المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سمير المبارك
عدنان المبارك
  ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ£ط·آ®ط·آ±ط¸â€° - ط¸â€¦ط·آ­ط¸â€¦ط·آ¯ ط·آ¹ط·آ¨ط·آ¯ط¸â€، ط·آ§ط¸â€‍ط·آ¹ط·آ¨ط·آ§ط·آ³ط¸ظ¹
 

صخب البحر

  


- " حسبك من القلادة ما يحيط بالعنق "

ركب من سيارات توافدت متتابعة ، ووقع أقدام تناهى دبيبها على الأرض إلى مسامعه ، ثمة ريح قوية توالي هبوبها ..
كل ذلك أقض مضجعه، كان الليل هادئا من قبل، استرق السمع ليعي ما زلزل سكونه، توجس خيفة بعد أن زاد وقع الأقـدام الثقيلة.. كانت عفيـــة وهي تدب كأنها الغزاة قدموا بليل ، تبدو وكأنها مطارق تدق رأسه بشدة ، تلتهـــا رتابـــة، تعيّن على ذلك، و مالبث أن ساوره الضجر..
جـــاءت سيارة أطلقت صوت بوقها دون رحمة وكأنها عقيرة رجل سكير طائش في هدأة ليل ، ضاقت نفسه أكثر ..
امتزج القلق بمضي الوقت رتيباً ، والحال هي الحال ، سيارات تمضي وأخرى تعود ، باب شقته الموصد منحه بعض أمان نفـــسي :
ــ لابد أن شيئاً ما حدث في الخارج ،"قال لنفسه" وأردف :
ــ لعلها سيارات شرطة جاءت تطارد محدثي الصخب أو تسعى للقبض عـلى لص ممن زادت أعدادهم في المدينة مؤخراً بعد زوال شمس حركة البيع والشراء في المنطقة الحرة وموتها الإكلينيكي بفعل القرارات الاقتصادية ؟
من واقع خبرته في تمييـز الأصوات اطمأن " البحر "،عاد إليه بعض هدوئه ، خفت مخاوفه ، قال لنفسه :
ــ لابد أن الفيلا المجاورة سكنهــا أحد المسئولين الكبار أو آلت ملكيتهـــا لواحد، كم رجال الأعمال الذين طفوا على السطح .!!
تـذكر جيداً أن مدينتـــه لم تنجب من قبل وزيراً ..
*****
حدة البرد هذا النهار خفت ، طلعت على المدينة ألف شمس وشمس ، استجابت أكتاف الشوارع للدفء وحملت المعطف الجميل يدثرها من حومة البرد القارس الذي اجتاحها منذ أيام ..
*****
كل العيون ـ في العالم ـ تتجه هذه الليلة محدقة في شاشات التلفاز، سؤال يتردد على كل الشفاه بقوة بل ويؤرق بال الجميع بحلول الألفية الثالثة التي ينتظرها العالم بأسره:
ـ كيف يمكن للعالم التغلب على مشكلة الصفرين عند التعامل مع أجهزة الكمبيوتر ؟
*****
التلفاز هو الحبل السري الذي يربطه بالعالم ، كل الفضائيات أعلنت مشاركتها في نقل الحــدث على الهواء مباشرة من كافة ربوع الدنيا بهذه المناسبة..
سيلجأ الآن لمقعده ، مستقراً به مستدفئاً من برد المدينة ، أمامه شطائر محببة لنفسه أعدها بمهارة ،فنجان الشاي الأخضر شيء أساسي ، يرشف منه و يدخن سجائره ، يرى في ذلك ما ينعش نفسه ويؤنس وحدته ..
ـ ستكون سهرة ممتعة حقاً .. " قال لنفسه ".
*****
منذ أحيل للتقاعد بعد" ماراثون" طويل مع الحياة والعمل الشاق الذي استهلك أكثر مــن نصف عمره ، وهو لا يبرح بيته إلا لماماً، انقطعت كل صلاته بالحياة إلا من صحـف ومجلات يقضي جل وقته في قراءتها، غير مجلدات وكتب بأعداد لم يحصها بعد ،اقتناها من كل المـدن التي زارها أو وزع عمــره بينها،كلها تحمل له من الذكريات تاريخ ومكان الشراء، بورسعيد، عمـان ،الإسكندرية ،القاهرة ، بغداد، دمشق ، بيروت ، عـدن ، طرابلس ، مكناس ، مدريد ،موسكو، باريس ، لندن ، فرانكفورت ..
*** ***
بالطبع لا ينسى أسماء باعة الصحف وأصحـاب المكتبات ، جالت بخاطره الآن تلك الذكريات القديمة مع الفرنسية الحسناء التي أحبها في خلال سنوات بعثته لفرنسـا ، هاتفها كان يوقظه كل صباح على موسيقى " موتسـارت" ، وصوتها الرقيق ، فيقطع السبيل إليها سريعاً طائراً على جناح من الشوق ..
غضـــة مثل برعم ندي ، ناعمة كنسيم الصبح ،غادة في العشرين من عمرها ، غمرها بحبه ، كانت تجربته الأولى ، تتيه فخراً به ، اجتاحت قلبه بعد قدومه مبـاشرة إلى عاصمة النور ليدرس الأدب الفرنســــي ..
رسمت معه خطى جميلة قطعاها في كافة دروب باريس ، الحي اللاتيني ، مونبارناس ، مونمارتر ..
" صوفي " تدرس في "السوربون " ، تعمل بائعة كتب بمكتبة في الحي اللاتيني ..
