المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

عن صديقي أرداش كاكافيان

  
عبدالله حبه
  
















بدا شيئا غريبا ان تأتي امرأة اجنبية من ضفاف السين الى ضفاف دجلة حاملة قارورة فيها الرماد بغية ان تذره في مياه النهر تلبية لوصية الفنان الارمني العراقي ارداشيس كاكافيان (1941-2000 ) قبل وفاته في باريس التي طلب فيها أن تحرق جثته بعد انتقاله الى العالم الآخر وإلقاء رمادها في نهر دجلة. ان ارداشيس - أو ارداش- كما كنا ندعوه سليل اولئك الارمن الذين عاشوا على شواطي بحيرة وان (في تركيا حاليا وكانت سابقا جزءا من ارمينيا)، واضطروا الى الهجرة من ديارهم تحت ضغوط قمع السلطات العثمانية في مطلع القرن العشرين. واحتضنهم ابناء العراق ومنحوهم الملاذ واصبحوا جزءا منهم وبرز بينهم عدد كبير من المبدعين في مجال الادب والفن والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي. وليس من الغرابة ان تتملك الحنين روح ارداش إلى دجلة حتى بعد وفاته وحرق جثته. لقد كانت دجلة الخير بالنسبة له أكثر من نهر يشطر أرض العراق ويصب في شط العرب. فما أكثر الامسيات التي قضيناها سوية في "الجرداغ" وسط دجلة ، وما أكثر الرسوم التي خلفها وراءه قبل السفر الى باريس وموضوعاتها عن دجلة. وقد وجدت بعض هذه الرسوم فيما بعد عقب مضي حوالي 50 عاما من رحيله الى باريس راقدة في حقيبة قديمة، وقد علاها الغبار في غرفة مهجورة ببيتنا القديم في الكرادة.



ان صداقتي مع ارداش يمكن تسميتها بصداقة أيام اليفاع، رغم انني كنت أكبر منه سنا بأربعة أعوام. انها صداقة نقية وطاهرة لأنها لم ترتبط بمنفعة او مصلحة كالصداقة بين الكبار في احيان كثيرة . ومجمل القضية اننا وجدنا في هذه السن لغة مشتركة في التطلع الى المستقبل. وتمكنت بيننا الالفة حتى اننا لم نكن نفترق طوال يوم بأكمله. وكنا نحن ابناء جيل الحالمين في الخمسينيات نعتقد اننا نستطيع تغيير مسيرة الفن والثقافة والمجتمع والوطن بما نجترحه من مآثر قادمة. وقد اسعدني الحظ في التعرف ايامذاك على اصدقاء اعزاء آخرين منهم الكاتب منير عبدالامير. وكنا نتحدث نحن الثلاثة عن النهضة الثقافية العراقية المنتظرة التي ارسى أسسها رجال كبار من فنانين وكتاب وموسيقيين. ووجدنا المثال والقدوة في جواد سليم والجواهري والسياب وعبدالملك نوري وفائق حسن وحافظ الدروبي ومحمود صبري والعالم عبدالجبار عبدالله والباحث الاجتماعي علي الوردي والموسيقار فريد الله ويردي والمسرحي يوسف العاني والاقتصادي ابراهيم كبة وغيرهم. ان نتاجاتهم كانت تحفزنا نحن الفتيان للمضي في دربهم أيضا.



