المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

مقابلة مع القاصّ والناقد أنور عبد العزيز

  
هيثم بهنام بردى
  




هيثم : بين قصة (شروق) المنشورة في جريدة (فتى العراق) عام 1958 وقصّة
(الغابة) المنشورة في جريدة (الزمان) عام 2008، خمسة عقود من سنيّ الاكتواء بسعير الكتابة اللذيذ، هل يمكن اختصار الرحلة الطويلة ما بين أنور عبد العزيز والقصة القصيرة في
فسحة من الورق ؟ وماذا أعطت الرحلة لأنور الإنسان والمبدع؟

أنور : لا ادري إن كان من السهولة اختصار نصف قرن من شهوة الكتابة عموماً وبخصوصية القصة القصيرة، ولكن يمكن القول عن تلك الرحلة المضيئة رغم كل عذاباتها وأحزانها إنها كانت لي فرحاً بتشكيل وجودي الحياتي والقصصي من خلال وجود الآخرين وتفاعلي معهم شخوصاً اكتوت بأنين الحياة التي وكما أتحسس قد توهجت في قلمي سعيراً ووجعاً وأنا أعانق بؤس معاناتهم وضياعهم وحيرتهم مع دنياهم وخيباتهم وهم يواجهون أقدارهم المؤسية بمزيد من الأحزان وقليل قليل من لحظات الفرح، ولم تعطني تلك الرحلة كإنسان أكثر مما أعطته لشخوص قصصي مع قسوة صراع الأحداث التراجيدي، أما عن حكاية المبدع والإبداع فذلك شأن يقرره الآخرون!

هيثم : نستشف اهتماماً ملحوظاً من قبل القصاصين في توظيف التراث الشعبي في نتاجاتهم، هل تعتقد أن البناء المحدود للقصة نسبياً – قياساً إلى الرواية – يحتمل هكذا مزاوجة ومداخلة، وهل كتب أنور عبد العزيز قصصاً تستلهم الإرث الشعبي وفق رؤيا سردية معاصرة؟

أنور : توظيف بعض لمحات ورموز ومشاهد من التراث الشعبي في كتابة قصة قصيرة شيء جميل ويبدو ضرورياً في بعض الحالات، ولكن الذي حدث أن كثيراً من القصاصين ممن تعاملوا مع بعض المأثورات الشعبية نسوا أنهم يكتبون قصة قصيرة فنية فجرفتهم إغراءات التراث الشعبي فكان ما كتبوه ليس أكثر من ( مقالات ) في الإرث الشعبي، وكما هو معروف فان القصة فّن له شروطه وهم – وكما ذكرت – قد استهوتهم حكايات التراث الشعبي ومشاهده فكتبوها أشبه ما تكون بمقالات، وكان على القصاصين الذين تعاملوا مع التراث إن ينتبهوا لعملهم وان يتميزوا الخطوط الفاصلة بين الفن القصصي والمقالة، أما بالنسبة لي فلا أتذكر أبداً أنني استلهمت التراث الشعبي غاية وقصداً وهدفاً ومضموناً لأوظفه في قصة ولكني استأنست بأجواء التراث الشعبي صوراً وملامح منثورة في بعض قصصي متذكراً أبداً وبحذر أنني اكتب قصة ومع فنون القصة وليست مقالة..

هيثم : القاريء لقصصك ومجموعاتك القصصية يكتشف, وبدون عناء، انحياز سردك القصصي نحو السرد الروائي، لماذا لم تكتب الرواية؟

