المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في تجارب نذير اسماعيل. مسافات الوجوه وفضاءات الداخل

  
عادل كامل
  
















يصعب لصق ظاهرة ( الحداثة ) في التشكيل العربي المعاصر ،خلال القرن المنصرم ، بأسباب تبدو نهائية . بيد ان التحولات لم تأت عفو الخاطر . أن نذير إسماعيل ، مع زملاء له في الوطن العربي ، أختار الوجه ( البورتريه ) موضوعا للرسم . فالوجه ، إشارة أم علامة ، أم هو تعبير ولد في مسار تعرض الذات للمآزق والانخلاعات ، مكث في مركز إثارة الانتباه . والفنان المنشغل بالصور ، والمرئيات ، صار يركب ، ويلصق ، في سياق بناء النص التركيبي المعاصر . بيد ان المشهد ، في الحالات كلها ، لا يتقاطع مع ( وجوه ) استثنائية ، وفذة ، في فنون ما قبل نهاية العصر القديم ، ثمة ، في مصر ، وسومر ، وفي حضارة الجزيرة العربية ، عبرت عن مأزق التصادم والتحول . فالوجه ، كشكل مركزي أو بؤرة ، يلغي المسافة مع الآخر . انه ليس الجسر كوسيلة ن بل الجسر كجزء مستقل بما يتضمنه من ذاكرة للعبور .. هل قلت ان الفن ، بعد إحصاء تعريفاته المدرسية ، القاموسية ، لم يعّرف .. وأن تلك الضرورة التي يتحدث عنها كبار الشعراء والنقاد ، تكاد تلخص مغزى التوق ، والانعتاق . ان الرسام السوري ، نذير اسماعيل ، هنا ، لا ينغلق داخل إطار مفهوم الرسم الأوربي ، ولكنه لا يتخلى عن نزعة جذرية لا تنحاز لمسار مغلق ، أو بلا حافات : ثمة ، في كل حداثة ، استغاثات مفضوحة .. فالموضوع يحرك ، ويركب ، ويبني أشكاله . لكن هل كان الوجود في كل التصورات ، سوى إشكال ؟



الشكل

ما الشكل ، عند الرسام ، هل هو محض الشكل البيضوي ، الهندسي والمهشم معا ، الشكل بما يتضمنه من مرجعيات لا تحصى ، وعادات في النظر ، وقواعد لا تنفصل عن بنية النص ، ووحدته العضوية ، ومعادله الموضوعي .. الخ أم هو ، مبدأ التوليد : البذور الكامنة في العناصر ، ككمون الضؤ في المادة ، وقد واصلت مشروع التتابع ، والامتداد ؟ معا ً ، يرسم الرسام وجوهه النقية ، المختزلة ، الممحوة ، والنابضة بما وراء الصمت والكلام . انه لا يغادر الشكل ، كحدود ، ولا يغادر المعنى ، كأفكار أو قضية ، ولكنه ، بدمجهما الديالكتيكي ( الجدلي أو فعاليات النفي ) يتحرر من وهم الأحادية . انه اقتصاديا ً ، يلخص عجز الإنتاج الفردي . ولكن ليست هذه هي القضية . أن الرسام لا يغادر الشكل ، الذات ، المأزق .. فهو يرسم بمرونة استحالة تحديد معنى ، ما ، للمعنى . فالأشكال ذاتها تسمح للمشاهد بتفحص تاريخ ( الوجه ) السحيق . انه يسمح لنا ان نسترجع ، بلا مصادر ، أقدم الرسومات الشخصية : فوق جدران الكهوف ، فوق شواخص القبور ، وفوق حيطان القصور أو في المؤسسات الثقافية وفي المتاحف . إنها لوعة أشكال انتظمت في نصوص .. ومسار العمل ، عنده ن لا ينفي تاريخ الحذف . فالأشكال لها كل الدلالات المعلنة ، كي تبقى المحركات عاملة . انه يؤكد ، كبصري ، ترابط المرئي بفضاءات الداخل : فضاءات ما وراء الشكل . فالمنفى غير معزول عن علاماته . والكائنات المنفية ، داخل حدود المنفى ، شكلت معناها بالتعاقب ، أو بالمقاومة ، أو التكيف ، مع كون إرادة الوجود ، داخل الأشكال ، توميء نحو المحركات : القوة ، وأرادتها ، كمشروع مبكر للحداثة ، بعد وجود المحراث ، والفخاريات النحتية ، واللغة : هذا التصور للنائي ، والمرئي ، يجتمع في نصوص تجارب نذير اسماعيل ، في الرسم العربي اليوم .



