المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

خزفيات سعد شاكر . التنقيب في سرائر الرمز. أطياف و أطيان وبشر

  
  
د . شوقي الموسوي
  
















ثمة حداثات متباينة في إنتاج الجمال ، بحدود ثقافة التجنيس في التشكيل العراقي المُعاصر؛ وجدناها مُتمظهرة بشموليتها الزمكانية في الفن والأدب والفكر الإنساني والفلسفي والجمالي ؛ بمعنى إن حداثات التجنيس والتحديث والترميز والتشفير، في جميع دلالاتها قد امتدت معرفياً إلى معظم ميادين الفن والحياة الثقافية المتنامية والمُحتفلة بآليات الجدل والجدلية .. بيد إن فضاءات الحداثة قد تنوعت تلقائياً بفعل حركتها الديناميكية عبر التاريخ . ولهذا تبدو مقولة إن لكل عصر حداثة وفلسفة جمالية من قبيل الفرضيات المقبولة...؛ على اعتبار إن الوجود يشهد متغيرات عديدة متنامية .
فالحداثة والتحديث والتجديد والابتداع والتنقيب في سرائر الرمز ، صيغٌ مميزة للحضارة المُعاصرة ، تُناهض أشكال المحاكاة المباشرة .. ؛ وبالتالي فهي غير محددة بزمان ومكان معينين ، مما يجعلها حاضرة في التاريخ الإنساني تهتم بإبداع أشكال جديدة تدرك عصر جديد .. لذلك نلاحظ ان جماليات التحديث في التشكيل العراقي المعاصر بشكلٍ عام وفي الخزف العراقي بشكلٍ خاص ، قد أنتجت بداخلها عدة أسئلة وجودية وآراء جمالية وتناقضات، كونها تمثل فعل شمولي متباين ومتصارع جدليا عبر مراحل التاريخ وصولاً إلى اللحظة الحاضرة.
أبجديات المعرفة والحرفة :

بدأت ملامح التأسيس تبدو واضحةً في فن الخزف العراقي المُعاصر بظهور تجارب الخزافين العراقيين على الساحة الفنية منذ عام 1954 على يد الخزاف البريطاني (ايان أولد) حينما شرع في تدريس الخزف عندما قام بتأسيس الفرن الناري البسيط في إحدى قاعات معهد الفنون الجميلة ببغداد ومن ثم خلفه بالتدريس الخزاف القبرصي (فالنتينوس كرالمبوس) . حيث مرّ الخزف العراقي في محنة صراع طويل بين التمسك بالتقاليد القديمة أو النزوع إلى الحداثة لأجل إكساب الخزف العراقي سمة جمالية تبتعد إلى حدٍ ما من قوانين الايقون ، تحدد هويته (بصمته)، الممتلئة بسمات التحديث التي تتجاوز الأطر التقليدية من خلال التنوع في طريقة الأداء والتقنية .. وعلى هذا الأساس نلاحظ ان الخزافين العراقيين أمثال (سعد شاكر – عبلة العزاوي – جواد الزبيدي - ماهر السامرائي– ساجدة المشايخي - شنيار عبد الله – هايدي الاوسي...) قد اهتموا ببلورة ملامح الخزف العراقي، ذي النزعة الحداثوية المُشتغلة على آليات التخييل والمخيال التي تقترب من التصورات الذهنية الحدسية والتي تُساعد الخزاف العراقي على ابتكار قيم جمالية مثالية جديدة شكلت فيما بعد ، قيماً معرفية مميزة في نتاجاتهم الخزفية . ليصبح ميدان العمل الخزفي ، مستقلاً ، يتمتع بجماله الخاص وليس نظيراً لما موجود في العالم المرئي ..؛ بمعنى ان هذه الجماليات ما هي إلا رموز لما فوق الحس، يستعين بها الخزاف في تشكيل مفرداته على أجساده الخزفية ليصبح نتاجه الخزفي أحد مظاهر تجلي الفكرة في المحسوس – على حد تعبير هيغل – وبالتالي يفيد الفنان الخزاف العراقي المُعاصر والفنان الرائع " سعد شاكر " على وجه الخصوص في ان يجتهد في ترحيل الواقعي (المرئي) إلى مناطق المثال (اللامرئي) ، ليسمو بالأشكال إلى مستويات الرمز .. محاولةً من الفنان للكشف عن المخفي ، وما دامت الروح أسمى من الطبيعة ، فان هذا السمو ينتقل إلى النتاجات الفنية ، فالجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي ، لأنه نتاج الروح على حد تعبير هيغل .

