|
|
| ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ¹ط·آ±ط·آ§ط¸â€ڑط¸ظ¹ط·آ© - ط·آ¹ط·آ¯ط¸â€ ط·آ§ط¸â€ ط·آ§ط¸â€ط¸â€¦ط·آ¨ط·آ§ط·آ±ط¸ئ’ |
| |
بعض ما حدث في ال( قارع ) |
| |
- حان الوقت لنزع حلية الكهرمان
لتغيير الكلمات
لأطفاء مصباح الباب...
مارينا تسفييتاييفا
في عموم البلاد تغيّرت الحال كثيرا. صار الإنتحار لا يلحق الضرر ، أي يجيء بالموت ، إلا بإنسان واحد. العلوم ، وفي مقدمتها الطب وعلم النفس ، لم تصل الى أي تشخيص مقنع. في الحقيقة كان الطب يميل الى الإعتقاد بأن هناك علاقة لهذه الظاهرة المتفشية بنشاط فيروس معين يستفحل في الجسم ويدفع صاحبه الى سبيل هاديء وكتوم ، من سبل الإنتحار. وكان إكتشاف فيروس للشيزوفرينيا قد دفع الى الإقتناع بوجود آخر للإنتحار. إلا أن الجهات المسؤولة من صحية وغيرها، ، لم تكن قد أعلنت رسميا عن أي تفسيرلظاهرة الإنتحار هذه.
رغم الصعود المستمر لأحصاءات الإنتحار يمكن القول إن أكثرية المجتمع تنفست الصعداء من إكتساب عملية الإنتحارطابعا فرديا. فلغاية أقل من سنة واحدة كان المنتحر يجرّ معه بالقوة ( منتحرين ) آخرين. ومع المجتمع تنفست الصعداء قوات الأمن ، ولحد ملموس ، المخابرات بصنفيها المدني والعسكري ، وحتى أنها لم تجد في حوادث الإنتحار الفردي خطرا يهدد الدولة مباشرة ً، بالطبع كانت تدرك الأخطار والخسائر التي تلحق بالإقتصاد نتيجة مثل هذا الإنخفاض ، وهو مريع حقا ، للقوى العاملة. وفي السرّ كانت تتمنى أن يجنّ هذا الفيروس في أجسام المسنين من متقاعدين ومرضى و معوقين وما شاكلهم ممن لا يمثلون القوى المنتجة في المجتمع. وكان الأصوليون قد فشلوا في نداءاتهم الى الإنتحار الجماعي الذي كان إختصاصا كبيرا لهم ، مما دفعهم الى قبول مقترحات السلطات كي يعمل الطرفان ضد الإنتحار الفردي الذي أصبح يهدد الوضع الإقتصادي بشكل خاص. ومن الواضح أن غرض السلطات من مثل هذا التعاون هو أن يعود الموت العشوائي الذي ينظمه الأصوليون ، فحينها لايكون الشباب أي الوقود الأساسي للإقتصاد الهدفَ الوحيد للموت ، فالمنتحر الأصولي قد يأخذ معه الى العالم الآخر كلا من المعوق والمسن والمرأة التي يكون معروفا إسهامها المتواضع في قطاع الإقتصاد. أما أنا فقد كنت محصنا ضد هذا الفيروس المفترض بفضل عزلتي شبه التامة. وكانت متابعتي أخبارهذاالجنون عن طريق النت والهاتف والتلفزيون ، وفي بعض الأحيان من نافذة غرفتي. وكما يقال ( رب ضارة نافعة ) فقد تحسنت بالصورة الملموسة ، بفضل وباء الإنتحارالفردي ، المواصلاتُ وإنتعشت السياحة الى حد مرض وبالنتيجة نهضت من سقطتها التجارة وكل ما يخص الكثير من قطاعات الخدمات.
كانت السلطات المسؤولة قد تلكأت كثيرا في الوصول الى السبب الحقيقي لهذا المرض الجديد خاصة أن قسما كبيرا منها لم يعترف البتة بأنه مرض تسببه جرثومة أو فيروس. جهات خارجية كثيرة في مقدمتها شركات كبرى لأنتاج الأدوية والأمصال ، وحكومات ، وجدت نفسها شبيهة بمن يمتلك مشاعر مختلطة تتراوح بين الثلاثة :التعاطف والتشفي والطمع. فقد راحت مدياتها وممثلوها من وزراء و سفراء ومغنين وممثلين وغيرهم من النجوميين تعبّر ليل نهارعن التضامن مع البلد المصاب بفيروس الإنتحار ، إلا أنها في واقع الحال كانت تشحذ سلاح التجارة لبيع أمصال وأدوية وسيارات إسعاف و أخشاب لصنع التوابيت وغير ذلك من المعدات التي يحتاجها المنتقلون الى عالم آخر. فيما يخص التشفي هو شعور شائع بين البشر ولاحاجة الى شرح كنهه وعواقبه المفجعة على التأريخ والإنسان.