أنور : صحيح ما تقوله وقد ذكر ذلك غالبية من النقّاد.. القصة القصيرة غالباً ما تدور حول ( محور) أو (ثيمة) أو ( موضوعة) محدّدة، أما ( الرواية) فذات أفق واسع وشخصيات متعددة وعدم ثبات للأزمنة والأمكنة فيها وحتى هذا ليس التزاماً مشروطاً, فقد قرانا أكثر من رواية وبأكثر من إلف صفحة كان فيها الزمان ثابتا ومحدودا في فترة قصيرة ومعه المكان ولم نجد فيها غير شخصيات قليلة محدودة العدد... في عالم الفن والقصة والرواية لا توجد (مقيدات) أو قوانين حادّة تلزم الكاتب بإتباعها.. في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته صدر في العراق العديد من (الروايات) ولو تفحصنا غالبية منها لما وجدنا فيها غير ( قصص قصيرة) حاول قصاصوها أن يمططوا فيها ويطيلونها بعبارات وجمل زائدة مترهلة وكان كل همهم أن يزيدوا –كما توهموا- في عدد صفحاتها لتصبح (رواية) .. أنا كاتب قصة قصيرة وبدأت بها وأمضيت نصف قرن مع عشقها وتجاربها وتلاوينها، ولم اشعر يوماً (بعقدة الروائي) التي أصابت كثيراً من القصاصين رغم ثقتي المطلقة بقدرتي على كتابة رواية وأكثر من واحدة ، ومع معرفتي بأن السرد عندي ينحو باتجاه الرواية وهذا ما أكده –كما ذكرت- أكثر من كاتب وناقد ممن كتبوا عن قصصي ومجموعاتي القصصية، فانا ورغم خمسين عاماً من التعامل مع فنون القصة فما زلت مدهوشاً بعوالم القصة القصيرة وسحرها البهي، وما زلت مقتنعاً أن صفة ( كاتب القصة القصيرة) هي صفة مؤثرة وفاعلة ومثيرة رغم كل المزايا المذهلة للرواية الحقيقية عراقيا وعربياً وعالمياً.. ومع منتهى التواضع في طرح منجزي القصصي أمام عيون الأحبة من القراء والنقاد أود التذكير بان قامة قصصية مهيبة هي للقاص المصري يوسف الشاروني، ذلك المبدع والموهوب من خمسينيات وستينيات القرن الماضي و المجايل لنجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس، فيوسف الشاروني عندما سُئل في (حوار) : لماذا لا تكتب رواية؟! لم يجب على السؤال بشكل مباشر، ولكنه ومن خلال إجابته التي أشعرتنا بعقم السؤال كان يبدو ضجراً من السؤال فقال: أنا كاتب (قصة قصيرة)، نشأت على حبها وعشقها واستطيع أن أوصل فيها ما أريده للقراء.. القصة القصيرة أخي هيثم – وأنت تعرف ذلك بكل تفاصيلها- فن جميل وان بدا صعباً فالقاص يجب أن يتمتع وحتى يتميز بعدة صفات للإبداع منها: أهمية اختيار العنوان وما يسميه النقاد ( ثريا النص)، والتركيز وعدم إضاعة كلمة أو عبارة في غير موضعها، ثم هذا (الحّيز) الضيّق : صفحتان وثلاثة وأربعة وخمسة وربما أكثر أو ليس أكثر، اختيار (الموضوعة) الهامّة والهادفة والمؤثرة إنسانياً ومع هذه الصفات المحدودة.. ظلّ يوسف الشاروني يردد مع (محاوره ): ( أنا كاتب قصة قصيرة فقط) وهكذا ولدت وولعي بها لا حدود له، ولم تخطر ببالي أبداً (مسالة الرواية)، ولماذا؟ وما هي ضرورة كتابة رواية وأنا كاتب قصة قصيرة؟! وظلّ ذلك المبدع وحتى نهاية (الحوار) مستغرباً من سؤال (محاوره)!

هيثم : لماذا مارست الكتابة النقدية لأدب الأطفال ولم تكتب أدب الطفل؟

أنور : في سبعينيات القرن الماضي نشرت نقودا عديدة وتحديداً في جريدة (الجمهورية) البغدادية، وكان الدافع لذلك إحساسي بخيبة كثير من كتاب أدب الأطفال في التوجه الصحيح بكتابة أدب الأطفال فغالبيتهم كانت بعيدة عن مفاهيم هذا اللون من القصص الطفولي وبعيدة عن تفهم عوالم الطفولة ولغتها وهواجسها، لذا فقد رأيت من خلاصة نقودي لأدب وقصص الصغار: إن ما كتبته الغالبية لم يكن (أدب أطفال) بل كان: (أدباً كتبه الكبار للكبار عن الصغار) فهو إذاً أدب غير مباشر هذا بالإضافة إلى أن ممارسة الكتابة للصغار كانت عند كثير من القصاصين هي ( هواية) وقتية وليست احترافاً مسؤولاً تجاه الأطفال، والدليل أن الكثير من هؤلاء الكتاب قد هجروا الكتابة للصغار وعادوا كما بدأوا كتاباً للقصّة القصيرة!
أنا لم اكتب قصة أو قصصاً للصغار لاهتمامي ومشغوليتي بالقصة القصيرة، أما ما كتبته من (نقود) لأدب الأطفال فقد كان لإحساسي بالتخبط الذي سقط فيه كثير من الكتاب الذين تساهلوا أو جربوا حظوظهم أو أرادوا أن يلعبوا وينافسوا كتّاب قصص الأطفال المبدعين والموهوبين، وقد بدا لي أن هؤلاء أرادوا أن يلعبوا في (الوقت الضائع) مع مسالة مهمة لم تحتمل الطارئين أو اللاهين بوقت صرفوه في الكتابة للصغار وكان وقتاً ضائعاً فعلاً لهم وللصغار..