حيث تبنى الخزاف العراقي " سعد شاكر " منذ بداياته الفنية الأولى ، بعض سمات الحداثة والتحديث ، عندما اقترح أسئلة وجوده المُحتفلة بالرمز والرمزية ذات الأبعاد الانثروبولوجية ، تجاه العالم المرئي واللامرئي على حدٍ سواء ، من اجل إطلاق العنان لذاتية الفنان في التجديد والابتكار وما تلحقها من عمليات إعادة صياغة الأشكال تقنياً و ذهنياً ، وبالتالي يتم الانفتاح على آفاق رحبة تحوي جماليات ودلالات رامزة تقترب من الجوهر.

الفنان وفكرة التجذر بالموروث والتراث :



استعان الخزاف العراقي الأستاذ " سعد شاكر" بمظاهر الحداثة ، في اقتراح أشكالاً متجذرة بالموروث الحضاري والإسلامي ؛ فقد جمع الفنان ، مابين القديم في سحره وأصالته ، والحديث في تجريداته الى حد الرمز... وبالاعتماد على عمليات الاختزال المكثف للشكل للتعبير عن المعاني العميقة البعيدة عن محاكاة المرئي ، ومن ثم إعطاء التكوين العام للخزفية ، سمات شعرية توحي وبالمثالية التي تمنح المتلقي رؤية ثقافية جديدة للشكل المقترح ، تجعل من التكوين ينتمي إلى الجمال المخفي (الأعماق) .
فثمة احتفال بالتحزيز والتثقيب والتشفير في الكتل الخزفية ذات التكوين المعماري في أعماله الأولى نجدها قد تجاوزت في أغلب الأحيان ، الشكل الايقوني (الطبيعي) ذي القيمة الاستهلاكية والوظيفية ، لصالح الشكل المُركب والمُهجن والمُجرد ، المرتبط بالقيم الجمالية ؛ مما يدل على ان الفنان قد اتخذ مساراً حداثوياً ، يُساهم في مساعدة الذات الخالصة على البحث في اللامعنى عن المعنى ، في المخفي عن المعلن ، في اللامرئي عن المرئي .

مثل هكذا مشاهد نجد ان الفنان قد احتفل بالقيم الجمالية ، المثالية المستحصلة من عمليات التنقيب والتجريد ، التي أجراها الخزاف على جسد منحوتاته الخزفية . فنلاحظ على سبيل المثال لا الحصر ، ان في بعض نتاجاته الخزفية السبعينية شيئاً من الإيمائية والاشارية المشتغلة على فكرة التمويه والتخييل توحي للمتلقي بتواجد أشكال آدمية وهي بوضعيات تعبدية ما ، كأنها في طقوس!! نُلاحظها مختزلة إلى حد التسطيح الذي أخفى الكثير من ملامحها الواقعية لصالح الجوهر؛ على اعتبار ان الفنان " سعد شاكر " قد راهن ، على الشكل المُختزل وعلى التقنيات الحديثة ، بطريقة تُبعد أشكاله المقترحة ذهنياً من ان تتشابه أو تتطابق الى حدٍ ما مع الشكل الطبيعي ، متجاوزاً بذلك المفهوم الجزئي المحدود (المُعلن) لصالح الكلي (المخفي) . فقد استوحى الفنان من عالم الصور والأحلام ، ملامح خزفياته ، المتسمة بالتعبيرية والرمزية فمنح التكوين العام لأغلب خزفياته رؤى جمالية خالصة ، تختزل التفاصيل فتنصهر واقعيتها القيمية الى شكل جديد ، مُصاغ بفعل عمليات التحليل والتركيب والتخييل وإعادة الصياغة .. وبالتالي تكون نتاجات الفنان الخزفية وبمساعدة الفضاء المفتوح بجانب عنصر اللون القريب الى الطين ، ما هي الا اعمالاً فنية تجنح نحو الكشف عن كل ما هو مخفي وسرير .
تمركزات الأقنعة في الخطاب الإنساني :



