المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

مقابلة فريتس ي . راداتس مع سيوران

  
  

- ف.ي. راداتس Fritz J. Raddatz : في البدء أرغب أن نتحدث عن مفهومك عن التأريخ. يمكن الإستشهاد بالكثير من أقوالك التي تبدو ظاهريا متناقضة : التأريخ العام كتأريخ الشر ، أو هذا المثال : ( شغفي بالتاريخ ينتج عن إعجابي بالكوارث ) ، أو : ( التأريخ هو تأريخ مجانين ). في الوقت نفسه تربط سوزان سونتاغ فهمك للتأريخ بمفهوم نيتشه . فهل هي على حق ؟
سيوران : كلا . يوجد ، وإذا كان بمقدوري القول ، شبه بيني ونيتشه فيما يتعلق بالسلوك : كلانا يعاني من الأرق. وهذا يخلق رابطا مشتركا. لكن مفهومي عن التأريخ يتمثل فعلا في الصياغات الذي ذكرتها أنت. هذا هو موقفي ، وبهذه الصورة يكون شعوري.
راداتس : لنعد الى نيتشه. سوزان سونتاغ تقول : لم يرفض نيتشه التفكير التأريخي ولكونه زائفا بل على العكس – إعتبر أنه ينبغي رفضه ولأنه حقيقي. وتقول سونتاغ إنه هكذا يبدو مفهومك. لكن ربما يكون آخر بشكل واضح...
سيوران : إنه مختلف ، فأساس موقفي هو فلسفة القدرية fatalism . وفرضيتي الأساسية تقول عن عجز الإنسان . فهو مجرد مادة للتأريخ وليس فاعله. أنا أكره التأريخ ، ومعه العملية التاريخية.
راداتس : وتنكر التقدم ؟
سيوران : أنكرُ. أروي لك نادرة هي شيء أكثر من هذا. هنا ، ليس بعيدا عن هذا المكان ُكتب أول كتاب وأحسنها عن التقدم. هنا بالضبط في زمن الإرهاب إختفى كوندرسيه Condorcet وألف ( تخطيط صورة تقدم روح الإنسان عبر التأريخ ) ، وكان الكتاب نظرية التقدم الأولى والواضحة ، نظرية قتالية لفكرة التقدم، و كان ذلك في عام 1794. عرف بأنهم يبحثون عنه. لذلك ترك بنسيونه وإحتمى بإحدى ضواحي باريس. الناس تعرفوا عليه في إحدى الحانات ووشوا به – إذن قام بعمل إنتحاري. لكن كتابه هو إنجيل التفاؤل.
راداتس : هي نادرة بالفعل. لكنك لم تصغ نقدك. هل يمكن حقا و بأسلوب عمومي إنكار كل عملية تأريخية و رفض التقدم الجاري في نطاق تلك العملية .
سيوران : كلا ، انا لا انكر ذلك. لكني أجد أن كل كسب هو خسارة في الوقت نفسه. بهذه الصورة يحتمل التقدم نفسه. وكلما يقوم الإنسان بخطوة الى الأمام يفقد شيئا.
راداتس : مثلا ؟
سيوران : خذ علم الدواء، تقنيات الطب ، المكائن التي تطيل ألعمر. ولقلت هكذا : في زمن ما كان الناس يموتون وفق ميتهم الخاصة ، وهكذا كان مصيرهم ، ماتوا ولأن لا أحد رعاهم. اليوم بفضل الأدوية يمارس الإنسان حياة زائفة ، إطالة مصطنعة. إنه لا يحيا مصيره.
راداتس : سيدي سيوران. لكنك قبل قليل كنت تتكلم ببالغ الإرتياح عن نتائج فحوصاتك بالأشعة. وكان من الضروري لهذا الأمر أن يقوم السيد روينتغن بإكتشافه في زمن قديم. ألم يكن ذلك تقدما ؟
سيوران : بالتأكيد ، لكن لكان من الأفضل أن أموت موتي الخاص.
راداتس : لكنك تهرب منه أيضا.
سيوران : وهي حقيقة أيضا أني أسهم في هذه التسلية ، في هذا الخبال. ليس بمقدوري أن أفعل شيئا آخر. أنا أركب المترو أيضا ، وأفعل ما يفعله الآخرون.
راداتش : تستفيد من الحضارة التي تدينها. لديك هاتف وتسافر جوا ً.
سيوران : أنا أفكر اليوم بأنه سيكون من الأفضل لي وإلى حد ملموس لو بقيت في قريتي ورعيت الماشية. ولفهمت قضايا أساسية بصورة جيدة كما أفهمهاالآن. لكنت أكثر قربا من الحقيقة.
راداتس : هل تظن بأن التعلم يحجب عنك الحقيقة ؟
سيوران : لكان أحسن لي أن أعيش برفقة الحيوانات والناس البسطاء الذين كانوا رعاة. حين أزور مكانا بدائيا تماما ، مثلا في إسبانيا أوأيطاليا وحين أتحدث مع الناس البسطاء أملك دائما إنطباعا بأن الحقيقة هي عندهم بالضبط.