لقد تعرفت على ارداش بالصدفة لدى زيارة معرض الرواد حين كنت أعلق مع صديقي على لوحة " في الانتظار " لمحمود صبري. وجذب انتباهي صبي بالشورت – الزي المعتاد لتلامذة المدارس في تلك الايام – يستجمع قواه بعد تردد لكي يعلق ايضا على الموضوع. وتجاذبنا اطراف الحديث وحدث التعارف. وفي الايام التالية زارني في بيتي وشاهد اللوحات التي كنت قد رسمتها في المدرسة بتشجيع من استاذي خالد القشطيني . كما جلب بعض أعماله. وهكذا بدأت بيننا علاقة " فنية" قوية كنا نتجادل فيها حول من هو أفضل الفنانين العراقيين وماهي افضل المدارس الفنية. وجذبنا بشكل خاص بول جوجان. وقمت انا بنقل احدى لوحاته عن فتيات تاهيتي ، بينما قام هو بنقل لوحة "طبيعة جامدة" لهذا الفنان. ويرجع سبب الاهتمام بجوجان انه لم يكن يتطلب من الفنان التمتع بالقدرة التقنية على الاخص في مجال التخطيط بينما يوجد غنى في اللون. وعموما ان الدراسة الاكاديمية كانت تعوزنا مثل جميع هواة الفن في زماننا. وكنا نتوجه احيانا الى الكاورية ( بساتين كرادة مريم) حاملين عدة الرسم البسيطة لكي نرسم المناظر االطبيعية. وسمح لي ارداش برسم لوحة بورتريه له ما زلت احتفظ بها. علما انه نفسه لم يكن من هواة رسم البورتريه كثيرا خشية ألا تبدو اللوحة شبيهة بالشخص المرسوم فلا تنال رضاه. ويتطلب البورتريه جودة في التخطيط وهو يعتبر مهما لدى الفنانين الشباب العراقيين الذين اندفعوا في تلك الفترة وراء تقليد المدارس الاوروبية من تكعيبية وتجريدية ووحشية وغيرها دون ان يدركو ان الفنان الاوروبي يبدأ من الدراسة الاكاديمية التي تعتمد اساسا على التخطيط. وفيما بعد كتب ارداش في احدى رسائله الي من باريس انه يعمل بصورة أساسية في معهد (البوزار) على اتقان استخدام القلم. فقد اكتشف ان التخطيط يعتبر بالنسبة له نقطة الضعف الرئيسية في الطريق نحو احتراف الفن.
وحدث مرة ان عرضت عليه السفر الى احدى القرى لقضاء عدة ايام في رسم حياة الفلاحين. وقد تحمس ارداش كثيرا للفكرة ، لكنه أبدى مخاوفه من معارضة والده لغيابه عن البيت عدة ايام وهو ما زال تلميذا صغيرا برأيه. علما ان ارداش فقد أمه منذ الصغر ولم يبق في ذاكرته شئ عنها. وعموما ان والده كان يحبه كثيرا، وكان يخشى عليه من تأثير الآخرين ولم يكن يحبذ هواية ابنه وكان يرغب منه ان يعمل معه في محل " جرزات الموصل" في شارع الرشيد الذي كان يديره مع الابن الاكبر. وقد طردني الأب مرة حين جئت الى المحل وطلب مني ان اترك ارداش واقطع العلاقة معه. ولكن شقيقه هايك كان يتنسم في اخيه الاصغر موهبة حقيقية ويشجعه على مواصلة الرسم. وفي نهاية المطاف وقع اختيارنا على قرية الخويلص في لواء ديالي حيث كان يعيش أحد اصدقاء والدي (هادي الفدعم) الذي استضافنا كعادة أهل الريف عندنا وساعدنا في اختيار الاماكن الصالحة لرسم المناظر الريفية. حقا وقعت اشكالية يومئذ حيث انني اخفيت عن صاحب البيت ان صديقي ارمني .. ومسيحي .. و"كذبت" وقلت انه كردي وذكرت له ان اسمه آزاد، لأن لهجة ارداش غير البغدادية كانت واضحة جدا. وفيما بعد شعرت بالندم لأنني كذبت على صديق والدي الفلاح الطيب القلب، وكنت أعرف موقف بسطاء الناس من القضايا الدينية.