ثمة استعانة للخزاف " سعد شاكر " بالمشهد الطبيعي بعض الشيء ، بالرغم من عدم تسجيله حرفياً له عندما منح مشاهده أبعاداً إنسانية بجانب بعديه السايكولوجي والجمالي كما في عمله الخزفي (المقاتل 1975) على سبيل المثال ، حينما أحال هذا التكوين ذهنياً إلى أشكال تشبه الى حدٍ ما الأقنعة . فمن خلال تكثيف الفنان لعمليات التبسيط والتسطيح في التفاصيل والابتعاد عن الجزئيات الأخرى للرأس المُقترح ، نجدهُ وقد أكد على ضرورة الاستعانة بسمات التحديث التي اقترحت تكوينات تقبل التأويل والتحويل وربما التمويه وبالتالي تتمظهر ملامح الدهشة في تكويناته ، وفق آليات الحدس ؛ اذا ما اعتبرنا ان الحدس في حقيقته ليس سوى مُعاصرة الموضوع والنفاذ الى باطنه – من وجهة نظر برجسون – فكأننا بالحدس نحيا بالجمال . فالملامح والألوان الأحادية و تعابير الوجه الإنساني وما يحويه من تضاريس الاغتراب ، نراها حبيسة أقنعته الوجودية ، مثلما الحبيب حبيس محبته !!؟
فالخزاف " سعد شاكر" ربما اشتغل على ثنائيات الجدل بين المرئي (القناع) واللامرئي(الخوف من القتال ) ، الحرب والسلام ، السكوت والكلام ، الموت والحياة .. مثل هكذا ثنائيات قد أوجدت المساحات الواسعة والاجواء المشحونة بالخوف من الآتي والقلق من المصير ومن المجهول المتربص بنا منذ زمان .

اعتقد ان التكوين العام لهكذا مشاهد ، قد اشتغل وفق مبدأ الخروج عن المألوف ، لصالح التعبير ، المتمركز في ملامح الشكل الدائري (القناع الوجه) الممتلئ بالنتوءات المسننة التي اعدّها علامات استفهام الإنسان عن المصير وربما قد تمثل محنة وطن ، هذه الدائرية المتمثلة في اغلب نتاجات الفنان " سعد شاكر " قد تمفصلت ديناميكياً بدلالات اللون الأحمر القاني ، الذي يُحيل الى الحدث والحادثة ويرمز الى فكرة الفداء او ربما التوق الى الشهادة .. الفنان هُنا حاول ان ينتج أسئلة بعيدة عن الاستهلاك المعرفي السائد ، لأجل ابتداع مفهوم حداثي لحظة استعانته بآليات التخييل بجانب استعانته بذاكرته الجمعية ، المتجذرة بالأصول الرافدينية لأجل إضافة بصمته على ساحات الخزف العراقي المعاصر ، يقترب الى حدً ما من طاقات التعبير ويبتعد عن استهلاك المرئي حرفياً ... لهذا نجد ان المناخ التعبيري والانطباعي للخزف ، الذي أخذ بالتنامي في نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات ، قد سار ضمن حركة متوازنة مع إيقاع العصر السريع ، دون ان تفقد نتاجات الخزف ارتباطها بالجذور الشرقية القديمة . اذن فالاسلوب التعبيري المائل الى الاختزال والكامن في أعماق الشكل الكروي الاحمر اللون ، استطاع ان يستحوذ على ذهن التلقي لحظة فعل التأمل في الأشكال والالوان ومن ثم السياحة في المشهد ككل وبالتالي يدعو المتلقي بالمقابل الى معرفة البنية الجمالية للمشهد الخزفي ؛ على اعتبار ان العمل الفني جمالاً موضوعياً في حين نجد جمالاً مثالياً في داخل النفس البشرية .
سرائر الرمز التراثي (هندسة الأشكال) :


