المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





معارف... فنون
 

في المخطوطات القرآنية في العصور الاسلامية

  
د . شوقي الموسوي
  













تمثل الزخرفة في المخطوطات العربية الإسلامية اطراً هندسية متآلفة ومتجانسة في التكوين الكلي،تحوي عناصر نباتية ( توريقات وتفرعات) وهندسية( دوائر ومستطيلات ) وأُخرى كتابية ، تتواشج هذه العناصر معاً للبحث عن المُطلق في المخطوطة القرآنية .
فالمخطوطات القرآنية تحاول من خلال إصرارها على الإيحاء بالصيرورة الفنية ، ان تجد لها اسلوباً جدلياً جديداً في المناقشة والاستدلال حول ماهية الوجود ومن ثم التساؤل عن موجدها لقناعة الفنان بان المعرفة الحقيقية موجودة في دواخلنا تُدرك حدسياً لا حسياً يستعين بأشكال مجردة تبتعد من طبيعة المرئيات لترتقي بذهن المتلقي صعوداً من مستويات المرئي المحدود الى مستويات اللا مرئي المطلق اللا محدود واللا متناهي؛ باعتبار أن الفنان المسلم قد تيقن بان الإدراك الحسي لا يكفي لإعطائنا صورة متكاملة عن الوجود لهذا وجدناه قد التجأ الى تجريد تكويناته ومفرداته التشكيلية من مخلفات وصفات المرئي ، من أجل إتمام عملية انتقال الإدراك الحسي إلى ميدان النظر العقلي متخطياً بذلك حدود الحس لتتجرد هنا صورة المدرك الحسي تماماً عن المرئي ولواحقه الدونية فتتحول بذلك الصورة المحسوسة إلى صور هندسية معقولة تستند إلى العقل الفعال الذي يشرق على النفس ويمدها بالحقائق الالهية العظيمة ... فالمرئي هنا يستمد وجوده من اللا مرئي المطلق .