وفي اواسط الخمسينيات (عام 1955) ألقي القبض على ارداش وشقيقه هايك لدى مشاركتهما في مظاهرة معادية للسلطة احتجاجا على توقيع معاهدة تأسيس حلف بغداد. وكان معه في المعتقل علي صالح السعدي ومظفر النواب وصباح الدرة ونوزاد نوري وماجد عبدالرضا وشخصيات وطنية أخرى.. وفي هذه الفترة تبلورت افكاره حول موقف المثقف من السلطة في ظروف قمع الفكر والاضطهاد السياسي . وبقي ارداش مخلصا لاتجاه اليسار العراقي الى آخر حياته بالرغم من ابتعاده عن أي نشاط سياسي.
كان عملنا المشترك في ممارسة الرسم يمضي في اتجاه الانطباعيين ولاسيما جوجان وفان غوغ وفيما بعد ماتيس ومودلياني. ولم تعجبنا اعمال الاساتذة الاكاديميين في معهد الفنون الجميلة بإستثناء جواد سليم. وبرزت في تلك الفترة ميول ارداش نحو اضفاء "صبغة شرقية" وفولكلورية على مواضيع لوحاته وابدى الاهتمام بتجارب شاكر حسن آل سعيد وطروحاته حول الصوفية وجذور اللاوعي في الابداع . وكنت في اواخر الخمسينيات قد بدأت النشاط في المجال المسرحي، والتحقت بقسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة وانضممت فيما بعد الى فرقة المسرح الحديث. بينما بدأ ارداش الالتحاق بركب الفنانين التشكيليين وان يصبح جزءا من الحركة الفنية. وسرعان ما وجدته ينضم الى جماعة بغداد للفن الحديث. لكنه واصل زياراته الى بيتنا واعتبره الاهل واحداً من ابنائهم. وكنا خلال هذه الزيارات نناقش قضايا الفن والادب واطلعته على تراجم لشعر مالارميه الرمزي الذي كنت معجبا به وحدثته عن علاقته بجوجان وكيف ان السرياليين اعتبروا هذا الفنان واحدا منهم. وفيما بعد كتب ارداش لي من باريس ان جذور السريالية قريبة من المفاهيم الاسلامية التي كان يتحدث عنها شاكر حسن آل سعيد حول تأثير اللاوعي والاحلام في سلوك الانسان المبدع.



غادرت العراق في اواخر عام 1960. وقال لي ارداش لدى توديعي انه سيسافر قريبا الى باريس بعد حصوله على زمالة من الحكومة الفرنسية. وقال لي ان والده عارض ذلك بشدة ونصحه بدراسة الهندسة المعمارية وليس الرسم لأن هذا الفن لا مستقبل له في العراق. وقال لي ارداش : انني اريد ان اصبح رساما وليس مهندسا. حقا انه انتقل فيما بعد لدراسة العمارة أيضا وحصل على شهادة الليسانس في الهندسة ترضية لأبيه من أجل الحصول على معونته المالية.

رسالة مع صورة بعث بها أرداش في احدى رسائله وهي مستوحاة من الفلولكور الشعبي

وبدأت بعد وصولي الى موسكو اتلقى رسائله التي تجسد رحلة العذاب التي واكبت حياته كلها في باريس حتى وفاته. وهذه الرسائل تقتصر على فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات اصبحت بعدها الاتصالات بيننا ضعيفة ثم انقطعت كليا بسبب ظروفي الصعبة في موسكو وعدم استقرار حياته في باريس. ولذا فأنني اتناول جانبا محدودا من سيرة حياته وافكاره الفنية التي آمل ان يعكف الباحثون على دراستها دراسة وافية اعتمادا على نتاجاته. وقد أشار في احدى رسائله ايامذاك الي ان طالب الرسم العراقي يجب ان يبدأ في باريس من نقطة