يُلاحظ المتتبع والدارس لتجارب الفنان " سعد شاكر " ان الكثير من أعماله الأخيرة قد استعانت بالأشكال الهندسية الدائرية . حيث اقتبس الخزاف " سعد شاكر " بعض المفردات البيئية والرموز الحياتية ، التي طالما اشتغل عليها الإنسان في العصور الغابرة في القدم والمتمثلة بموضوعة الـ (النخلة) المرتبطة بمقولات الخير والجمال والشموخ والسمو .. وعلى وجه الخصوص في عمله الخزف ( النخلة الأم 1989 ) ؛ إذ بدأ الفنان باختزال مفرداته النباتية لحظة تفكيك مفرداته الموضوعية (التفاصيل) ، فاقترب من الشعرية ، السمة الغالبة في المشهد الخزفي ككل ، فيمنح المتلقي طاقات تعبيرية وإحساس بالجمال السائح في أعماق الرمز التراثي ، المنتمي الى المثال .

فنلاحظ مثلاً اهتمام الفنان باختزال جسد الخزفية الى حد الاسطوانة مع قاعدة رباعية الاطراف ، نجمية الشكل ، يوحي بالجهات الأربعة ، وأيضا تواجد أربعة أنصاف دوائر على جسد الساق ، بمعنى ان الخزاف قد استعان بالرقم اربعة (4) المقدس في الفكر القديم والإسلامي والحديث ، لما لهُ من رمزية عالية ، تنشد المثال بعيداً عن الطبيعي ، فضلاً عن تتويج التكوين بالكرة (النقطة ) التي ربما تعد رمزا للثمرة (الخير) وربما هي رمز للامتناهي . فقد أصر الخزاف " سعد شاكر " على تحميل نماذجة الخزفية ، سمات رمزية ، تعد إحدى مظاهر الحداثة ، يلعب عنصري الحركة الدينامية والخيال الخصب دوراً اساسياً في انجاز صور كلية ، تنقب في سرائر الرمز عما هو أصيل وجديد وغير مُعلن ... فالخزاف العراقي لم يُبالغ في تكثيف تفاصيل مشاهده الخزفية ، كي لا يُعطي أهمية للمشابهة أو المطابقة للواقعي ، حتى لا يقع المشهد تحت طائلة القانون الطبيعي فيفقد ثقافته الجمالية المُعاصرة ، بل سنجده ينفتح بالشكل الجديد على فضاءات رحبة لامُتناهية ، تجمع بين الموروث الحضاري والإسلامي (الدائرة – أنصاف الدوائر – النجمة – النقطة ..) وفق رؤية مُعاصرة تنتج صيرورة فنية ، مُشتغلة على آليات الحدس لا الحس لإنتاج أشكال قابلة للتأويل والتفسير بتعدد القراءات .
وقد لاحظت من خلال تأملي لأعمال الفنان الخزفية ، بعض إحالات للموروث الحضاري في المثال السابق وقد تمثل بـ (الحرف السومري ) المتكون بفعل تقاطع القاعدة النجمية مع ساق النخلة ، فأعطى شكلاً هندسياً مثلث مقلوب ، وكأنه يريد تذكيرنا بالمثلث الخصوبي رمز التكاثر في حضارة العراق القديمة .. حيث استعان الخزاف " سعد " بهذا الرمز لإعطاء مشهده معنى روحياً بعد ان كان وظيفياً ، كدلالة على تعميق المعاصرة بالرمز.. فعلى الرغم من عنونة نتاجات الفنان " سعد شاكر " من قبل بعض الدراسين تحت مسميات الـ( الأم – طفولة - تكوين – شكل مجرد – تأملات ..) إلا أنني اجد مثل هكذا تسميات لا ترتقي الى عقلية وابداعات مثل هكذا فنان رائع .. فقد وجدت وبسرور ان أغلب تجاربه الأخيرة – مشهد النخلة على سبيل المثال - تحوي طاقات كبرى تمثل كنوز في الذاكرة العراقية ، تختزل الموروث الحضاري الرافديني (المثلث) والإسلامي (أنصاف الدوائر ) والمعاصرة (النخلة) ..