المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع نجم والي

  
حاوره : جلال نعيم
  

نجم والي
مواليد ألبصرة 1956 ..
غادر ألعراق أواخر العام 1980 .
درس ألأدب ألألماني في جامعة ( هامبورغ )
وألأدب ألإسباني في جامعة ( كومبليتنسيه ) / مدريد ..
صدرت له : ( ألحرب في حيّ ألطرب ) ( رواية-1993)
( ليلة ماري ألأخيرة ) ( قصص- شرقيّات/ألقاهرة – 1995 )
( مكان إسمه كميت ) ( رواية- شرقيّات/ألقاهرة- 1997 )
( فالس مع ماتيلدا ) ( قصص – ألمدى/دمشق – 1999 )
( تلّ أللحم ) ( رواية – دار ألساقي/بيروت – 2001 )

يكتب ألعمود وألريبورتاج في أكثر من صحيفة عربيّة ..
تتوزّع إقامته ما بين إسبانيا وألمانيا .



ألكاتب ألعراقي (( نجم والي )) في حوار مُعَتّق :
" أشعر بأنني أنتمي إلى ألجيل ألملعون .. "
" وصلتُ ألكاريبي وإكتشفت إنّ ألبصرة تنتمي إلى هناك . "
" في ساعة وحدتي يزورني ألمُهمّشون ..ألغجر وألقحبات .. “



أربع سنين مرّت على هذا أللقاء .. أطالعه في أرشيفي بنظرة شيخ تستيقظ فيه ذكريات بعيدة .. رغم إنّها ما كانت أكثر من أربع سنين ، تفصلنا عنها عواصف كثيرة ، وغزوٍ أو "تحرير" /في لغة أقوام أخرى !/ وتماثيل مُحطّمة ، حاضر مأزوم ، ومستقبل غائم إلى قاتم إلى غائم إلى غائم جزئي كما تُشير أنواءنا ألسياسيّة وألأدبيّة وألعاطفيّة ..
أما على ألمستوى ألشخصي / ألذي ما حصل أبداً على فرادته وإمتيازه / فنقول إن نجم والي أنجز روايته (تلّ أللّحم) ، ألتي مازالت عصيّة على ألتقييم أو ألتوصيف ، والتي كما يبدو لي ألآن ، قد خيّمت بروحها وأجوائها وألأكثر دقّة بغضبها على لقاءنا هذا وألمؤرّخ في أواخر عام 1999 ، عام إلإنتهاء من كتابتها .
وقد أجري أللقاء مابين ألأردن والمانيا وأميركا ، وإفتتحناه بالسؤال عن واحدة من تلك ألعواصف وتأثيرها ..


1 ـ لقد أزاح الجيل الأدبي الجديد، الذي ظهر في عراق التسعينات، عن كاهله (كل) خرافات الكتابة خارج التجربة، وراح النص الجديد "القصصي والشعري" يزيل ذلك الرّكام الهائل من النصوص التي ترتكز على اللّغة والشكل والإسطورة ...الخ وأخذ بإستيحاء نصوصه من مجريات الواقع اليومي وإفتراضاته...وكان ظنّي بأن ذلك قد تأتى من جسامة ما عاشه العراق في عقدنا المحتضر هذا، ووجد لحظته الفاصلة في "عاصفة الصحراء" التي جرفت ما قبلها ولم تُبقِ فيه شيئاً..ولكني فوجئت، حقيقة، بما قلته بمعرض حديثك عن تجربتك القصصية في مؤسسة عبدالحميد شومان في عمّان، وخاصة عن التماسّ الحاد ما بين الكتابة والتجربة والذي إستخلصته تحت سماء أخرى لم تثقبها قذائف الـ (B52) و التوماهوك؟