صورة بورتريه بعث بها ارداش لي
الصفر. وهذه الفكرة ترددت في رسائله أكثر من مرة وعبرت عن خيبة أمله في وضع الفن في العراق. ويذكرني ذلك بقول الفنان ضياء العزوي في حديث صحفي انه تأخر في مغادرة العراق الى اوروبا ولم يتعرف عن قرب على تطور الحركة الفنية العالمية الا في الخارج. وذكر ارداش في رسائله انه يحقق بعض النجاح ويحس " ببعض القدرة في عمل الشئ الذي أحبه"، أي الرسم. وفي البداية وجد ارداش صعوبة في تعلم الفرنسية وفي ايجاد السكن المناسب بسبب ضعف موارده المالية. وكتب لي في رسالة بتأريخ 24/1/1962 ،ذكر فيها "انه يجلس في مقهى بالقرب من المدرسة العليا للفنون البوزار، وبدأت احس بالاستقرار نوعا ما. وقررت نهائيا ان ادرس الرسم بشكل منهجي استعدادا للامتحان، وكما تعلم ان هذه الطريقة الوحيدة للبقاء هنا عدة سنوات"......" وانا كعادتي اعقد الامور واضخمها.. واضرب كل مشكلة صغيرة بالمائة .. ولكنني اجد الراحة في النتيجة أمام اللوحة والالوان .. وهكذا تتجدد الحياة من خلال الرسم". كما أعرب ارداش عن استيائه من معاملة استاذه له في البوزار وقال " في البوزار لا إهتمام بالاجانب .. والاستاذ الذي من المفروض ان أدرس عنده شخص بلا أخلاق بعكس الاساتذة في الاتيليهات الأخرى .....ولكن قدري هو باريس .. أي لعنة هي .. وفي الايام الاخيرة مللت من المعارض والمتاحف . وانا اشبه نفسي هنا كمثل من يقف على كنوز هائلة وعليه فقط حفر الارض..". ويعترف ارداش لاحقا "بأنه عادت اليه بعض الآمال التي كان يحلم بها في ان يستطيع عمل شئ في الرسم .. بالاستفادة من دراسة الكلاسيك من حيث التكنيك .. لكن الكلاسيكية التي تدرس هنا فظيعة جدا حيث تكون المسطرة (أو المحاية) أهم حاجاتك في الرسم". وفي ختام الرسالة طلب مني ان انقل التحيات الى غائب طعمة فرمان وفريد الله ويردي ومحمود صبري.
وفي هذا العام ارتبط ارداش بعلاقة غرامية مع امرأة اكبر منه سنا ابلغته بعد حين انها حامل منه، وقررت التخلص من الجنين. وأبدى ارداش أسفه لهذه " الورطة ".. وكانت هذه أول تجربة له في باريس في مجال الجنس.. الغريزة الأعظم في حياة الانسان، والتي تحدد بقدر كبير سلوكه ومواقفه في المجتمع. وكان قد ابلغني في رسالة سابقة " انني أخاف من اللغة الفرنسية والمرأة الفرنسية لا تنطيني الوجه وحظي غير ماشي معهن مع الأسف. ولهذا فإن صديقاتي من الاجنبيات، واحداهن فتاة جميلة دانماركية أخذت أحبها بعض الشئ .. وهذه أول مرة أحب انثى معينة هنا في باريس". علما انه عبر لاحقا عن ضيقه من تصرفاته مع النساء الباريسيات ووجد نفسه مثل "دون جوان" وغرق في العلاقات التي ألهته عن العمل الفني، ووعد بأن يتخلى عن ذلك حتما وان يعيش بإعتدال في هذا المضمار كبقية البشر.