هكــذا قالت له صفيـة مؤنس زميلته في البعثة والتي تمت خطبتها لمحام مغربي هاجر لفرنسا ..
في أول لقاء معها على الفور استسلمت حصونه، سقطت كل قلاعه تباعاً، صار كل جنود حروبه أسرى ..
"صوفي " بارقة أمل لاحت له في أوائل سنوات العمر، لمست أناملها الرقيقة يده ، رجف قلبه، ارتعدت فرائصه ، وتفصد جبينه عرقاً..
ناولته قائمة الكتب التي وصـلت مؤخراً ، تنقل بناظريه بين السطور ووجهها ..
نصف ابتسامة ارتسمت علي وجهها الطفلي ، برقت من عينيها لمعة ذكاء متقد كست ملامح وجهها الوضيء ، ثم علاه خجل .
استقلا معاً المترو إلي ضـاحية غربي باريس حيث تسكن وجدها الجنرال المتقاعد..
شيخ في الثمانين، غطي الشيب كل شعر رأسه كقطع الثلج، يرتدي حلة جميلة ورباط عنق بلون زاهٍ ..
تبادلا معا الحديث والابتسامات وكلمات الترحيب ، جلس في المقعد المقابل للشيخ في شرفة تطل بعنقها علي مشهد طبيعي رائع ، شاركهما الجلسة دخان كثيف ينفثه الشيخ :
ــ أنا عاشق حقيقي لمصر ، مازلت أذكر حلم بونابرت فيها ، كان مثلي الأعلى في الحياة ، رائعة مصر حقاً ، أنا زرتها مراراً ..
ــ وما ذكرياتك عنها ؟
ــ أعظم بلد في التاريخ ،أهلها كرام ،حاضرة العروبة تاريخــها وحضارتها صفحات مضيئة في سجل البشرية ، يؤمها الناس جميعاً بُغية الثقافة والسياحة والاصطياف والعلم والنيل والبشر والجمال الأصيل ..
ــ أخجلتم تواضعنا ..
تنهد الشيخ وحملق في الفضاء الرحب ، بانت بعـض سحب صغيرة تأتم بأكبر منها في سماء زرقاء شمسها ناعمة ، راح يشعل سيجاراً في تؤدة ويلوح بيده لصبية عابرة ، مزحت معه بفرنسيـــة لم تفسرها أذنه جيداً ..
عاد الشيخ لتدخينه الشره ، ردد مــن بين شفتيه لحناً من نشيد "المارسيليز "، قال :
ــ لم يفتني أي كتاب واحد تناول بونابرت ؟
أعاده الشيخ تواً من رحلة قصية سرح فيها خاطـــره في ربوع الوطن الذي فارقه منذ فترة، لحق به :
ــ لقد قرأت أنا أيضاً عن نابليون ..
قال الشيخ وقد علا وجهه بعض حزن :
ــ أحزنتني حقاً تلك النهاية الأليمة التي حدثت له ، نفيه إلي جــــزيرة "سانت هيلانــــة " ، لقد زرتها أكثر من مرة ، ووقفت علي كل أثر فيها ..
تنفس الشـــيخ بعمق، خلع نظارتيه ، ليمسح بمنديل فوق جبينه ،وترك رأسه تتدلي للخلف ، مغمضاً عينيه في صمت ..

"صوفي " التي غابت قليلاً ، تركته فريسة لحكايات الـرجل الهرم الذي يتمتع بذاكرة حديدية ، وكان يحكي كمن يعش وحده حلماً جميلاً رآه :
ــ قرأت أن بونابرت عشق في مصر امـرأة فرنسية تدعي"بولين" كانت زوجاً لأحد ضباط الحملة الفرنسية اسمه " جان فوريس "، طلقها منه ، واتخذها عشيقة له طيلة إقامته بمصر..
سكت الشيخ قليلاً ، تنفس بعمق وتناول رشفة من قدح القهوة جاءت به الخادمة "إيلين " ، همس فــي أذنها ، انصرفت وعادت تحمل كتاباً:
ــ هذه هي نسخة الرواية التي كتبها أديب فرنسي يدعي " روجيه ريجيس " عن غرام نابليون في مصر ،هل قرأتها؟
طمأنه :
ـ بالطبع ، قرأت ترجمة لها بالعربية في مصر ..
ــ رائع ، رائع ...
في الوداع منحه الشيخ غليوناً من الأبنوس هدية له ، ثم أوصاه علي الصبية الجميلة التي أحبها ..
ــ هي وردة ندية ، هل أطمئن من الآن فصاعداً علي حفيدتي ؟
*** ***
فارق كبير بين ما يراه ـ البحر ـ الآن وبين ما سبق أن رأي ..
من بين خصاص النافـذة ومن باب الشرفة الموارب كان يتابع منذ أيام العمل المتواصــــل في ترميم الفيلا المجاورة المهجورة منذ زمن ، يجري العمل فيها علي قدم وساق ،أهملها أصحابها زمناً ، فعاثت فيها جيـوش الفئران والهوام ، كل يوم يزداد تبرمه وضيقه من الضوضاء التي يحدثها العمال بأصوات معداتهم ..
لحظ أنه في وقت قياسي تبدلت كل الأحوال تمامــاً ، عمل دؤوب لا ينتهي إلا مع انتصاف الليل ، شكــاوي الجيران لم تجد لها صدي عند المسئولين في الحي ، دخان في الهواء ، ولـــم يتحرك لها أحد ..
