المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

ملف عن عبدالأمير علوان. ذاكرة الأرض والناس

  













تقول النصوص المسمارية ان الآلهة خلقت الإنسان لخدمتها، لكن هذه الأسطورة لم تدم طويلا ً، حيث جرى قلب لها، فعدل الكاتب القديم ميثولوجيا الخلق وجعلها تحدث في الأعالي، من ثم تحدث (الخطيئة) ليعاقب بالخروج من الفردوس، وينفى في الأرض...، ليولد، ويعيش، ويغادر، مكبلا ً بالأحزان، لا غيرها، كما في المثل الصيني القديم.

عبد الأمير علوان (1955 ـ 2014) هو الأخر، لاذ بالفرار من مدينته كربلاء، إلى بغداد، ومن بغداد إلى أمريكا، ولكنه لم ينج من الخاتمة وكأنها القدر الذي لا عمل له إلا على قهر إرادة الإنسان!

على ان الفنان عبد الأمير علوان انشغل ببناء تجربته الواقعية ـ التعبيرية ـ الرمزية، بكثير من الصبر، والأناة، فأقام جسوره مع الطبيعة، لاستنطاقها، والغوص في جمالياتها. فقد كانت الطبيعة رافده الأكبر في تعزيز سيرته الشخصية، ورسم علاماتها، ومناخها، واساها الدفين.

ورحلة عبد الأمير مع الرسم، لم تنته، برحيله، فالتراث الغزير الذي أنجزه، في بغداد، وعمان، وأمريكا، يستدعي ألا يلقى مصيرا ً مجهولا ً، كالكثير من تجاربنا الفنية التي تعرضت للضياع، والإهمال، داخل الوطن، أو خارجه...

عادل كامل

*

شارك في الملف

ـ عادل كامل

ـ د. شوقي الموسوي

ـ صلاح عباس

ـ حسن النواب

ـ عبد الجبار العتابي



*











عبد الأمير علوان : رهافة


عادل كامل











كما ان الصراع لا يمكن حسمه في كل ثنائية قائمة على التضاد ، فان الأسلوب الواقعي سيبقى يلفت أنظار المتابعين أزاء أساليب الحداثة وما بعدها .. هذه الواقعية بمعناها المعروف الذي يمتد الى خمسة قرون من التجارب في مختلف بقاع العالم .. هكذا وجد الفنان عبد الأمير علوان نفسه يمضي بعيداً بالتمسك والمواصلة في تطوير واقعيته العراقية او ذات السمات العراقية . وإذا كانت تجارب عبد الأمير علوان قد جاءت في نهاية القرن العشرين ، فإنها تذكرنا ، وبقوة ، بتجارب عبد القادر الرسام التي جاءت في مطلع هذا القرن . ومائة عام من الرسم تضعنا في مشهد غريب .. فهل مكث الرسم يدور حول نفسه .. أم ان هناك أسباباً تخص بداية القرن بالواقعية ونهايته بالواقعية أيضاً ؟

لست راغباً بالدفاع عن الواقعية .. أو الحداثة .. بكل تنويعاتها ومغامراتها بقدر اعترافي وبحثي عن الأسلوب الذي يحمل هوية أو ( حضارة ) الفنان.. فنحن أمام أسلوب .. ورؤية .. وفلسفة .. ولكن قبل كل شيء أجد ان الأسلوب هو الذي يعنينا وفي أي اتجاه أو مدرسة كان .. لأنه يمثل صدق الفنان وخبرته وعمقه .. ولكن السؤال الشائك والمربك الذي قد تكون الحداثة الأوربية وراءه يضعنا في مأزق .. ففي عصر انهيار إمبراطوريات كبرى .. ومجاعات .. وحروب .. وتهديدات سيكولوجية يومية مذلة للإنسان .. هل باستطاعة الرسم الواقعي ، ان يذهب الى تلك المناطق المصدعة بالاغتراب ..؟ وبمثل هذا المعنى هل ينبغي للفنان ان يهجر ( الاغتراب ) ويعزل نفسه عن العالم .. ويكتفي بذاته .. كمتصوف لا يرغب بتحريك حجر ؟ أعني هل باستطاعة ( المبدع ) ان يخترع غابته بعيداً عن حرائق العالم ..؟ ان الإجابات الأولى – والمبسطة – تقول نعم .. بيد إننا نرى ذلك من المستحيلات .. فالفنان هو ابن العصر ونبضه .. وهو على اتصال بالعالم .. وبالشقاء البشري .. في التعبير على أقل تقدير ..! ولن أزيد من الأسئلة فالفنان عبد الأمير علوان لا يهرب من العالم .. بل يحاول أولاً – ان يعطينا الجانب الآخر من المشهد المؤلم للسكان .. انه هنا يرجعنا الى الطبيعة .. الى الهواء الصافي .. والى تلك الشفافية لتي نكاد لا نراها حتى في الأحلام .. فهو يعود الى ( الام ) الرمز والام الواقعية والام بالمعنى الدقيق للموقف الإنساني . فعبد الأمير علوان يختار الطبيعة وكأنه يريد إلغاء كل قسوة أخرى .. ففي الطبيعة نعثر على ذلك الهدوء والرقة والمشاهد الجمالية التي لم يؤكد عليها الرسام العراقي إلا قليلاً ، منذ عبد القادر الرسام . ولكن عبد الأمير علوان – ثانياً – يمنح المشهد الشيء الكثير من ذاته – كما كان يفعل محمد عارف مثلاً – حتى ان لوحاته ندرك انها متوازنة بين البعد الموضوعي – الطبيعة – والبعد الذاتي – الفنان – لكي يتوحدان بالتعبير عن شيء أسمه الشعر او الموسيقى . ان هذه الواقعية تأخذ مدى أبعد من النقل الفوتوغرافي .. انها تصور الانتقالات من الفنان الى الخارج .. ومن الطبيعة الى الداخل .. فهو يمنح الواقعية منهجاً تعبيرياً .. يضاف له عناية خاصة بالتقنية الجمالية .. أي بالتحرر من الرتابة .. وهكذا سنرى مصغراته..