ـــ اولاً لا أخفيك بأني أحسد الجيل الذي تتكلم عنه: صحيح انه وُلد ( إبداعياً) في زمن صعب، إلا ان صورة الخراب التي إكتملت على كل المستويات، أعطته على الأقل بعض الحرّية في التحرك دون الإضطرار إلى الجلوس على حافة السكين الحادّة التي عبّد بها حزب البعث الحاكم الطرقات، هذا من جهة، لأننا حتماً سنتطرق لهذا الموضوع مرة أخرى، ومن الجهة الأخرى، أقول لك، بقدر تعلق الأمر بتجربتي، فمن الجميل ان تنتبه إلى الإستنتاجات التي إستخلصتها انت، ولا تندهش إذا قلت لك، بأن التماس الحاد ما بين الكتابة والتجربة إستخلصته قبل الحرب، وتحت سماء، صحيح انها لم تُلوث بقذائف الصواريخ التي ذكرتها، لكنها تلوثت بما هو أخطر، بفيروس السلطة الحاكمة، فيروس البعث ( تزيد خطورته على خطورة فيروس الأيدز) الذي راح آنذاك يسمّم شيئاً فشيئاً الغلاف الجوي المحيط بالبلاد والناس، منذ السبعينات وحتى اوائل الثمانينات وليُطبق على البلاد كلها، ليدخل العراق رسمياً وفي الساعة السادسة مساءاً من يوم الإثنين، 22 أيلول 1980 وبصوت مذيع البعث المفضل (غازي فيصل)، محرقة الحرب المُعلنة الأولى، أقول المُعلنة لأن حروب البعث والدولة العر(ا)قية قبلها كانت دائماً تصول شمالاً وتجول وجنوباً.
العراق الذي دخل الحرب ببهجة "شعريّة" مصحوبة بـ"رجزالمعركة"، كان يعيش "قمره اللّيموني". فالإنفاق الإستهلاكي وصل مداه. سيارة في مرآب كل أديب، ولحم على كل مائدة. وكان الأدباء "بقايا المقاتلين الأشاوس" من الستينيين يسترخون في مبنى إتحاد الإدباء مع أنفسهم على أنغام الموسيقى الكلاسيكية (دأب آنذاك المغفور له نقدياً سليم عبدالقادر السامرائي ـ قبل أن ينتهي إلى بيع الخردة فروش في شوارع عمان على هذا التقليد وليس من حق أحد غيره وضع موسيقى أخرى!)، إصطفت أقداح الويسكي الكريهة أمامهم، فيما جلست إلى جانبهم فلول إنكشارية السبعينيين، أصحاب القمصان "السود" المفتوحة، محتفلين بنجاحهم اليومي السريع، واثقين من إنتفاخهم الإنفجاري. "التنمية الإنفجاريّة": بيت ، سيارة وكتاب من إصدار وزارة الإعلام كل سنة. والحرب؟ "لا شئ" يقولون بصلافة "ستجعل العراق يتبوأ موقعه الدولي بفخر".
لم يسبق للـ"الأدباء" العر(ا)قيين أن عرفوا مثل هذا الرخاء. لكن صورة الإدباء والغليون بين شفاههم لم تنفع في تثبيت الكليشة، أخفقت في تقديم الصورة الكاملة عما كان يدور حقيقة على خشبة المسرح العراقي. كلا لم ينفع "رجز" (واحد عبدالحادي)، ولا الصباحيّات الإذاعية يومياً لفرسان الحداثة مثلما لم تنفع قبلها خيالات مثقفي "الجبهة الوطنية والقومية التقديمة"، وأكاذيب إفتتاحيات جريدة الثورة ولا تخريجات (عزيز السيد جاسم) في (وعي العمّال) ولا الرّطانة المُنحطّة في مدح "إنجازات الثورة" التي كان يُدبّجها إسبوعياً على الصفحة الأخيرة لمجلة "ألف باء" الأسبوعية الصادرة عن مديرية المطبوعات العامة المدعو "نهار جميل"، بل لم تنفع الراجمات "الشعريّة" للنّظام الفلسطيني المغترب مدّاح "القمر ـ الليموني"، (محمود درويش)، ولا أطنان أكياس الهذر التافه التي كان يحملها زملاؤه لسيتبدلونها في (المربد) بدنانير "حراس البوابة الشرقية"..
فألعراق منذ أواخر السبعينات وقد أنهى فيه أيدز "البعث"على نظام مناعته، كان مجرد مكان تتمّ فيه يوميّاً حفلات تأدية إيمان الولاء لفرق مطاردة الشيوعية والشروكية وإبادة الأكراد وإعدام المعارضين الذين لم يقبلوا الجلوس في حضن السلطة مهما بدا مغرياً. كانت "المرحلة، المدية القاتلة"، كما كان يُردّد دائماً... مرحلة مُخترقة بالشكّ وجنون الإضطهاد، مُنقسمة إلى صيادين وطرائد، وطنيّين وأكباش محرقة. بالتوازي مع المجزرة اليومية للحرب العراقية العالميّة الأولى، كانت الصحف العراقية تكتب "حرائق عبادان تُضئ شط العرب". لم تكن النيران بعيدة. ففي أتحاد الإدباء كنا نشعر بحرارة حرائق مصافي الدورة التي ظلت تحترق على مدى زمن طويل. ولكنّ قليلون كانوا الذين يرون تلك النيران، اما الأكثرية فكانت تطلب منّا (الذين كنا نرى تلك النيران) أن نكون، صُمٌ، بُكمٌ، عُميٌ، خُرسٌ، كأن الحرب كانت تدور فوق أراض بعيدة وليس في "مستعمرة الكلاب" ( عنوان قصة مليئة بالفجيعة للبصراوي قصي الخفاجي) التي كان يُنشِؤُها البعثيوّن يوميّاً على مرآى من الجميع.
تلك الأيام كانت إمتحان الكتابة. فمن يريد ربط التجربة بالكتابة، من الصّعب عليه ألا يرى، كيف ان البلاد وبسرعة، راحت بعد 22 ايلول تمتلئ بالجثث وتصبح خندقاً مليئاً بالقمل والدازانتري، ليصبح كل العراقيين مُقمّلين، مُصابين بالإسهال. فـ"القادسيّة"، التي جعلت مقاتلي "الأمة" يفيقوا، وفتحت شهيتهم للَعْق جزمات العسكر، بمُنظّريها وأدبائها "الديمقراطيّين جداً" حتى في قتلنا من (الجابري) و(أدور سعيد)، حتى أكثرهم إدعاءاً للشعريّة، من (سميح القاسم) و(صلاح أبو سيف) إلى (سعاد الصباح) ، أقول هذه "القادسية" أصبحت بالوعة مّرغت جيلاً كاملاً، بل دولاً من المحيط إلى الخليج في الوحل والدماء والخراء؛ هكذا صحت الكويت في صباح 2 آب 1990، لتجد نفسها غارقة في مستنقع ذات البالوعة التي ساهمت في حفرها بسخاء منقطع النظير وزينت قاعها المُبطّن بالخراء، بالخاشقاني وبالذهب وبإعلامها الذي كان يُسبّح بحمد (القائدالضرورة!)
الخازوق الذي أراد الكويتيون إجلاسنا عليه، جلسوا عليه هم في الأخير! بعد كل هذا كان من الصّعب الحديث بعد ما جرى عما أسميته أنت خرافات الكتابة خارج التجربة، والإرتكاز على اللغة والشكل والإسطورة. ربما إكتمل المشهد مع قذائف الـ (B52) والتوماهوك، التي عاشها الجيل الذي ظهر في عراق التسعينات ، لكن سلفاً وفي 22 أيلول أنتهت دعوة الحداثة "الصوريّة" التي كانت تحتضر منذ إستلام البعثيين السلطة في 17 تموز، وأصبحت البلاد كلّها مُثقلة بغبار البارود. أما ياقات القمصان فيمكن رؤية سخام المدافع ملتصقاً بها، فيما أصبح اللون الخاكي هو اللّون الرسمي الوحيد المُعترف به، وإكتظّت الجبهة بالكثير من الذين سيرجعون أو يفرّون ويحاول كل منهم على قدر جهده وإمكانيّاته إعادة ترتيب المشهد. بعضهم نجح في كتابة قصة جيدة والبعض الآخر لم تسعفه حسن نيته. كان البعض يحاول إعطاء صورة عن الخراب العراقي، ليلملم ما تشظّى، عبثاً، فهو مثل جسد من زجاج يُقاتل الصخر، ينظر حواليه، فيرى زملاءه قد فرّوا أو أُسروا أو غادروا إلى منافي الشيطان ، وسيّئي الحظ منهم قد ماتوا تحت التعذيب، وأحوال الحرب ما تزال حادّة في الذاكرة!.

