المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

الكاتب الأميركي بول اوستر في أول حديث من نوعه لصحيفة عربية

  
أميركا هي على الأرجح الأكثر عداء للثقافة والأقل اهتماما بالفكر في العالم
  
حوار : جمانة حداد
  


بدأت القصّة مثلما تبدأ كل القصص الجميلة: فكرةٌ بدت مجنونة للوهلة الأولى، وأكثر انتماء الى الرغبات منها الى مفهوم "المشروع"، ثم ازدادت تبلورا ووضوحا مع الوقت، الى ان اصبحت هدفا قابلا للتنفيذ. وعندما ارسل لي بول اوستر رسالته الجميلة بخطّ يده، تلك التي يوافق فيها أخيرا على اجراء المقابلة، لا اخفي أني شعرت بشيء من الفرح الذي يوازي انبهار الطفل بهدية غير متوقعة. فصحيح اني كنت أعمل منذ مدة ليس بقصيرة على نيل الحوار، إلا أنني فوجئتُ رغم ذلك، وربما كان جزءٌ مني يشكّ في ان يوافق، وهو الذي يضنّ بالأحاديث حتى على أكثر الصحف والمجلات الغربية شهرة وانتشارا. "عزيزتي السيدة حداد، قال، لم اكن اعرف البتة ان لي قرّاء في العالم العربي. يا له اكتشافا رائعا! بأي لغة تقرأونني يا ترى، بالانكليزية أم بالفرنسية؟". "بالاثـنتين، أجبتُـه بافتخار، فنحن اللبنانيين نتـقن لغات كثيرة". طبعا، آثرتُ ان لا اعترف له بأن "ثلاثية نيويورك" و"في بلاد الأشياء الاخيرة" قد تُرجمتا الى العربية منذ نحو عشر سنين على غير علم منه، وصدرتا في بيروت بالذات.

عشـيّة الحديث معه، أحسستُ بشيء من الرهبة. فهذا هو الرجل الذي تمجّده الصحافة الادبية الغربية وتصفه بالأسطورة. لكنّي ما ان سمعت صوته على الهاتف للمرة الاولى حتى اختفى اي ارتباك فورا. شعرتُ بأنه قريب جدا مني كإنسان، بعدما كان قريبا ومألوفا ككاتب أتابعه منذ زمن. "انكليزيتكِ ممتازة"، قال لي بنبرة فيها الإعجاب والدهشة. طليق اللسان هو اوستر، إجاباته بسيطة لكنها عميقة ومتعددة الطبقة، وتواضعه صادق وغير مفتعل ولا يتعارض مع كونه رجلا أنوفاً جدا.

إنطلقت شهرة اوستر عالميا مع رواية "ثلاثية نيويورك"، ولم يكفّ اسمه عن الترسّخ منذ ذلك الحين. وُصِفت أعماله بكتابة ما بعد الحداثة وما بعد الوجودية، واستفزّت عددا لا يُحصى من الدراسات والمقالات والتحليلات، لكني اخترتُ هذه المرّة الإفساح أمام تحليله الخاص لها، فمن افضل من الكاتب ليروي نفسه وقلمه؟ والحقيقة أن ما سأورده هنا على مدى حلقتين ليس سوى مقتطفات من حديثنا الذي طال وتشعّب، فهو لم يكتف بالاجابة عن اسئلتي، بل طرح علي اسئلة كثيرة بدوره، عن عالمنا وحياتنا وأدبنا. وكنت اشعر بنظرته الثاقبة الشهيرة تخترقني كلما واجهتُـه بموضوع يتطلب قدرا من التركيز، وبعينيه تبرقان حبّا كلّما أتى على ذكر زوجته سيري، شريكته منذ نحو عشرين عاما. وقد اضطررنا الى التوقف عن الكلام بضع مرّات: مرّةً لأنه انزعج من الصخب بسبب تشغيل المكنسة الكهربائية في الغرفة المجاورة لغرفته، والمرّات التالية لأنه كان يريد إشعال سيكاره الصغير الذي لا يفارق اصبعه قط.

* لنبدأ من الصرخة الأولى، من لحظة اكتشافك أنك تريد ان تكون كاتبا: متى عرفتَ ذلك، في أي مرحلة من حياتك؟ فأنا أعلم أنك مارست عدة وظائف، ومنها غريب جدا، على غرار بحّار او عامل في مزرعة مثلا...

* أعتقد أن الولادة التي تشيرين اليها تمّت على الارجح عندما كنت في السادسة عشرة من العمر. لطالما كنتُ قارئا نهما، وكنت أكتب القصائد والقصص حتى في صغري. لكني اعتقد اني اصبحتُ جديا حيال المسألة في السادسة عشرة، فقلت في نفسي: هذا ما أريد فعله في حياتي. رحتُ أكتب النثر والشعر على السواء، لكني اتجهتُ كليا الى الشعر بعد ذلك ببضعة أعوام، وتحديدا خلال حرب فيتنام. اذ كنت يومذاك طالبا في جامعة كولومبيا في نيويورك، وكانت لدي قناعات سياسية قوية بينما البلاد تشهد حال غليان واجواء مشحونة بالضغوط، فتنازعتني رغبتان متناقضتان: الرغبة في المشاركة في شؤون بلادي العامة والالتزام سياسيا، والرغبة في الجلوس وحيدا في غرفة معزولة وكتابة القصائد والروايات. ولما كنت قد تعلمت الفرنسية في المدرسة، أتيح لي أن اطّلع على الأدب الفرنسي، وسحرني الشعراء السورياليون لأنهم استطاعوا تحديدا الجمع بين هذين النقيضين، فهم لم يكونوا يريدون تثوير الشعر فحسب، بل تثوير الحياة أيضا وخصوصا، ولذلك اتخذتهم مثالا وافتتنتُ بهم الى اقصى الحدود، وخصوصا اجملهم وأصفاهم بول ايلوار، وقد أذكوا نار حماستي لكتابة الشعر. طبعا لم اكن يوما متأثرا بهم في كتاباتي.