راداتس : أنت تتكلم مثل واحد من الهامش ، وقليلا بأسلوب ( الخضر ) - العودة الى الطبيعة وإلى آخره.
سيوران : من وجهة نظر ما هو مبدئي، لا تكون الثقافة والحضارة ضرورتين. لا فرض هناك بأن يكون الإنسان متعلما كي يفهم الطبيعة والحياة. إسمح لي برواية نادرة ٍ أخرى. في طفولتي كنا نملك حديقة تجاور المقبرة وهناك صادقت حفارا للقبور- صبي صغير يصادق رجلا يقترب من الخمسين. أنا واثق بأن تلك السنوات الأولى التي قضيتها بجوار المقبرة قد ألقت بتأثيرها عليّ وعلى لا وعيي. الصلة المباشرة مع الموت قد ألقت بالتأكيدعليّ بتأثير رغم أني لم أكن أعيه.
راداتس : لكن هل يمكن رفع مثل التجربة الشخصية الى مرتبة المعضلة الفلسفية ؟ هذا هو السؤال الذي أوجهه الى النفس حين أقرؤك. في مطلع شبابك عشت يا سيدي بقرب الموت ، طيب ، لكن هل هذا تبرير لطرح ملاحظات فلسفية من نوع : ( الأمس ، اليوم ، الغد هي مراتب للخدم ) ، أو : ( كنتُ ، أنا الآن ، سأكون – هذه تصورات لغوية و ليست وجودية ) ؟
سيوران : القضايا الكبرى للحياة لاتملك أية صلة بالثقافة. غالبما يملك الناس البسطاء حالات حدسية غير متاحة للفلاسفة. فالمنطلق هنا هو الحقيقة المعاشة وليس النظرية. حتى الحيوان قد يكون أعمق من الفيلسوف ، أي قد يملك تحسساً أعمق بالحياة.
راداتس : أنا لا أنكر هذا الشيء. لكن قصدي هو آخر. من خلال الحقيقة نفسها ، حقيقة أنك حين تعبر عن أفكارك إنما توميء للآخرين الى طريق معيّن. وهذه الأفكار التي تعبر عنها ليست هي محض أفكار مطروحة أمام الطاولة ، فأنت تنشرها. والنشر يعني تعليما ً. إذن أنت تشجع الناس على أفكار مثل أن التأريخ كارثة وأن ليس هناك من تقدم. هل مسموح حقا بإطلاق مثل هذه الأفكار بهذه الصورة المباشرة كما تفعل أنت يا سيدي ؟
سيوران : أنا لا أصدق بأن هذه كانت حلولا ما.
راداتس : ولاتصدق أيضا بماهو حاليا في تفكير كل مؤلف ينشر، أي أنسنة الجنس البشري. هل هذا الشيء لا يمكنك تصوره ؟
سيوران : نعم. لايمكن تصوره. يمكن من حين الى آخر تعديل مجرى التأريخ لكن لاوسيلة هناك لتغييره عميقا وجوهريا.
راداتس : الطبيعة البشرية ثابتة وشريرة ؟
سيوران : ليست شريرة بل ملعونة. الإنسان شرير هكذا أراه لكن هذا مجرد تفصيل. ليس بمستطاع الإنسان الإفلات من مصيره.
راداتس : إزاء مثل هذا التصور القاتم عن الإنسان والتأريخ تأتيني الرغبة في سؤالك : إذن لماذا تنشر يا سيدي ؟ : لأيّ غرض ؟ لمن ؟
سيوران : صحيح تماما أنك تطرح هذه الإعتراضات. أنا مثال لما أقوم بوصفه. لست إستثناءا بل على العكس. فأنا كلي تناقضات. ولا أصلح للحكمة لكن لدي رغبة كبيرة فيها.
راداتس : لكنك قلت مرة ً : ( الإنسان الحكيم يكف عن الإنتاج ) ، أي أن إنعدام الحكمة هو مصدر الإنتاج.
سيوران : بالضبط أنا أفكر بهذه الصورة. لكن لا ينبغي على أيّ أحد أن يقتفي أثري.
راداتس : لا ينبغي على أيّ أحد أن يقتفي أثرك ؟
سيوران : إذا فعل أحدهم هذا الشيء فسيلقى الأسوأ. يمكن القول إن كل ما كتبته يتكلم عن أحوالي – أحوال نفسي أو عقلي. لذلك فكتابتي لا أراها نظرية من النظريات بل علاجا حقيقيا خاصا بي. ومنطلق كتبي هو أني قادر على الكتابة في حالة معينة فقط. أنا أكتب بدلا عن جَلد نفسي...
راداتس : وبدلا عن جلد بضعة أشخاص...