*** ***
ثمة أضواء تغمر الحديقة ، أسقطتها في بحر لجي من الإبهـار، كانت مئات الحكايات قد تناثرت ،رددت الأفواه قصصــاً عن الفيلا التي كانت تسكنها إحدى الأسر اليونانية التي عادت لبلادها عقب حرب 56 ، ثم نالها الإهمال ولم يهتم بها أحد، وآلت ملكيتهـا لواحد أثرياء المـدينة، بعد موته تنازع الورثة أمرها فيما بينهم طويلاً ، فاشتراها مؤخراً أحـد الذين سبحوا علي سطح بحيرة الانفتاح الاقتصادي بمــا كسب من أوراق لعبة الدولارات..
مئات من الحكايات تناثرت عنه :
ــ غسيل أموال ..
ــ تهريب ..
ــ تجارة عملة..
حكايات كلها لم تشف صدراً، لكن أحداً لم يذكر اسم المشتري:
ــ من قال أنه لوغاريتمات " قال رفاعة بك المستشار السابـــق، بينما راهن الدكتور حامد علي أن المشتري هو أحد الطفيليين الجدد في زمن الانفتـاح الاقتصادي.
انبري المهنـــدس حسيب مدافعـــاً بقوله:
ـ أيا كــان الرجل الذي اشتري ، كل هذا لا يهم ، المهم أن يد الإصلاح امتدت لتزيل الوحشة وتقتل الأفاعي والثعابين لترحمنا من نباح الكلاب ومواء القطط ليل نهار ..
جلسة السكان انتهت بالدعاء لصاحب الفيلا الجديد بأن يمنحه الله الصحة والعافية ...
تبادل الأعضاء نخب الجلسة قهقهات وقفشات ، وغطي دخان سجائرهم الثمين سقف المكان ..
*** ***
لابد أن الجيران الجدد قد توافدوا الآن "قال البحر لنفسه "، إلي هذا الحد تبلغ أعداد النساء ، يا للهول كما يقول يوسف بك وهبي :
ــ نساء رائعات حقاً . آه لو أتت واحدة منهن جاءت لتؤنس وحدتي.
سرح خاطره ، تمنى لو يبتســـم له الحظ فيجـــد نفسه من بين المدعوين ..
( خادم نوبي بزيه الأبيض يطرق الباب ، يفتح له فينحني له في احترام :
ــ سعادة البحر " بك "..
ويقدم له بطاقة دعوة مع اعتذار عن السهو :
ـ حسناً ، لا مانع لدي ، سأكون جاهزاً بعد بضع دقائق قل لسيدتك أني قادم ..
ينصرف الخادم)..
قال البحر لنفسه، وردد بصـــوت مسموع :
ــ إنها امرأة ساحرة حقاً ..
كانت تتقدم الركب وحدها، ترحب بالنساء، تهز رأسها برفق للرجال.. تمد ذراعاً للأمام ، تشير واثقة ، في خطو متئد، رشيقة القـد معتدلة القوام ، تترك من خلفهـا شعراً كستارة ليل دامس ينسدل ، تتألق فوق محياها بسمة تشرق كشمس قادمة بعد طول غيـاب ، تتمنطق خاصرتها بحـزام ذهبي ..
ــ ســــاحرة بالفعل، لكنها بلا رجل ..
*** ***
أكثر من رجل دعاها للرقص ، تعتذر في أدب جم، هي محط أنظار الجميع ، أجمل النساء قاطبة ...
وحدة البحر طالت وهو جالس في شرفته ، لا بأس ، بعد قليل ، سيرتدي ملابسه في إتقان ، سيتهيأ للأمر في بساطة ، سيتقدم منها ، سيقبل يدها كما فعل الرجال من قبله :
ــ اسمي البحر ، تجاوزت الستين ..
ــ لكنك لا زلت شباباً .. " ضحكت " ..
ــ وظيفتي قبـل سن المعاش لا بأس بها ، لي ولدان وبنتان ، أرمل ..
ربما يضفي علي المشهد بعض أداء تمثيلي يجده ، سيحكي لها عن هؤلاء الأبناء العاقين ، لا أحد منهم يكلف نفســه مرة في السؤال عنه ، سيخبرها برصيده في البنك حتما ، عائده مجزٍ يكفل له حياة رغدة ناعمة ، أكثر من ذلك سيذكر لها موقع الـ"شاليـه" الرائع الكائن غربي المدينــة، أشبه ما يكون إلي " فيلا "سيبهرها موقعه الفريد عند ناصية البحر ، ستندفع متهورة ـ بالطبع ـ للموافقـة وإن تآمرت علي نفسها ، ستقع في غرامه هو الآخر:
ــ رائع أنت يا أستاذ " بحر " ..
ــ لا داعي للقب الأستاذ، بحر، بحر فقط، وأنت حورية..
ــ المكان عبقري ، بحر ممتد في دعة ، نسيم عليل يغسل الروح مما علق بها من أدران، حياة بلا تطفل..
ــ أجمل سنوات العمر سنقضيها معاً ..
حلم معــها بالسعادة ،متعة بلا نهاية مع رجل حالم مثله ، مسلٍ ، حميمي العلاقة ،لا يهمه من العالم بأسره أي شيء،ربي أولاده تربية حسنة ، انتهي من مسئولياته ، لكن مشكلته الكبرى كانت في رحيل زوجه مبكراً،في وقت كان أشــد احتياجاً لها ، قام بدور الأب والأم معا ، قال محدثاً نفسه:
ــ بالطبع ستوافق ..
جاءه صوت من بعيد :
ــ أيها الواثق من نفسه ـ قل لي ـ كيف تقبل امرأة فـــي منتصف العمر أن تتزوج من كهل بلغ من العمر عتياً؟ هل سبق أن رأيتها ؟ هل حدثتها ؟ هل ستقبل أنت بشروطها ؟.