ففيها براعة وتحد ، تحد للرسامين او لذاته بالدرجة التي تجعله يرسم ما لا يمكن ان تراه العين المجردة : انها مهارة لاعب متمكن من صنعته ، وهو – ثالثاً – يختار موضوعات أكثر صلة بالنفس وأبعادها الداخلية : تلك الأحلام الكابوسية لنمط خاص من المشردين والمشردات .. حيث تكاد الألوان تنعدم او تصير لوناً رمادياً واحداً موحشاً موحشاً . فالجمال او البهجة او النعيم كلها قد اختفت .. وصار الموضوع يلح على الفنان ، موضوع النشر والحزن .. فماذا بعد هذه الحياة .. كلها .. سوى القنوط والفراغ والبؤس . هذه الموضوعات ستتخذ منهجاً تعبيرياً خالصاً ، يناسب أفكار الفنان . وسينجز معظم أعماله بضرب من الألم الداخلي يبلغ درجة الرمز . ومع ذلك – رابعاً – تبقى الطبيعة ذات صلة بالمرأة .. وهو أمر رمزي تماماً .. فالمرأة عنده هي رمز العطاء والخصب والتأمل .. إنها بدء الأسطورة ونهايتها أيضاً . الأسطورة في بدء الجمال الأخاذ والمدهش .. والانتهاء بجدران او سرير وثمة أشلاء محطمة لنسوة مرت عليهن الأيام والفصول .. هذا المشهد يتكرر في تجاربه .. حتى يخيل لي انه لن يتخلى عنه إلا بعد ان يعود الربيع الى ( روح ) عبد الأمير علوان : الربيع في دورته الأبدية .. وكأن الفنان يرسم بقانون يحرك أعماقه ويده وبصره قبل كل شيء .. دورة بدأها برسم الفصول الأربعة .. ورسم القرى .. والغابات .. والمدن .. والأسواق القديمة .. والمشاهد الاجتماعية .. ثم انتهى برسم حالة الدوار .. الخريف الذي يغلق على الغابة الممرات . وقد عاش الفنان حالات مختلفة عبر عنها بحنين عميق الى الأرض والإنسان .. وحتى تكاد لوحاته تنطق بجماليات المشهد المرسوم .. ثم بجماليات الحزن وصمت الخطاب عند اكتمال الدورة .. ان هذا الإخلاص للرسم يمنح واقعيته صدقها وأهميتها وجاذبيتها ، بعيداً عن كل حداثة لا تمنحنا التوهج العذب .. والمؤلم ، معاً . انها واقعية تنتمي الى ( حضارة ) عبد الأمير علوان .. وأقول حضارة انطلاقاً من احترامي العميق لكل مبدعينا وهم يقفون بعناد عظيم أمام ليل الحصار والحرب العدوانية التي حاولت دفننا تحت غبار الزمن .. وأقول حضارة لأننا لن نكسب احترام أنفسنا لأنفسنا – أولاً – وسوانا إلا من خلال هذا الخطاب وهذا الحوار الذي نجسد فيه ، إرادة العدل والخير والجمال .. وقد عمل ، بعمق وإخلاص وهدوء ، الفنان عبد الأمير علوان ، على تعميقه ، وجعله منهجاً واقعياً معاصراً ، انطلاقاً من الذات نحو العالم .. ومن العالم الى المشهد الشعري الذي يجعل من الإنسان سيمفونية جديرة بالإصغاء .. والإصغاء بنبل جليل .