سيوران : بالنسبة لي يمنحني هذا الأمر راحة لايمكن تصورها. أعتقد بأنه لو لم أكتب لبدت قضاياي أسوأ بكثير ومما هي الآن.
راداتس : طيّب ، لكن أن تكتب وأن تنشر ليس المعنى واحدا تماما. أنت تعالج نفسك حين تكتب ، هكذا تقول. إذن لم النشر ؟ ربما للتأثير على الآخرين بصورة ما...
سيوران: كلا ، النشر هو أمر من أمور الخلاص كما لو أنه تحرير ، كما لو أنه صفعة للآخر. حين تنشر يا سيدي شيئا كتبته تكون قد رميت المنشور من داخلك الى الخارج ويكف عن أن يكون عائدا لك. حين تكن الكراهية لأحدهم يكفيك أن تكتب مائة مرة : ( أنا أكره هذا المخلوق ) و بعدها بنصف ساعة تكون قد تحررتَ . إذن حين تأتي الرغبة في العراك مع الحياة والبشرية والتأريخ...
راداتس : هل من الممكن أن يملك طابع كتابتك ، أي طابع الأقوال المأثورة ، علاقة ما بهذا الشيء ؟
سيوران : نعم ، بالتأكيد. جميع أقوالي المأثورة ...
راداتس : ... حبوب صغيرة ؟
سيوران : هذا وصف صائب جدا... نعم ، حبوب أصنعها بنفسي ولها مفعولها.
راداتس : لكنك ، بالتالي ، تسمم بها الآخرين ، مثلا تسممني. وإذا كان مسموحا لي أن أتكلم : أثناء تحضيري لهذا اللقاء قرأت ثانية جميع نصوصك المترجمة الى الألمانية ، وشعرت بأنه كما لو أن سمّاً يدخل جسمي قطرة بعد قطرة. مرة شعرت بأنك تسليني وفي أخرى شعرت بالضيق. قلت لنفسي إن الحق معه، ففي الأخير لا معنى هناك لأي شيء.
سيوران : بالتأكيد هذا حقيقة.
راداتس : أكيد. أنا لا أتكلم عن كتبك بل هكذا الحال عموما : لا شيء في هذا العالم يملك معنى.
سيوران : أنا أعتبر حقا بأن لاشيء يملك المعنى.
راداتس : في مكان ما فيك يا سيدي يختبيء إرهابي صغير.
سيوران : كلا. كثير من الرسائل إستلمته في حياتي. ناس عاشوا التحرير. شعرتُ بالخوف وأنا أنشر هذه الكتب ، وفكرت بأنها قد تضر أحدا. إلا أن العكس حصل.
راداتس : يجب القول بأن الذين إنتحروا هم غير قادرين الآن على تقديم الشكر لك .
سيوران : كلا. مثل هذه الحالات لم تكن.
راداتس : لكن هناك من يقول عن الحياة بأنها ( صناعة سيئة للمادة ) - أي حين أخذ إحدى صياغاتك لا على التعيين - أو حين تصف عملية التوالد ك( رياضة بدنية بمصاحبة الدمدمات ) أو حين تقول ( لا أستطيع النطق بكلمتي " أنا موجود " و من دون أن ينتابني الخجل ) - وبذلك يدخل على عقول الاخرين سمّ تثبيط العزيمة بالمعنى الفعّال لهذه الكلمة أيضا. وإذا كنت يا سيدي لاتقدر على النطق بكلمتي ( أنا موجود ) ومن دون أن تشعر بالخجل فعليّ سؤالك رغم أنه ذو وقع عنيف : في هذه الحالة لماذا تحيا يا سيدي ؟
سيوران : هذه أشياء كتبتها وأنا في أقصى اليأس. لكني لا أحب هذه الكلمة .
راداتس : أهي دبقة كثيرا ؟
سيوران : كل ما كتبته خطر ببالي في الليل. وأيّ شيء يميز الليل ؟ حينها يكف كل شيء عن الوجود. لا شيء هناك عداك يا سيدي والصمت والعدم. أنت لاتفكر حينها بأي شيء على الإطلاق ، أنت وحيد تماما مثل الله الذي قد يكون وحيدا. رغم أني لست مؤمنا ( من المحتمل أني لا أؤمن بأيّ شيء ) أشعر بأن هذه الوحدة المطلقة تتطلب ُمحادثا interlocutor. وإذا تكلمت عن الله فكمحادث فقط في الليل.
راداتس : لكن ليس بهذا المعنى الذي يجري الكلام عنه في الأديان ؟
سيوران : كلا. بمعنى الحدود النهائية. كمحادث وقتيّ علينا أن نتبادل الحديث معه. هكذا يبدو تصوري للرب. في الليل لا يفكر الإنسان بأن هذه الصيغة أو تلك هي خطرة أو غير خطرة ، إذ لا شيء كائنا. ليس هناك من مستقبل ولا غد. لا يفكر الإنسان ، بخلق إنطباع لدى الاخرين عنه ولا بالتأثير عليهم ، فالإنسان في الليل لا يفكر بتأثيرات. لا وجود للتأريخ ، فكل شيء توقف عن الحركة. وعملية الصياغة تفلت أيضا من الزمن ، التأريخ يفلت ، إنه خارج التأريخ.