الخارج / الداخل


منذ ( هيغل ) الذي نبه الى الخط الفاصل ، بين الطبيعة والفن ، مرورا ً باكتشاف المخفيات ، والمكنونات ، وآليات عمل خلايا الذاكرة ، وليس انتهاء ً بفتوحات الفيزياء ، وعلوم الفضاء ، لا يشكل الداخل – الذات – مع العالم ، جسراً مهدما ً . ثمة وحدة تعمل فيها عناصرها بنظامها المتكامل . بيد ان اشتغال نذير إسماعيل ، في الفن ، جعل الداخل خارجا ً : مرئيا ً . اننا عمليا ً لا نعرف شيئا ً عن الأحلام ، التي كونتها أساطير وآليات اشتغالها الواقعية الى حد بعيد ، لولا جعلها تحت البصر . فالرسام صار يحفر ، ويكشط السطوح ، بل صارت الوجوه البشرية منحوتات يدوّن فوقها مصائر الاختلاف والتصادم واللوعات . انه لم يلغ المسافة ، بل توقف عندها ، وحولها الى بوح . فالباثات لا تنطق بها الأصابع ، أو الجسد ، أو الموضوعات ، بل الوجه : انه مركز التاريخ المتحرك : الشاخص . فالوجه ليس محض علامة مركبة فوق بدن.. بل هو الحامل لكنوزه ، والمعبر عن مصيرها . الوجوه ، هنا ، تلملم الحواس كلها ، وبضمنها حاسة المرور ، الزمن . انه المركز الذي لا تفارقه مكوناته . فهو دال على الأجزاء المخزونة لدى المشاهد ، مثل العبارة الشاملة على كلامها المشطوب ، أو المحجوب ، أو الغائب . ان نذير إسماعيل ( وأمام ظاهرة الفنان العربي في استلهام الوجه ) يرّمز . بيد انه يرتقي بالرمز الى المعنى كاملا ً : استنطاق الداخل ، ومنحه خطاب الفضاء الفضّاح . فالداخل يرى – يبصر – خارجه ، كما ان الاخير ، وكل فضاء ، لن تكوّنه إلا أشكاله ، بعد ان أخذت مكانها في الإطار : في الداخل المنفتح أبدا ً نحو فضاءات الخارج .



المأزق / والحذف

ثمة مسافة بين فن يستجيب للتأمل ، كالفن الشرقي ، وفن تأسس على الدحض ، في سياق مولد الحداثات الأوربية : مسافة كالتي تفصل الرائي عن هدفه الكائن في المجهول . وقد اجتهد النقد الماركسي ، بعد ماركس ، في مسار البناء ، والتفاؤل ، ولم يعزل الفن ، كبناء صوريا ً ، فوقيا ً ، عن محركاته إن كانت اقتصادية أو فلسفية أو اجتماعية ؟ بيد إن النقد الأكثر تمسكا بالبحث عن عمق الإشكالية ، من غير تحديد مسارات نهائية ، يحفر في المحركات ، والظواهر ، كتتابع لوقائع بلا توقف . إنها محنة تشبه الخارج من البيت ( الرحم ) خال من الهدف ، والدليل ، فيعثر علة ( مرآة ) مصادفة ، كي يبحث في الشكل : الذي لم يصر – هو / بعد ، الاعندما تشتغل المرآة شغلها : إنها ستدله على ذاته .. فهل يكون قد عثر على أكثر من وجه بين وجوه أخرى. انه ، هنا ، لم يعثر إلا على احد أشكال المأزق .. حيث المسافة بين الرائي – الآخر ، اما أن تردم بالشك حد المرارة ، وأما أن تتحول حرية الاكتشاف ، الى مسافة ابعد من الهدف . حيث المجهول يغدو قوة جاذبة .
فأين تضعنا نصوص – وجوه ، نذير إسماعيل ، إزاء [ 1 ] الوجود [ 2 ] الإنسان [ 3 ] الذات ؟ انه ، معا ، يحرر نصه من الانغلاق .. فالأشكال الوجودي ، لا يكمن في الإنسان ، وفي تقنياته ، فلسفاته فحسب ، بل في مكونات المعادلة بين الرائي – والمرئيات : مسافة ينجز فيها الفنان مأزقه : تكوينات انسحاق الذات .. هذا الحذف حد تلاشي التفاصيل .. بيد انه الحذف الذي يجعلها تامة . فالحداثة لا تتكلم . انها تذهب وراء الصمت . فالمأزق لا يجد أكثر من مساحة للإعلان عن مكوناته : عن وجوه تصّلدت وقاومت أسباب دمارها .. انها لا تستبدل [ لماذا ] بالوسائل ، وبما بعد الحداثة .. لأن نذير اسماعيل ، لا يسلك سلوك المزخرف ، والنقاش ،فينعم بنعيم نعمة المرئيات : انه يخدشها ، يجرحها ، أمام وقائع الجحيم العربي ، خلال قرن حافل بكل المخفيات . إن أشكاله تذهب وراء القناع ، فلا تحدق فينا . إنها تريد أن يكونها الآخر ، الرائي مرئيا ً ، بحثا ً عن اكتمال العلاقات ، ونظامها الجمالي . ان نذير إسماعيل ، يحطم ، انسجاما مع حداثة كوكبية ، مبدأ الاستمتاع ، ولذائذ المشاهدة . لكنه لا يجعل ( القبح ) مفتاحا ً نفتح به الباب الذي وقعت داخله الوقائع ، بل ، يسمح لنا بالتأويل ، في حدود وجود مازال يبث خفايا ارادته ، لا أملا ً باستعادة الأحلام ، بل بجعلها تشهد على غيابها . انه ردم المسافة بين الدوافع ، والمحذوفات ، مكتفيا ً ، بما كان قد تكون سابقا ً ، منذ أقدم استغاثات للحيوان ، وصولا ً ، الى صمت وجوه صارت تكوّن غيابها .