هيثم : الأجيال... وما احتدم حول كنه التسمية من جدل لم يتوقف من سجالات عبر عقود عدّة، كيف تنظر إليها؟ هل هي حقاً عقد من السنين؟ أم تأسيس ظاهرة أدبية مؤثرة؟ وأياً كان.. أين يضع أنور نفسه؟

أنور : تسمية الأجيال وعقد السنين لا يترتب عليها أي حكم نقدي دقيق ونهائي، ولكن لاضرر منها للتقييم أو التقويم زمنياً، وإذا قلنا: خمسينيين وستينيين وسبعينيين وثمانييين وتسعينييين، فكيف سنعالج الأمر مع القرن الحادي والعشرين بعد أن انتهت هذه (النينيين) وربما بدا صعباً أو غير مستساغ أن نقول: جيل 2010 أو 2020 رغم أننا نستطيع القول موسيقياً: جيل الألفين بالنسبة لي وبضرورة التحديد الذي يطالب به بعض النقّاد وبصراحة، استطيع أن انسب نفسي لمرحلة الستينيات مضافاً لي الخيرات المتجددة والمتراكمة لكل ما أعقبها من عقود وصولاً لسنة 2008 واكرر ما الذي سيفعله النقاد بعد زوال وانطفاء نغمة (النينيين) التي التهمها عمر السنين وباتت ليس أكثر من ذكرى في عمر العصور والأزمان.. يعرف الصديق هيثم بهنام جيّداً – وهو أيضاً من المكتوين بجمرة الإبداع في حلاوتها وبهجتها وكل معانيها – إن حكاية العقد والسنوات العشرة ليست تسمية أو مؤشراً نقدياً دقيقاً فالإبداع هو ذلك المخزون الثري وهو تلك الذاكرة النشيطة الحيّة مع تجارب العمر والتجدد حياةً وفنّاً وتواصلاً...

هيثم : نلاحظ من خلال متابعتنا للحوادث مع قصاصين وروائيين أن بعضهم يتهيّب من ممارسة الكتابة النقدية، وآخرون يعتقدون أن من يفشل في كتابة الإبداع يتجه إلى نقد الإبداع، وأنور كتب الاثنين، فكيف توائم بينهما؟ وما هو ردُك على الآخرين؟

أنور : ليس من الإنصاف أن نقول: إن النقّاد هم أولئك الذين فشلوا في كتابة الإبداع، صحيح أن بعضهم تنطبق عليه المقولة ولكن مسالة التعميم فيها إجحاف، فالناقد ناقد وله عالمه النقدي بأفقه الكبير وأدواته ومدارسه وأحكامه إيجاباً أو سلباً.. أنا أمارس كتابة القصة منذ 1958 ورافق ذلك كتابتي لنقود حول إصدارات قصصية وروائية وشعرية بحكم تخصصي في اللغة العربية ومضافاً لها تجارب كتابية متنوعة لنصف قرن من الزمان، لم أجد أي تعارض أو تناقض بين الرغبتين: كتابة القصة ومعها النقود إذ أن قراءة قصص الآخرين وشعر الآخرين وكل ألوان الإبداع هي إضافات تثري تجارب القاص وتأتي الكتابة عن نتاجات الآخرين دافعاً معرفياً مفيداً فان نحصر القاص في مجال قراءة القصص والروايات فقط وفي كتابتها ربما يخنق الكاتب في مجال واحد ولون واحد من المعرفة الإنسانية وهذا ما يشكل خللا في البناء الثقافي للقاص ويأسره في نظرة أحادية ..

هيثم : كتب عن قصصك العديد من النقاد، موزعين بين حاملي الدكتوراه والماجستير (أكاديميين)، ونقاد محترفين، هل تعتقد أن الشهادة الأكاديمية تضفي للناقد البصيرة أكثر من الرؤيا النقدية لناقد محترف النقد دون الشهادة الأكاديمية؟

أنور : الشهادة الأكاديمية هي ثمرة (موضوع) محدد ومقنن ومأسور بالشرط الأكاديمي لذا فالناقد الأكاديمي لن يكون بقدرات الناقد الذي حرفته الكتابية هي النقد ولا شيء غيره إلاّ إذا كان الناقد الأكاديمي أديباً توّج خبراته الأدبية والنقدية بخبرة مضافة من خلال انجازه الأكاديمي..