راداتس : ولكن ما زلت تكتب في النهار أيضا ؟ هل تقرأ حينها ما كتبته ؟
سيوران : نعم ، لكن كل شيء قد صيغ قبلها ، في الليل. وهذا هو شيء آخر حقا – ليس هو ( رؤياي للعالم ) بل موقف آخر : أكتبُ بدون التفكير بأني ألقي بتأثيرٍ ما أو هل هو شيء خطر أم لا . فهذا وجهة نظر مطلقة. أكيد أنك تعرف ما هو الأرق ، حينها يكون المرء إنسانا آخر وحتى أنه عموما ليس إنسانا وليس مخلوقا ، فكل شيء قد توقف ، وكلمة ( معنى ) لاتملك معنى إطلاقا. حتى أن الإنسان لا يطرح هذه القضية.
راداتس : إلا أن كلمتي ( أنا موجود ) تحتفظ بالمعنى وحتى في الليل ، فحتى حينها ، في أعمق وحدة وأمام الحدود الهاربة بإستمرار ، وإزاء الله ، أنت تعرف يا سيدي بالطبع أنك موجود فيزيقيا. إذن إذا كنت تقول حينها ( لا أقدر على النطق بكلمتي " انا موجود " ومن دون أن لا أشعر بالخجل ) فهذا يعني أنك تكره. هل هذه الكراهية موجهة الى الذات ؟
سيوران : بالطبع. هو أمر واضح أن في كل ما كتبته توجد الكراهية سواء أكانت أقل أو أكثر . لقد صارت تقطن هناك. أما أسبابها فقد تكون كثيرة سوية ً مع حقيقة أني لم استخلص إستنتاجات نهائية. وهذا أمر ممكن جدا.
راداتس : أنت تتكلم عن الإنتحار ؟
سيوران : نعم .
راداتس : كتبت مرة : ( جميع كتبي هي حالات إنتحار مؤجل ).
سيوران: هذا صحيح.
راداتس : لكن حين يحيا أحدهم على الحافة تقريبا ، حافة الإنتحار والكراهية والإشمئزاز من النفس ربما من الممكن السؤال وحتى لو كان غير لائق قليلا : لماذا لم يقتل سيوران نفسه ؟
سيوران : الجواب في كتابي ( Syllogismes de l amertume قياسات المرارة ) : بدون فكرة الإنتحار لقتلت نفسي بالتأكيد. وهذه الجملة هي المفتاح لآرائي.
راداتس : وهذا يعني أنك يا سيدي تتجرد من الواقع ، من الفعلية الممكنة للإنتحار. ويختفي الواقع كواقع ، وفق معيار تفكيرك.
سيوران : نعم. قد يكون هذا جوهر القضية. منذ شبابي لغاية اليوم رافقتني دائما هذه الفكرة ، فكرة الإنتحار. فيما بعد أيضا لكن ليس بتلك الشدة. وإذا ما زلت حيّا فالفضل يعود الى تلك الفكرة. أنا أستنطيع تحمل الحياة بفضلها فقط . كانت هي سندا لي : ( أنت سيّد حياتك ويمكنك أن تقتل نفسك متى تشاء ). بهذه الوسيلة أستطعت تحمل كل حالات جنوني و إنتفاضاتي. أخذت هذه الفكرة تصبح بصورة تدرجية شيئا من نوع شبيه بالرب لدى المسيحي ، سندا ، وهي في حياتي نقطة ثابتة.
راداتس : النقطة الثابتة في حياتك هي فكرة الإنتحار؟
سيوران : نعم . لقد رافقتني طيلة الحياة وبصورة ناجحة.
راداتس : هذا واضح.
سيوران : كما لو أنها دِين مغلوط ، نوع من دين متقلب.
راداتس : وهي طقوسية أيضا. كل ما كتبته لغاية الآن يا سيدي هو شهادة على أن جهودك في حقل التفكير والكتابة تكون في المحصلة النهائية طقسا للتعزيم conjuration .
سيوران : معك كل الحق.
راداتس : والآن تهمة أو سؤال : إذا كانت الأشياء هي هكذا ، قد يكون ضعفا لكتاباتك رفض الواقع من خلال الكتابة ودفع هذا الضعف عن النفس من خلال التأليف وكما لو أنك عِبر الكتابة والتفكير بالإنتحار تتفادى هذا الإنتحار؟
سيوران : القصد هو أني ببساطة لست إنسانا نشطا. ولو كنته لأقدمت على الإنتحار. أنا شخص سلبي غير قادر على التدخل وغير مسؤول أيضا ، أشعر بالخوف أمام كل شكل من أشكال المسؤولية. وأشعر بأني مريض حين تخطر ببالي فكرة المسؤولية.