لم يكن أمرا غير متوقع إزدياد أعداد مرتادي المساجد والكنائس. فطالما لم تعثر السلطات لغايتها على أسباب هذه الكارثة ، أي لم يتم محاربتها وإستئصالها ، توّجه الناس الى أمكنة الأمل بالإنقاذ. وقد لا أبتعد عن الحقيقة إذا قلت بأن بين هؤلاء نسبة ليست بالصغيرة كانت تشك بنجاعة الصلاة والتوسل إلا أن مثل هذه الأفعال ليست بالضارة أبدا خاصة أنها لاتكلف الكثير عدا الوقت والحركة.
كل هذا كان قد حدث في بلادي ، جمهورية ال( قارع ). أكيد أن الذاكرة تخونني بإستمرار حين أريد تذكر بضعة تفاصيل لما حصل أثناء تلك الموجات العالية المتعاقبة من الإنتحار الفردي. وأنا لا أعتب على الذاكرة كثيرا خاصة أن ذلك الوباء ، وهكذا أسماه الناس بإيحاء من الميديات ، كان قد تفشى قبل حوالي العقدين. وللقاريء أن يصدق أو لا يصدق بأني لم أترك طوال هذه السنين التفكيرولا البحث ولا النبش في حيثيات هذا الإنتحار. إجمالا توفر لدي أرشيف ضخم حقا ، وحصل لأكثر من مرة أن إستفاد منه كلا نوعي المؤرخين : المحترفين والهواة. بالمناسبة أعترف بأني لم أفكر يوما ما بالإنتحار بحكم قناعاتي الفكرية والقدر المتواضع من الشجاعة فيّ :أنا خائف لكني لست جبانا. فقد يحصل أني كنت مخطئا برفضي بعض الخرافات الدينية وأن هناك بالفعل جنة ونارا وربا جالسا على العرش وملائكة مجنحة وأبالسة تكن أشد الكراهية للبشر والى آخره. لهذا كله أفضل أن أخفي رأسي في الرمال وأتظاهر بأن عالم ما بعد الموت قد يعني إبتعادا عن الله... طيب ، لأعد الى خزيني من الذكريات التي تخص ما حصل في البلد ، وبالضبط في مدينتي ، حين ظهر وباء الإنتحار الفردي.
تبين حينها أن ملكة الإبتكار في الإنسان لا حدود لها. وها أنه إبتكر طرقا عجيبة في الإنتحار ( كان معين إبن خالي والحالم بإصلاح العالم لكن بالطرق التقليدية ، قد أسف على أن الإبتكار تكرس للموت وليس للحياة ). وبحكم التقليد المتبع في الميديات الألكترونية بشكل خاص كانت الجهة الناشرة للإعلانات التي تدعو الى الإنتحار الفردي تسمح بالتعقيب والتعليق عليها ، وما لاحظته أيضا أن تعليقات كثيرة كانت مستخفة وهازئة مما فسر بأن المجتمع ، وخاصة شبابه ، لا يزال سليما ولم ينسق الى هذا الهوس. قرأت مثلا تعليقات ساخرةعلى سبل الإنتحار كهذه :
- من الأجدى أن تدخل قفص وحش في حديقة الحيوان .
- أنت تريد الموت ؟ إذن شجّعْ أحد فريقي كرة القدم لكن وسط مشجعي الفريق الآخر.
- لا تغتم ولا تستعجل الموت. فالأرض بطبيعتها المسمومة والغذاء المغشوش ، والهواء الملوث كفيلة كلها بإنتقالك الى العالم الآخر.
- هل جرّبت الإستلقاء في حوض الإستحمام وتغطيس مجفّف الشعر الكهربائي فيه ؟
- حاول تقبيل مؤخرتك بنفسك. النتيجة مضمونة : كسر في العمود الفقري و( باي باي ) لحياة الدود هذه.