هيثم : كتبت أكثر من مائة مقالة نقدية لدواوين شعرية وروايات ومجموعات قصصية عراقية وعربية، الم تفكر يوماً بإصدار كتاب نقدي؟ ولماذا لم تفعل؟ أهي صعوبة الطبع؟ أم ليقينك أن ما كتبته كان مجرّد إشباع للرغبة في الكتابة فقط؟وانك غير مقتنع بها؟ أم ثمة سبب آخر؟

أنور : إن كل ماكتبته من نقود كان بقناعة مطلقة باستحقاق القصاصين والشعراء في الكتابة عنهم، كتبت نقودي بجدية وإخلاص وإنصاف للمهمشين منهم خاصّة وهي لم تكن أبداً إشباعاً لرغبة الكتابة، ثم أن النقود المائة التي نشرتها توزعت عبر خمسين عاماً وأكثر.. كيف لم أفكر أو لا أفكر بإصدارها في كتاب نقدي، ولكنها تنحصر في إشكالات الطبع وتكاليفه، ثم انك تعرف جيداً – أخي الكريم- أن معاناتي مع طنين الأذن الحادّ ومشاكل السمع قد عطلت أو أخرّت كثيراً من انجازاتي الأدبية ومنها أيضاً الحلم بطبع نقودي حول أدب الأطفال بإصدار مستقل عن نقد أدب الكبار، وبعد هذا فلم يبق أي سبب آخر..

هيثم : كتبت عدداً لابأس به من المداخلات النقدية عن (جنس القصة القصيرة جدّاً)، وكنت اشد المتحمسين والمدافعين عنها، أين تضع المنجز العراقي على مستوى القصة العربية القصيرة جداً ؟

أنور : كلما مرت السنون يزداد حماسي وقناعتي (بالقصة القصيرة جداً) وأهميتها وحيويتها وتطور منجزها وانتشارها في البلاد العربية كلون قصصي جميل ومؤثر وله قراؤه وكان انتشار هذا اللون القصصي أكثر وضوحاً في العراق وسوريا والأردن من بقية الأقطار العربية، وان خير من مَثّل هذا اللون في العراق هم: الرائد القديم نوئيل رسّام والرائد المعاصر هيثم بهنام بُردى.... وفرج ياسين وحمدي مخلف الحديثي وجمال نوري ونواف السنجاري ومحمد سمارة والدكتور احمد جار الله ياسين والدكتور عبدالوهاب الدبّاغ والدكتور منتصر الغضنفري ورعد مطشر وعائشة النعيمي وصباح الكاتب وزين الدين حيدر وعمر حمّاد هلال
والقائمة حاشدة بأسماء كثيرين، ولكنني تحاشيت ذكر من كتب قليلا في فنون (ق.ق.ج) أو ممن تعامل معها كتجريب وقتي ليس غير ثم هجرها عائداً لسيرته الأولى كاتباً للقصة القصيرة أو شاعراً، فهو قد كتب فيها متبطراً وليس جاداً وهو ويبدو لي أيضاً كلاعب في الوقت الضائع حاله كحال من جاءوا كغرباء لأدب الأطفال.

هيثم : من خلال تأمل عميق في مسيرة القصة العراقية نجد أن ( ذو النون أيوب) كان رائداً للمدرسة الواقعية النقدية، يشاطره القاص (عبد الحق فاضل )، وان ( غانم الدباغ) من زملائه الخمسينيين نقل القصة العراقية القصيرة إلى آماد التألق والتطور المعتمد على التيار التحليلي ضمن مصطلح الواقعية الانتقادية، وان (محمود جنداري) أرسى ركائز من سردٍ قصصي حديث يعتمد على تشظيات وتشفيرات اللغة، وان (امجد توفيق) و(سعد البزاز) تبنوا مدرسة الواقعية الاشتراكية التي اتخذها السبعينيون منهجاً، وكل هؤلاء أنجبتهم الموصل، أيرى أنور عبد العزيز اسماً موصلياً معاصراً اثر بشكل فاعل في مجال القصة العراقية؟

أنور : نعم وهذا الاسم هو للمبدع ثامر معيوف.

هيثم : يقول غونتر غراس:(الكمال هو قبلة الموت)، هل تشاطره الرأي؟ أم ترى ان بلوغ هذا الشأو.. الكمال في الأدب !! يجعل من الأديب حاوياً يرقص النص أنى ما شاء وكيفما شاء؟

أنور : الكمال هو الحلم المستحيل، ومع ذلك فان مقولة غونتر كراس تبدو لي ناضجة وثمرة من ثمار تجارب مبدع كبير يعرف كيف يوجه كلماته القليلة ذات المضامين الكبيرة الواعية حدّ الدهشة...