فقد أشير الى التكوينات الزخرفية في المخطوطات القرآنية في العصور الإسلامية في بعض الدراسات المُعاصرة والتي لازالت قيد المخطوطات والتي اذن لي بالإطلاع عليها مدير المركز الشرقي للوثائق والأرشيفيات الباحث " يوسف الصالح " والموسومة بـ (( وثائق لويس ماسينيون بين كربلاء وباريس وبغداد )) ؛ اذ أشارت هذه الدراسات الى ان الفنان المسلم قد أطلق العنان للمخيلة لفتح الآفاق أمام يقظة الحلم كدلالة على اللامرئي المُطلق ...؛ ونستلم من وثائق ماسينيون بان الشكل الهندسي المثلث والمربع والمخمس بشكل عام والشكل النجمي بشكل خاص لم تكن في حد ذاتها صيغ رياضية فحسب وانما هي أشكال أصيلة مجردة لجميع المرئيات، ولا شك ان هذا يُذكرنا بقول سيزان : (( ان جميع الأشكال ترتد الى صيغ هندسية أساسية . اسطوانة،كرة،مكعب ..)) ومن خلال وثائق ماسينيون هذه مرةَ أخرى نستلم منه بان ما يمثل فكرة التوحيد وتنوع الوجود ليس هناك أكثر من هذه الزخرفة الإسلامية في سعيها اللاهث للتفاني والوصول الى التعبير عن الجوهر ؛اذ عن طريق التناغم يتم التعبير عن وحدانية الخالق والتناغم (الانسجام) يعني الوحدة في الكثرة وهو في الموسيقى المُعادل المُكافيء للمنظور في الفن ، فالنشأة تتكون من عنصر واحد ،خط واحد سرعان ما يلتف حول نفسه في حركة لا متناهية ليعود ثانية الى نقطة البداية .. ولعل من الطريف ان نذكر باننا قد اطلعنا على أحدى المخطوطات العربية القديمة المحفوظة في مركز الإمام الحسين للمخطوطات والوثائق ، تحت رقم (21205) ثمة اشارة فيها منسوبة الى قول للإمام علي (عليه السلام) : )) العلمُ نقطة كثرها الجاهلون )) .
فالأشكال الهندسية في المخطوطة بشكل عام ، نجدها سابحة في الفضاء التصويري تحيط بالتكوين العام للمشهد فتكون إطاراً هندسياً يحوي بداخله تراكيب جمالية ذات عناصر نباتية بهيآت تكاد تشبه الضفائر المتعانقة بعضها مع بعض ، هذه التواشجات والتوليفات البسيطة المتواجدة داخل إطار هندسي بجانب العناصر الكتابية ، نجدها تنساب بهيئة ارتعاشات جمالية منزلقة الى مركز ثقل المخطوطة من خلال ممرات خفية تتخلل حافات الأشكال النصف دائرية التي تمس الشريط الهندسي ومنها إلى الدوائر الكاملة تحيل إلى الوجود المطلق ..؛ مما يؤدي إلى إيهام المتلقي بوجود حركة دائرية في مركز ثقل المخطوطة تمتد بالفكر إلى أعلى مستويات الكوامن المستشعرة لامكانات الإبداع لإدراك مناطق المطلق مثلما أدركت أدوات ماديتها ، من خلال تأكيد المخطوطة على مسألة تراكب الأشكال فيما بينها ، تشذيب المرئيات من حسيتها المعلنة وإحلال روحيتها محلها ، من اجل إبداع تكوينات زخرفية ذات قوى روحية فاعلة على الصعيدين الفكري والجمالي ومتكيفة مع المناخ الأبستمولوجي ( المعرفي ) الممتلئ بالإرث الحضاري الأصيل والتي تساهم معاً في عملية خلق او تحديد معالم الصورة الإسلامية المجردة .
وهنالك بعض الترتكيب الزخرفية الهندسية المتشكلة من تداخلات هياكل العناصر الكتابية المتمثلة بتشكيلات الخط الكوفي ، نجدها قد تفاعلت فيها قوى الوعي الديني والفكري والفلسفي المعتمدة على ألأفكار المجردة ، فضلا عن بعض المخطوطات ذات العناصر التكوينية النباتية ، مُحاطة بالدوائر السماوية الكونية المتواجدة في المشهد تمثل أشكالا لم تحاكي المرئي المحدود ، بل نجدها تنحاز لتجليات اللا مرئي ؛ لأن الفنان المسلم أيقن بأنه لا يمكن تقديم تكوينات ذات الطاقات اللامرئية بواسطة أدوات الحس الجزئية التي تحاكي الظاهر ، بل من خلال آليات الاشتغال الحدسي المباشر لإعطاء تصوراً للحياة الباطنية الممثلة بالمحيط الادراكي الحدسي ؛ لأجل وضع حلول تكوينية تحقق مبدأ التوازن بين الوحدات الزخرفية ذات العناصر الهندسية والتي تؤكد البساطة المقتربة من محاكاة الجوهر .
مثل هكذا تواشجات وانسيابيات حلزونية نحو المركز والمتسمة بالهيمنة الزخرفية ذات الجدلية المتصاعدة ، تكفي لتوجيه ذهن المتلقي الى وجهة روحية الى أقصى غايات الفعل التعبدي الذي يحاول فنان المخطوطات تشكيله قصديا وتوظيفه تقنياً وفنياً من خلال الاستعانة بعناصر التكوين الفني وبالأخص عنصر اللون السماوي ( الأبيض ، الذهبي ، الاوكر ، البني ، الأزرق ) ، تعبيراً عن نقاء الروح على وفق منظور متراكم يشبه منظور عين الطائر المعبر عن النظام العام المتماسك والمتوحد زمانيا مع المطلق اللا مرئي المتجلي بالوان السماء ؛ إذ اعتبر الفنان المسلم ان اللون الذهبي ، هو لون مقدس مثلما كان في العصور القديمة وهو من الألوان السامية ،لأنه لوناً مجرداً لا مادياً خارقاً للمرئيات إضافة إلى اللون الأزرق الذي عدّه صفة لقبة السماء التي تحوي المرئيات واللون الأبيض رمزاً للنقاء والصفاء بل ورمزاً للنفس المؤمنة الموحدة .
هذه التكوينات الجمالية الممتدة طولاً وعرضاً في المشهد العام للمخطوطة القرآنية والمتفرعة والمتواشجة مع بعضها البعض ، تُحيل ذهن المتلقي إلى حالة من حالات التوالد الكوني المتتالي ، لتبدوا الوحدات الزخرفية فيها كما لو انها تنبت من وحدة زخرفية تتفرع منها الى جزئيات ، من ثم هذه الجزئيات ( الفروع ) تتجمع من جديد لتصبح وحدة زخرفية كاملة ، تتوالد منها من جديد أجزاء جديدة.. وهكذا تمتد هذه التوالدات من اجل الارتقاء بالمرئي الى قيم جمالية مطلقة منسجمة مع بنيتي الزمان والمكان عبر آلية الوعي ، سعياً منه للتوحد مع الكائن المُطلق الحي الخالد .













 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6333557   Visitors since 7-9-2002