لا أزال أحتفظ بمعظم ما ظهر حينها من إعلانات مبطّنة تدعي بأنها توفر أحسن الطرق في الإنتحار ( تذكرت أنه صدر كتاب بعنوان “ المنار في شؤون الإنتحار” لم يحمل إسم دار النشر وكان يباع سرا ). وكما بدا لي كانت هذه إعلانات وضعها في معظم الأحيان كتاب محترفون ، إذ لم تكن تخلو من خصب المخيلة ومتانة اللغة وطراوة الأسلوب. و قد تمثلت فنيّتها في مضامينها التي لا تتكلم صراحة عن الإنتحار بل إستبدلت هذه الكلمة بكلمات أخرى من نوع : المشكلة ، الأزمة ، القضية الملحة ، الحالة الصعبة ، الظرف العصيب ، الإحتقان إلخ.أو إستبدال كلمة الإنتحار بكلمة الموت. وكان مرد هذا التحايل حظرا رسميا على نشر إعلانات تساعد أو تشجع و تدعو جهارا الى الإنتحار. وكان عدد لابأس به من هذه الإعلانات قد كتب شعرا. بعضه كان باهرا حقا ، ولولا موقفي غير المستقر من عملية كالإنتحار لإنسقتُ الى إغراء ذاك الهوس الذي كان شبه جماعي.
بعض الإعلانات لجأ الى حشر أقوال للمشاهير في نصوصها. وكنت ، كما ذكرت ، قد جمعت الكثير منها بفضل جاذبية الصياغة ومهارة هذا الحشر. مثلا في أعلان أقرأ كلمة لغوغول : ( لو لم يكن الموت لما بدت الحياة لنا بمثل هذا الجمال ) ، و في أخر لوودي ألين : ( الفارق بين ممارسة الجنس والموت يعتمد على أنك حين تموت لا أحد يضحك منك بسبب أنك تفعل هذا وحيدا ”. منطقي جدا أن من قرر الإنتحار لا يحتاج الى إقناع وتحريض ، إلا أن كل شيء في الحياة يمكن إستغلاله لهذا الغرض وذاك، ولذا لم لا يمكن تحويل الإنتحار الى بيزنيس يوفر العمل للكثيرين والمال لرجاله. واضح أن الخطر هنا يكمن في أن هذه الإعلانات كانت على قدر كبير من الجاذبية الى درجة أنها تدفع من لا يفكر بالإنتحار الى التفكير به بل السير صوبه كما السائر في نومه أو المنوَّم مغناطيسيا. أعترف بأن قراءة هذه الإعلانات لم تكن مضيعة للوقت بل بمكنتي القول إنها ربط بالغ المهارة للتجارة بالحكمة ، مثلا : الموت والحياة هما مجرد الوجه والقفا للعملة نفسها. أو أن هناك إعلانا حوى رسما ملونا فوق أبيات شعرية :
الأجمل أن أموت في الليل
فالليل هو الرحم الذي أعود إليه.
ما لاحظته أيضا أن عددا ليس بالصغير من هذه الإعلانات يلجأ الى أسلوب اللامبالاة المرحة إزاء مثل هذا الفعل الذي هومفجع أولا وأخيرا. لكن ما العمل ، البيزنيس هو بيزنيس :
* هناك بين الحالمين مضحكون ، فهم يفكرون بأن يأتي الموت أثناء النوم وعلى أقساط.
* الموت يعني العالم ناقص الفرد.
* من الصعب أن تحيا بلا أمل ، لكن من الأسهل أن تموت بلا أوهام.
ويسهل ملاحظة أن الإعلانات إستغلت ، وبكل بشاعة ، حكما قيلت على أكبر إحتمال وليس علنا تماما وإلا كيف لرجل دولة بارز مثل جورج كليمنسو أن يقول جهارا :
* الإنتحار هو القدرة على التصرف بالنفس ، إنه التأكيد الأكبر على فردية الكائن الذي لم يرجو أحدا كي يقدم الى العالم.
هناك أيضا مونتين الفرنسي الآخر المنقوع بالحكمة :
* الموت بمحض الإرادة هو الأجمل. فحياتنا معتمدة على الآخرين ، أما موتنا فمعتمد علينا وحدنا.