هيثم : مائة وخمسون قصة هي حصيلة إبداعك عبر عقود خمسة من النشر ، ولكننا اكتشفنا انك لم تدرجها كلها في مجموعاتك القصصية، ألأنها لم تكن في مستوى قناعتك، وهل ثّمة قصة نشرتها ومن ثم ندمت على ذلك؟

أنور : كل قصصي أنا اعتز بها، حتى بعض تلك القصص القديمة والتي ولدت مع البدايات والتي لم تحظ بالشروط الفنية المتكاملة لأنها كانت من بدايات التجارب، حتى تلك القصص سواء نشرت أو لم تنشر فأنا احتفي بذكراها، أما أن مجموعاتي القصصية لم تحو بعض القصص المنشورة في الصحف فذلك يعود لضعف تنظيم ارشيفي القصصي، وفي بعض الحالات يكون المرض أو النسيان أو ضياع قصة ما هو السبب في عدم ضمها لإحدى مجموعاتي القصصية، وبعد ذلك لا أرى أن نشر جميع قصص الكاتب في مجموعات هو شرط في الحكم النقدي مادامت غالبيتها قد نُشرت في صحف ومجلات واسعة الانتشار، وان على الناقد الجاد البحث في كل ما يتصل بالقاص حياةً ونتاجاً مجموعاً أو موزعاً لا –كما يفعل بعض النقاد- الطلب إلى القاص تجهيزه بكل حاجيات النقد دون تكليف نفسه بأي جهد، يضاف إلى ذلك أن مثل هذا الأمر محذور وضار بالناقد فقد يقدم إليه القاص ويزوده فقط بما يتفق والجانب الايجابي من منجزه القصصي ، عند ذلك يكون عمل الناقد ناقصاً وقد تشكل رأيه في القصص من خلال أحكام القاص وما وفره للناقد من وجهة نظره الضارة بالقاص التي ستلحق بمصداقية الناقد أفدح الضرر..

هيثم : شاركت في الكثير من الملتقيات والمهرجانات والندوات منذ مطلع سبعينيات القرن الفائت... هل تعتقد أن كذا ممارسات لها تأثيرها الايجابي في العملية الإبداعية على المستوى الشخصي؟

أنور : شيء أكيد أن يكون لبعضها ايجابيات – وان كانت محدودة - على العملية الإبداعية ، ولكن الأكثر ايجابية فيها هو لقاء الأدباء ببعضهم وتعارفهم وحواراتهم ونقاشاتهم الحقيقية خارج الإطار الرسمي لتلك المهرجانات والندوات والمنتديات.. أنت أيضاً أخي هيثم قد شاركت معي في بعض هذه الندوات.. ألست معي في رأيي؟! آملُ ذلك!

هيثم : يقول شاكر الأنباري: ( الرواية العراقية لا تزال تدور في فلك اللغة المُحنّطة، المتداولة المعروفة) .. ماذا تقول؟

أنور : لو قال في (بعض الروايات)لأصاب، ولكن ألا ترى قسوة في هذا التعميم طال بحكمه الجميع؟ ألا ترى انه قد الحق إجحافاً بعدد من الروائيين العراقيين المبدعين؟ لا أقول انه حكم جائر بالمرّة وربما اعتقد طالباً الكمال واللحاق – ولو قليلاً- بمبدعي سحرة أمريكا اللاتينية من الروائيين، ولكنه يظل حكماً انفعالياً متشدداً غير منصف!

هيثم : مسيرة نصف قرن من الإبداع تمخضت عن (رسالة ماجستير) واحدة للباحثة: السيدة نفلة حسن احمد العزّي بعنوان : ( السرد في قصص أنور عبد العزيز القصيرة ) ألا ترى أن المعادلة بين رحلة الإبداع والرسائل والأطاريح الجامعية ما بين أنور عبد العزيز والباحثين عكسية؟ ولماذا ينأى الباحثون عن تناول مبدعي مدينتهم الموصل في رسائلهم واطاريحهم الجامعية؟