2 ـ لكن على الجانب الآخر، أفرزت الحروب التي خاضها النظام العراقي أدباً سُمّي "ادب الحرب" وكذا "قصاصوا الحرب". اين تضع نفسك بمواجهة ذلك؟

ـــ من حسن حظ الذين بدأوا الكتابة بعد "عاصفة الصحراء" انّهم بدأوا ومشهد الخراب أمامهم قد أكتمل، ولم يعد بإستطاعة أحدهم إقناعهم، بالكتابة بطهرانية او بدعائية (رغم ان السلطة لم تكفّ عن إيقاف ماكنة دعايتها)، فللمرّة الأولى أصبح بالإمكان الإشارة إلى ملابس الإمبراطور العارية. طبعاً المهمة التي تقع على عاتق هؤلاء الشباب كبيرة، وأتمنى ان يعونها ويكتبوا نصوصاً "وحشيّة" تصدمنا ، حتى وإن إحتفظوا بها ، لنقرأها لاحقا ً، إذا ما حصل المستحيل وسقط النظام ذات يوم !
ولكن لكي أعود لسؤالك، أجيبك، بأن ماكنة الحرب انتجت عشرات القصّاصين والنقاد، ولأول مرّة نجد في تاريخ الأدب العراقي ضبّاطاً ميدانيّين، ضباط مخابرات وجلادين في مديريات الأمن والمخابرات يكتبون القصّة والشعر ، يحملون المسدّس أكثر من حملهم للقلم ، حتى أصبح "صوت المدافع وقصف الطائرات الموسيقى التي تعتمد عليها القصة، وهي أجمل من موسيقى أية سيمفونية"، كما كتب أحد "العباقرة" النقّاد "الخردة"، وكانت تُمنح الجوائز الأدبية للكثير من القتلة والأميين على اساس هذا التقييم في مسابقات "عدي وقصي وخُصي" من قبل نقّاد جرارات مخضرمين يتلوّنون مع تلوّن المرحلة ومع إتجاه بوصلة المعدة ورائحة الدنانير ، بعضهم غادر العراق أخيرا ً، ويدّعي بأن لا علاقة له بما كان يجري ، يُكمّلون حروب سيدهم وحزبهم الفاشي علينا وكأنّهم لم يكتفوا بالقتل والتجهيل داخل البلاد !
ولكن دعني من هذا لأنه موضوع يثير الشجون، ولأعود لسؤالك، وأجيب، ان كتابتي عن الحرب تأتي من السؤال البسيط: لماذا يذهب الناس إلى الحرب، ويُطلقون النار على أنفسهم، رغم عدم إيمانهم بها ؟
هذا السؤال ذاته هو الذي جعل إيريش ريمارك يكتب "كل شئ هادئ في الميدان الغربي" و "للحبّ وقت وللموت وقت" ومن هنري باربوس ان يكتب "النار"، ومن غونتر غراس "طبل الصفيح" وغيرها من الأعمال الانسانية التي تحدثت عن الحرب. على هذا الأساس صُنّفت روايتي "الحرب في حي الطرب" من قبل النقاد الألمان الذين كتبوا عن نصّها المُترجم ووضعوها في خانة "الأدب الإنساني" المناهض للحرب ، نفس الشئ فعلته المستشرقة الاسبانية لوث غارسيا كاستينيون في مقالة عنها بالاسبانية. وأعتقد ان تلك هي التسمية الصحيحة لما أكتبه ، فأنا لا أنحاز إلى طرف معين في الحرب.
ليس هناك في كتاباتي حرباً عادلة وأخرى غير عادلة، كلا، انا أنحاز للأنسان المحروق في جحيم تلك الحرب. لأني لا أكتب في الحقيقة، كأيديولوجيا وشعارات، إنما عن الجنود الذين أُلقوا في أتونها ، وهؤلاء الجنود أعرفهم ، لأنني خدمت سنتين في الجيش العراقي "غير الباسل" . وثق ان هؤلاء الجنود لم يفكّروا يوماً بشئ خارق ، ولم يحلموا يوماً بتحرير فلسطين لا عن طريق (عبّادان) ولا عن طريق الكويت او حلبجة ! بل كل ما كانوا يتمنوه هو الحصول على الإجازة لزيارة الأهل ولقاء الحبيبة او الزّوجة او الأطفال او التنزّه معهم. كانوا عادة، يسخرون من خطابات السياسيين الطنّانة التي لم تؤد بنا إلا إلى الكوارث.
أعرف هؤلاء الجنود، وأكاد أشمّ رائحتهم عند كل زاوية من زوايا وأزقّة البلاد . فمنذ تأسيس الدولة العراقيّة وهي تخوض حروبها ضد مواطنيها شمالاً وجنوباً، فالحرب ضدّ الأكراد مثلاً لم تتوقف يوماً واحدا ً. ومنذ صغري وأنا أرى توابيت الأكراد تُحمل مثلها مثل توابيت الجنود في مدينتنا . من النادر ان يخلو بيت في الجنوب من جندي قتيل. العسكريّة طبعت حياة العراقيين وهي قدرهم. وهذه موضوعة غابت للأسف كلياً عن الأدب العراقي، إلا في إستثناءات قليلة، التي صحيح إنها تحدثت عن الجيش، لكنّهاعالجت نتائج الحرب التي كانت تدور فوق أراضٍ أخرى، وبدل ان تطرح معضلة الحرب والموت العبثي والدمار، راحت تتحدث عن موضوعة غير إنسانية ، تتحدّث عن وهم "حرب عادلة" ، لكي تجعلنا نتعاطف مع قضيّة تخصّ القصص ، إسمها "القضيّة الفلسطينية" .
غاب الجنود العراقيين الذين كانوا يقاتلون الوحدة والدمار والقذارة ويموتون يوميّاً في كردستان العراق، غابوا عن الأدب العراقي، بلوعتهم وعذاباتهم التي يشعرون بها، هؤلاء الجنود الذين يشكّلون أغلبية العراقيين، ولم يُذكروا إلا كرموز لـ "نضال سياسي" وشعارت طنّانة، لم يُذكروا كبشر لهم مخاوفهم وقلقهم ورعبهم، أحلامهم، سعادتهم في الحصول على الإجازة (التي هي أثمن شئ بالنسبة لهم، لأثمن من تحرير فلسطين) من اجل الذهاب مع الحبيبة للسينما او المتنزه او لشرب ربع من العرق بحريّة او لزيارة الحسين او العبّاس، او مجرد الجلوس في مقهى وسماع أغنية شعبيّة يحبّونها دون أصوات الضباط الآمرة ودون أصوات المدافع والقصف...
كل هذا ما زال يؤرقني...