راداتس: وربما لهذا السبب أصبحت َ يا سيدي قريبا من الناطق بإسم اللاعقلانية ؟
سيوران : اللاعقلانية في ألمانيا هي شيء مختلف تماما عما هي هنا.
راداتس : هل تعرف الشاعر الألماني غوتفريد بين Gottfried Benn ؟
سيوران : إكتشفت بين قبل أربع أو خمس سنوات. لم يلق بأيّ تأثير عليّ ، فأنا لم أعرفه من قبل.
راداتس : رغم ذلك ألا ترى يا سيدي بأنك تشبهه كثيرا ؟
سيوران : بالطبع ، ربما الى درجة ما.
راداتس : بل تشبهه بصورة فائقة. الكثير من أقوالك - مثلا : ( في الأساس أتمنى لو كنت حجرا ) أو : ( لماذا لم نظل مقمّلين وبصحبة الحيوانات ) - شبيهة تماما بأشعار بين ، وهي تذكر بأبياته : ( آه ، لو كنا أسلافا لأسلافنا . كتلة طين في حرارة المستنقع )
سيوران : هي الحقيقة بعينها.
راداتس : و إذا تكلمت عن بين فلأننا قد وقفنا عند اللاعقلانية irratio ، و كيف إنتهت المسألة ؟ أقرأ لك الآن جملة من سيوران : ( العبادة الصنمية للجنة الأولى التي قيل كما أنها كانت في زمن ما ، هي إشارة خاصة الى التفكير الرجعي أو المحافظ إذا رغب أحد في هذا النعت ) . وعبادة بين لما هو سكوني static ورفضه للتأريخ قد دفعتاه صوب حافة الفاشية. والجمل نفسها لدى سيوران ؟ وهل تقود بخط مستقيم الى مواقع الرجعية ؟
سيوران : هذا يعتمد على أمورأخرى. لكن عندي تكون تصورات مثل البدايات وما قبل التأريخ واللاتأريخ مطروحة على مستو آخر. رجعي ؟ ربما. لكني أعتقد بأنه سيكون صحيحا لو أوضحتَ موقفي فلسفيا وليس سياسيا.
راداتس : لكنها حقيقة أننا نحيا في التأريخ , ستالين - هو تأريخ ، هتلر – هو تأريخ. وهذه جملة أخرى من سيوران : ( الشوق الى البربرية هو الكلمة الأخيرة لكل حضارة ) . ربما تشعر يا سيدي بقليل من الشوق الى البربرية ؟ قليل من الشوق الى البغل الأوليّ ؟ الى الكينونة كهوابط stalactite من سقف مغارة ؟
سيوران : ما تقوله هوالحقيقة كلها وليس في نيتي نكرانها. أنا لا أضع نفسي في مكان ما فوق السياسة. وهنا معك الحق ، لكن المسألة هي أعمق بكثير ، فعدا السياسة أنا لديّ ميل ، وهكذا هي طبيعتي منذ الشباب ، الى الإنكار negation ، الى ال(لا ) ، الى الإستمتاع بال(لا ).
راداتس : هل حياتك الواعية تعبر عن نفسها بالرفض دائما ؟
سيوران : هذا الشيء يكمن عميقا فيّ.
راداتس : و لكن ال(لا ) المطلقة قد تنقلب الى ( نعم ) ما هي غير طيبة .
سيوران : قد يحصل هذا الأمر.
راداتس : هل صحيح أنك كنت في شبابك قريبا جدا من الفاشية الرومانية ؟
سيوران : نعم . لم تثر إهتمامي أفكارها فقط بل حماسها أيضا. وهذا حدد رباطا ما بيننا. والنهاية كانت باثولوجيا ، وبسبب ثقافتي العامة وآرائي إختلفت جذريا عنهم.
راداتس : هناك نقطة مهمة جدا وحاسمة : الرفض ، وإستثناء الواقع عبر الكتابة والميل السافر الى اللاعقلاني ، وفي الأخير تلك العثرات البشعة تماما ... هل في هذا كله منطق ما ؟
سيوران : ليس هناك أيّ منطق طالما أنا ، إبن رجل دين ، قد إشتركت في جميع دورات المؤتمر اليهودي العالمي وكنت غير اليهودي الوحيد هناك وكنت مسحورا. وهذا هو البعد الثاني لطبيعتي.
راداتس : هل أنت يا سيدي عدوا لعهد التنوير Enlightment ؟
سيوران : في فرنسا درست لسنوات طويلة عهد التنوير. كان قد جذبني ، فقد وجدت فيه شيئا متطرفا. أظنه التفسير المناسب. كل ماهو متطرف كان يسحرني على الدوام. مثلا الماركسية . لم تجذبني أبدا. ولماذا ؟ إنها منهجية أكثر من اللزوم ، وجادة أكثر من اللزوم ، كما أنها متصلبة ودوغمائية ، وفيها القليل جدا من الفردانية. ليس فيها أي فنتازيا ، فنتازيا نظرية.