عادل كامل [ الرسم المعاصر في العراق] وزارة الثقافة ـ دمشق 2008/ الفصل الثامن ص 250 ـ 253





مرايا الزمن ...

في رسومات عبد الأمير علوان



د. شوقي الموسوي













ليست حواسنا مجرد " ثقوب " في الجسم – من خلالها تمر الأحاسيس والمشاعر – بل هي أفعال للطبيعة تقع على الجسد وهي نشاطاً له في نفس الوقت ، متآزرة ومتعانقة معاً ؛ اذ إننا لا نستطيع أن نرى الشيء المرئي ما لم ننظر إليه ؛ بوصف ان المعرفة بالشيء تزداد بازدياد الرؤية وبالتالي تزداد الحواس تطوراً ؛ على اعتبار ان الإنسان بشكل عام والفنان بشكل خاص ، على حد تعبير " بيكاسو " وعاء لجميع المشاعر الآتية من كل مكان حوله ، من السماء ، من الأرض ، من قصاصة الورق ، بل وحتى من بيت العنكبوت !!؟



والفنان المتمسك بالاصالة بشكل عام ، نجدهُ قد امتلك حساً أكبر بالزمان والمكان وبلحظة التفكير ومن ثم التدبير، فهو يرسم لإبراز رؤى فكرية وبمختلف الأساليب الفنية ، التي تتخذ من الواقع موضوعاً أساسياً لها ؛ بوصفه – الواقع – يقذف دائماً بمادة جديدة ويسمح للمادة القديمة ان تختفي عن الأنظار ، ليحصل تطور في الصورة الفنية ، بالرغم من تكافؤ بعض نتاجات الفن من الناحية الجمالية في النهاية ، مهما كانت مرحلة التطور التي تنتمي إليها الأعمال ، وهذا ما وجدناه في أغلب أعمال الفنانين العراقيين الواقعيين بشكلٍ عام والرسام " عبد الأمير علوان " بشكلٍ خاص .

فقد رسم " عبد الأمير علوان " خطواته الواضحة لرؤيته التصويرية منذ نهاية الثمانينيات ، متخذاً من الواقعية النقدية ، انطلاقة أبدية نحو الوجود ، جاعلاً من ذاتيته موضوع صلة بالأفكار الجديدة ، المُستلهمة من مرآة الواقع المعاصر ، على وفق خياله التصويري ، من ثم ترجمتها إلى المتلقي المعاصر .

والحقيقة التي يُمكن ان تُقال بحق الواقعية ، إنها ليست أسلوباً واحداً من الأساليب الأخرى ، بل هي أساس الفن تكمن في كل الأساليب الفنية ، حتى تلك الأساليب التي تبدو متعارضة مع أفكار الواقعية ، تنشأ منها ، ثم ترتبط بها ؛ إذ لا يمكن ان يوجد أي فن لا يستند إلى واقع متميز ومستقل عنه ... فأعمال الرسام " عبد الأمير علوان " نجدها تصور العالم الواقعي (المرئي) ، كمرايا للزمن ، على وفق رؤية بانورامية شاملة للمشهد الواحد ، تنتج تكوينات وجودية متشحة بألوان الأرض والسماء والإنسان ، تبعث فينا شعوراً بالحياة ... حيث نلاحظ هنالك سيطرة تامة داخل الفضاء التصويري للكل على الجزء ، كما ان تنظيم عناصر اللوحة عنده قد خضعت لحركات وإيقاعات لونية لا ترتبط بطبيعة الأشياء فحسب ، بل بمقتضيات المعاني (المضمون) المقصودة التي تعيدنا الى الذكريات .



على اعتبار ان الفنان " عبد الأمير " ، قد امتلك نزعة تأملية لأشيائه المختارة في مجال التعبير ، فضلاً عن شفافيته المرهفةفي التعامل مع مفردات المشهد الواحد ، بحدود معالجاته الخطية واللونية ؛ كونه يبحث عن النقاط المكثفة في الوسط المحيط به بمساعدة هذا التأمل .