فيصبح المشهد الخزفي بمثابة منظومة تخيلية تمنح ألأشكال الخزفية المُقترحة بُعداً رمزياً تُعطي للمُتلقي أكثر من معنى لحظة فعل القراءة .. فقد نجدها نخلة وايضاً امرأة وربما وطناً أو رمزاً للتسامي (زقورة ) ، فالمشهد يُسيح بنا عبر العصور فهو تحفة فنية رائعة ، نادراً ما نجد مثيلاتها على الساحة التشكيلية العربية والعالمية .
جماليات التجنيس والتشفير :
أرى ان الفنان " سعد شاكر " في كل المرات يحاول تشفير مشاهده بعض الأشكال الهندسية . فنلاحظ مرة يستعين بالمربع ذي اللون الغامق مع حافات منحنية ، ومرة اخرى بالمستطيل الذي يستعين به كقاعدة لاعماله ومرات كثيرة يستعين بالخطوط المستقيمة واخرى بالدوائر السحرية المجوفة .. لربما من الوهلة الاولى نجد ان الخزاف " سعد شاكر " في مثل هكذا مشاهد ، يُجسد طقوساً تحوي معاني مقدسة ، كفعل الأمومة المتموضعة بالفتاة الأم أو ربما الفتاة الحالمة أو العاشقة أو المُعذبة .. فقد اعتمد الخزاف على سمة التجنيس وسمة التشفير في هكذا موضوعات ، للتعبير عن ما هو جوهري ، عندما استعان بأكثر من مادة في بعض نتاجاته الخزفية ( نحاس – خشب – سيراميك – رقائق معدنية – طين ..) كدليل على اعتماده على عملية استجلاب تقنيات جديدة لانتاج تكوينات تقترب من مفاهيم المثال والمثالية ، لتكون معمّقة بجماليات التحديث الخالصة التي لا تلتقي بالمرئي المحدود (النموذج) لصالح المضمون (الجوهر) . أي أن الخزاف " سعد شاكر " قد اهتمّ بعناصر التكوين الفني في إنتاج خزفياته واعتبارها القانون العام لأشكاله المقترحة ، عندما اقترح أشكالا هندسية مختزلة ( المربع – المثلث – الدائرة – النقطة ..) محمّلة بالقيم الجمالية ، فمثلاً نجد ان شكل المربع قد منح المتلقي شعوراً بالاستقرار ، بينما الشكل الدائري جاء تعبيراً للانهائية والطمأنينة والصفاء في حين نجد ان المثلث قد يُحيل الى مفهوم الأبدية أوالانطلاقة وايضاً الشكل الهرمي يمنح أحساساً بالسمو والارتقاء والاسطوانة التي تُعطي شعوراً بالحركة .هذا التنوع في ابتداع اشكال الفخاريات لدى " سعد " يدل على القدرة الإبتداعية المتميزة للخزاف في استيعابه لمرئياته وما تحويه من تراكمات معرفية وجمالية وسايكولوجية وعقائدية.
ذاكرة وبشر :