راداتس : وهل الفاشية ، و بصورة أدق النازية ، سحرتك أيضا ؟
سيوران : كلا.
راداتس : هناك واحدة من جملك في موضوع النازيين : ( هي غلطة ، قد تبدو غروتسكية لكنها تشهد لصالح الألمان. ألم ُتظهر [ النازية ] هم كالوحيدين في اوربا الذين أحتفظوا بقليل من الطراوة والبربرية ؟ " الطراوة و البربرية : هما مفهومان إيجابيان عندك. ثم تواصل الكلام بالأسلوب نفسه : ( وإذا كان بمقدورهم إمتلاك مشروع كبير أو جنونا لا حدود له ).
سيوران : ما يهمني هنا هو الألمان وليس النازيين. عدا ذلك فالتأريخ ليس مجموع قيم. ممكن أنك كألماني تعجز عن رؤية هذه القضايا بصورة مغايرة : أنا قادر على فهم هذا الأمر. رغم ذلك فوجهة نظري كانت أستيتيكية وليست سياسية. قبل لحظات تكلمت عن الفنتازيا. إنها وجهة نظري وليست وجهة نظر الألمان. للألمان حساسيتهم المرضية إزاء المباديء ، هم يفتقدون حاسة الشك. ولذلك لقوا مثل هذه الهزيمة. هم لا يملكون الإحساس برهافة الحدود وهذا الأمر هو تراجيديتهم. و في ما إستشهدت به قبل لحظات هناك قليل من الكلبية لكني لا أتعامل مع القضايا بجديّتكم سواء من اليسار أو اليمين. في لعبة التأريخ كنتم لاعبين سيئين جدا.
راداتس : طيب ، لكن هناك بالتأكيد حدودا للموقف الأستيتيكي البحت ، فيما يخص اللعب. أريد القول حسب : ألا تخلق هذه الطريقة في القول ( لا ) ، فراغا ما – فراغا أخلاقيا ، دماغيا - يملؤه ، وفقا لطبيعة هذا الفراغ ، شيء وبطريقة عنيفة وخاطئة ؟ فمن يكرر بلا نهاية : ( أنا أحدد نفسي عبر ال"لا" ، ( إن وعيي ينشأ من قول " لا ) ألا يهدد بخطر الضياع في " نعم " غير صحيحة ؟
سيوران : كلا ، فأنا لم أؤمن حقا بشيء. إنه خطأك فيما يتعلق بي يا سيدي. لم أؤمن أبدا بأيّ شيء كان. وهذا مهم للغاية. لم يكن هناك شيء كنت قد عاملته بصورة جادة ، والشيء الوحيد الذي أتعامل معه بصورة جادة هو نزاعي مع العالم. وكل شيء آخر كان عندي دائما محض حجة.
راداتس : علام يعتمد هذا النزاع مع العالم ؟
سيوران : هذا أمر بسيط جدا. أنا اشعر بالضيق في الوجود وليس في الثقافة فقط بل في الوجود عامة. هذا شيء أساسي. إذا خص الأمر " شعوري بالمسؤولية" فهو لدي في الحياة اليومية فقط ( علاقتي بالناس إنسانية ) ، لكن ليست هكذا عندما أكتب ، فحينها يكون الإنسان عندي شيئا وإذا أمكن القول ، يصعب التفكير به. حينها لا أكترث للعواقب المحتملة لجملة ما ، أو قول ماثور ( شذرة ) أشعر بأني حرّ وتخلصت من جميع المراتب الأخلاقية. لذلك لا ينبغي الحكم على إختياراتي وفق تلك المراتب سواء (لا ) أو ( نعم ). وهي حقيقة أني أشعر بشفقة حارة بل مَرَضية لجميع الكائنات ومعها الإنسان. أعتبر أن الوقت قد حان بالفعل كي يختفي الإنسان ثم البكاء عليه. وسوء الفهم القائم بيننا نابع من أنك يا سيدي تؤمن بالمستقبل ، في حلٍّ ما بينما أنا أعرف بالضبط أمرا واحدا فقط : نحن جميعا موجودون في العالم لغرض واحد : أن نسّبب الألم لبعضنا بعض بواسطة أوهام لانهاية لها.
راداتس : ألم تملك يوما إنطباعا بأن بمقدورك أن تتخطى الحدود التي تفصلك عن الجريمة ؟
سيوران : أعتقد بأني لو كنت الشيطان أو الله لصفيت ، ومن زمان ، الحساب مع البشرية. أنا موقن هنا . لكن في الحياة الطبيعية أنا مليء بمشاعر التعاطف. أخلاقيا ساعدت ناسا كثيرين في الحياة ، وأثناء الحرب لقي أكثر من إنسان واحد الحماية عندي ، في باريس. لكن من الناحية التجريدية بمقدوري أن أكون شيطانا. لو كنت أملك إمكانية تدمير العالم لفعلت هذا.