كذلك لم يسلم بايرون من إستغلالهم رومانسيته وتمجيده للموت ، في إعلانات بدت مقرفة حقا :
* من إختارهم الآلهة يموتون يافعين – قال حكيم قديم. بفضل ذلك يتجنبون الكثير من حالات الموت ، موت الأصدقاء ، والأكثر شؤما : موت الصداقة والحب والشباب وكل ما يحيط بنا. الموت المبكر وإذا كان مبكيا فهو من أعمال الخير.
ولا أظن أن هناك تحريضا سافرا على الإنتحار أقوى من كلمات فولتير التي جاءت خبيثة ومتعالية أيضا : ( الإنسان المتوحش لا يتفتق ذهنه على فكرة إنهاء حياته بدافع الإشمئزاز من العالم والذي هو إمتياز الناس المتعلمين ). ولم أكن بحاجة الى نباهة كبيرة كي أعرف الدهاء الكامن في مثل هذا الإعلان ، إذ يكفي من كان تحصيله المدرسي بضعة صفوف إبتدائية أي معرفته الهزيلة بالقراءة والكتابة كي يحشر نفسه بين المتعلمين ويهيمن عليه اليقين بأن إمتياز الإشمئزاز من العالم هو إمتيازه أيضا.
توّجه قدر كبير من الإعلانات الى النساء خاصة. وهذا أمر متوقع ، فالبيزنيس على إطلاع بنفسية المرأة التي تجد الشقاء الأكبر في أن لا تكون محبوبة ( في حياة المرأة ثمة لحظة واحدة من المفروض أن تموت فيها ، أي حين تكف عن أن تكون محبوبة. دلفين غي ) ولاجميلة ( أنا أفضل أن أكون ميتة على أن أكون دميمة. مدام دو باري ). ولا أظنني مبالغا إذا قلت إن كل شيء في البيزنس هو للشراء والبيع. واضح أن هناك سلعا أشد إغراء وأخرى أقل. وما لاحظته عند مراجعة إرشيفي قبيل البدء بكتابة هذا النص أن البيزنيس ركز بشكل خاص على الآثار الأدبية البارزة التي كرست لموضوع الإنتحار أو شتى الأفكارالدائرة حوله. وها أني وجدت عددا كبيرا من الإعلانات التي إستمدت مضامينها من أثر غيته المعروف ( آلام الفتى فيرتر ). كنت قد قرأت في مطلع شبابي أو في حقبة المراهقة ترجمة سيئة لكنها كانت آنذاك قمة رومانسية بل ينبوع دموع سخيا. وهذه نماذج من إعلانات ( فيرترية ) زُيّنت برسوم عاطفية متهافتة كان واضحا للغاية الى من هي موجهة ، الى سذج آخرين غيرالمنتحرين السابقين الذين كانوا على إيمان راسخ بأن الروح تصعد بعد تفجير الجسم الى باريها الذي يفتح فورا أحد أبواب الجنة :
- كما لو أنه قد إنزاح أمام نفسي ستار وتغيّر حقل الحياة اللامنتهية الآن الى هوّة قبر مفتوح الى الأبد .
- غالبما أستلقي في الفراش ومعي إحدى الأمنيات ، وأحيانا يحدوني أمل بأن لا أستيقظ أبدا ، لكن وللأسف أفتح عيني في الصباح وأرى الشمس من جديد وأشعر بأني شقي.
- حين تصعد في مساء صيفي جميل أنظرْ الى جهة المقبرة ، الى قبري حيث الريح تهز العشب العالي في ضوء الشمس الغاربة.
- عميق هو نوم الموتى ونحن سوف لن نكون على إنتباه الى الصوت ، و لن يوقظنا لا نداءك ولا دموع الفتاة العاشقة.
- لن أخاف تجنب الكأس الباردة الرهيبة التي عليّ أن أشرب منها نشوة الموت.
وفي إعلان زيّن برسم ملّون لفتاة أريد لها أن تكون من حوريات الجنة على أكبر إحتمال أدرجت شذرة معروفة لشاتوبريان :
- الميتة جميلة ، إنها صديقتنا.
لكننا نعجز عن التعرف عليها ، فهي تقدم إلينا وعلى وجهها قناع يفزعنا.
