المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في تجارب محمد سامي : ايقاع الأصوات النائية وذاكرة الأشكال

  
عادل كامل
  
















بين تجارب امتدت لعقود، في الرسم العراقي، وانتهت بنزعات عقلانية استقرت عند التجريد، والتجريد بأشكاله المتنوعة، وبين نزعات ذاتية راحت اما ببعث الاتجاهات التعبيرية واما بالنزوع نحو واقعية حديثة تناسب بلوغ الأهداف نهايتها، فان التجريب مكث برنامجا مشروعا ً لتلافي التكرار والجماليات الأحادية. إن هذا الحد الفاصل، لا يتسع إلا بوجود تجارب تختلف في محركاتها وأشكالها وما تتوخاه. ومع استحالة تفكيك مساحة الرسم إلى مصادر محددة، واستحالة عزلها، فان التداخل، والاندماج، لا يقلل من ظاهرة الاختلاف : نزعات جعلت البنائية، والتركيب، والتوليف تنسجم مع مفاهيم التصميم، والذهاب بالرسم نحو جماليات خاصة، أقرب إلى التزيين، والانشغالات الذهنية، ونزعات لا تغامر إلا في حدود ما يريد الرسم أن يقوله. فالسرد يكاد يكتم صوته، حيث النصوص تستعيد قوة التعبير، ومناخات الأساطير، ومنح الرموز وظائف الحوار والإيصال.
والرسام محمد سامي، لا يخفي انحيازه للتيار الأخير .. فجغرافية النص تنبني بالاستناد إلى المتضادات: عالم الصمت وعالم البوح / السينما والصورة / التطرف والتشذيب .. الخ فالرسام يدشن مسيرته بالوثائق، وإعادة قلب المشهد الواقعي إلى لقطات يأخذ الخيال دوره فيها؛ الخيال بما هو محاكمة أو دحض للواقعي، والخيال بما هو تحرر من الانغلاق. فنصوصه تكتظ باشتغالات أقدم التجارب : استلهام الطواطم، والحفاظ على الجدران كمساحات للرسم، ومنح الجسد مغزاه في المقاومة، والتلاشي، والامتداد .

هذه النزعة التي لم تعد مألوفة في الرسم العراقي، لا بتأثيرات عدد من اصحاب القاعات أو تيارات ما بعد الحداثة، وإنما بما يشكل حدا ً مغايرا ً لحيادية النص. محمد سامي لا يعزل تكنيكه ـ وتقنيته بعد ذلك ـ عن تاريخ الرسم من ناحية، وعن التشبث برصد مصائر المشهد الإنساني المرئي : الغوص في مخفيات النفس، كذات فردية أو كجماعة، ومنح الأشكال حرية تناسب الرسم في أزمنته الأولى، حقيقة اندماج السحري بالمنطقي، والشعري بالواقعي، والغامض بالمباشر من ناحية ثانية .
فهل ثمة بدائية تتجانس مع لغة تكف عن محليتها؛ بدائية لا تشترط رصد عالم ما قبل اكتشاف النار، والسكن في مغارات محاصرة بمصائر مجهولة، وإنما لا تكف عن دحض الفواصل، والنظر إلى الامتداد كزمن متراص، مع انه يبقى يعلن عن وحدته الساحرة، المشحونة بالصدمات، واللامتوقع.
إن محمد سامي ليس رساما ً رمزيا ً، ولا سورياليا ً، ولا بدائيا ً أيضا ً: انه يعمل بما يمتلكه النص من شروط لا يتقاطع فيها المخيال بمصادره، ولا المرئي بمخفياته. فهو يجعل من عنصر الخط، بحثا ً عن المصغرّات، واللامتناهيات في الصغر، حد البحث عن سر تكوّن الخلايا البكر للنبض أو الحياة؛ إضافة للألوان البكر، أو المشغولة بوظائف المعنى والغايات، كي يتكوّن النص، تراكميا ً، بوحدة الدوافع، والشكوك، والغوايات الدفينة.
هل حقا ً لا يوجد رسم بريء .. مثلما لا توجد امرأة لم تلد ابنا ً غير آثم ـ بحسب التماعة سومرية غريبة وغامضة ـ أم ان ما يريد ان يقوله الرسم ـ وما تقوله آليات التتابع والامتداد ـ يمتلك أبعد من هذا المعلن : التقويض ؟
إن محمد سامي، وهو يدخل خارطة الرسم العراقي اليوم، لا يستعير أقنعة لرسوماته؛ أقنعة غدت جزءا ً من الموروث المتداول، وإنما يحاورها ولكن استكمالا ً لتقاليد لا تجعل المعنى فائضا ً، أو مهجورا ً. وهنا ، تحديدا ً، تتداخل عناصر نصوصه ، كي تحكي الذي لا يسرد : القصة في صمتها الذي يذهب ابعد من الكلام .