وفي رسالة أخرى بعث بها في 30 تموز، لاحظت تغير لهجة الخطاب من الشكوى الى التصميم على انجاز شئ ما، وتغير الموقف من الدراسة في (البوزار). فقد جاء في الرسالة ".. انني أعلم عدم ارتياحك من تجاربي ومغامراتي التي تعتبرها انت لا داعي لها ..المهم انا مشتاق للكتابة اليك ورؤيتك .. ربما سنلتقي في مهرجان الطلبة في بولونيا .. وثمة ضرورة لوجودي هناك بصفتي سكرتيرا للجمعية هنا .. لكن قرب الامتحان في شهر اكتوبر وانغماسي العنيف في الرسم لا يفسح المجال لذلك. هناك بعض التغيير في تفكيري من ناحية الرسم وهو احساسي بمعقولية الاتجاه هنا في (البوزار)..وهكذا أخذت ارسم بحماس في المدة الأخيرة. وسبب هذا التغيير يرجع الى قراءة بعض رسائل سيزان التي كتبها الى الفنان الفرنسي بونار ..وارتيادي متحف اللوفر .. لا أكثر ولا أقل. كما ان حالتي المادية تحسنت بشكل رائع في الشهرين الاخيرين وانتقلت الى غرفة واسعة جدا خيالية الطراز في البيت نفسه وصالحة جدا للرسم.. والاهم سعة فراشها ونوافذها .. ويوما بعد يوم اخذت اتخلص من المشاكل الصغيرة التي كانت تعيق عملي ..وهكذا ازداد نشاطي وطرأ تحسن ملحوظ في تكنيكي وتخطيطي في الرسم . وفي الاشهر الاخيرة وصل باريس اسماعيل الشيخلي، وعرفت منه اشياء كثيرة عن بغدادنا العزيزة.. التي اقفرت واصبحت صحراء تماما بعد رحيل جواد سليم .. وبالمناسبة ان مظفر النواب سجن بتهمة قتل أحدهم" .
ويستطرد ارداش في رسالته" وعندما أريت اسماعيل الشخلي بعض اعمالي شجعني بأن استمر واشارك في المعارض التي تقام . وقال ان تكنيكي قد تحسن كثيرا وخاصة في التخطيط...وانا اعتقد هذا أيضا .. ان قضية التفكير في العرض قد اصبحت فكرة غريبة بالنسبة الي ..أنني لا زلت أحس بأنني بحاجة الى عمل كثير .. واللوفر ومتحف الانطباعيين ونتاج كبار الفنانين الحديثين يجعلني أحس بماذا يجب ان اعمل بالضبط والى أي مستوى من التكنيك يجب ان اصبو لكي استحق لقب – فنان-... وأقول لك بصراحة انني لأول مرة أحس ..ماذا يعني أن الرسم معاناة . احيانا افكر مع نفسي في تلك اللوحات التي كنا نعرضها لجمهورنا المسكين .. وانا لا زلت اعجب لتلك النوعيات من قبل فنانين امضوا هنا سنوات ..وأفضل فنان قد مات كما ندري ..اما الآخر – واقصد فائق حسن – فيقال انه اقام معرضه الاخير في اوروزدي باك .. وهو يرسم لجمع بعض النقود من أجل شراء بيت هنا .. اما محمود صبري فأعتقد انه الفنان الوحيد الذي بقى فيه خير .. لكن للأسف – وارجو ان أكون مخطئا – قد تكون دراسته عندكم (في موسكو) ليست في صالحه ..وانا لا اعتقد ان محمود بحاجة الى دراسة اكاديمية بل الى المجئ هنا لفترة ما لكي يفهم ان الرسم ليس مجرد تصوير اشباح وجماجم تعبر عن افكار ما فقط .. وباعتقادي ان اكثر لوحاته صالحة لكي تكون بوسترات وكلائش في الصحف. ان الفنان باعتقادي يجب ان يفكر ماذا ستحدث للوحاته من رد فعل اذا عرضت في العالم المتمدن.. ويجب ان يضع امامه السؤال: هل انه يشارك الفنانين الآخرين في خلق شئ جديد في مجال فن الرسم مثلا ؟ كما فعل جواد سليم في الفترة الاخيرة من حياته .. وموته في منتصف الطريق يزيد من تراجيدية فقداننا هذا الفنان العزيز". وفي نهاية الرسالة بعث بالتحيات الى فريد الله ويردي وغائب طعمة فرمان ومحمود صبري ومدام ويردي.