الغائب / والمرئيات

تتوحد الوجوه حد التلاشي ، مع انها ، تحافظ على ذكراها : انها صورة للمأزق / الشقاء ، أكثر مما هي فضح للأسباب . فاللحم – الوجه المكوّن من التضاريس والثقوب والإلغاء – يلتصق – حد الاندماج بالأرض : بيد انه ليس ميتا ً . انه يرسم حدود مروره داخل مكان غدا مندمجا ً .. فالوجه يبزغ أو ينبثق ، كاتما ً لوعته .. انه يدمج ماضيه – أمامنا حتى كأنه يقفز خارج مداه .. هنا تزدوج الأشكال بين الأفقي والعمودي .. فهي تواجهنا تارة ، وتبدو قد انبسطت تارة أخرى .. فالزمن يتحرك ، بآثار الأشكال ، الزمن الذي يلتصق بالأرض ، المكان .. كأن المأزق ، قبل ان يكون في التاريخ ، يلوح بما هو كامن داخله .. ومن الصعب ، في التفكيك ، إهمال المناهج النقدية الحديثة : ان الرسام يغادر الأشكال الهندسية ، وقسوتها ، أو كونها مصّنعو ، فيرسم بحرية الأشكال العضوية : الوجه – الأرضي ، المندمج بعلامات الأرض .. كأن الفنان لا يغادر أقدم حداثة : الإنسان تجاه الخارج ، مع اننا لا نقدر إلا ان نتوقف عند جدليته التاريخية . فالسلب يفسر استحالة المقاومة ، والانحياز عدا ان شفافية الأحلام ، تبقى تحمل إيماءات الأمل . انه ليس الوهم ، إلا بالقدر الذي يتشكل داخل بنية الفن : ضرورته .. وكل هذا الذي يمتلك باثات النجاة . ان نذير اسماعيل ، الفنان عربي ، يجعل من الأرض ، أشكالا تستدرجنا إليها : تحفر .. وليس للغائب إلا تشّكل حضور الأطياف .

وأخيراً

قد لا يتطلب فن التصوير ، يتساءل البعض ، كل هذا التوغل والجهد ، لولا اننا ، ببساطة ، لو رفعنا هذه الفنون وأبعدناها عن الذاكرة ، نبقى بلا تاريخ ..! بمعنى ، بلا حاضر تحركه مستقبلياته . انه ليس وهما ، ان يكرس نذير اسماعيل ، قراءة لمئات الوجوه التي كونتها التجارب ، والتأملات . فالفنان ، في نصوصه الأثرية ، الأقرب الى أختام أكد وحضارة الفرات القديمة ، يجاور عصره : انه ينحت ، يحفر ، يرسم ، شوا خصا للذكرى . فالتاريخ - في رحلته الجمالية –تدوّنه الأحداق : الملامح القاسية ، المحذوفة ، الخرساء ، المبتورة ، ولكن التي تبقى تريد استعادته : أحلام كائنات بشرية لم تكتف بالهجرة نحو الداخل ، بل صارت ، في النص ، تحلم أحلاما ً يصير الفن فيها زمانا ً للأمل ، ومدرجا ً للامتلاء .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6514982   Visitors since 7-9-2002