كنت في إحدى الفترات من حياتي المضطربة عموما بحاجة ماسة الى النقود ولذا فكرت في أن أدلف خلسة الى عالم البيزنيس وأجرّب حظي في كتابة إعلانات عن الموت ، أي الإنتحار. كان حظي سيئا ، فأيّ جهة لم تشتر ولو واحدا من إعلاناتي رغم أنه لم يفتقد فيها القدر المطلوب من الإغراء. أظن أن التفسير الوحيد لفشلي في هذا المضمار هو أن كتابا معينين قد إحتكروا هذا القطاع من عالم البيزنيس. ومن يقرأ إعلاناتي لا أظنه يعتبرني هنا مبالغا :
- الموت هو المتعة الوحيدة التي من غير الممكن التحسس بها.
- الموت ؟! ليس هو بالأمر المهم
أن تحيا ؟! ليس مهما أيضا
المهم هو الإنتصار !
- بحبور قبلنا الحياة
وبحبور نقبل الموت.
- هناك نوعان من الناس السعداء. الذين ماتوا والذين لم يولدوا بعد.
- بعضهم لايعثر على مكان له على الأرض إلا بعد دفنه.
- لكان الموت مثل الحلم لوكان ممكنا فتح العينين من حين الى آخر.
وكانت قد أعجبتني كثيرا شذرة من هاينريخ هاينه الى درجة أني صغتها في أحد إعلاناتي التي لم تر النور :
- الحياة مرض ، والعالم كله مستشفى ، أما الموت فهو الطبيب.
وكنت حينها ، أي عند التفكير بكتابة الإعلانات كي أخفف من ضائقتي المالية ، متهيئا بصورة جيدة لهذه المهمة الطارئة. جمعت عشرات الحكم والأقوال الماثورة عن حلاوة الموت / الإنتحار والمغزى العميق لمثل هذا الفعل الى درجة خشيتي من الإنقياد الى سحر هذا الصنف من الموت والذي لا أدرجه ضمن أفعال الطيش البتة ، فهو قرار من النوع الفلسفي قبل كل شيء. الدليل ؟ يكفي أن أكبر عقلائنا وفنانينا لم يستنكروه. إبتسمتُ حين قرأت ما قاله شكسبير ( الخائف يموت مائة مرة قبل الموت، أما الشجاع فيجرّبه مرة واحدة فقط ). شكسبير وضعته في إعلاني الأول. لكن ، وكما قلت ، لم يفد هذا بشيء. كما لم يفدني ميكاله أنجلو القائل : ليس عندي ولا فكرة واحدة لم يكن الموت منحوتا فيها ، ولا بليز باسكال: تحمّلُ الموت من غير التفكير به ، هو أسهل من التفكير به من دون أخطار. إنتبهت فجأة الى أن بعض الأقوال وردت على لسان جدتي لكن بصيغة أخرى ، ربما بصوت آخر، فجدتي التي كانت تعجز عن إخفاء حنوها وراء صرامتها غالبما ما كانت تردد ، ومن دون أن تدري ، وراء سينيكا الإبن ( نحن لا نخاف الموت بل التصورالذي نملكه عنه ) أو أستاذي زوانغزي ، التاوي القديم ( الولادة ليست البداية ولا الموت هو النهاية ). وكما قلت فهناك من إحتكروا بيزنيس صناعة الإعلانات ، وهؤلاء لم يترددوا في سرقة أفكاري الإعلانية وإلا كيف حصل التطابق بين الشذرات التي ترجمتها بنفسي وصغتها وفق حصيلتي اللغوية ، وبين الأخرى من إعلاناتهم والتي جاءت وفق ترجمتي ؟ لا أعرف. ربما هي مصادفة نحسة تكررت بهذه الصورة اللامعقولة. ومن قرأ تلك الإعلانات بمقدوره الآن مقارنتها مع إعلاناتي غير المنشورة ، وسيكون على يقين تام من أنه حصل سطو على جهدي. بالطبع واردٌ الشك بأني لم أقم البتة بمثل هذه الترجمة فليس لدي هنا أي دليل سوى أعلاناتي التي أرسلتها بالبريد المسجل الى ذاك البيزنس. لحظة ! هناك دليل آخر : أسلوب كتابة تلك الإعلانات وأسلوبي في الكتابات الأخرى لا يختلفان البتة. وأنا هنا أشجع كل قاريء يتقصى الحقيقة ، على التأكد من صدقي ، بعقد المقارنات اللازمة. مثلا هذه ترجمتي للشذرات التي أدخلتها على إعلاناتي :
- على الأغلب يعامل الإنسان الحياة كالمطر- ينتظر اللحظة التي يتوقف فيها عن الهطول.