راداتس : وإذا كان الناس يعشقون الحياة ؟ لإستثنيتهم جميعا يا سيدي ؟ حاليا هو أمر ممكن ، إذ يكفي إطلاق صاروخ واحد. السيّد سيوران يطلق صاروخه على موسكو ، الروس يردون عليه ، وفي دقيقتين يتبخر العالم ، وهكذا قام الشيطان بواجبه.
سيوران : بمقدوري أن أفعل ذلك كشيطان وليس كفرد ؟
راداتس : نحن نتحرك الآن في مناطق قاتمة للغاية. ما تقوله يا سيدي هو مفزع الى حد كاف. ولأنك تشعر بشيء كما لو أنك تقول : ( أنا أكره الحياة ) أو : ( الحياة هي إنتحال ) وأن على جميع الناس أن يموتوا ، لكن بأيّ حق ...
سيوران : شيء من هذا القبيل يهاجمني من حين الى آخر. لو أستطعت تدمير كل شيء لفعلت ذلك. إن مثل هذا التحسس يمكن أن يكون لدى كل واحد.
راداتس : أحقا كل واحد ؟ لقلتُ بالأحرى إن مثل هذا الشعور لدى القلائل جدا فقط.
سيوران : الحال أسوأ بكثير مما تظن . الناس في أعماق نفوسهم هم مجرمون محتملون ، وهذا أمر مؤكد تماما.
راداتس : هل تكلمت عن هذه القضية مع مؤلفين آخرين هنا في فرنسا ؟
سيوران : كلا ، أبدا. أنا لا أعطي مقابلات في فرنسا.
راداتس : أنا لا أتكلم عن المقابلات بل عن النقاشات . مع من الكتاب في باريس تملك صلات ؟
سيوران : كانت صلاتي قريبة جدا مع ميشو Michaux . كذلك بيكيت هو من أقرب اصدقائي.
راداتس : أكيد أنه لم يكن بينكما إختلاف في الراي ؟
سيوران : كلا. لكن بيكيت لا يحب الحديث عن مثل هذه المواضيع عامة ، بالإمكان توجيه سؤال كونكريتي له فقط.
راداتس : عموما هل تشارك في حياة باريس الأدبية ؟
سيوران : قليلا جدا.
راداتس : وسارتر وكامي ؟
سيوران : في أثناء الحرب الأخيرة ، في عام 1944 في الساعة الثامنة من كل صباح كنت موجودا في سان – جيرمان – دي – بري Saint – German – de – Pres ، في مقهى كافيه دي فلور Cafe de Flore حيث كنت مستخدما. من الثامنة الى الثانية عشرة وبعدها من الثانية الى الثامنة و من التاسعة الى الحادية عشرة . في كثير من الأحيان كان سارتر يجلس على مقربة مني. لكني لم أكن حينها معروفا.
راداتس : لكن سارتر كان غير معروف أيضا في عام 1944...
سيوران : كلا ، كان معروفا جدا . بالطبع لم يكن مشهورا كما حصل فيما بعد . لم يصادف أبدا أن تحدثنا ، فأنا لم أعرفه عن قرب. رأيت كامي مرة واحدة فقط ولم يعجبني. عندما نشرت كتابي الأول ( مخطط الإنحلال decomposition Precis de) ، قال لي كلاما لا يخلو من الحمق عن الأسلوب : ( و الآن من المفرض أن تنتقل ياسيدي الى القضايا الفكرية فعلا ). أعتبرت ذلك أمرا لا يخلو من الوقاحة. كامي إمتلك أفقا ثقافيا لرجل من الأقاليم ، كان يعرف الأدب الفرنسي وحده. وقد لا يكون كتابي هذا كتابا جيدا بما فيه الكفاية لكن كان واضحا أنه يملك مستو ما. كذلك هناك مخاطبته لي كتلميذ صغير. لم ألتق معه مرة أخرى أبدا.
راداتس : هل عرفت سيلين Celine ؟
سيوران : كلا ، بل صادقت سيلان Celan .
راداتس : ومع روماني باريسي آخر - إيونسكو ؟
سيوران : أنا أعرفه جيدا جدا.
راداتس : وحين تلتقيان هل تتحدثان بالرومانية أم الفرنسية ؟
سيوران : كلا ، بالفرنسية. أنا لا أتحدث بالرومانية مع أي أحد. لا أريد ذلك.
راداتس : لكن بمقدورك ؟
سيوران : بالطبع ولما كانت هناك أيّ مشكلة. لكن الرومانية بالنسبة لي لغة خطرة جدا ولأنها لغتي الأولى. إذن هناك شيء يجذبني إليها ، ومع العمر يترك هذا أثره. ومن هنا خشيتي. أنا أحلم بالفرنسية، ولكن لو حلمت بعدها بالرومانية لأنتهى أمرى ككاتب فرنسي.