أنور : أقول شكراً لكلية التربية في جامعة الموصل ولقسم اللغة العربية فيها وللأستاذ الذي اختار منجزي القصصي موضوعاً لأطروحة ماجستير وللسيدة الباحثة: (نفلة حسن احمد العزّي) وللجنة المناقشة التي منحت شهادة الماجستير عن الأطروحة التي نوقشت على (قاعة الازدي) بكلية التربية في 19/5/2005 متمنياً ألاّ ينأى الباحثون الأكاديميون في كلية التربية والآداب خصوصاً عن تناول منجزات مبدعينا في الموصل وعبر كل مجالات المعرفة الإنسانية ليتابعوا ويضيفوا لمكتنزات الموصل الثقافية، هذه المدينة التي عرفت بتاريخها وتراثها الحضاري العريق منذ أقدم العصور، أما عن النتائج العكسية بين أنور عبد العزيز الإبداعية وبين الرسائل والأطاريح الجامعية فأمرُها هيّن!

هيثم : ما هو موقفك من الأدب الجديد الذي يحاكي الطرائق الجديدة في الكتابة وضمن المسميات الجديدة: (مقاصّة)، (مرواة)، (النص المفتوح)...الخ

أنور : (المقاصّة) ليست بشيء جديد وعرفناها منذ ستينيات القرن الماضي وهي المزج بين القصة والمقالة وبتعبير أوضح وأدق هي مقالة استعانت بالأسلوب القصصي لتأثيره في النفوس، أما (المرواة) فأمرها ملتبس، فالمرواة من روى يروي ومن الرائي، ويمكن أن نشتق منها (الروائي) أيضاً، أيّة مرواة؟! فقد تكون المرواة من راوٍ للتاريخ ومن راوية للحكايات ومن راوية وناقل للأخبار المجردة البعيدة عن الفن ، ليس شرطاً حصر (المرواة) بما يعبر عن: الرواية أو القصة أو الحكاية أو بما يحصرها في توليفة الآداب فقط بعيداً عن التاريخ والأخبار وأية منقولات تقع ضمن هيمنة الراوي أو الراوية.. وقد تكون (المرواة )حكاية أو قصة قصيرة أو قصيرة جداً أو فصلاً من رواية .. مع هذا فشيء مفرح وايجابي هذا التجديد ومحاولة خلق لون جديد لم يكن معروفاً من قبل أو كان مختفياً في صفحات الكتب القديمة مع محاولة تجاوز المألوف في الفنون الكتابية .. وأنا أقول: مرحى لأخي الدكتور عمار احمد وبأندفاعته لغرس شيء جديد ولون من ألوان التعبير الأدبي ولمحاولته ترسيخ قناعته بمنتجه الجديد في نفوس شباب الأدب، ليس مستغرباً أن يحدث ذلك، فكل دعوات التطور والتجديد بدأت هكذا، فلماذا نستكثر على مبدع منا جهود الاكتشاف والأهم الأهم أن نتواصل مع مثل هذه التجارب، والعبرة فيما ستحققه من نجاحات أو إخفاق في المستقبل!

هيثم : يقول ألبرتو مورافيا: ( إن كنا لا نرغب في الانتقاء، عندها لا تكفي عشرة آلاف صفحة لوصف حتى غرفة)... ما تعليقك؟

أنور : إنها مقولة مبدع خبير، لقد شخّص المبدع الايطالي أهم إشكال يعاني منه القاص والروائي، فلولا (الانتقاء) لتحولت النصوص القصصية إلى ثرثرة مقرفة لكاتبها ولجموع القراء، لقد رصد ألبرتو مورافيا بؤرة خيبات كثير من الروائيين والقصاصين وهم يتركون القلم حراً لمسيل من الترهات الكتابية موهبة وذكاء (الإنتقاء) عند القاص هي التي تحدد مسيرته القصصية نحو النجاح، كثير من القصاصين لا يكبحون جموح أقلامهم ومخيلتهم فهم يريدون أن ينثروا على الورق كل ما يمر بخاطرهم دون التمييز بين كلمة أو جملة أو عبارة تكفي بوهجها ودلالتها للتعبير عما يريد أن يوصله للقاص، وبين عشرات الأسطر التي لا تفعل أو تضيف شيئاً إلاّ بذلك السواد الذي يغطي وجه الصفحة كالسخام ولا يقول شيئاً.. التكثيف والتركيز والاقتصاد والاختيار الدقيق للكلمات الحيّة الموحية الواقعية بوضوحها أو رمزيتها هي التي تؤشر قدرات القص وهي التي تنتج قصة تصلح للقراءة ويبقى من شخوصها وأحداثها وحوادثها وحواراتها الشيء الكثير في ذهن وذاكرة قارئها..
هيثم: تقول فرجينيا وولف:( ما جدوى أن تتم عبارة تركت ناقصة منذ شهر)، هل استعصت عليك قصة فتركتها ثم عدت إليها مكملاً آخر سطر تركته، وهل أحسست بعدم جدوى التكملة كما أحست وولف؟