إذ يمكن للمتابع أن يُلاحظ في مشاهد " عبد الأمير " التصويرية ، ان موضوعة الجسد الأنثوي وتحولاتها في الحياة الاجتماعية ، قد ظهرت كموضوع أساسي وسيادي على باقي الموضوعات ، يجري الاشتغال عليها والذي يريد لها النجاة من عمق البحر والقلب التي قذفت فيها منذ زمان ، لتخفي بين ثناياها ذكريات الحب والانتظار ، فضلاً عن موضوعة الفلكلور الشعبي العراقي ، المتمثل بالأزقة والبيوتات البغدادية العتيقة المرصعة بالشناشيل ، بالإضافة إلى أسواق المدينة الممتلئة بالأجساد التاريخية والاجتماعية ، بجانب مشاهد الطبيعة الريفية الديناميكية التي يستلهم منها الفنان في كل مرة ثقافته الفنية ، جاعلاً من هذه المفردات جزءاً من النسيج الكلي لأعماله ، ملقياً على العين ومضة من الضوء الذي يقودها إلى ما يجب ان تراه ، مركزاً على الخطوط المنحنية التعبيرية لأشكاله عن طريق لمسات فنية لفرشاته الواعية .



حيث نجد ان أغلب نصوصه التشكيلية لا يمكن اعتبارها مجرد تسجيل لحظات من مشاه حياتية ، بل تجسيداً لفكر الفنان الواقعي وتراكماته المعرفية ، في حدود الصور الإنسانية العميقة ، التي بدورها تتبلور في مواد تشكلها ، ليبدو العمل الفني في ذاته متماسكاً بقواه الباطنية ؛ إذ ان النتاج الفني الجيد لا يمكن اعتباره إعادة نقل للعالم وإنما التعبير عن الآمال الموتوقفة على الذات الفردية والجمعية لبناء المستقبل ، كوننا نفهم الرسم على انه عملية بحث وليس نسخ للخارج التي تجعل – النسخ – الفنان مقلد ومهرج بلا مواقف أو تقنية فنية .

وبحديثنا عن الواقعية استبعد الرسام " عبد الأمير علوان " ، كل مفهوم ضيق للواقعية ؛ على اعتبار ان الواقع الذي يشمل الموجودات ومنها موضوعة الجسد ، لا يمكن ان يقتصر فقط على ما هو عليه ، بل يتعداه ليشمل ما سوف يكون عليه في المستقبل القريب البعيد ؛ بوصف ان آمال وأحلام الإنسان الفنان ، هي رغيف المستقبل .







عبد الأمير علوان

رسام الألوان المائية



صلاح عباس











عندما يكون موضوع دراستنا مكرسا لتقييم أهم الظواهر فى الرسم الواقعي، ضمن مساحة المشهد التشكيلى المعاصر فى العراق، فلا بد أن نجد أنفسنا بمواجهة زخم كبير من الأسماء الفنية، منذ عبدالقادر رسام، وفائق حسن، وحافظ الدروبي. كما سنجدنا أمام تنوع فى الأساليب الفنية المجسدة للواقع، وسيكون إحساسنا بالتقدم الملحوظ، إذا كانت طبيعة الدراسة تشمل فن الرسم (حاليا) وتشمل أيضا الخصائص الفريدة لفنان واحد كرس أكثر من نصف عمره فى مزاولة الرسم مجرباً مواد ملموسة مختلفة لكى يحقق لوحته الجديدة.
إنه عبدالأمير علوان.. مواليد كربلاء 1955، هذا الفنان الذى اشترك فى أغلب المعارض الوطنية داخل وخارج العراق، وأقام منذ مدة معرضه الشخصى الثامن فى قاعة "الإناء" ــ بغداد.

لقد عُرف عن هذا الفنان أنه واحد من أبرز رسامى الألوان المائية فى العراق، وفى لوحاته نفحات من الأجواء العراقية الصميمة، ليس من خلال الأشكال التى يصورها عن المثال المرئى فى الواقع، وإنما من خلال تمازج الألوان فيما بينها وتحللها مع عواطفه فى لحظة تألفه الإبداعي.