3 ـ هل هذا ما جعلك تستخلص وجهة نظر أخرى وطريقة أخرى بالكتابة؟

ـــ منذ إندلاع الحرب، طرحت على نفسي السؤال: ماالذي يستطيع أن يفعله الأدب في بلد إنقظّ عليه فيروس البعث مثل طاعون مصر ، وإقتحمته الحرب بكل الماكنة التكنولوجية الحديثة مثل لعنة جوبتير ، وإنهالت عليه سوائل غاز الخردل وكل نفايات مستودعات الحرس الجمهوري الكيمياويّة مثل أمطار الثأر التي بعثها يهوا ضد المدن المسحوقة في مبتدأ العالم ؟
ماذا يفعل الأدب في بلد طوّقت مدنه أكياس الرمل، وغالبيّة الناس فيه تتنفس برئة واحدة ، تعيش في مساكن مكتظّة موبوءة والوفيات تتصاعد نسبها فيها بمعدلات لا يضاهيها إلا ثمن "الرئيس الغالي "حياً أو ميتاً"؟ فخلال كل سنوات حكم البعث كُتب على الحداثة العراقية أن تتصارع مع تجربة تصرّ على ملء وعينا بالنظافة والصفاء ـ سواء من منظّري السّلطة أو من منظّري حلفائها من مثقفي ما أُطلق عليه آنذاك "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" . فيما كنا نصطدم يوميّاً بالقذارة والإنحطاط والمرض والعنصريّة.
كان فرسان "الحداثة" في العراق والدول الناطقة بالعربية وما يزالون ـ كأنهم يعيشون على كوكب آخر ـ يعتقلون الأدب في سجن البلاغة ويصرّون في الحديث عن "الأدب الصافي" و"اللّغة الشعرية"، و"فقه اللغة" و"الأخطاء النحويّة" و"إكتمال التجربة"، و"أدب الداخل وأدب الخارج"..ألخ ، في الوقت الذي تلتفّ فيه المقابر وتطوّق الوطن الذي يُطلقون عليه "العربي". لا أبالغ في القول إذا قلت أن كل أولئك الذين يُحتفى بحداثويتهم هم من الطهرانييّن والعقلانييّن، يكرهون "اللخبطة".

4 ـ ولكن الطهرانّية كانت تُسيطر سلفاً على الأدب العراقي...

ـــ طبعاً، لأنه جزء من معمل نظافة عربي مصنوع بلغة يُفترض أنها عربية أيضاً، لا يفهمها حتى جبريل الذي يُعتقد أنه هو من أنزل كتاباً بهذه اللغة على محمّد. . هكذا نرى جيشاً من الكتّاب يكتبون بإسلوب "غير متقشّف"، مزدحم بالإنشاء، مثل طيور أبابيل الأسطوريّة، يرجموننا بجملهم التي هي بثقل حجارة من سجّيل . يصفون عالماً خالياً من البكتريا والجراثيم وفيروس البعث . ويبدو أن الحرب وفّرت لهم المناسبة للقيام بعمليّة تنظيف ضخمة ..
بالتأكيد كانت هي حسن نيّتهم التي قادتهم لكتابة نص غير مؤدلج ـ مضاد للقذارة والدمار الذي تنتجه الحرب . لكن هؤلاء الطهرانيّين لم يفعلوا شيئاً غير إدارة ظهرهم للإنسان ، مبتعدين عن الأمكنة التي دفنتها الحرب والبالوعات التي كان يحفرها جنرالات البعث يوميا ً. هؤلاء العقلانيّون لا يرون المقابر والجثث التي طوقتهم ، إنما راحوا يتنزّهون كالسياح عند قبور الأمكنة المندثرة وعالم حضارات وادي الرافدين القديمة والمختلفة عن بنية العراقي المعاصر الذي هو أقرب إلى بنية ثقافات حية كالإسلام والمسيحية، والذي قضى عليه فيروس الإيدز البعثي ، أمر جعل الرموز والدلالات عندهم تظهر محصورة بالنص ومصادر الكتب القديمة .
هكذا يصبح القصّ عند "طهرانيين وعقلانيين" مثل محمود جنداري وجليل القيسي ومحمد خضير مجرد معمار لغوي وأماكن أنيقة. أن هذا لعجيب هم ذاتهم الذين كانوا يكتبون عن الخراب في السبعينات كفّوا عن الدخول في تفاصيله عندما إنهال على سقوف بيوتهم مثل الصاعقة . لا إنهيار، لا إنحطاط. كما لو كانوا يُنظفّون المدن من العظام الميتة والجثث المتعفنة.
وها أنا آتي على جيلكم ، إذ يبدو وكأنه كان على الأدب العراقي ان ينتظر بالفعل "عاصفة الصحراء"، لكي تكنس معها كل خرافات الكتابة تلك، مثلما كان عليه ان ينتظر مجئ المشاغبين بإصرار ، المُطاردين برعب الجنود . قسم منهم عاش المحرقة حتى لحظاتها الأخيرة، والقسم الآخر هاجر إلى بلاد الشيطان الواسعة ، بعد أن عاشوا رعب بالوعات الحرب ، والذين قادهم رفضهم للحرب أن يؤسّسوا "واقعيتهم المتوحشة" ، حداثة تثير الرعب ، "لا تكتب عن الأشياء، بل تكتب الأشياء" . لم يعودوا يطيقون شمّ البركة الآسنة التي كان يمزج خراءها بأقلامهم "شعراء فطاحل"، متحمّسين للحرب وحب "القائد" ، من أمثال يوسف الصائغ وحسب الشيخ جعفر وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم من الأميين !

5 ـ أليس غريباً ان تشغلك الحرب بهذه الصورة الحادّة وتهيمن ثيمة الحرب على أغلب نصوصك وانت لم تخض ولو فصلاً واحداً من فصولها.. ؟!