وفي رسالة أخرى بعث بها في 27 آب ودعاني فيها للمجيء الى باريس ومشاهدة أعماله وكتب يقول:" لا أزلت ابحث كما تدري .. لكن المهم أنني أشعر بشئ خفي في نفسي ولا زلت املك القدرة على تجسيده في اللوحة ... وانت تدري اهمية اكتشاف شخصيتك من خلال اللون والتكوين ليس بالشئ البسيط ... ومنذ شهر نزل الى المكتبات كتاب كبير بعنوان "الرسم العربي" فيه اشياء كثيرة منها عن الواسطي أيضا". انا مهمتم جدا به .. وفي اللوحة الاخيرة التي بدأت بها برز هذا التأثير .. ولا تنس انني أخذت استعمل اللون الذهبي ببراعة أكثر. حاول ان تجلب معك بعض النماذج المصورة من أعمال محمود ..".
وفي رسالة بعث بها الي في كانون الثاني 1962 أرفقها، بكتاب يحتوي مقالات الفنان كاندينسكي مع بعض التأشيرات على الهامش بالقلم الرصاص، واعتذر عما جاء في رسالة سابقة كنت قد عاتبته فيها على لهجتها الخشنة وتضمنت لومي بسبب علاقتي مع بعض الاشخاص ومنهم الشاعر عبدالوهاب البياتي الذي لم يكن ارداش يضمر له مشاعر المودة، وعلل ذلك بقوله ان " ضعفه، أي ارداش، في اللغة العربية" هو السبب. وجاء في الرسالة " أقول بصراحة ان علاقتنا مع بعضنا البعض ليست علاقة سطحية، وتجمعنا كل الاشياء الانسانية العميقة الناجمة عن الرغبة المشتركة لخلق شئ لشعبنا... وانا مستعد لارسال دموعي (كما عمل نيرون مثلا) اليك لإظهار مدى اعتزازي وودي لك ".. وانتقل ارداش بعد ذلك للأحاديث عن الفن فقال:" الفن عندكم (في الاتحاد السوفيتي) يشوه بإسم الجماهير .. والآن في باريس وكذلك في امريكا بدأ تشويه الفن بإسم الشكل.. والاثنان، ياعزيزي، لايصلحان كركيزة رئيسية للفنان. وتأريخ الفن يؤكد ان الفناني المخلصين لتجاربهم ولمشاعرهم وعواطفهم هم الذين سيطروا على مجرى الفن وتطوره.. وهم البارزون الآن في المتاحف ... وهم الحلقة الرئيسية بين الماضي والحاضر. وما على الفنان (حسب تعبير أراغون ) سوى التوجه من الماضي والحاضر الى المستقبل.. وكل عمل جيد ينجزه فنان عراقي .. يعني خلق كوادر أفضل وتوجيه الحياة الفنية عندنا بوتيرة اسرع تطورا وأكثر أهمية . ولكي يعبر الفنان عن نفسه بصدق فهو بحاجة الى ارض خصبة فيها الكثير من الحرية. ولهذا غدت باريس مركز الحركة الفنية..وهذه الحركة الحديثة التي انا متحمس لها أي (ecole de Paris ) وليس المدرسة الفرنسية التي أمقتها بعض الشئ، تضم اكثر الفنانين حداثة وبينهم روس والمان جاءوا الى هنا لخلق الجو المناسب وطوروا المدرسة الفرنسية نفسها، التي كانت تعتمد بالدرجة الاولى على القضايا الشكلية والشاعرية، فطوروها بأمزجتهم الغريبة عبر حياتهم القاسية والصادقة معا. وقبل عدة أشهر اقيم في باريس معرض خاص بالفنانين الروس من كاندينسكي الى حاييم سوتين. وسأزور بعد ايام لندن فهناك متاحف هامة. وكما قال سيزان فان أهم شئ بالنسبة الى الرسام هو المتاحف. وانا لم أعد أبالي بـ" البوزار" وانا اذهب الى هناك بين حين وآخر لكي يرى استاذي اعمالي. والغريب انه اخذ في ابداء الاعجاب ببعض اللوحات الاخيرة والتأكيد على ظهور بوادر شخصية فنية متميزة. وهذا يشجعني الآن على مواصلة اتجاهي وعدم التركيز على القضايا الاكاديمية. صحيح