رسم الفنان مناظر طبيعية للريف العراقي، وأخرى لأهم المعالم المدنية والأثارية فى ربوع العراق، رسم بيوتا من الطين، ومآذن وقباباً وشناتيل وزهريات واوراداً، كما رسم موضوعات تعبيرية ورمزية تتسم بطابعها الحكائى أو القصصي، متشبع بالمنولوج الداخلي، بيد أن طابع الحزن يروى أحداثا ومفارقات مجترحة من تعاطف الفنان وشعوره الإنسانى إزاء الناس الفقراء، كاشفا عن قوة تمثله بالتجسيد الموضوعى المأخوذ عن الحياة وموضعة التعبير داخل أطر اللوحة، مولياً أهمية قصوى فى رسم التفاصيل الحيوية والحسية، لا ليمجد شحوب الحياة فى واقعيتها، وإنما ليرمى بمقدرته الفريدة فى خلق الإيهام البصري، فى ممارسة اللعبة اللونية بطريقة سحرية، تقبل التصديق، وفى المحصلة ينبلج التعبير ليفصح عما يفاعل ذاته الحزينة، فلحظة القبض على المعانى تعنى حضوراً شاملا للضمير، لأن الفنان لا يعمل محركه الإبداعى كما يجب إلا بالإدراك الكامل للعالم الذى يعيش ضمن حقبته التاريخية، فحزن الفنان لن يتأتى إلا من الشعور بحزن العالم، ففى لوحة له بعنوان "قدر الحياة" رسم فيها امرأة عجوزا تجلس فى ظل جدار مبنى من الأحجار يكاد يسقط وهى ترمق ببصرها الضعيف ما يفعله الكلب السائب بعنزتها الميتة، فالكلب السائب ينهش بضراوة جثة العنزة، واللافت فى المشهد وجود قط على مسافة أدني، يترقب لحظة الفوز بما يبقيه الكلب، كما يمكن ملاحظة الغربان الواقفة على الأسلاك الكهربائية التى تطمع هى الأخرى ببقية الجثة.. إن مثل هذا الموضوع يفضى بنا حتما للبحث عن سبل قرائية جديدة تبحث فى الحقيقة الواقعية التى تستمد وجودها من خلال علامات حيوية مستمرة لا ريب فيها، ففى هذا الموضوع يؤكد الفنان أهمية المكان الخيالى الذى ينظر إليه بمثل حنين طفولي، فليس بالضرورة أن يؤدى التبسيط فى الأفكار إلى تبسيط يشمل الفن وسبل إنجازه، وبالرغم من الأفكار التى تحضر رمزيتها فإنها مشغولة بطريقة واقعية مفرطة، يمكن تصديقها لأنها مؤداة على أسس الخداع البصرى فى عملية التجسيد الفنية كرسم المنظور وتوزيع الإضاءة، والعناية بأدق التفاصيل ورسم أجزاء الأجزاء، ففى التفاصيل الصغيرة تكمن الحقائق الكبيرة.

إن شعور الفنان باللحظة الآنية ليس مسألة التقاط التعبير الصحيح، وإنما هو استجابة أعمق تتخلل أسلوب كل لوحة، لأن هذا الأسلوب سيتضمن كل التفاصيل التكميلية التى تبث الحياة وتمنح الحركة، فالرسم ليس لهواً أو عبثاً أو ترفاً، بل هو نظرة ثابتة لما يفاعل الحياة ويؤثر فيها.

إن بالصدق وحده، يمكن للفنان أن يختبر اختياراته وحريته، فعملية نقل الأحاسيس لا تتم إلا بثقة اللمسة الفنية المسوغة بالفهم العصرى لمعنى الفنون الحديثة، وبالصدق أيضا يمكن للفنان أن يسمح للتخيلات بالمرور عبر قنوات الإبداع لمحاولة فى محاكاة الزمن المندثر، ونفض غبار البؤس الذى علق عليه، والتأمل فى وجه الشقاء والانتظار.
وإلى جانب هذه اللوحات المخزونة المشبعة برؤية فلسفية مأساوية أنجز الفنان عبد الأمير علوان سلسلة طويلة من الأعمال التى تؤكد أنه فنان ينتمى إلى مؤهلات الأسلوب المشرق، حيث موضوعات المنظر الطبيعى التى تتدافع فيها العشرات من الوجوه الآدمية التى وكأنها تريد البوح بشيء يهم المتلقى لها.

إن هذه الوجوه الطالعة من بين الأشجار تخفى أسراراً، فى محاجرها بقية دموع تروى عن الهوي، إنها رموز لموضوعات أخرى تتيح للمتلقى حق وضع التفسير، ولكن المدهش أن تكون هذه الرسومات عبارة عن صور يعيشها الفنان حقاً، حين يطالع حقلاً أو يمر قرب مجموعة من الأشجار الوارفة، ويعتقد الفنان أن ثمة أرواحاً لموتى تسكن بين أغصانها.
إن الصور وبالرغم من حسها الواقعى مستوحاة من تصوره وتخيله ومن ملكة تذكره.. فماذا يمكن لنا أن نطلق على مثل هذه الرسومات؟ وهل هى واقعية بالمعنى الاصطلاحي؟ أم هى تعبيرية ورمزية؟

