المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

خطاب الأمل في تشكيل بهيجة الحكيم

  
د . شوقي الموسوي
  
















بعيداً عن المفهوم الفوتغرافي في الفن وقريباً من المخطوط المشتغل على مفهوم الكيف وآليات التمويه والاستدلال والاستبدال وإعادة صياغة المشهد الطبيعي ،وجدت العديد من الأعمال الفنية في التشكيل العراقي المُعاصر ، قد اقترحت أشكالاً فردوسية ، لها القدرة على ان تحلم وتتأمل في عوالم الروح ، خارج حدود اللعبة الملكية ، فتستعين بالرسم لأجل الارتقاء بحواس التلقي إلى مناطق الجمال والمثال ،الى الصمت ، انطلاقاً من عين القلب .

فثمة علامات للدهشة في رسم الحلم والحياة الباطنية والعطر والمطر ، في الفن العراقي المُعاصر ، تُحاول ان تبوح بالمخفيات (المستحيلات) التي طالما عشقها الفنان العراقي ، الغير مُكترث بجزئيات المرئي والمهتم بمسألة تحرير أشكاله من أصنام البعد المكاني ، لصالح الفضاء المفتوح ... وما نتاجات الرسامة القديرة " بهيجة الحكيم " إلا نصوصاً للامل والحلم والحياة مع فعل الورد ، كونها قد اقترحت مشاهد سحرية ذات طابع شعري ، تتوشح باللون الذهبي المقدّس ، فتبدو وكأنها ابتهالات وارتعاشات للجمال والمثال الروحي ، منطلقة من عوالم النبات المتموضع في مفردة الزهرة(الوردة) في رحلة البحث عن القيم الجمالية التي تمس جدار القلب فتـُستبدل الأقنعة بالأجنحة ، لتحلق بذاكرة التلقي الى مناطق الطيف المقدس إلى المدينة الفردوسية الحالمة .

كائنات " بهيجة الحكيم " الزهرية ، نجدها تحلم بالحلم ، فتسيح في أعماق المجهول ، فتنتج ذاتها بذاتها ، بعيداً عن التجريب وقريباً من الترميز ؛ حيث نلاحظ أن أزهارها المستوحاة من بساتين مدينتها المقدسة (كربلاء) ،تحدق بنا أكثر مما نحدق نحن بها ، كما النجمة التي تحدق بنا ؟ وتراقبنا ؟!! فنتوهم بأننا نحن الذين نراقبها ؟؟ .. فالفنانة تنقب في سرائر الورد وعبيره ، عمّا هو مقدس وجوهري ،كممارسة تعبدية تبث للآخر أطيافاً تتوق إلى الفناء في الحلم بدلاً من الحياة في المكان ، للامساك بمفاتيح الخلاص التي تـُحيل مفردات الوجود الشيئي (البراعم والأوراق الزهرية – الكفوف بعين بشرية – العلامات الهندسية – ألأهله البيضاء والحمراء والسوداء – تكوينات زخرفية – ألأحرف ...) إلى فضاءات روحية حالمة ، تُصغي إلى الصمت ، وفق رؤى ذاتية متخلية .

فنلاحظ ان التكوينات الزهرية للفنانة تُعد رسوم شعرية لا تتقصد إنارة ذاكرة التلقي بالأمل الأخضر المنشود (الوطن) فحسب وإنما نجدها تنتج دلالات أنثوية بسياقات جمالية جديدة ، تستعير من الرمز (الوردة) طاقات روحية متمفصلة بعنصري الزمان والمكان التي تتأسس من خلالها علاقات جدلية متراكبة بين ما هو واقعي وما هو متخيل ، تتخذ من القيم الروحية ، فضاءاً جمالياً ،تسمح لان يصبح الفضاء اللوني بحدود الوردة الحيز الرحب الذي تتعامل معه الفنانة تشكيلياً ذي الطابع الحركي المثقل بالوحدات الزخرفية ذات العناصر النباتية والرموز العلاماتية ، المتمفصلة بأمنا الأرض بعيداً عن محدودية المكان الواقعي المادي .


فقد سعت الفنانة " بهيجة الحكيم " في أغلب نتاجاتها الفنية الأخيرة ، في البحث عن الروحي في الفن بحدود عالم النبات مثلما كان جلجامش يسعى عبر الظلمات ان يحصل على نبتة الخلود ... فالفنانة مشغولة بتكثيف احساساتها الداخلية الى أفكار وتصورات وأشكال ضمن حركة جنينية تمنح الروح للمرئي ...، بحيث نجد ان الوريقات الزهرية ذات الطابع الزخرفي لا تحتفظ بأشكالها الايقونية إلا بذكرى بسيطة وبعيدة عن الطبيعي وبالتالي تتألق الأشكال الجديدة المقترحة تشكيلياً بحسب قوانين التعاقب والإيقاع التي أثارت الإحساس بالحركة المحورية لحظة التلقي ، متأثرة بنتاجات الفنون الإسلامية من تزويقات ونقوش في الفنون الزخرفية (المخطوطات والرسوم ذات العناصر الكتابية ..) والفنون المعمارية ( المآذن والقباب والمحاريب والمقرنصات ...) بجانب لما يحويه الأدب والشعر من موروث ثقافي وحضاري وفلكلوري كما في قصص ألف وليلة وليلة ، على حدٍ سواء ..فالسرور والأحزان والأحلام ، قد ترجمتها الفنانة إلى لغات بصرية تؤسس عالم جديد من الأشكال ، لتؤكد – على حد قول بول غوغان – على إن الرسام يجب أن يطلب في الرسم الإيماء أكثر من الوصف كما في الموسيقى .



الفنانة الحكيم لا تحاول أن تنسخ الطبيعة كما هي ، أو أن تسجل انطباعاتها وإنما تريد ان تغيّر من طبيعة الطبيعة ؛ بمعنى إنها تريد ان تمسك بأسرار الطبيعة ، لتمثل المرئيات بذاتها ،كما تتجلى في احساساتها مثلما هي عند الفنان " سيزان" الذي كان يستكشف تخطيط وتلوين شيء طبيعي ما بلا حدود وبلا عجز لتمثيل رؤيته الحقيقية على قماشته البيضاء .. فالفنانة هُنا قد راهنت بكل عوالمها النباتية وعوالمها الكونية والروحية على إظهار الطيف الكامن في جوهر الأشياء – الوردة على وجه الخصوص - ؛كونها تسجل احساساتها باللون المشرق بتلقائية واعية .
الفنانة العراقية القديرة " بهيجة الحكيم " ، تحاول أن تنتج أسئلة أطيافها وأحلامها ، لحظة فعل الورد ، (الإحساس بشاعرية الورد) سواء أكانت الوردة بحرية أم أرضية أو سماوية متخيلة ، فتعلن ان الرسام يستطيع أن يرسم قصائد بلا صوت كما الشاعر الذي يرسم الشعر بلا أشكال ، فتصبح الراوئح آنذاك موسيقى صامتة.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6277402   Visitors since 7-9-2002