دراما الواقع ـ والمخيال

يحدد محمد سامي موضوعا ته بتجانس المتضادات، مدخلا ً عاما ً تتحرك عبره عناصره الفنية. بيد ان توكيداته سترسم مشهدا ً صريحا ً لدراما لا تغادر خبرته البصرية.. فعلى سبيل المثال :
1 ــ يتكرر الجدار...
2 ــ والخيول ...
3 ــ والوجوه...
4 ــ إلى جانب الرجل والمرأة .. الخ
كي تدخل هذه الرموز في مشاهد لا يكتمل فيها الصراع : فالجدار الذي يتكرر يأخذ مداه اللاواعي إزاء حقيقة صراع الإنسان.. وخيوله الجامحة، هي الأخرى، لا تذهب ابعد من نزعته المتمردة... ووجوهه المتناثرة، المبنية بالحيطان والأرض والأشجار، تتجانس مع هذه الاختيارات في معالجاتها الفنية.
ان الرسام الشاب، لجيل بلا مقترحات، ولم ينتج شيئا ً يذكر( منذ تعطلت الحياة الفنية بسبب الحرب والعنف والمصائر المجهولة ) يغادر الموضوعات التي سادت وشاعت منذ عقد في الأقل.
فيضع مسافة تجاه السكون والزخارف وترف الفن، ويعيد للنص دراما تنتمي إلى الحركة : انه يقلب تجارب عصر الموجة الثالثة ـ التي صاغت تيارات ما بعد الحداثة ـ نحو جذورها : الكائنات في مواجهة مستحيلاتها. فلا يستعير الرموز اليومية المتداولة في الصحف والفضائيات والإعلام؛ أي رموز العنف والموت والخراب، وإنما يعبر، ببساطة، عن المنابع الكارثية المبكرة لمفهوم القوة والصراع ألعدمي المرير. حقا ً، يتساءل المشاهد، ما الذي يمثله الرسم في عصر الكهوف .. وما الذي يمثله الرسم، في عصر نهاية التاريخ، أو عصر الرفاهية ؟
ان الرسام لا يحول نصوصه إلى ( سلع ) ولا إلى ( دعاية) .. فالرسام يرسم بالدوافع ذاتها التي تكمن وراء ظاهرة الكلام والكتابة.. ليقودنا، بعد معرفة جدل الوظائف والأشكال، إلى تمرده. فهل اختار عبثا ً الارتقاء بالرسم إلى مشاهد العويل، والفزع حد الكتمان...؟ انه ـ في تجاربه البكر ـ قد شكل امتدادا ً منطقيا ً لرسومات علاء بشير وإسماعيل خياط ومحمد راضي عبد الله واراش كاكافيان وماهر حربي وعلي النجار وعدنان لعيبي..