أعتقد أن عبد الأمير علوان يستعين بذاكرة ثاقبة ويستطيع أن يجمع مشاهداته وانطباعاته فى مراكز تذكره، ولأنه يزاول الرسم يومياً، فإن ذلك سيفضى بشكل أكيد لوضع ما يعتمل فى ذاته على سطح اللوحة، وذلك لا يتم إلا بعد تهذيب المشهد من زوائده وترشيقه على نحو يصلح كمادة حسية للرسم ولعل الفنان يبالغ أو يهول انطباعاته أكثر مما تحتمل الواقعية. وأعتقد أن ذلك سيؤدى لمضاعفة التأثير الحسى بالصورة التعبيرية حتى وإن بدت تشاؤمية أو مدمرة ولكنها فى النتيجة ستكون صورة انتقائية، مشكلة على الحذف والإضافة، وبهذا الأسلوب أمكن للفنان الإعلان عن تحديه البصرى فى المضاهاة والخلق الفني.
إن اللوحة تمثل هماً كبيراً، وهى القوة التى تهبه إرادته ليس على مستوى ممارسة الفن فحسب، وإنما تدخل فى حياته الشخصية بكل ما تنطوى عليه من تفاصيل.





عبد الأمير علوان ... أصابع تسكن في منزل طقوس الألوان
ريشة مستفزة بالحزن القديم

حسن النواب












ربما لوحات هذا الفنان تندرج تحت يافطة الأنسجام اللاشعوري الغريب ، فهي من جهة تمنحك ذلك الاطمئنان اللذيذ ، ومن ضفة أخري تمنحك حزنا شفيفا ليس بوسعك ان تغادره ، كل ذلك يتأتي من انفعالاته التي كنت برفقة لها منذ ثلاثين سنة خلت ، حيث ان المصادفة وحدها جعلت من بيت هذا الفنان مجاورا الي بيتي ، ولذا كنت اصرف جل زمني معه عندما نلتقي بالمصادفة ايضا في اجازاتنا الدورية ، يومها لم يكن هذا الرسام قد طرق بوابة العاصمة ، غير ان الاحساس الخفي الذي كنت احمله عن موهبته النادرة كان يقودني الي حقيقة لا رجعة عنها ، ان عبد الامير سيحتل مساحة ابداعية مهمة لاتغفلها العين الناقدة مع مرور السنوات ، وهذا ماحدث فعلا فقد انبري نقاد ذو كعب عال بالكتابة عنه يتقدمهم الروائي والناقد الراحل جبرا ابراهيم جبرا مرورا بالناقد عادل كامل وغيرهم الكثير . ومع ذلك اجد ان هذا الفنان الذي من الصعب ان نجد شبيها لفرشاته بين قبيلة الفنانين بحاجة الي تنوير مضاعف علي لوحاته التي ابدعها طيلة سنوات حياته التي لاتخلو من العوز والنكد وضراوة الحروب ايضا .

الرسم بزيت الروح
يمكن للمشاهد المتذوق ان يكتشف ودون عناء في جميع لوحاته المجبولة بالزيت ، ان ثمة صوت صادح تنطق به الالوان التي ينتقيها الي لوحته ، تلك الالوان التي تطرح افكارها بفطرة شديدة الذكاء و دون افتعال وزيف علي قماشة اللوحة ،ومع ان هذه الالوان لاتجدها صريحة فهي عادة ماتراها مزيجا من جذور الوان اخري وتلمس بها انفعالا مثيرا ينأي عن الصخب والعشوائية ، فهي الوان في كينونتها الصادقة تفصح عن قلقه النافر ولواعج روحه المضطربة والتي تتصاعد افقيا وعموديا مع فكرة اللوحة المنسكبة علي القماشة التي يحرص هذا الفنان الي تكرار اللون الاساسي لها مرارا وتكرارا وكنت ارقب ذلك بنفسي عندما اكون معه ، قبل الشروع بتنفيذ مشروعه التشكيلي عليها ، حيث يعلل عبد الأمير عمله ذلك بفكرة لاتخلو من الطرافة والعبقرية في آن واحد ، مفادها ان الطلاء الاساسي لاية لوحة بكثافة مقصودة يمنحها متانة ورزانة يمكن من خلالها ان تقاوم مناخات الزمن المتقلبة ، وهذا يبرهن علي ان هذا الفنان حين يتعامل مع الوان الزيت انما يمزج هلام روحه اللائبة معها ويراهن علي ديمومة خطابها المستقبلي و حيويتها الي امد بعيد . وغالبا ماتكون لوحات الزيت لديه صادمة بفكرتها وتحمل بين جوانحها حكاية درامية غارقة بالوجع والأنين وشحوب الامل .