حملق باحثاً عن موقع الصوت ، تمطي كأنما يزيح من فوق كاهله ثقلاً :
ـ مهلاً ، أنا لا أقبل بأية شروط ،سيدات كثيرات يتمنين أن أشير لهن بطرف خفي ، علي الفور سيتزاحمن ..
ـ أنت رجل مغرور ،إلي هذا الحـــد تصور لك وحدتك أنك الفارس الذي لا يباري ...
*****
الفيلا درة وسط بحر فيروزي تطل علي ربوة جاءه سمسار عقارات في الصيف الماضي ..
ــ مليون جنيه ..
هـــز رأسه نافياً فكرة التفريط في "الجنة التي تنتظر الحورية" كما يطلق عليها، ربما لم تولد بعد ..
*****
مثل طوق نجاة ألُقي لمن يصـارع موجاً عتياً ،جاءت ترفل في ثوب يكشف عن قد بلوري ممشــوق بلون مرمر وردي ..
في البدء حام طيفها من حوله كفراشة ناعمة، سيدة جاءت من وادي الأساطير، طغيان أنوثتهـا يزداد شيئاً فشيئاً ،اقتربت منه ، مدت له يداً خفيـــــة اقتلعته من جذوره وهي تلوذ به ..
ترفق بها ، ضمهـا إليه ، كطفلة تسعد بصدر أبيها ، نامت وهي تعبث بشعره الفضي ،ارتجفت يدهـا في كفه كعصفور بلله مطر مفاجئ يبغي دفئاً من حـــرارة يده ، فستانهـا الضيق من عند الخاصرة لفظ صـدراً ناتئاً كرابية تخفي بين تلالها طائرين يسعيان بجهــد للفرار من محبسهما ..
جمالها اللاهث يبيت بين يديه ، يشعل كل نفسه بلهب متقد ، هي الآن في سن العشرين وهو في مثل عمرها..
طوقها بذراع قوية ، تثنت في دلال أنثي ، فلتت منه، جري من خلفها ، دارت حول نفسها كراقصة باليه برشاقة قدها ، طـارت كفراشة ، حطت مثل مركبة فضاء عند مجرة بعيــدة ..
في لحظة واحدة سلب النجوم حريتها ، قبض علي الكواكـب ، ضم القمر ، دار بين المجرات والمــدارات والأفلاك ،خاض في مياه المحيطات والبحار والأنهار، في لحظة واحدة نطق بكل لغات العالم ..
معاً ارتقيا درجات سلم حجري لكهف يرجع للعصور الوسطي عند آخر طرف بالمعمورة..
ابتسمت فبان الدر في أسنانها لامعاً أضاء ظلمة الكهف، عبير عطرها سرى في المكان فأسكره وخدره، أتت من كل الفلوات أسود وضباع وفهود منصاعة فـي ذل العبيد ، فرشت مهاداً ناعماً من قماش مخملي نسج قسراً من خيوط جاءوا بها من الفضاء السرمدي..
ضمها بقسوة إلى  صدره،تأوهت..
ـ حنانيك .." قالت"..
وليتها ما قالت ..
فرت كضوء شارد، تسربت مثل ماء من بين يديه وانساب إلي شلال، أفاق يبحث عنها وسط رتل من النساء ..
ــ أين أنت ؟
سأل نفسه ، ثم استطرد:
ــ ألا يحق لي الزواج ؟
******
متاهة من سنوات عشــر سلبته بعض عمره ، طوقته أغلال من تقاليد باليـة ، رحلت الزوجة، وتركت فراغاً زاد من جرحه كلمات :
ــ زوجة جديدة ستكيل بمكيالين ..
ــ ستحيل حياتك إلى جحيم ..
ــ والأبناء في سن خطيرة..
ــ ستجد شروخاً في البناء ، وربما تصدعاً ..
أول الأمر جفل ، سرقته السنوات في السعي الدؤوب عبر سبل الحياة ، الأبناء تنقلوا معه من مدينة لمدينة ومن بلد لبلد ..
حتى رست سفينته في مرفأ مدينته التي عشقها ..
******
السنوات الأخيرة كانت حبلي بالأحداث ، أحيل إلي التقاعد ، استقل عنه الأبناء تباعاً ، كل منهم سارفي اتجـاه مختلف تماماً عن الآخر نحو حياة جديدة..
عبلة تزوجت هدايت ، شهيرة تزوجت من وصفي ، جاء دور وفيق فتزوج كم نيهال ، مجد تزوج من فدوى ، في ليلة واحدة فرغ البيت عليه ، أضحى وحيداً ، سافر من سافر، وبقي من بقي ..
عبـلة هي الوحيدة التي لا تنفك تسـأل عنه، كل بضعة أيام تتصل به من إمارة الشارقة، شهيرة تشغلها وزوجها ضرورة الانتهاء من مناقشة رسالة الدكتوراه، سـوف يعودان نهاية الشتاء وطفلهما بهي الدين الذي لم يره جده..
وفيق ومجد يزورانه في الأسبوع الأخير من كل شهر ، يقضونه معاً ، يداعب الجد أحفاده ، يمارس حياته القديمة ، يرعى زياداً ويلاعب مريم الصغيرة ..
ـ تشبه جدتها " دنيا" ..
يقهقه بطريقته المعروفة:
ـ لا أحد يشبهها، هي مائة جميلة معاً ..
ـ هل هذا صحيح يا جدي .." يقول زياد "..