كي يكمل هذا الاتجاه الذي يعود إلى (بوش)و(دورر)و ( غويا) و( دالي) مرورا ً بالدادا والسوريالية والتعبيرية بأساليبها المتنوعة. فالذات تبرز بلا أعذار: ذات الرسام وذات النص! فـ [ ذات] النص ليست مرآة للفنان أو المجتمع ـ كما قال جواد سليم في خمسينيات القرن الماضي ـ بل أشكالا ً عشوائية انتظمت داخل إطار. إنها ليست رومانسية إلا في حدود التأويل، وليست تعبيرية إلا في حدود رصد الصراع ... الخ ولكنها ـ مع انها تحافظ على تشخيصاتها والتحويرات المناسبة لها ـ تمنح خلايا وذرات وجسيمات الأشكال صلة ما بالرسام ـ والمشاهد معا ً: الرسام ونصه . فالنص ـ ذاته ـ يغدو علامة قابلة للتفسير بما يمثله من رصد للمتضادات والفنتازيا والمفارقات..وهنا يحيلنا الرسام إلى عصر تكوّن صراع الذات مع : الآخر/ ومع الطبيعة/ ومع المجهول، وفي الوقت نفسه، معنا نحن في ( الآن) و( هنا) التزمانية.. فثمة زمن واحد كونته التراكمات والصراعات والاستحالات. فلا تستقر عناصر النصوص ولا تنبني كما تشيّد المتاحف والقصور والحدائق والأعمال التزيينية أو الدعائية .. بل تتناثر حول مركز هو ( النص) وليس الذات أو انغلاقاتها التعبيرية. فلا رومانسية ولا تعبيرية ولا رمزية يمكن ان تجمع هذه المعالجات ، بل الاختلاف ـ هو ـ ذاته الذي سيفضي إلى استحالة ثباته . وكأن الزمن بلغ ـ منذ تكون ـ نهايته : فهو يمتد نحو داخله، وليست المشاهد الفنية ـ منذ عصر الكهوف والمغارات حتى يومنا هذا ـ إلا توكيدا ً امتداديا ً لعلاقة المحركات بالمخيال، والمحركات بالأقنعة : فلسنا أمام مواعظ، أو جماليات، أو نذور ..بل أمام دراما لا تخفي إلا الذي يكمن في المشهد : انه الوضوح السحري للواقعية بمعناها الدينامي الذي مازال يتكرر برصد مجموع العلاقات والاشتباكات . والرسام، في هذه التجارب البكر، لا يغامر، وإنما يختار اقل العناصر حضورا ً كي يمنحها ما تريد ان تخفيه في وضوحها: الأمل. فالجدران تواجه مخلوقاته.. ولا حافات الفضاء تحاصرها، وبالحدة ذاتها تتحول الأشكال إلى موجات وذبذبات وجسيمات يصعب تأويل دوافعها وضبط حركاتها إلا في إطارها. فليس ثمة دلالات تذهب ابعد من محنة تحول الوعي، الراصد والمراقب والمنفذ، إلى انغلاق مفتوح : عشوائية محكومة بتكرار انتظم ضمن عمل المخيال، داخل الزمن.