ـــ منذ 1 آب 1978 بصورة خاصّة ، اليوم الأول لسحبي للجيش وصورة الحرب والموت لم تغادر ذهني . لقد إرتبط الجيش عندنا ، وخاصّة في الجنوب ، بالحرب ، لذلك كانت الأمهات يرفعن الأعلام الخضراء عند واجهات البيوت ، بعد تسريح أبناءهن ، إبتهاجاً بسلامتهم. فعلى مرّ تاريخ تأسيس الجيش العراقي ، والدولة العراقية الحديثة تخوض حروبها ضد مواطنيها شمالاً وجنوباً .
لكن ما حدث في 22 أيلول 1980، يفوق كل التصورات ، فللمرّة الأولى يغزو العراق أحد جيرانه . منذ ذلك اليوم عرف العراقيون ان كل الحروب الصغيرة التي عاشوها كانت مدخلاً لحرب طويلة الأمد بين العراق وجيرانه . صحيح ان في ذلك التاريخ مرّ على تسريحي أربعة أسابيع ، إلا ان الحرب خلخلت عندي تلك الفترة الزمنيّة القصيرة ، التي يصعب عليّ وصفها ، فهي في الحقيقة لم تكن أياماً سعيدة في حياتي ، بسبب عدم معرفتي لما ينتظرني بعد التسريح ، لأنني كنت أعرف ان مطاردة السلطات لي سيستمر ، ولكن بعيداً عن معاناتي الشخصيّة وخوفي من بطش السلطة ، متجسّدة هذه المرة بحزب البعث، فإن الحرب خلخلت المشهد العام في البلاد ، لا أقصد المشهد الأدبي او الفني فقط ، إنما المشهد الإجتماعي العام بكل أصنافه . وللمرّة الأولى شعر الناس في البلاد بأنهم مقذوفين في محرقة واحدة . فالحرب حطّمت العالم الذي كنا نعيش فيه ، وأوّل كابوس تحمله الحرب هو الظلال التي ستتركها، والتي لن نتعرف على العالم فيها إلا على شكل أجزاء متناثرة . كما لو أنه ليس هناك من وسيلة للتعرّف على العالم الذي كان حتى فترة قريبة مرتبط بنا بصورة عميقة .
وهنا يُمكن البحث عن معرفة عامّة للحرب . ففي ليلة وضحاها يُثبت لنا بأن الأعمال الأدبية التي قرأناها والناس الذين رأينا العالم وأحسسنا به من خلالهم ما عادوا يعنون لنا شيئاً مطلقا ً، بأن الزّمن تجاوزهم ، لكي لا نقول سحقهم، كما لو أنهم أنسلّوا في ليل الأبدية . أن سبب ذلك هو راديكاليّة الحرب ، فذلك الذي يتطور ويحدث عادة في عشرات السنين ، في قرون عديدة ، تجهز عليه الحرب كاملاً دفعة واحدة ـ أقصد كل التغيّرات المتعلقة بأشكال الحياة في المجتمع والثقافة ـ. وكأن الحرب تعوّض عن عمق الإستمرار الزمني . تأخذ هذه الأضرار أشكالها في علاقات المجتمع ، في الأفكار ، في المشاعر.. وفي الأعمال الأدبية أيضاً ولا علاقة لذلك بنوعيّة العمل الأدبي أو إرتباطنا بالشخص الذي أنجزه ، أو لا. فكل شئ كنا نعرفه وكان بارزاً حتى يوم حدوث الحرب، إتجه فجأة إلى مسافة عميقة: يحمل دمغة "ما قبل الحرب " ، وكأن كل ما عرفناه يخصّ عصر بعيد وغريب جدا ً.
كلّ القصص التي سمعناها عن الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية ، أو الأدب الذي قرأناه عنها ، يُثبت أن التجربة التي نحن بصددها هي حاضرة في كل حرب: أن زمن الحرب يغطس في ماضٍ بعيد ، بعيد جدا ، أكثر مما نستطيع أن نضع له تاريخا ً. الحرب تُبعد الأيام عن بعضها . الحرب تُمزق كل شئ في النهاية ، تعريه أمامنا ... وضمن هذا السياق لا أريد القول من ذلك أن أُناساً شرّيرون ينمحون أو أن أعمالاً سيئة تنمحي . ما أريد أن أقوله ، هو أن كل شئ مؤقتاً ومباشرة بعد الحرب يصبح بالنسبة لنا غريباً ( حتى أهلنا الذي تربينا في أحضانهم) ، ولا يهمّ أن كان ذلك الشئ ثميناً أو عديم القيمة ، كلّ ما يعود لزمن ما قبل الحرب أنه ببساطة لا يعنينا ، لأنه لا يقول لنا شيئاً عن تجربة الحرب التي سيطرت على حياتنا. لذلك يبدو أننا نجد أنفسنا ، ما أن تنتهي الحرب ، في فراغ مطلق ، بأن المجتمع يأخذ شكلاً جديداً، بأن لا يوجد شئ يستند عليه المرء ويقول على هذا أعتمد.
أن صدمة ما بعد الحرب مؤقتاً تشبه صدمة يوم حدوث الحرب ، إذا ما تعلّق الأمر بالقيم وأشكال الحياة ـ طبعاً تفرح الناس لإنتهاء الحرب ـ. لا يبقى هذا الفراغ مدة طويلة ، ففوق الجراح ينمو جلد جديد وتبدأ بالتدرّج تجارب الحياة اليومية لتغلب تجربة الحرب . بهذا الشكل نبدأ في التعرّف من جديد ، في مقدمات ما قبل الحرب ، على عالم هو شبيه بعالمنا الآن. حينها سيُبنى جسر فوق الهوة، والآن فقط يموت كل ما كان ليس بذي قيمة، والذي عاش قروناً طويلة، ويبقى فقط ما ينتمي للجذور المشتركة التي لا تتحطّم من قبل الحرب ولا من قبل خيباتنا . لهذا السّبب سيطرت ثيمة الحرب على نصوصي، رغم عدم خوضي ولو فصلاً من فصولها..
فأنا أشعر بأنني جزء من وعي أولئك الناس الذين أُلقي بهم في المحرقة..

6 ـ هل هذا هو السبب الذي جعلك تكتب في مجلة الوسط مقالتين منفصلتين عن المشهد الشعري والمشهد القصصي في التسعينات، و مثلهما جاءت مداخلتك في ندوة القصة العراقية القصيرة في لندن في عام 1997؟