انني بحاجة الى الامور الاكاديمية لكن بشرط التوصل الى نتيجة لها علاقة بما أصبو اليه من خلال خلق اسلوب ما خاص بي. اما التوقف عند التمسك بالفورم ومحاكاة الطبيعة فهو مستحيل. انني من خلال عملي في اللوفر أشعر وأفهم اشياء كثيرة من الفن الكلاسيكي والتي انا بحاجة اليها. وأنا شخصيا اعتقد ان الفنان العراقي بحاجة الى التخطيط أكثر من أي شئ آخر، وهو سر قوة الفنانين هنا. انني تطورت كثيرا في مجال التخطيط. وعندما كنت في بغداد لم أكن أعرف أهمية ذلك. ومع ذلك فأنا متأخر جدا عن الرسام الفرنسي. ولولا مشاكل الافلاس التي تواجهني بكثرة لحققت أشياء أفضل. بيد ان الشئ الوحيد الذي أنا متأكد منه انني لا زلت أرسم بإخلاص وبإستمرار ولا أفصل بين حياتي وتجاربي كأنسان وكرسام في آن واحد. وهناك لي طلب ارجو الاهتمام به فأنا بحاجة الى مجموعة ذات طبعة ممتازة من الفن الارثوذكسي عندكم (فن الايقونات الروسي)، وحبذا لو ارفقته ببحث تكنيكي حول كيفية رسمهم على الاخشاب وطريقة تحضيرها دون ان يفقد سطح الخشب لونه (مع الترجمة). وانا وجدت بدوري عن طريق الصدفة كتابا صغيرا عن أهم اعمال فناني المكسيك الجدارية وفيه مقدمة عن الجدارية المكسيكية فاذا اراد محمود(صبري) سأرسله اليه اذا لم يتوفر عندكم أي شئ عنها. وعموما انني أجد اشياء كثيرة هنا حول هذا الموضوع. (ملاحظة ع.ح). انني ارسلت له لاحقا كتابا صغيرا باللغة الانكايزية عن فن الايقونات الروسية). أما من ناحية أعمال فائق (حسن) واسماعيل (الشيخلي) والى آخره لو كنت في باريس لعرفت جيدا ضحالة أعمالهم. وهناك كثير من الرسامين المتخصصين برسم الديكورات يرسمون مثلهم على أي حال.
وبعث لي مرة برسالة من لندن، حيث إلتقي بأخي زيد حبه بطلب مني، تمنى فيها ان نلتقي في نهاية المطاف في بغداد بعد انتهاء الدراسة. ولكنه أكد على ان الانتاج الفني يجب ان يتجاوز بغداد والعراق ويصبح عالميا. وقال " الغريب ان اوروبا علمتني شيئين مهمين : اولا – اننا يجب ان نبدأ من الصفر بالنسبة الى مستواهم ، وثانيا – إننا يمكن ان نحقق أشياء لا تقل قيمة عن أعمالهم . فنحن نمتلك الكثير من الزخم والعوالم العجيبة والاصيلة".
لقد تأثر ارداش كثيرا بسبب أحداث انقلاب 8 شباط الدموية في عام 1963 . وقد بدأ رسالته المؤرخة في 28 آذار 1963 بالقول:" منذ مدة كتب لي عبد الوهاب البياتي رسالة .. وانا لا اريد الكتابة اليه لأنني لا أحترمه . واعتقد ان أمثاله يتحملون بعض المسئولية عن تدهور الوضع عندنا الى هذه الدرجة .... الآن يبدو ان الوضع سئ للغاية . ما رأيك بالاعترافات التي تنشر وتذاع. هل هي صحيحة ؟ خاصة اعترافات عبد القادر اسماعيل. هل صحيح خبر مقتل مظفر النواب؟. ان هذا يعني ان الاستعمار الامريكي والبريطاني ليس بحاجة للاعتماد على قوى مثل " البعث" او غيرها، لأن المجال موجود ومفتوح الآن بشكل ما يحدث في تأريخ العراق الحديث. انا بطبعي متشائم لكنني أدري بنفس الوقت منطقيا على الاقل ان القوى التقدمية ستنتصر في المستقبل .. نفذت بعض اللوحات وفي طريقي لأنهاء آخريات مواضيعها تمس الاحداث في العراق ..وهي بأحجام كبيرة..وسأرسل لكي بعض الصور الفوتوغرافية لها..".