حدود وتداخلات

لم تعد المسافة بين المتخّيل والواقعي قابلة للفصل، كما لم تعد هناك، في تجارب الرسامين، مسافة بين المدارس والأساليب. فقد أصبح التجريب يسمح بتكرارات معدلة : عشوائية تأخذ انتظامها مع تراكم وتعاقب الأزمات . ورسومات محمد سامي ـ وهي تذكرنا ببعض مجسمات النحات الكويتي سامي محمد بما تمتلكه من نزعة تعبيرية وواقعية انتقادية ـ تؤكد عناصر الواقع، وترجعه إلى لقطات مشحونة بالصراع والمفارقة. فالرسام أدرك لذائذ هدم المرئيات رمزيا وإعادة صياغتها كمراقب وجد نفسه متحررا ً من الحافات : لقد سمح لنصوصه ان تشكل حلقات في حكاية تدمج دوافعها بأشكالها.. فاعتماده عنصر الخط، قاده لصياغة مشاهده كأحلام زاخرة بالأطياف.. حتى لا تبدو التعبيرية إلا وقد شذبت من بربرية النزاع، وتحولت مشاهد القسوة إلى كوابيس لا تثير القرف. إن ( الفن) لا يمارس الانسحاب، ولكنه يذهب أبعد من ضرورات الشرح والتأويل. هنا يأخذ الخط ـ وعمل المخيال التخطيطي ـ كما فعل كاظم حيدر في آخر أعماله ـ مداه في البوح : ثمة حدود مندمجة بين الصلابة والمرونة، بين القسوة والشفافية ، لتشكل وحدة بين الشعري والواقعي، حتى لا تبدو نصوصه إلا وقد غدت ضربا ً من الموسيقى : دوائر غير مكتملة، خطوط متموجة، وأقواس مقلوبة، ومنحنيات متداخلة تشترك برسم التداخلات، كرحلة متواصلة. لكن الرسم ليس عقارا ً، أو علاجا ً لمرض كونته عوامله القديمة، وهو ليس نظاما ًللحوار، أو استدراجا ً لعواطف الآخر، أو لفت النظر إلى موضوعات دون سواها.. ولكنه ـ مع هذا التوليف من الشذرات والشطحات والمفارقات ـ لا يتوقف عند المساحات، وإنما يفكك نسيجها، كمن لا يكف عن تأويل الواقع بمنظار الحالم، دامجا ً المقدمات بالنهايات، مع إبقاء الوسط متصلا ً؛ فالجدران والسلالم والخيول والنساء والوجوه .. الخ تأتينا من أزمنة لم تدفن بإحكام. فالوهم لا يقل جاذبية عن السوريالية والواقعية السحرية بما تعلنه من استحالات عابرة، منفذة بشعرية، حتى يبدو العالم وحدة تقول الذي ينتظر القول. ان محمد سامي لا يستدرج عاطفتنا ـ كما كان إبراهيم زاير ، قبل أربعين سنة تقريبا، ً قد كتب حول تجربتي الأولى التي عرضتها في مقهى شعبيي الكلمة ذاتها بجعل الواقعي متجانسا ً مع حرية تعقب المتضادات ـ ولكنه يحافظ على حيويتها : ففن التخطيط يتقمص تموجات الأصوات النائية، أو التي لا تكف ترجعنا إلى مصدرها، كي تمنح الشعري قدرة موازنة بينهما، مع ان الشعري ـ في الغالب ـ لا يعوّل على عقلانية التأويل، بل يقلب المعادلة ويمنح الحلم ذروته في التشكل .

بيد ان هذا المنحى في تجارب الرسام الشاب، لا يكتمل خارج أقنعة الرسم والاستعارات، وتقمص أنظمة غدت ـ بفعل عولمة الذاكرة والأسواق . الأحلام ـ تنتمي إلى مرجعيات متماثلة، بل يلخص مساره في تعقب أساليب وومضات فنية مازالت تحكي دهشتنا البكر : موتنا كشرط لديمومة ما اصطلح عليه بالأسطورة . إن محمد سامي لا يفعل ذلك، وفق الاتجاه التعبيري، بل يحفر في السطح، حيث العناصر لم تصب بالوهن، والخلايا مازالت ـ كرنين دوي الانفجار الكبير ـ تتخذ موقعها ضمن المشهد الكلي : ان لوحاته تنبثق، وتغادر سكنها، كطواطم فلتت من زمنها، واستحالت أطيافا ً تتجول أينما شاءت، وفي الوقت نفسه، انه يرسم ( ماضينا ) حيث الطواطم والجدران والأجساد والأطياف لا تعلن عن أبديتها، بل عن مغادرتها. فثمة هذا الذي لم يتم البوح به، أو الإعلان عنه، يكمن في شبكات وتموجات وذبذبات الطاقات التي استحالت أحلاما ً : فالذي لم يكتمل، في النص أو في المعنى أو في القصد ، اكتمل مشروعا بجمع هذه العناصر في حركتها لا في ثباتها. انه يأتينا من حافات لم تعد قائمة، ليذهب ـ وقد تعثرت خطاه في الحاضر ـ نحو الاتساع .. وقد لا يكون الرسام، وهو يقبع داخل [ قرن ] يتأرجح بين الاستيقاظ، وبين الاحتفالات الجنائزية المزخرفة بالتعالي ـ قد رسم الذي أراد تنفيذه، إلا بالكف عن أقنعة الرسم .. فهل فعل، كما نقش رسام المغارات، نهايات الزمن، وهو يحدق في ماضيه المجهول..؟ ـ : ذلك الحاضر الغائب، وحده يتكرر، ضمن إيقاع الأسر، ولذائذ مرارات الاحتفال، أو الدفن، أو الانتظار ...؟

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6047632   Visitors since 7-9-2002