ـــ بالتأكيد ، فبدون أخذ ما قلته قبل لحظات بنظر الإعتبار ، لا يصعب فهم القصائد والقصص التي كتبها هؤلاء الشباب الذين لا أعرف أحداً منهم ، وحسب ، إنما يستحيل تكوين صورة شاملة للمشهد الشعري والمشهد القصصي في "داخل" أو "خارج" العراق . الآن بعد توقف الحرب وبدراسة متفحّصة للنصوص التي كتبها هؤلاء الناس الذين كانوا جزءاً من تجربة الحرب ، والذين أُلقوا إلى المحرقة ، نرى الظلال التي تركتها الحرب ، وحتى أنا شخصياً ، عندما أقرأ قصص البعض منهم أشعر أنني أعرفهم وأنهم جزء من وعييّ ومن وعيّ أولئك الناس الذين كانوا يصرّون على البقاء على قيد الحياة ، ومن وعيّ كل أولئك الذين فروا من الخدمة العسكرية، أو من وعيّ أولئك المنفيين الذين يإنّون تحت جحيم "جنّة "المنفى ـ حذار ليس المقصود هنا "المهجر" ـ كما يكتب البعض وبوعيّ ـ إنما "المنفى" ، في الوقت الذي عندما أقرأ كتابات أولئك الذين كنّا نعرفهم وكنّا ربما جلسنا معهم في المقهى حتى قبل أن ينضمّوا إلى صفوف الحزب الحاكم ! أشعر كم غريبة عليّ وأن ما كتبوه أو ما يكتبونه ـ لا أريد أن أقول بلا قيمة ، فهو ربما يعجب آخرين ـ فهو لا يعنيني مطلقا ً.
والقضيّة بالتالي ليست هذا الجيل او ذاك ، هذا الإسم أو ذاك أو إكتمال تجربة هذا أو ذاك كما يتحذلق بعضهم بالقول ! إنما هي قضية الأدب الذي يسير مع الحياة يداً بيد .
أن الأصرار على البقاء على قيد الحياة ، وعناق الحياة هذا ، هو ما يجعل هؤلاء الشباب في هذه الحالة ،لا يرى سطح الظاهرة فقط ، إنما يغوص في داخلها . لذلك شهدت قصص هؤلاء تطوّراً نوعيّاً على بنية النص ، وإنفتح القالب الفنّي للقصة على أساليب جديدة ما كان له أن يتعامل معها لولا الغرائبية التي جلبتها الحرب معها ، مثلما شهدت النصوص عودة للموروث الشعبي وسبر أغوار الأشكال التي يملكها ويسمح بالتالي في ردم الهوّة بين الثقافة الشفهية والمكتوبة . حتى أن اللّغة كفّت ضمن تطور هذا الأسلوب أن تكون نغمة ذاتيّة أو مؤدلجة ـ كما كانت في النص الستيني أو كما كانت في النص السياسي المكتوب في السبعينات أو في الثمانينات ! و إن مجسّات القاص توقفت عن الطوفان في سماوات عالية ، إنما أصبحنا نشمّ فيها روائح الأشياء التي تتحدث عنها ونلمس العوالم التي تصفها ، حتى أصبحت أدوات فضح وصدم وسؤال . لهذا لم يعد القالب الفني السابق قادراً على إستيعاب صدمة تجربة الحرب وصدمة الفراغ الحياتي والدمار الذي جلبته الحرب بعد توقفها . هكذا نشهد ميلاً واضحاً إلى الأسلوب الواقعي ، لكن حذار! لأن المقصود هنا بـ "الواقعية" ، هو تلك "الواقعية المتوحشة" ، "الواقعيّة الفاضحة"، "الواقعية القاسية" .
ففي بلد ملئ بالفانتازي والغرائبي والنادر، وفي واقع ينتج شروره يوميّا ً، وفي بلد لا تُقمع الحريات فيه فقط ، إنما أصبح الوجود الفيزياوي للإنسان مهدّداً ، يصبح القص خلاص المبدع للإحتيال على ما يهدده . ربما يُذكّرنا ما يكتبه بعض هؤلاء الشباب الملعونين والمتمرّدين ، على النمط الثقافي والسلطوي ، بالكثير مما يُكتب في أدب أميركا اللاتينية ، وإطّلاعي على النصوص الإبداعية في لغتها الأصلية لكتاب هذه القارّة المنفيّة من التاريخ مثلنا ، يسمح لي بقول ذلك .

7 ـ جرت العادة في العراق تصنيف الأدباء حسب هذا الجيل او ذاك، إلى أي جيل ينتمي نجم والي؟

ـــ ان نظرة الأجيال هي جزء من خرافات الكتابة عندنا ، ففي الحقيقة ، تُصنّف الأجيال الأدبية على أساس الهزّات الإجتماعية الكبيرة ، او على أساس وجود رابطة مشتركة في الأسلوب او في الإتجاه . وانا اشعر بقرارة نفسي ، بالإنتماء إلى الجيل الملعون ، لا يهم إن كان في الأربعينات او في الخمسينات او في التسعينات، المهمّ انني اشعر بالقرابة مع أولئك الذين يرفضون كل البيوت "الحداثوية" المخادعة ، لأنها ليست غير ثكنة ضبّاط أو ـ في أحسن تقدير ـ غرفة عمليات ، بدل الأطباء تكتظّ بالقصّابين ، بالذات مع أولئك الذين خرجوا من المحرقة ، ليلجأوا إلى الواقع بما فيه من غرائبية . الجيل الذي يصنع أشكال المقاومة، مثله مثل شباب بيتر فايس بروايته "أستيتيك المقاومة" التي يتحدث فيها عن مجموعة من الشبان إبان حكم الحزب القومي الإشتراكي الألماني ، وكيف أن سلوكهم يصبح جزءاً من الإبداع . هذه هي الصورة المفترضة لكتاب جيلي: يكتبون بـ" واقعية وحشيّة"، وإن إستدعى الأمر ، ليُغيضَوا السلطة ، وإن إستدعى الأمر الكفّ عن الكتابة (مؤقتاً) . ليجعلوا السلوك يصبح هو الأستيتيك ، وليس بالضرورة ان يشتغلوا محرّريين على الصفحات الثقافية ، كلا من الممكن ان يزاولوا أية مهنة أخرى تجعلهم يعيشون دون إذلال ، حرّاساً ليلييّن ، أو باعة في الشورجة ، او عمال في مطعم ، هاربين من الخدمة العسكرية ، أو هاربين من المعتقل ، ورغم ذلك يضحكون ويكتبون ويحبّون ، حتى وإن ناموا في غرف صغيرة لا تزيد مساحتها على ثمانية أمتار مربعة . هذه هي صورة جيلي ، يخلق "جمهورياته " وسط الخراب . فالإصرار على العيش هو جزء من "أستيتيك المقاومة" ، مثله مثل الصداقة . الصداقة هي رواية النكتة رغم المصائب وهي أكسير الحياة.

8 ـ رغم ذلك، من خلال قراءة لأعمالك يجد المرء انك بما يخص طريقة الكتابة ذهبت بإتجاهات أخرى؟

ـــ طبعاً لأن ما يحصل للكتابة يبقى أمراً خاصّاً بكلّ كاتب ، فلا يهم الجيل الذي تنتمي إليه، ولا يهم انكم تسيرون على الطريق ذاته ، فمن الضروري لكي يتفرد كل واحد منهم ، فإن خطواته تأخذ شكلاً خاصاً بها . وهذا ما حصل لي ، إذ راحت خطواتي تذهب بإتجاهات أخرى ، ساعدني في ذلك رحلاتي الكثيرة وتعلّمي أربع لغات أقرأ آدابها في نصوصها الأصلية ، حتى وصلت الكاريبي في محاولاتي الأخيرة التي تَضمها مجموعتى الجديدة التي صدرت عن دار المدى "فالس مع ماتيلدا" ، فمن خلال تعرّفي على الكاريبي إكتشفت أن البصرة في الحقيقة تنتمي إلى هناك ، ربما لهذا السبب كان عليها أن تئنّ أكثر من أية مدينة في العالم (ظلّت غريبة عما يحيط بها) .
وأنا أجرّب وأختبر طرقاً مختلفة في الكتابة . أمام عيني مشهد الخراب . وفي ساعة وحدتي يزورني المُهمشون: الغجر، القحبات، الشروكية، الجنسيون المثليون، "الذبان والمجوس واليهود" وكل المطرودين من الدولة العر(ا) قية . ولكن بتمعّن بسيط يكتشف المرء ، ان عالمي يتكوّن من هؤلاء البشر ويدور بالذات حولهم . فسلفاً وقبل أن يُطبق جوبتير بطاعون البعث تماماً علينا ، أنتبهت إلى المهمّشين ، ورحت أبحث عن نفسي بينهم.