اعتقد ان تجارب الفنان " سعد شاكر ، قد استندت بشكل واضح على الذاكرة البكرية وما تحويه من خزين معرفي وثقافي بجانب الموروث البغدادي من أجل منح المتلقي سحراً من الجمال الخالص المتمثل المُستعين بدلالات اللون (الأبيض – الأسود – الأصفر ..) فضلاً عن الجمال التقني . فمقاربة الخزاف مابين فن المعمار والنحت المجسم وإدخالها في العمل الخزفي ، ساعد في اقتراح تكوين فني متماسك ، يرتقي الى المفهوم المعماري وفق ذاتية الفنان الحرة ..... فضلاً على اعتماد الخزاف على التنوع في الملمس بين الخشونة الناتجة من التعامل مع مادة النحاس وما ينتج عنها من نتوءات وبين النعومة التي يُظهره بريق الخزف ، مما يمنح هذا التجاور والتجانس بين هذه المواد ايقاعاً حركياً وفق رؤية جمالية تتخذ من الابتداع سمة بنائية حداثوية في الإنتاج الفني ...، بمعنى ان عمليات استجلاب الخزاف " سعد شاكر " للتقنيات الحديثة وادماجها معاً للتعبير عن الرمز دون الاكتراث للمنظور الطبيعي ، يُعطي مظهراً مميزاً من مظاهر الحداثة التي نادت بتحطيم الجزئي (المرئي) والاتجاه نحو السياحة في الذات والى مناطق الرمز من خلال إجراء عمليات التحليل والتركيب والتسطيح وإعادة الصياغة ومن ثم التجريد ... فالإنسان من وجهة نظر الحداثة قد أصبح مركز الكون ومرجع كل شيء .. هذه النزعة الانسانية نجدها قد أعطت ردة فعل لما كان عليه الخزف في السابق ، من تسجيل للواقع وتمجيد النموذج الذي يسلب إرادة وذاتية ومخيلة الخزاف .
دلالات اللون المقدس وجمالياته :
أوحى الفنان " سعد شاكر " في اغلب تكويناته المهتمة بالأشكال الهندسية ، بالحركة الديناميكية التي منحت المتلقي احساساً بالديمومة لحظة فعل القراءة ... فمن خلال عمليات التبسيط والتسطيح في مجال التقنية الذي أجراها الخزاف على أسطح نماذجه الخزفية ، حمّلت المشهد رمزية عالية ، تمسك بما هو مخفي وجوهري وما هو روحي قابع خلف المرئيات المتمظهرة على السطح التصويري . مثل هكذا مشاهد ذات الطابع الهندسي ، يعتمد الفنان على المثالية في طرح أفكاره ، على المستوى التقني والجمالي .. وقد وظّف الخزاف عنصر اللون دلالياً وجمالياً عندما استعان باللون المقدس (الأزرق السماوي) و (الذهبي الخالص) في أوجه المجسمات المكعبية الذي عمد الخزاف "سعد شاكر" على ان يستبدل اللون بالرقائق المعدنية المطلية بالذهب للدلالة على سمو الأفكار الروحية للإنسان عن كل ما هو مادي .. مما أدى الى ابتعاد المشهد ككل عن أية تفاصيل ، تُذكرنا بالمشهد الطبيعي المحدود ، لصالح التجريد والاختزال الذي أجراه الفنان على مفرداته التكوينية ... فالفنان قد أوحى للمتلقي من خلال هكذا عمليات تحديثية للشكل الى وجود ملامح لوجوه أو أجساد متعاشقة أو متقابلة على طرفي التكوين المربع المجسم ، ربما رمز الى ثنائيات الوجود (الرجل والمرأة ) التي تتأسس حولهما الموجودات الأخرى مع تركيز الفنان على الرقم المُقدس (4) الذي طالما وجدناه يشتغل في نتاجات الفكر الإسلامي .