وفي رسالة مؤرخة في 26 حزيران أنبأني بأن الحكومة الفرنسية قطعت عنه المعونة.. وستبدأ من جديد أيام (القحط) وسيتخلى عنى الغرفة الكبيرة وربما سيعود الى بغداد. وطلب مني ان أزوره في باريس في الشهر القادم "حيث سنرسم معا كالسابق وسنتحدث عن تجاربنا واعمالنا الجديدة. إنني الآن مشتت العقل ..وهذا واضح من شخابيط الرسالة .. لكن الرسم سيجعل كل شئ في مكانه".
ان الرسائل المشار اليها تتضمن فترة 1961-1963 وهي تعكس اتجاهات تفكير الفنان ارداش أيامذاك ومعاناته وما لاقاه من مصاعب في تلك الفترة قبل ان يصبح فنانا محترفا وناضجا ويدرج اسمه في موسوعة "لاروس" بين فناني القرن العشرين البارزين. ان ما جاء من افكار في رسائله المبكرة قد تطور لاحقا طبعا، وربما تراجع ارداش عن الكثير منها وبالاخص فيما يتعلق بتقييم أعمال الفنانين العراقيين الآخرين والاشخاص . فالفنان الحقيقي في حالة تطور وبحث مستمر ، وقد تتواصل هذه الفترة خلال عدة سنوات ، وقد تتقلص الى اى عام واحد . فبيكاسو مثلا انتقل من الفترات الوردية والزرقاء والزنجية والتكعيبية خلال فترات قصيرة جدا. والفنان (الرسام والنحات ) جواد سليم احتاج الى فترات أطول للتحول الى اسلوبه المستوحى من الواسطي والمنمنمات والجداريات الاشورية القديمة المطعمة بأعمال النحاتين الاوروبيين. كما انتقل محمود صبري منذ اواسط الستينيات الى أساليب أخرى ثم طرح فكرته حول واقعية الكم. وحافظ الدروبي ابتكر اسلوبه في التجريد في فترة متأخرة بعد عودته من الدراسة في الخارج وكذلك حال فائق حسن وكثير من الفنانين العراقيين. أما الذين آثروا الجمود فلم يبق لهم تأثير في الحركة الفنية العراقية. وارداش واصل البحث عن اسلوبه الخاص على مدى سنين كأي فنان أخرى ... وأخيرا وجده بعد طول عناء. وتظهر لوحاته التي رسمها في السبعينيات والثمنينات حدوث تطور كبير في تعامله مع الاشكال واللون. وبدت بعض لوحاته شبيهة بأعمال الفنان الاسباني غويا في المرحلة الاخيرة من حياته حيث تجمع بين الواقع والخيال والغيبيات. كما يبدو جليا تأثير موديلياني في التكنيك والتعام مع الخط. وتأثير السوريالية واضح في اعمال أخرى باعتماده الرمز والاسطورة والتقاء الظاهر والباطن. وفي الحقيقة ان الرمز يشكل دوما عنصرا مهما لدى الشعراء والفنانين في بلادنا. وارداش مضى في هذا الدرب ايضا ولكن بقدر كبير من الحذر. وأنا لا اريد اعطاء تقييم لأعمال ارداش الفنية في باريس لأنني لم اطلع على أكثرها ، وبودي فقط ان اعطي للقارئ فكرة عن خلفيات نشوء هذه الموهبة الفذة على ضفاف دجلة وعودته اليها ، وكشف جوانب غير معروفة لكثير من المهتمين بفن هذا الرجل الخلاق.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6111277   Visitors since 7-9-2002