راداتس : كم من الوقت إستغرقت كتابة أول كتاب لك بالفرنسية ؟
سيوران : ليس طويلا . ثلاث سنوات لكني كنت أكتب في النهار والليل.
راداتس : أي ُّ شيء يفقده المرء حين يغيّر اللغة ؟
سيوران : أكتبُ نثرا ناشفا من الدماء وبلغة غير مباشرة . لم أعرف أبدا كتابة رواية أو أي شيء من الحياة. تعجبني اللغة الفرنسية و كونها قد ُخلقت لرجال القانون والمنطق. ويجذبني فيها هذا الجانب التجريدي الذي أقدر على إستغلاله. لكن ليس بإستطاعتي أن أصف فترة ما بعد ظهر اليوم ، ولكان هذا أمرا غير ممكن. أنا أعرف التعبير عن النتائج فقط. وأقوالي المأثورة ليست في الحقيقة مثل هذه الأقوال ، فكل واحد منها هو إستنتاج لكل الصفحة، والنقطة أضعها بعد هجمة ما صغيرة للصرع.
راداتس : و تترك كل ما سبقها ؟
سيوران : نعم. وأطرح الإستنتاج وحده تماما كما في المحكمة حيث لايوجد في الختام شيء آخر سوى الحكم : محكوم عليه بالموت. من دون تقديم الحيثيات ، بل النتيجة وحدها. هذه هي طريقتي ، صيغتي . بفضلها قارنوني بالأخلاقيين الفرنسيين ولم يكن هذا من دون حق ، فالمهم هو الإستنتاج فقط.
راداتس : ولهذا السبب يهاجمونك أيضا .
سيوران : بالطبع. فأنا أقدّم سمّا مرّكزا وليس محلولا.
راداتس : تنغلق دائرة محادثتنا . كيف بمكنة إنسان من صنفك – كيف بمكنته أن يعشق ، أن يلهو ، أن يذهب الى السينما ، يشرب ، يأكل ؟
سيوران : سأجيب على سؤالك. هناك أفكار عادية ، يومية. وهناك الأخرى التي تسقط عليك كما البرق. سبق أن أخبرتك أن الشفقة هي شعوري الإعتيادي ، أنا حسّاس للغاية إزاء شقاء الآخر. لكن في شبابي كنت أملك هاجسا جنونيا فيما يخص الأشياء العظيمة.
راداتس : هل بقي شيء من ذلك ؟ ألا يزال سيوران يملك هاجسا جنونيا للأشياء العظيمة ؟
سيوران : كومضات فقط.
راداتس : لم تفقد أيّ شيء من حدتها.
سيوران : بل من شدتها بالطبع. لكن الضجر إشتد ، ذلك الضجر الذي هو من دون قرار. أمي ، زوجة قسّ ، قالت لي مرة شيئا لن أنساه أبدا : “ لو كنت أعرف بأنك ستتعذب بهذه الصورة لما ولدتك أبدا ". وكان لكلماتها هذه مفعول طيب جدا.
راداتس : طيب ؟
سيوران : قلت لنفسي : أنت ثمرة الصدفة ، أنت لا شيء .
راداتس : لو سمع طفل آخر من أمه :( ياللأسف حين جئت بك الى العالم ) لتحوّل الى حجر من الفزع و لتعذب ، وأنت تقول يا سيدي : ( طيّب ) ؟
سيوران : لأن ذلك أكد على فكرتي بأني نتيجة الصدفة وأني عدم. ولذلك لم أكن قادرا أيضا على خلق عمل كتابي حقا. وفي الأخير لم يمنعني من أن أحيا وأكتب كما لو أني فهمت كل شيء. الآخرون وبضمنهم الفلاسفة الكبار يبدون لي محدودين الى حد أصغر أو أكبر ، طفوليين ، سذج ، هم ضحايا وعبيد عبقريتهم. وبالرغم من أني أحب معاشرة الناس شعرت دائما بأني وحيد وممزق بين إحتقار النفس وحبّها. والناس الوحيدون الذين ساد التفاهم معهم حقا لم يتركوا أيّ مؤلفات. ولحسن الحظ أو سوئه لم يكونوا كتابا. كانوا أكثر من ذلك ولأنهم كانوا أساتذة الإشمئزاز. أحدهم درس اللاهوت وأراد أن يكون قسا أرثوذكسيا لكنه لم يصبح قسا. لن أنسى أبدا حديثى معي طوال الليل في شوارع براشوف ، في ترانزلفانيا قبل خمسين سنة. بعد تلك المحادثة بدت لي الحياة والموت أشياء غير جوهرية. والذي لا يملك شغفا بالقضايا غير القابلة للحل يعجز عن تصور قوة الرفض ، ومضائه القاسي.


هامش المترجم :

- نشرت مجلة ( دي تسايت Die Zeit ) الأسبوعية الألمانية هذا الحوار في الرابع من نيسان عام 1986 .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227315   Visitors since 7-9-2002