9 ـ يُصرِّح ماركيز بأن ماكوندو ليست مدينة...انها " حالة ذهنية"..إلى أي مدى ينطبق ذلك على "حيّ الطرب" و"كميت" نجم والي؟

ـــ انا انسان يشغلني المكان جدا ً، وقبل تشكل وعيّ للكتابة . مرّات عديدة ، عانيت من ضغط المكان وشعوري بالإنسحاق تحته ، وكنت أحاول الإنعتاق منه دائماً ، سواء عند العائلة ، في البيت ، او في المدرسة ، أو في المدينة ، وليس من الغريب ، انني هربت مرتين وأنا صغير من البيت ، او انني كنت أعاني من مرض الذي يسير في نومه ، ربما لذلك علاقة بطفولتي ، او بالقابلة المأذونة او غير المأذونة التي اولدّتني والتي كان اسمها "مواني" (عرفت ذلك من أمي في آخر زياراتي للأردن) او لأني وُلدت عند ضفّة نهر ، او بسبب عشقي لملابس البحّارة التي لبستها وأنا صغير (جلبت أمي الملابس لي في آخر زيارة إلى عمان) . لا يهمّ ، كنت أعمل المستحيل لكي أنتقل بعد كل فترة زمنية من مدرسة إلى أخرى ، او ان أنتقل للعيش في مدينة وأخرى ، مرّة عند أجدادي في البصرة ، مرّة أخرى عند أهلي في العمارة ، مرّة أخرى عند عمّتي في الكوت ، مرّة أخرى عند خالي في الديوانيّة..الخ.. هكذا درست في عشرين مدرسة تقريبا ً، وعشت في ما لا يقل عن ست مدن عراقية ، وما ان اصبح لي ثمانية عشر عاماً حتى عانيت في الحصول على جواز سفر ، لأقوم بأول رحلة إلى باريس ، وعمري 19 عاما ً.
كان المكان (ومايزال) يُثقل علي ّ، ولكي أروي لك حادثة طريفة ، ذلك انني حتى في جامعة بغداد ـ كلية الآداب ـ قسم اللغات الأوروبية ـ فرع اللغة الألمانيّة ، كنت أهرب من الكلية إلى أكاديمية الفنون الجميلة ، وعندما منعوا دخولي الأكاديمية ّ، رحت أهرب من فرع اللّغة الألمانية ، لتجدني يوميّاً في فرع اللغة الاسبانية الذي تأسس آنذاك حديثا ً، مما إضطرهم لتطبيق سابقة أولى في كلية الآداب آنذاك: منع الزيارات من فرع إلى آخر ..!
الآن، عندما أتأمل كل هذا ، لا أجد تفسيراً لذلك ، غير ضغط المكان . المهمّ لكي نعود إلى سؤالك ، عندما بدأت في الكتابة ، كان أمامي أمرين: أما أن أكتب تحت إغراء إختراع مكان ما ، او إسم مدينة ما ، كما كان شائعاً ، وكما كانت هي الموضة عندنا ، بسبب تأثير فوكنر وماركيز ، او اكتب عن مكان او مدينة أعرفها . وعندما فكرت بالكتابة عن مدينة محددة ، تأكّد لي: صحيح انني عشت في مدن عديدة ، إلا ان رأسي لا يحمل إلا نتفاً مشتّتة من هذه المدن ، تجارب ، وقائع ، أحداث ، آلام ، سعادات ، وان الصورة التي ابدأ بتشكيلها عند تذكّري لتلك المدن ، هي صورة مدينة واحدة ، مدينة هي كل المدن...

10 ـ انها بالفعل لمفارقة، فمن مراجعة لأعمالك، يمكننا الخروج بملاحظة مفادها: ان المكان يتّسع في قصص "نجم والي" القصيرة (وكثيراً ما يكون مدينة او مدناً اوروبية او أميركية لاتينية)، بينما نجده يضيق في روايتيك "الحرب في حي الطرب"، و"مكان اسمه كميت"..فكيف تنظر للمكان في القصة القصيرة عنه في الرواية ، وخاصّة بعد حديثك عن تأثير المكان ومديات الإحاطة به ؟