الرسم بالدمع
مايثير الإستغراب والدهشة في اللوحات المائية لهذا الفنان ، ان الفرشاة تجدها هنا كما لو ان اصابع رسام آخر قد امسك بها ، حيث الطراوة والشفافية التي تصل حد التماهي ، كما لو يحاول ان يرسم الروح في نشورها الاخير ، وتغيب عن خاطرنا تلك الخشونة الموجعة والإنفعال الصادم الذي يمارسه في رسم لوحات الزيت ، وينتابك الشعور ان لوحاته المائية تشبه اجنة ملائكة هبطت قبل برهة من رحم السماء ، كل ما يختلج في فضاء اللوحة تراه موغلا بالشفافية وتكاد فرشاته ان تخدعك وتعتقد ان المطر الهاطل من سماء اللوحة سينثال علي الارض ، مع تقتير مثير باللون المائي الذي يستخدمه يصل الي حد البخل ، ولذا ليس عجبا ان تجد ماء الكأس الذي يغسل به فرشاته رائقا هو الآخر ، وهذا ماكنت الحظه وهو يرسم لوحته المائية ، اضف الي ذلك البراعة النادرة بدقة صب اللون علي الورقة . وهو بذلك يدعنا بحيرة قصوي ، بين انفعالاته الجامحة علي قماشة الزيت والهدوء العجيب علي اديم الورقة ، بيد ان هذا الاختلاف لايمنع ان نقول ان الروح التي نراها في لوحة الزيت ، نجد التوأم لها في لوحته المائية ، لكن الاولي واعني هنا لوحة الزيت تشير الي ان الفنان يرسم بجحيم مستعر بينما لوحته المائية تدلنا الي فردوس لذيذ يكتنف الفنان وهو ينفذها علي الورق . وتلك مفارقة تثير اكثر من سؤال علي نقاد الفن التشكيلي التوقف عندها كثيرا لسبر اغوارها وصولا الي سرها المكنون الذي لايخلو من الإعجاب والدهشة .

الرسم بالدخان
قليلة هي اللوحات التي شاهدتها لهذا الفنان بالفحم او بالحبر الصيني ، واذكر ان واحدة منها اصبحت غلافا لمجموعتي الشعرية شريعة النواب ، وهي لوحات تثير بك الجزع !! وتداهمك بسوداوية مقيته لا تقوي الروح علي تحملها ، لوحاته الفحمية خارجة من اتون حروب ويخيل لك ان لونها هو عصارة دخان القنابل المجبولة بالدموع والشهقات ، وجع حقيقي تتلمس علي اديمها ولوعة مستديمة ، لاهناءة ولا استجمام بها ، وتهجس ان روحك تطحن برحي ، فهي المزيج من البارود ولعلعة الرصاص ، تدهم مسامات وجدانك بسواد شاسع لامفر منه ، وان كانت احيانا تعمد علي تخفيف وقع اساها علي ناظريك ، ربما تشعر انها روح الفنان بخلاصتها النهائية وتدعوك الي التعاطف معها ولكن بقلب مكلوم مثخن بالجراح والويلات ، وليس عجبا ان لاتتحمل صراخها وعويلها فترغمك علي مغادرة القاعة وهاجس الحزن والكآبة يعتمران في صدرك ، وتلك هي الحقيقة المتجلية لهذا الفنان الغريب والنادر والذي من الصعب ان نجد نسخة شبيهة له في قافلة الفن التشكيلي العراقي المزدحم بالمواهب والخامات الرائعة لكن الفنان عبد الامير علوان يقف بمقدمتها دون شك .





رحيل التشكيلي عبد الأمير علوان.. وأسرته تناشد الحكومة لنقل جثمانه إلى العراق

عبد الجبار العتابي










أعلن في مدينة تكساس التابعة لولاية تكساس الأميركية عن موت الفنان التشكيلي العراقي عبد الامير علوان سريريا ، فيما نشادت أسرته في نداء عاجل رئاسة جمهورية العراق ورئاسة الوزراء ورئاسة مجلس النواب ونقابة التشيكليين واتحاد الأدباء في العراق لتسهيل مهة نقل جثمانه