- من المحال تغيير شيء ما، فالإحصاء يفيد بأن هناك موتا واحدا لكل إنسان واحد.
- الشرط الأول للخلود هو الموت .
- الموت حلم طويل ، ليلة عليلة بعد نهار قائظ , أما الحياة فهي غبار ساخن بينما الموت ماء قراح ...
- العالم بدوني باق ولا أغيّر أنا فيه شيئا، ولربما بفضل غيابي سيتغير شيء ما.
- الموت هبة الحياة.
- أن تحيا معناه أن تموت.
وليثق كل من يقرأ الآن بأن الشذرات أعلاه إستنسختها مما كنت قد بعثته الى ذلك البيزنس اللعين. أعترف بسذاجتي أيضا : قمت بترجمة وصياغة شذرات أخرى على أمل أن أبعثها كوجبة ثانية خادعا النفس بأن الشفافية والنزاهة لصيقتان بالبشر. أدرج قسما منها في هذا النص الذي أرغب في أن يكون قصة قصيرة ، بالطبع الرغبة لا تكفي بل لا بد من توفر الكفاءة. أظنني أملك القدر الكافي منها كي أنتهي من كتابتها ) :
- قد يكون الموت مجرد تغيير للمكان. مارك أوريليوس
- الحياة أغنية لازمتُها refrain الموت . فكتور هيغو
- أريد أن أموت ولأني نضجت تماما للموت. يالها من سعادة أن لاتموت عجوزا. بيير دريو لا روشيل
- الموت هو الإمتحان الوحيد الذي لا يمكن الرسوب فيه. بول كلوديل
- لماذا مات ؟ غير معلوم. وفي الأخير غير معلوم أيضا لماذا عاش. ألفريد كابي
- الأموات غير مرئيين لكنهم ليسوا غائبين. القديس أوغسطين
- الحياة مرض يخفف النوم من وطأته كل ست عشرة ساعة. إلا أن هذا مجرد مخدر، فالدواء الحقيقي هو الموت . شامفور
- أن تخشى الموت ، شبيه الأمر هنا بالخشية من أننا محدودين بالمكان. جان كوكتو
- نحن نموت مرة واحدة لا غير. إذن ما الفارق ، أهو الحبل أم شريط الجورب النسائي ، السمّ أم المسدس ، السيف أم مرض طويل أم إنفجار مفاجيء لعضلة القلب يختصر عذاب الحياة البشرية ؟ رغم أن الأسباب قد تعددت تكون النتيجة واحدة : الكل ينتظرهم الدمار. توماس شاتيرتن
- يملك المنتحرون لغة خاصة كما النجارين الذين تعنيهم أدوات عملهم و ليس دوافعه. آن سيكستن
كما قلت سأنهي في كل الأحوال كتابة هذه القصة رغم أن توقعاتي قد صدقت. فالسلطات أجهزت على الأصوليين بعد أن قام هؤلاء بحملات إرهابية تسمى ، عادة ً ، حملات جهادية للتوعية والتذكيرببطلان الحياة الدنيا. وحصروا من نطاق الإنتحار الفردي الى حد مرض. في الحقيقة كان هناك عامل بالغ الأهمية ساعدهم في إنجاح ( التوعية ) وهو قيام السلطات بحملة إجبارية لتلقيح المواطنين تحت سن الإنتاج وفيه وفوقه قليلا ضد فيروس الإنتحار رغم أن الطب لم يثبت بصورة قاطعة وجود مثل هذا الفيروس ، وكل هذا كان يعني أن سلطات جمهورية القارع قد أشعلت لنفسها ضوء أخضر دائميا كي تحقق أمنيتها القديمة في التخلص ممن تجاوزوا من زمان ، عمر الإنتاج. في الحقيقة لم تأت السلطات بجديد هنا ، فهي واصلت ممارسات الأصوليين الذين بقي لهم فيها الإسم وحده.
أما قصتي فقد أنهيتها بالفعل لكني وجدت نفسي مرغما على إخفائها في الجارور.صرت الآن أفكر بنشرها في الخارج بإسم مستعار. فكما يعرف بعضهم أن كل سلطة هي شرّ و … أوه ، لا حاجة الى تبيان أمر واضح كالشمس في كبد السماء.
باندهولم – كانون الثاني 2010
|
| |
|
|