أنور : مقولة فرجينيا وولف واقعية، فما جدوى تكملة عبارة تركت منقوصة منذ شهر وربما ستكون (التكملة) باردة بعد أن انطفأت ومنذ شهر الكلمة المتوهجة المطلوبة، وبعد أن فقدت العبارة فاعليتها، ولكن قد يحصل أن هذا الانتظار والحرص الدقيق قد يجد الكلمة الإبداعية التي لا بديل عنها، فمسألة معاناة التعبير نسبية حتى ومع مقولة المبدعة فرجينيا وولف.. لا أتذكر أن قصة قد استعصّت علّي، وأنا لا اترك مطلقاً قصة ناقصة، ولست أيضاً ممن يعيدون كتابة القصة ويراجعونها أكثر من مرّة.. اكتب القصة بعد أن تتشكل في ذهني وخاطري وذاكرتي بمعمارها وشخوصها وحدثها الرئيس وبزمنها ومكانها، اكتبها في جلسة واحدة قد تستغرق ساعتين وثلاثاً وأحياناً أكثر، ولا أعود إليها إلاّ خشية من أن تكون بعض الأغلاط اللغوية أو الإملائية قد تسللت إليها إذ أنني لا احتمل مطلقاً وأقرف من أي غلط لغوي أو نحوي أو إملائي وحتى الغلط المطبعي فانا احزن إن وقع حتى ولو كان غلطة واحدة أو غلطتين... كل شيء ينتهي بطمأنينة الخلاص مع بعض التوتر النفسي الذي يسبق الكتابة , وتظل حكاية العناوين التي يولد بعضها قبل كتابة النص أو معه أو عند الانتهاء منه إلاّ من بعض العناوين التي تبدو مشاكسة نافرة مستعصية لزمن قد يتجاوز أسابيع قبل أن تلمع كثرّيا للنص .

هيثم : يقول عبد الخالق الركابي: ( إنّ الوصول إلى انجاز رواية عراقية طليعية لا يتم باستيعاب احدث تقنيات الرواية العالمية حسب، فهي بضاعة شائعة للجميع، بل يتحقق طابعنا الخاص نحن العرب، وذلك بالانتباه إلى ما نملك من ارث نثري عريق ينطوي على صفحات مشرقة تشكل مناجم بكراً لم تكتشف لإبداعات قادمة، هل تؤيد أم لديك رأي آخر؟

أنور : كل ما قاله عبد الخالق الركابي صحيح وجميل، ولكن إلى متى سنظل ننتظر تلك (الرواية العراقية الطليعيّة)؟!

هيثم : كيف يقرأ أنور عبدالعزيز المشهد القصصي العراقي؟

أنور : المشهد القصصي العراقي رائع ومثير كماً ونوعاً، وحتى مسالة الكّم هذه تحمل دلالتها الحيوية الفاعلة إبداعياً... قصاصون مبدعون وروائيون مبدعون وتراجم لمجموعات قصصية وروايات إلى لغات عالمية سواء ما صدر من هذه المجموعات والروايات من داخل القطر أو من المنافي والمهاجر المتفرقة وفي أكثر من بلد، ورغم ما أنتجه أدباء الخارج من قصص وروايات سواء باللغة العربية أو اللغات الأجنبية، فان أجواء تلك القصص والروايات ظلت وفية في تعبيرها عن مشاعر عراقية حميمة وأصيلة وقد حفل العديد منها بصدى طيب من القراء والنقاد وما أنتج في الداخل ربما كان أكثر واقعية وحميمية .. الإبداع يعني الأصالة والصدق الحياتي والفني في التفاعل مع النصوص الإبداعية ، أما المبالغة في مسألة الداخل والخارج فهي محض تهويل وهراء رغم وجود بعض الشعرات الدقيقة الفارقة بين المنجزين .. المشهد القصصي العراقي مع الاعتزاز بكل مبدعي الوطن العربي – يؤشر نجاحات متصلة متواصلة وهو يبدو جادّاً أو حريصاً في مجال التطوير والإبداع بمخيلة ناشطة وأساليب متجددة قصة بعد قصة ورواية بعد رواية....