يسرع الجد إلى مكتبته ويخرج " ألبوم"الصور تبدو فيه دنيا مثل أميرات الأحلام جاءت من وراء السحـب كقطعة من الثلج الطاهر وحدها لتبحث عنه وتتزوجه .
******
لا صوت في البيت عاد يؤنسه سوي صوت صــديقه مأمون..
يفتقده الآن بعد أن رحل عن الدنيا منذ عام ...
في الصباح كان صوته يوقظه على الهاتف، يمزحان معاً، مأمون يرسل له مع السـاعي زهرات الياسمين وصحف الصباح المجلات الأسبوعية ، أوراق يكتبها تضم سطورها ما يشبه المذكرات..
مأمون كان سياسياً لا يشق له غبار، لكنه اعتزل العمل السياسي الذي يستلزم الكثير من الجهد، مرضـه اللعين أقعده، حال بينه وبين الاستمرار ..
كان خطيباً مفوهاً ورث عن أبيه المحامي الوفدي المخضرم ملكة الخطابة..
كان الأب يمتلك حنجرة آسرة، تجلجل تحت قبة برلمان ما قبل الثورة ، جاء من قريته ــ وابنه ــ بعد أن ضاعت أطيانه التي ورثها عن أجداده علي أيــدي ثوار يوليو وقاموا بتوزيعها علي الفلاحين ..
مأمون رغم كل شيء نسي الموضوع برمته ، لكنه لم يغفل عن ذكر ذلك في الأوراق ، استند لمذكرات كتبها الأب الذي لقب نفسه بـ "الجريح " وظل يكتب ويكتب ..
كل صباح يرسل له الجديد ، الساعي الذي وفرته له المصلحة التي كان وكيلاً لوزارتها ، يقوم على خدمته ، يأتي له بمتطلبات المعيشة في قائمة تعد له سلـفاً، تأتيه "سيدة" انتقاها " علوان " سائقـه الخاص منذ ربع قرن من بين مائة سيدة ، متوسطة العمر تعد له الطعام بطريقة جيدة ..
ـ ترعى أيتاماً يا " بك"..
يجزل لها في العطاء ويوسع لها في الرزق، لا تتأخر يوماً واحداً عن خدمته ..
ذات صباح لم يستيقظ علي صوت مأمون كعادته، انفلق النهار عن شمس حامية، اعتراه القلق..
اليوم هو موعدهما الأسبوعي للقاء في نادٍ معلق عند جبين البحر ، يقضيان النهار معـاً..
يتطلعان للماء ، للسماء الرحبة ، يعدان النوارس وطيور الغاق، يراقبان "معدية "بور فؤاد وهي تحمل الناس بين ضفتي القناة ، يستعيدان الذكريات، يغني مأمون كعادته أغان ٍ لسيد درويــش ، وناظم الغزالي ، يعبث بأوراق معه أو يفرد أمامه صحف الصباح ..
يرشفان القهوة ، يتناولان طعــام غدائهما ، سمك تم صيده من بحيرة "البردويل " سيناقشان اليوم مع مهاد هانم رشدي الخطة السرية لاجتياح منافسيهــا في انتخابات مجلس إدارة النادي ، سيديران لها ـ بالطبع ــ حملتها الانتخابية بما لهما من سابق خبرة ..
رائعة هي مهاد ، زوجها ــ صديق رابع ــ ضــــابط سابق في الجيش ،أبلي في نصر أكتوبر بلاءً حسناً، يمت ـ للبحرـ بصلة قرابة وللسادات بصلة صداقة ...
بعد العصر يلهوان كصغيرين ، يمارســان لعبة التنس بالجري العبثي وراء الكرات كلاعبين بلا مدرب ينهرهما..

حك البحر رأسه ليبحث في ذاكرتـــه عن رقم هاتف مؤنس ولده الأكبر ،أسعفته أجندة يحتفظ بها ،أدار القرص ..
علي الطرف الآخر جاء صوت طفلة تبكي:
ـ جدي مات يا " بحر"..
إنها " ُربى "حفيدة مأمون، دائماً تناديه دون لقب..
جزع حين رأى صديقه مسجى في الفراش، فرت من عينه دمعة ذكرتـه بالأيام الخوالي وهما في سن صغيرة،يلهوان معاً كما يحلو لهما، يسبحان وسط صخب البحـر لا يأبهان بأمواجه العتية ، مأمون هو الذي أسماه "البحر" ..
ـ أنت مشروع مثقف كبير يا " بحر" ..
من يومها ولا أحد يناديه إلا بـ "البحر" ، بالرغم من كونه ينتمي لعائلة كبيرة إلا أن هذا الاسم طغى ..
ألقى على صديقه نظرة وداع ، قبله ، شعر بدنو الأجل وانصرام العمر ، تحامل على نفسه حتى وسدوه الثرى ..
سرت في جسد "البحر" قشعريرة رغم حر أغسطس الشديد،على أثرها لـزم الفراش ، سقط في بحيرة عرق عميقـة، غـرق حتى أذنيه..
عاده مؤنس ومعه ربُى ..
قال البحر: الآن فقدت آخر حصوني يا مؤنس ..
*****
كان وقع الأقدام يزداد وضوحاً ، من النافــــذة راح يرقب المساحة الخضراء الواسعة من الفيـلا ، ويراقب كل الوجوه..
أرتال من نســـوة راحت تتوالى متتابعة ، تخففن من ثيابهن ، انطلقت من أرديتهن رائحة عطور سخية ،في خطوهن رقة ،وفي صوتهن عذوبة ..
ــ المشهد يوحي بسهرة لا بأس بها ، لا ، ثمــــة حفل زفاف سيقام الليلة ، في زاوية صُبت عليها شلالات من أضواء ملونة ، قبعت العروس جميلة بجوار شاب في مثل عمرها ..