ـــ انها ملاحظة ذكيّة جدا ً، وأنت ثاني شخص ينتبه إليها (إنتبه لها ناقد ألماني سابقاً) . انها بالفعل لمفارقة ، لها علاقة بالإستفزاز الذي يطرحه المكان عليّ ، وأنا أقبل هذا التحدي الذي هو في الحقيقة ، تحدياً أستاتيكيا ً. فأنا أقول لنفسي ، حسنا ً، إذا كانت القصّة لا تسع لمكان "متسع" والرواية نعم ، فلماذا لا أقلب المعادلة . انني أجد متعة في ذلك التحدّي ، من الصعب ان يتخيّلها أحد ، لتتسع القصة إلى أماكن عديدة ، حتى تضيق في مكان واحد ، وليضيق المكان في الرواية حتى يتسع إلى حيوات وخرائط عديدة .
وكما ترى، ولأنني كاتب لا يميل للعناوين التجريدية الطنّانة ، تجد ان مجاميعي القصصية تحمل عنواناً بإسم إمرأة ، لكنها إمرأة قوية ، ولأنها قوية مُهمّشة ، بينما تجد ان رواياتي تحمل عنواناً لإسم مكان صغير ، مهمل ، مهمش ، مندثر ، لكنّه قوي ، مثل تلك المرأة ؛ حتى الرواية التي أكتبها الآن ، تتحدث عن مكان ، لا يمكن ان يخطر على بال أحد . لكي أصنع منها في الرواية أماكن تضجّ بكل ما يصدم ويُفاجئ ، لكي أكشف عنها ، لكي أقول للآخرين ، انظروا هذا مكان صغير تحتقروه ، لكنه أكبر مما كنتم تعتقدون ، والمشكلة في النهاية هي ليست مشكلة المكان ، إنما هي مشكلتكم ، هكذا ، أخلق في النهاية بلاداً من الأماكن الصغيرة "المحتقرة" ، التي هي عبارة عن جزر صغيرة يحاصرها مستنقع كبير ، إسمه "الوطن"، لذلك يصعب التفريق بعدها ، ويصبح من الصعب الجزم ، فيما إذا كان المكان الذي أصفه واقعياً ، موجوداً بالفعل ، ام انه متخيّل ، مختلق منّي ، وانا عندما أكتب ، املك في ذهني الصورتين ، حتى انهما تختلطان عليّ أنا أيضا ً، وعندما أشعر بأن الصورتين بدأتا بالإختلاط وتبادل المواقع فعل اً، أعرف انني على الطريق الصحيح ، وانني أؤدي دَيني للمهمّشين .
ذلك هو ديدني في الكتابة ، ان علاقتي بالمُهمّشين ، هي التي تقودني للأماكن المُهمّشة. مثل اً، في عام 1975 وعندما بدأ سحر المخيلة العربية المزدحمة بالتابوات بتدمير لبنان ، راحت المخيّلة ذاتها تبحث عن "ترف" وعن "لاس فيغاس" جديدين . هكذا وتطابقاً مع "ميثاق العمل القومي" حينها صدر مرسوم جمهوري بفتح بورديلاً على أطراف الزبير للإحتفاء بالحيامن الكويتيّة المُغلفة بالبترو دولار . هكذا جمعت الدولة العر(ا)قية كل الغجر وأرسلتهم إلى المثلث الذي بنته حكومة البعث "القوميّة جداً" عند حدود البصرة ـ إيران ـ الكويت. في عام 1976 لم تعد الغجريات كافية للأعيرة النارية التي بدأت تحفر في مؤخرة البلاد الجنوبية ، أمر إستدعى القيادة القومية لقطر العراق أن تستنفر هذه المرّة كل بغايا العراق وتجبرهن على الدعارة هناك ، بل إستوردت الكثير من القحبات المصريّات لتُرسل إلى نفس المكان ، تأكيداً على وحدة عمل الدعارة العربي ؛ الدولة "أم القوّادات".
في آواخر السبعينات، قبل "هولوكست الأنـ(ذ)فال" بستة سنوات ، أختطف وأرسل حكام بغداد الكثير من الكرديّات الجميلات ليهدوهن إلى أبناء أعمامهم "الكويتيين" . هكذا أطلقوا على ذلك المكان "حي الطرب". بهذا الوعي كتبت روايتي الأولى "الحرب في حي الطرب" . لم أغادر مكاني بعدها مطلقا ً.
ومنذ "الحرب في حي الطرب" وأعمالي هي تنويع على الثيمة ذاتها ...
الأفكار الأستيتيكية، الأفكار السياسيّة هي نفسها التي تعتمد عليها كتاباتي الآن. وإذا كان هناك تحول ـ نوعاً ـ ما في روايتي الأخيرة التي صدرت عن دار شرقيّات في القاهرة " مكان إسمه كُميت" ، فهو إصراري على إدخال اقل قدر من "الأدب" ، أقصد من المعلومات الأدبية في العمل . من جانب آخر أحرص أن تبقى اللغة التي بدأت معها ذاتها هي " نثر الحياة "، وكأني اقود السيارة القديمة نفسها، أجول حيث الحُفر والطسّات. ولكن أفكار القصّ تبقى ذاتها . فما أريد إنجازه دائماً هو كتابة رواية أو قصة لها تملك تأثيراً أدبياً وفي الوقت نفسه تكون مادّة قراءة مشوّقة ، فبالتالي يجب إختراع القصة أثناء كتابتها ، حتى وإن لم تخل من راديكاليّة "الواقعية المتوحشّة" .

11 ـ انت معروف بكتابة الريبورتاج والعمود أيضاً، هل ذلك تعويضاً عن الكتابة القصصية؟

ـــ من الأفضل النظر لمقالاتي بصورة منفصلة عن كتاباتي القصصيّة والروائية ، وهي في الحقيقة ، تعليقات أكثر منها أعمدة صحفية . أنها نزهة بعين لا تلبس النظارات ؛ نيتشة: يقول الأفكار الجيّدة هي الأفكار الجوّالة . عليه فأن المقالات الجيدة هي المقالات الجوّالة . تعجبني رواية الغير لحظوي والإقامة الدائمة بين المهمّشين .

12 ـ تؤكد دائماً على موضوعة المهمّشين ، ومجموعتك الأخيرة لا تكاد تخلو قصة فيها من ألتطرّق إلى عالمهم ؟

ـــ أعتقد أن جمال العمل الأدبي يغتني بإحتضانه للمهمّشين ، مثله تُقاس ديمقراطيّة أي مشروع ثقافي من خلال مكانة المهمّشين فيه . على هذا الأساس اعتقد أن أي مشروع مستقبلي للعراق سيكون غير ديمقراطي إن لم يضع في مركزه : الغجر ، الجنسيين المثليين ، القحبات ، العِبيد (حيث يقيم غالبيتهم في المِشراج ، البصرة)، العلماء ، المعوّقين ، الشروكيّة ، الفيليّة ، الأكراد ، التقدمييّن ، الآشوريّين ، الكلدان ، الارمن ، التركيفيين ، التركمان ، الصابئة ، اليزيدييّن ، "المجوس واليهود والذبان" . على هؤلاء تتوقف حداثة العراق . أن عظمة جمهورية فايمار الألمانية والجمهورية الإسبانية ، اللتين وأدهما الفاشيون والنازيون ، في الثلاثينات ، ـ وبصمت "الديمقراطيات الغربية" ـ كانت تكمن في تبنيها مشروع المهمّشين .
قد تبدو أفكاراً مجنونة، ولكن في العراق يموت حتى الذي يفرغ رأسه من كل حلم. أيضاً أعرف أن بعض الأفكار تحتاج إلى قرون لكي تُثبت نفسها . إلى هذا المشروع أنتمي وهو الذي يزود شراييني بدم الكتابة.

13 ـ نجم والي معروف بغزارة نشاطه ، بدءاً من كتابة الرواية والقصة القصيرة ، حتى كتابة الريبورتاج والمقالة الصحفية . كم ساعة تعمل يوميّاً لتنجز كل هذا ؟

ـــ اشتغل 8 ساعات في اليوم على الأقل ، وشكراً للكومبيوتر ، ولزوجتي ، التي تُنقّح وتُصَلِح النصوص وتحذف وتعيد الكثير من الجمل التي اكتبها !




 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6559814   Visitors since 7-9-2002