* * *




أنور عبدالعزيز

- من مواليد الموصل في 6/5/1935.
- خريج دار المعلمين العالية، كلية التربية، قسم اللغة العربية، جامعة بغداد 1961.
- تتلمذ على يد الأساتذة: علي جواد الطاهر، مصطفى جواد، محمد علي البصير، عاتكة الخزرجي، نازك الملائكة، صفاء خلوصي،.... وغيرهم .
- زامل في مرحلة دراسته الجامعية كل من: جليل كمال الدين، عبداللطيف أطيمش، زهير رسام، ياسين طه حافظ، فاضل العزاوي، صلاح نيازي، غازي العبادي، رشدي العامل، حسب الشيخ جعفر،.... وغيرهم.
- عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق.
- عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب.
- عضو الجمعية التربوية والنفسية/ فرع نينوى.
- نشر قصصه في معظم المجلات العراقية منها: الأقلام، الطليعة الأدبية، فنون، الموقف الثقافي، 14 تموز، العاملون في النفط، الجامعة، سردم، الثقافة الجديدة، مناهل جامعية،..... الخ.
- نشر قصصه في العديد من المجلات العربية منها: الموقف الأدبي (سوريا)، البيان (الكويت)، الجسرة (قطر)، الأديب (لبنان)، الرافد (الإمارات)، المسار (تونس)، المعرفة (سوريا)، قصص (تونس)،.... الخ.
- نشر قصصه في معظم الصحف العراقية وفي بعض الصحف العربية.
- كتب عن قصصه العشرات من النقاد منهم: د. علي جواد الطاهر، د. فائق مصطفى، د. عمر الطالب، د. أحمد جارالله، د. أحمد النعيمي، د. غانم سعيد، د. مؤيد اليوزبكي، د. إبراهيم خليل العلاف، د. ذنون ألأطرقجي، د. بهنام عطالله، د. نجمان ياسين، د. قيس عمر، حسب الله يحيى، ياسين النصير، امجد توفيق، كمال النعيمي، زهير الجبوري، شاكر أرزيج فرج، نواف خلف السنجاري، جاسم خلف الياس، عمر عناز، كرم الأعرجي، كمال لطيف سالم، عبدالموجود البدراني، يعرب السالم، سامر الياس سعيد، عبدالغني علي يحيى، طلال حسن، علاء الديب، غانم محمد شكري، موفق العساف، موسى كريدي، عباس عبد جاسم، عبدالهادي بن صالح، جبو بهنام، سعدالدين خضر، مثري العاني، محمد قرانيا، زهير رسام، علي حسين عبيد، كليزار أنور، محمد الأحمد، جاسم عاصي، ناجح المعموري، معن عبدالقادر آل زكريا، حنون مجيد، نجلاء محمود محرم، صلاح سليم، سهيل نجم، مؤيد الياس بكر،... وغيرهم.
- ترجمت قصته "سهرة" إلى اللغة الإنكليزية ونشرت في مجلة ( كلكامش) الصادرة عن دار المأمون ببغداد سنة 2005.
- أصدر المجموعات القصصية التالية:
- الوجه الضائع/ الموصل/ مطبعة الجمهور، بتعضيد من وزارة الإعلام / 1976.
- طائر الجنون/ دمشق/ اتحاد الكتاب العرب/ 1993 .
- النهر والذاكرة/ بغداد/ دار الشؤون الثقافية/ 1997.
- طائر الماء/ بغداد/ دار الشؤون الثقافية/ 2001.
- جدار الغزلان/ بغداد/ دار الشؤون الثقافية/ 2003.
- ضوء العشب/ بغداد/ دار الشؤون الثقافية/ 2005 .
- ساهم في سبع مجموعات قصصية مشتركة منذ صدور (قصص 69) في الموصل، التي أشرف على إصدارها القاص والناقد المسرحي حسب الله يحيى.
- نشر أكثر من ثمانمائة مقالة منذ عام 1955 في مختلف المجالات الثقافية والأدبية وما يواصل القراءة والكتابة والنشر عراقياً وعربياً.
- في المجال النقدي نشر أكثر من مائة مقالة لدواواين شعرية وروايات ومجموعات قصصية عراقية وعربية.
- أعدت الباحثة السيدة (نفلة حسن أحمد العزي) رسالة ماجستير عن قصصه بعنوان (( السرد في قصص أنور عبدالعزيز القصصية)) وقد نوقشت في قاعة الأزدي في كلية التربية بجامعة الموصل بتأريخ 19/5/2005، وحصلت الباحثة على شهادة الماجستير بتقدير جيد جداً.
- لديه مخطوطة معدة للنشر، مؤلفة من عشرين قصة بعنوان ( حلم البلبل).
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6333551   Visitors since 7-9-2002