اذ نظمت مفرداته التكوينية بالاعتماد على المفاهيم الكلية المثالية وفق منظور تراكمي ، منطقي الى حدٍ ما ، يغلب عليها مبدأ التسطيح وعدم الاكتراث بالدلالات الوظيفية التي اعتمدتها بعض تجارب فن الخزف العراقي المعاصر ..؛ حيث اعتمد الفنان " سعد " في انتاج خزفياته على عنصر الخيال الذي منح المتلقي فرصة للتأمل والتداول والتحاور مع مفردات المشهد القابلة للتأويل في كل قراءة ، فيصبح المتلقي هنا مُشارك في العملية الابداعية بعد ان كان مستهلكا .

أسئلة وأطياف : (تقنيات لا تعترف بالمستحيل !! )
نلاحظ ان الفنان "سعد شاكر " قد اقترح أسئلة وجوده (مواقفه) تجاه الفن والعالم اللامرئي (المخفي) والمتمثلة بانتاجه لتكوينات خزفية ، تتبنى تقنيات لا تعترف بالتفاصيل الواقعية ولا بالمستحيل ، لصالح تحطيم المرئي الطبيعي والتحرر من محدوديته وترحيله الى الرمز .. بفعل عمليات التركيب والتهجين التي عدت إحدى مظاهر الحداثة في الفن ، والذي أجراها الخزاف " سعد شاكر " على مفرداته ، فأكسبها جمال فني بجانب الجمال الطبيعي فالطبيعة – على حد قول كروتشه - بكماء ما لم يُنطّـقها الإنسان .. فالاقتراب من صور الجوهر المخفي (الطيف) يسمح بإنتاج أشكالاً جديدة تعتمد الفكر الجمالي والأسطوري المُتناسب مع مفهوم التجديد والتي تشترك مع فخاريات سامراء والعبيد بالتشفير والترميز ، عندما ابتعد المشهد الخزفي عن الوحدات الزخرفية مقابل التركيز على هندسة أشكاله المتسمة بالبساطة .
بمثابة خاتمة :
أجد ان تمسك الخزاف " سعد شاكر " بالأشكال الهندسية ( النقطة – الدائرة – المربع – المستطيل – المثلث ..) في تنظيم تكويناته الخزفية ، قد منح المتلقي احساساً بالابدية والسمو والحركة ذات الجدل الصاعد ، التي تنتج جماليات تحديثية في الخزف العراقي المُعاصر.؛ لان الفنان قد عمد الى استخدام البدائل في مجال التقنية – وضع شيء محل لون – مثلاً استعانته بالحديد أو بالنحاس والخشب أو بالرقائق المعدنية المطلية بالذهب محل الصبغة اللونية ، للدلالة على سمات التحديث في فن الخزف . حيث أدت جماليات الحداثة في مجال التقنية ومعمارية التكوين الخزفي ، دوراً اساسياً في ترسيخ خصوصية في أسلوب الفنان " سعد شاكر " في تناوله المواضيع الإنسانية ، الاجتماعية المتعلقة بـ (الرجل والامرأة ) وفق منظور حداثي يدرك الكل قبل الجزء. من هُنا أرى ان الخزف العراقي المُعاصر ومنذ بداياته الأولى من ستينيات القرن الماضي ، يُحاول ان يجد له جمالية تحديثية تميزهُ عن أقرانه وتجعله متواجد بقوة على الساحة التشكيلية العربية والعالمية على حدٍ سواء ، وبهذا نجد أن حركة الخزف الفنية في العراق أخذت تخطو خطوات متقدمة ، تتبنى العديد من مفاهيم الحداثة والتحديث شكلاً ومضموناً ، تعتمد الخيال والحوار الشفاف ، سعياً الى اقتناص التجربة الجمالية (الهوية) التي تهتم بالعلاقات الشكلية الخالصة المستلهمة الأصالة الشرقية الراسخة التي أخذت تخطو خطوات جديدة على طريق الحداثة .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6333471   Visitors since 7-9-2002