بذخ وإسراف وسفه لا يصدقه عقل ، موائد مدت في نظام ، مقاعد مذهبة في جميع الجنبات ، صوت موسيقى عذبة ينساب في رقة ، خطوات معدودة ، نساء لم يسبق أن رآهن مجتمعات في مكان واحد..
سرى هدوء أعقبه اندلاع موسيقى ساخنة ، راقصة شبه عارية تتمايل في براعة ، هدأت الموسيقى ولم تتوقف الراقصة ، وسط حماس دافق من مدعوين لم يكفوا عن التصفيـق بلهاث من يجري خلفها ، نساء في سباق محموم شاركنها في حلبة الرقص ..
انتهت النمرة، راح المذيع الداخلي يعلن عن اسمها الشهير ، جاءت بعدها موسيقى ناعمة حملته لزمان خلى ..
*****
كان في أوائل الشباب حين عرف "دنيا " ، تزوجـــا في حفل بسيط لم يدعوان إليه أحدا..
" دنيا " لم تخيب ظنه فيها، حاربته الأسرة في الزواج منها، الأب وقف له بالمرصاد، رفض في أن يعترف بالزواج، اتحد معه إخوته، أمه هي الوحيدة التي كانت ستناضل من أجله وتقف في صفه لكنها قبل عامين من زواجه رحلت..
قال كبير إخوته يوبخه :
ـ كيف تتزوج من أرملة ؟
وقال آخر متعجباً :
ـ إنها أرملة شهيد ..
كانت " دنيا" أنشودة للبساطة والرقة وسط زخم من نسـاء إخوته، لفظوها، الأب أصر على موقفه في ألا يتزوج غير نهى:
ـ رائعة، عائدة تواً من بلاد العم سام مع أبيها الثري ..
ـ وماذا في الأمر ؟
ـ سيصطحبونك معهم ، الحياة هناك رائعة ، ستبدأ عهداً جديداً في بلد الأحلام ..
******
حياتهـا الأمريكية لم تتفق مع ميوله ، نهمها للشراء، تعيش على الوجبات الجاهزة ، ترتدي "الجينز " الأزرق و البلوزات الضيقة ، ثم إنها تدخن بشراهة..
نظر له الأب شزراً :
ـ لم تعجبك .؟.
احتفظ بالرد لنفسه وتعلل بالتفكير في الأمر ..
ـ صغيرة، "خام "، فرصة العمر أيها الغبي..
ـ لكنها لا تعجبني ، أنا غير متفق معها ..
ـ إذن، تروق لك فقط الأرملة الطروب ..
للمرة الأولى يغضب من قول لأبيه ، شعر بغصة في حلقه لم يعهدها منه من قبل، انصرف والدموع تحرق مآقيه..
نصـل استل من غمده بقوة وطعن به في صدره، كانت كلمات أبيه، سُدد بإحكام نحو القلب، فأدماه ..
زلزال عاتٍ أطـاح بمدنه الخيالية اقتلعها من جذورها، علا الغبار الشوارع ، اصطخب البحر، وهاج الموج ، أنشبت الريح كالضواري مخالبها ، وأنيابها تلغ في دماء ســكان المدن وتتعلق بأعناقهم، تكتم الأنفاس ، والناس يجأرون بالشكوى ..
ساد ظلام دامس ، بعد ارتطام الأرض بنيازك وشهـب ..
بدت قصيدة "الأرض الخراب" التي كتبها "إليوت "
متمثلة أمامه :
(أبريل أقسى شهور السنة .
ينبت الزنابق من الأرض الخراب .
يخلط الذكرى بالشهوة ، يثير الجذور
الحزينة تحت أمطار الربيع .)
عز عليه أن يجد نفسه وحيداً، يجابه هجوماً ضارياً لا حد له، لا يكف عن هدم عزمه والنيل من قواه ..
******
بدلت العـروس فستانها، راقصت العريس ، كل شيء يبدو رائعاً ، عارية الذراعين ، بارزة الصدر، ممشوقة القوام، أمها تطلق الزغاريد ..
إنهـا المرأة نفسها، من حولها ثلة من نساء أحطن بها ، قلادة هي في وسط عقد يتلألأ، هـوانم من زمن فــات ، تراصت مئات من باقات الورد ، انتصبت عدة كاميرات للفــيديو تدور، وغيرها فوتوغرافية يلمع بين حين وحين وميضها لتسجل جمال المشهد، تنقــله على شاشات عرض ضخمة ، كل شيء هذا المساء مباح ، الأعناق مشرئبة لأعـــلى لترى المتاح وغير المتــاح ، أعناق من بلور صافٍ ..
ما أجمل الفوضى ، ما أحلى العبث ، رائع أن يحيا المرء كيفما يشاء دون تعقيدات أو حدود ،المشهد يوحي بمزيد من فوضى ستعم لولا تحذيرات بُثت عبر مكبر الصوت تدعو للنظام ..
انفجرت فوهات زجاجات الخمر ، علا دخان أزرق سقف الحديقة، غطاها كغبار خيول تصهل في الفلوات يحجب الرؤية ، اخـــــترقه صوت غناء غث لمطرب راح يترنح كسكير، موسيقى تعزف بلا ضابط أو رابط وبلا انقطاع ، شيء أشبه بالغثيان،حفل تنكري حمل كل من فيه قناعه، بدل من ملامحه الحقيقية بمكياج آخـــر وملابس غريبة، تخاذلت الموسيقى معلنة :
ــ حان الآن موعدنا، انتصف الليل..
