنطق بالذي يتكون داخلها ، حيث تجلد النحات وصبره ذاته ، صار يرسم جماليات التوازن . فكائناته / علاماته / إشاراته / رموزه / أشكاله .. الخ كلها تكمل يعضها البعض الآخر ، ـ وبعيد عن السرد ، كما اعتدنا ان نطلب من النص الفني ـ تهب ، وتثب ، شهادة كيف استحال المحيط مركزا ً ، وكيف تجمعت تقاليد طويلة لفن النحت كي تكثف فضاء ( التحليق ) الى مدارج للطيران . ان الكلمات ـ عند الشاعر ـ تصير شعرا ً ، والخامات ، عند النحات ، تصير نحتا ً ، لكن ماذا يريد الشعر ان يقول .. وماذا يريد النحت ان يوصله ..؟ معا ( حيث النحات يعامل خاماته كما الشاعر مع الكلمات ) : لا يكفان عن صياغة أحلام مستعادة ن تتكامل ن بصيرورتها ، وتعاقبها ، حيث لا تكتمل ، إلا بجعل هذا الاختلاف ، يبث مادته العنيدة : التحليق ، ومنح المحيط علاقة ألفة مع النحت . وثمة إذا كف ( الموضوع ) عن إعلان مغزاه ، يفصح النحت عن مسار طويل للفن ذاته : إنها مجسمات لا تتهدم ، ولا تتآكل ، بل تتناسق كعلاقات ، وكبنية لها نظامها الخاص . ان الجمال لا يعلن ذاته كمصطلح ، أو كأشكال ناجزة ، ولدّتها التنصيصات ، بل ، مع مراعاة تقاليد الأنساق والأساليب والأزمنة ، تعلن عن وحدة الشيء في ذاته ــ نحو ــ ما هو ابعد من الوظيفة . فالنحت يحدق كي يبقى يتشكل ، ولا يتحجر . ثمة حرية لا تخفي إلا الذي تعلنه ، مخفيا ً ، عبر استحالة تعريف ( الحركة ) أو تعريف ( المادة ) أبعد من مصطلحات الخبرة ، والجدل . إننا أمام مجسمات هندسية صاغتها الأصابع تنفيذا لمخيال لا يكرر إلا ما سيبقى يواجهنا بدوره : إجابات تتضمن أسئلتها ، وليست إشكاليات وجدت كي تجد حلا ً ــ بحسب واحدة من التماعات كارل ماركس ــ حيث الجمال ، ليس سطحا خارجيا ، صوريا ً ، بل حركة متمركزة بما تمتلك من محركات وأبعاد : فراغات وانفتاحات وأصوات كامنة ، وجدت امتدادها غير المنفصل عن الذي يبقى محورا ً : كثافة لا تخفي إلا بما تبثه .. أليس هذا السياق الحداثوي ــ القديم قدم البذور الأولى ، لا ينفصل عن كثافة أحلام سكنت حد ان النحت صار، هنا ، أطيافا ً جرجرتنا الى صدمات التأمل ، وجمالياته ، والى لذائذه عبر صيرورة الزوال والانبثاق ..؟

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6046403   Visitors since 7-9-2002