يرقد الفنان التشكيلي المعروف عبد الأمير علوان في مشفى أمريكي بمدينة دالاس منذ ثلاثة ايام ، وقد اعلن الأطباء المشرفين على وضعه الصحي عن موته سريرياً نتيجة نزف في الدماغ وتخثر الدم ، سبقها اجراء عملية جراحية له لم تتكلل بالنجاح نتيجة مرور مدة طويلة على النزيف وتخثر الدم ، وهو الآن يتنفس عن طريق جهاز خاص لأنعاش القلب ، ولم يتبق سوى اقل من ثلاثة ايام على المهلة التي منحت من الأطباء لذويه برفع الجهاز عنه، واعلان موته .
وناشدت اسرته واصدقاؤه من ادباء وفنانين ومثقفين الحكومة العراقية والجهات المسؤولة بنقل رفاته الى مدينة كربلاء حيث مكان ولادته واهله واقربائه واصدقائه ، وان تكون الأجراءات حثيثة وجادة مع السفارة العراقية في امريكا ، لنقل جثمان الفنان الذي يعتبر من ابرز التشكليين العراقيين حيث حصل قبل شهر على جائزة اكيودي العالمية للسلام ، كما نطالب الحكومة بوضع اليد على لوحاته التي تعتبر ثروة وطنية قبل ان تضيع او يساء التصرف بها من قبل البعض لأرباح مادية رخيصة ، املنا كبير بالأستجابة السريعة لهذا النداء وان تكون الحكومة بمستوى المسؤولية الوطنية للحرص على مبدعيها العراقيين وانا لله وانا اليه راجعون .
ورجى اصدقاؤه من يهه الامر الأتصال بحسين علوان شقيق الفنان الذي يرابط بجوار سريره في المستشفى الآن على الرقم 0016825577359 begin_of_the_skype_highlighting 0016825577359 مجاني end_of_the_skype_highlighting. لتسهيل مهمة نقل جثمانه الى العراق .
والفنان عبد الأمير علوان، مواليد كربلاء 1955، عضو نقابة الفنانين العراقيين. عضو جمعية التشكيليين العراقيين، أقام العديد من المعارض شخصية ابتداء من عام 1967، وشارك في العديد من المعارض المشتركة في بغداد وبرلين وعمان وباريس وبيروت، ويعد من أكثر الفنانين العراقيين إنتاجا، ينحو الفنان في فنه منحاً واقعياً و تعبيرياً، ويتعامل مع كل الخامات والألوان و المواضيع، فنان متفرغ ، وله مقتنيات في كثير من دول العالم ، وله أيضا اهتمامات موسيقية و أدبية، غادر إلى أميركا طلبا للجوء الإنساني عام 2003 .
في سيرته الفنية نقرأ : انه عضو نقابة التشكيليين العراقيين عام 1974،عضو نقابة الفنانين عام 1978، عمل رساما في جريدة بغداد اوبزيرفر، اقام ثلاثة عشر معرضا شخصياُ هي :
1976 دائرة الإعلام كربلاء.
1977 نقابة الفنانين كربلاء.
1989 قاعة - كولبنكيان - بغداد.
1989 قاعة وزارة الثقافة بغداد.
1991 قاعة الاورفلي بغداد.
1994 قاعة نادي العلوية بغداد.
1998 قاعة الآناء بغداد.
2002 قاعة الآناء بغداد
2005 قاعة الأندى الآردن.
2006 قاعة ميامين الأردن.
2005 قاعة جمعية المسيحيات الاردن.
2008 قاعة - فينا - نيويورك مبنى الامم المتحدة.
- شارك في العديد من المعارض المشتركه :
2014 معرض مشترك للمهاجرين في تكساس.
كما ذلك في .. دبي/ برلين/ بيروت/ عمان/ اميركا /تونس .
- يقول عبد الامير علوان: ( والدي ، كان معلمي الاول حيث كان ينحت بطين الحديقة اشكال غريبة وكنت اتابعه واتبادل الحديث معه حول منحوتاته الطريفة - كان عمري 9 سنوات)، كما كنت ضمن مجموعة من الفنانين واذكر منهم أ.د.هاشم الطويل - صاحب احمد - شكري الطيار، نعمل سوية في دوائر الاعلام والشباب حيث كنا الواجهة الكبيرة والمؤثرة في مجال التشكيل عام 1973 الى 1978، عملت رساما في الصحف والمجلات منها مجلة عمان في الاردن، اصبحت بعض اعمالي اغلفة للكتب الادبية،عملت رساما ومزخرفا للسيرامك في كربلاء وبغداد 1974،حصلت في شهر حزيران / يونيو 2014 على جائزة أكيودي للاداب والفن والسلام في دورته الاولى للعام 2014 (مناصفةَ)، أحلم بانجاز جدارية تتضمن هموم الشعب العراقي من مادة السيراميك.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6111268   Visitors since 7-9-2002