قال المذيع الداخلي، دقت أجراس وساد هدوء وعم صمت، سقط الجميع في عتمة ليس فيها أي ضوء ..
انطفأت الأنوار،ســادت حالة من الهرج والمرج كلها تدعو للدهشة، زاد صوت ضحك امتزج بمجون ، خالطته أصوات مبحوحة ، صراخ موصـول بنشيــج ، لوم وعتاب ، فحيح كالأفاعي ، مواء كالقطط ، عواء كالذئاب ..
فجأة انقشع الظلام ..
حالة من الوجد والهيام، البعض أصابته لوثـة من أثر السكر، حاق الجنون بهوس الرقص، البعض نسي المواقيت وهام مع من هــام...
بدلت العروس فستانها للمرة الثالثة ..
سقطت الأقنعة مرة أخرى ، ثمة أصوات جاءت مثل خوار البقر ظلت تتردد من بعض الجنبات ..
******
شهق قلبه فجأة ..
إنها هي .. نهي ..
تخترق المـــوكب في ثوب زاه ، حملق فيها جيداً ..
ـ نهى ، يا للهول .. "قالها دون أن يدري "..
سمعته، التفتت كلها تبحث عن مصدر صوت تتيقن منه تماماً، توارى خلف أواني الزهر المتراصة في الشرفة ..
وحدها ، عادت تتلصص بين آونة وأخرى دون أن يلحظها أحد ..
كاد أن يصرخ ثانية متحدياً كل البشر ..
احتبست أنفاسه في مكمنه وظل مختفياً :
ـ لابد أنها عرفت صوتي ، سترسل لي دعوة لأشاركها وحدتها ، لأقف بجوارها ،إنها من غير رجــل يشد من أزرها في ليلة كتلك..
عادت نهـى خلسة تنظر باتجاه الصوت وترهـف السمع بعد أن قطعت صوت الموسيقى بإشارة من يدها ـ إنها وحيدة ـ، لابد أنها تبحث عني لأكون بجوارها ..
كل الرجال يخطبون ودها، تتدلل أكثر، تنظـر جهة الصوت ثانية..
قالت لنفسها :
ـ أعرف صوته ، إنه هو ، صوت البحر ، إنني أشعــر بصخبه .
دارت حول نفسها وسقطت في شبه إعياء ..
فزعت العروس وارتاعت بعد سقوط أمها، رجــال الأمن تدخلوا قبل أن تسود فوضى أبدية ..
ـ لا شيء ، لا شيء ، إنه مزيد من الإرهاق ..
قال طبيب من بين المدعوين، وأردف موجهاً كـــلامه للعروس :
ـ لا وقت للدموع يا صغيرتي ، ما أجملها لو كانت دموع الفرح . ثم بصوت عالٍ هتف :
ـ إنها بخير ، لتصدح الموسيقى ..
نهى كانت تتمتم في شبه لهاث :
ـ البحر ، إنه البحر ..
قالت نميرة زهدي :
ـ البحـر ، ماذا به ، إنه اليوم هادئ ، نائم على مقربة منا في دعة ..
أجهشت نهى في البكاء ، رددت :
ـ لا ، إنني أسمع صخب البحر ، صـوته الهادر يملأ أذني ، أريده الآن ..
رددت بعض نسوة في صوت جماعي :
"البحر بيضحك لي
وأنا نازله أدلع أملا القلل" ..
وكأنما هو نشيد وطني سعى الحشد جميعه لترديده مع الموسيقى التي عزفت ..
كان الدمع ينساب مدراراً من عيني نهى وهي في حالة من اللاوعي ..
نميرة فقط ضمتها لصدرها ، بكت نهي كما لم تبك من قبل ،أراحت رأسها على كتف صديقتها كطفلة يتيمة لم تذق من قبل طعم حنان الأم ..
عادت لطيفة بشري تسأل نميرة عـن سر ما حدث، لم تعبأ نميرة بها ، اكتفت بأن نظرت لها شزراً..
انتحت لطيفة جانباً إلى جوار نتيلة عمران ، وسارة المهدي ، و وسمية رشدان ، ووجنات السيوي ..
كلهن رحن يلقين بسهامهن في كل اتجاه، ساعيـــات لفك الشفرة ومعرفة السر :
ـ كانت على أحسن حال ، وفجأة ..
قالت لطيفة بشري ،بينما تولت نتيلة عمران مسألــــة إجادتها للتخمين :
ـ لكي نعرف السر لابد من محاصرة نميرة زهدي..
نميرة زهدي وحدها لا تفصح عن شيء ، شك الطبيب ذراع نهى بحقنة مهدئة ، خُدر لذيذ سرى في جسـدها فكاد أن يسكرها ولكنه أراحها ، ودت لو تنام طويلاً،أمــر إجباري، ود الطبيب لو يصدره ولو لبعض وقت ..
*****
غفت نهى في نـوم خفيف ، سقط رأسها على وسادة ناعمة هي ساق نميرة ، بعد قليل عادت من غيبوبتها المؤقتة ، راحت ثانية تنظر ناحية الصوت ..
طمأنتها نميرة :
ـ الشرفات كلها مراقبة بكاميرات خفية ..
في ضعف واستكانة قالت نهى :
ـ إنه صوت البحر يا نميرة ..
ـ أي صوت وأي بحر ..
ـ إنه صوته ، نعم صوتـه ، أعرفه من بين آلاف البشر ـ لابد أنك محمومة يا عزيـزتي ، فمن أين يأتي ، أؤكد أنه لم يزل هناك ، يعيش في الخليج ..
ـ لا تخدعيني يا نميرة ، إنني أشعر به ..
مضت معها حيث تناولت سهى كأساً من عصير الليمون بينما اكتفت نميرة بفنجان من القهوة ..
جلستا في شرفة عند آخر البهو الذي صممته العروس بنفسها بعد أن تخصصت في فن الديكور ..
******
نهى هي أم العروس ، سنوات عمرها لم تـــزل عند أعتاب الشباب ، لم يخضب الشيب إلا النزر القليـــل من غمار الليل الأسود الذي يطوق وجهها ..
ظن البحر أن شهقته تلك سمعتها كل الآذان وبأن من بالحفل جميعاً سيبحثون عن مصدرها ..
التفتت نهى وحدها جهة الشرفة تبحث عنه، تـوارى البحر خلف نباتات غطت جانب الشرفة..
من حين لحين كانت تتلفت ، والبحر يتوارى حابساً أنفاسه الملتهبة من أن تتصاعد من بين ضلوع مؤججة يراقصها الشوق ..

استعد البحر للنزال كجندي ينتظر إشارة من جنرال خفي سيتهيأ الآن للقيام بدوره، سيبدل ثيابه سريعاً ، سينتقي أجمــل حلة لديه، رباط عنق اشتراه من أشهـــر متجر في المدينة ، سيغرق في بحر عطر ، وسيرتدي أحدث حذاء :
ـ حتما سيقودني النادل النوبي من عند الباب ، سيرسم ابتسامة عريضة ، سيقدمني لسيدته ،سيطغى حضوري على جميع الحضور، ربما يظن البعض أني أحد نجوم السينما قد جاء يهنئ ..
هاجمه سؤال بغيض :
ـ لماذا ؟ هل أنت من بين المدعوين ؟
وتذكر أشعب ، قال في نفسه :
ـ دعك من هذا الهراء ..
الضحكات لم تزل ترن في أذنيه تعلو، ثمة نســـاء انخرطن في رقصة جماعية تتوسطهن العروس وأمها في سباق محموم للتخفف بكل ما يثقل الكاهل ..
بدت النساء مثل قطع من رخام وردي خرجن عن الطوق، الرجال خلعوا حللهم الأنيقـة وألقوا بها بعيداً دون أن يأبهوا لقيمتها أو لأسعارها الفلكية ..
حول حوض السبـاحة التي لمعت صفحته الفضية مثل قمر زاه بزغ فجأة ، راح الجميع يرقصــون في جنون حول دورانه ، الموسيقى تزداد اصطخاباً،الألحان تتواثب في غرابة ، اشتد أوارها واحتدمـت ، الجميع يرقصون في تنافر كأنهم أمواج مصطخبة تتلاطم في سرعة وعصبية ، ربما تتوقف حياتهم إذا هم توقفوا، يرفعون أيـديهم لأعلى ، وأرجلهم مطوحـــة ، ورؤوسهم في كـل اتجاه ، حركاتهم تتسم بحدة دون أي قدر من تناغم، تفرز أجســادهم عرقاً غزيراً، وتوتراً غريباً كأنهم يطردونه بعيداً عنهم ، البعض يصرخ،وصوت الموسيقى يغطي على كل الأصوات..
فجأة توقفت الموسيقى ، قليل من الوقت مر ، عادت بعده الموسيقى تصدح بلحن استجابت له كل خاصـــرة النساء والفتيات ، شاركن الراقصات وتبارين فـي رقصة اهتزت فيها الأرداف والصدور والمناكب ، وبرزت مواقع الفتنة ..
واحدة تدور حول نفسها ، أخرى تتثني في دلال وتنحني حتى يكاد صـدرها يصل لساقيها ،وشعرها المبلل بالعرق يلتصق بالأرض ، لتستقيم مرة أخرى ، شدت انتباه الجميع ببراعتها ،انحسر شعرها عن وجــه ملائكي طاب للجميع أن يذهلوا أمام ملامحه ، يتأمـــل الجميع صدرها المكشوف بإعجاب لم يقل عن جمالهــا وهي تتثني مع الأنغام ..
رحلة مرهقة ..
******
باح المذيع الداخلي للمرة الأولى بعدة أسماء جعلت صخب "البحر" يصمت كمن أصابه الخرس ..
رجال من المدينة على كافة الأصعدة ، ساسة ،تجار ، ومن مهن أخرى ...
تذكر أنه يعرف العديد من أصحابها ، شعر بسعادة كبيرة تغمره ، إلا أن المذيع ردد اسماً معيناً ..
لفظ كالبحر زبده ، أعلن استنكاره ..
تقدم صاحب الحظوة خطوة خطوة كأحد الذين تعلموا أصول البروتوكول وجبلوا عليه، صخب البحر ولـــم يزدرد ريقه الذي جف، نطق :
ـ من ؟
تحشرج صوته، التفت صاحب الحظوة، يبدو أنه سمع، فلم يجد من حوله أحداً غير المدعوين ..
*****
ربع قرن جرف البحر ليتذكر وقفته في قاعـة الدرس وسط صخب تلاميذ هاجوا بفوضى افتعلها تلميذ فاشل أخفق في دراسته ،لا يأبهون شرح الدرس ، بعد أن قادهم ضده قومه ليردعه ولكنه أصر بعنـاد ، وخرج مــن القاعة دون إذن من معلمه..
ولم يعد للدراسة بعدها ...
ومرت السنوات ، وبقي صخب البحر ..


بورسعيد

 
 












© 2002 - 2010 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
2810937   Visitors since 7-9-2002