* هكذا بدأتَ مع الشعر، ثم انقطعت عن الكتابة كليا، وعندما عدتَ الى احضانها في اواخر السبعينات، وتحديدا عام 1978، اتجهت مباشرة نحو النثر. وبدا كما لو انها بداية جديدة لك، ومفصلا بين مرحلتين مختلفتين من حياتك كاتبا، الأولى كشاعر والثانية كروائي. ولم تعد الى الشعر مذاك، رغم ان كثيرين يتأرجحون بين الشعر والرواية من دون أن يعيشوا عملية فصل قاطعة بينهما. فلم قرار التحوّل الحاسم هذا لديك؟

* ما حصل معي في الحقيقة أكثر تعقيدا وغرابة وقدرية من مفهوم القرار. فكما ذكرت، لطالما كنت أكتب النثر منذ بداياتي، الى جانب الشعر طبعا، وكان طموحي الحقيقي أن أصبح روائيا. وخلال أعوام مراهقتي كنت أكتب الكثير من النثر لكني لم اكن راضيا عنه ولم اكن اريه لأحد. في المقابل شعرت اني احقق تطورا أكثر أهمية في الشعر، فازددت غوصا في هذا الاتجاه، وقلت لنفسي بمرارة: ربما لا أملك موهبة كتابة الرواية. وفجأة، في تلك المرحلة بالذات، اصطدمت بجدار مرعب. لم أعد استطيع الكتابة، وبتّ عاجزا عن توليد قصيدة واحدة. في اختصار، علقت في ما يشبه الفخ. ومرّ وقت لم اكتب فيه اي كلمة، باستثناء رواية بوليسية نشرتها بإسم مستعار بغية تحصيل بعض المال.

* تلك التي عدت وأوردتها أخيرا كحاشية في كتابك "أيام التقتير"؟

* بالضبط، حاشية من 250 صفحة، الأطول من دون شك في تاريخ الحواشي! وعندما رجعتُ الى الكتابة مجددا بعد حين، صار الكلام يولد مني نثرا. كان امرا غريبا للغاية في الواقع، وطبيعيا وفطريا في الوقت نفسه، واني عاجز حتى عن تفسيره. لم أتخذ أي قرار بل اتُخذ القرار عني وجلّ ما فعلته هو الامتثال. وانتِ على حق، فكأني ولدت مرتين كاتبا: فجأة مات الشاعر وولد الروائي. والأوقات الوحيدة التي أكتب فيها اليوم شيئا يدور في فلك الشعر هي المناسبات العائلية، على غرار اعياد الميلاد مثلا، حين اكتب اشعارا مضحكة ومسلية. فضلا عن اني كتبتُ خلال الاشهر الستة او السبعة الاخيرة نصوص أغنيات لبعض الموسيقيين، لكني لا اعتبرها قصائد، بل تجربة مختلفة في حياتي. وسوف تؤدي هذه الاغنيات فرقةٌ صغيرة من حيّ بروكلين حيث أقيم، اسمها one ring zero، وهي فرقة تستخدم آلات موسيقية وتقنيات تسجيل غريبة وغير مألوفة، في إطار ألبوم مثير للاهتمام تحت شعار "مشروع الكاتب". وفكرة الألبوم هي انه سيكون معتمدا بكامله على نصوص من أدباء مختلفين، على غرار مارغريت اتوود وجوناثان ايمز ودنيس جونسون ودنييل هاندلر وريك مودي وسواهم كثر. إنها فرقة شديدة الارتباط بالحياة الثقافية هنا، ونحن نعمل معا ايضا على مشروع آخر هو البوم غنائي لابنتي صوفي التي بلغت أخيرا السادسة عشرة من العمر وتملك صوتا رائعا، لذلك كتبت لها بعض الاغنيات. وهذه أيضا تجربة مسلية وجديدة لي.

* في الحديث عن التجارب الجديدة، انت متنوع للغاية، إذ خضت أيضا تجربة إخراج مع سيناريو "لولو على الجسر". فهل ارضتكَ تلك الخطوة الى حد تكرارها؟

* كانت تلك فعلا تجربة مسلية وممتعة بدورها، وانا سعيد جدا لأني قمت بها، لكني لا أعرف اذا كنتُ لأكررها. فصناعة الافلام تستهلك الكثير من الوقت، ويتطلب تنفيذ الفيلم حدا ادنى من سنتين او ثلاثة، ولا اظن اني املك الرغبة في التضحية بالكتابة وتكريس وقتي لهذا الموضوع. لقد انهمكتُ حتى الآن في ثلاثة افلام مختلفة، وقد شكّل هذا الجانب محض فصل اضافي مغن في حياتي، خصوصا أنه من النادر ان يتسنّى لرجل في اواخر اربعيناته ان يقوم بشيء جديد، بل غالبا ما يكون عالقا في عالمه وقراراته المهنية. أما وقد سنحت لي الفرصة لكي اتعلم بعض الامور عن فن جديد لم اكن اعرفه عن كثب من قبل، لا شك في أني عشتُ مرحلة مدهشة ومنشّطة، ناهيك بأنها مفيدة جدا على الصعيد الانساني، لكني لا اعتقد أني سأكررها. في اي حال، لا يمكن التنبوء بالمستقبل، ومن الصعب جدا ان نقرر اي شيء سلفا، فالحياة تجرفنا الى اتجاهات لم نكن لنتخيّلها.

* كثيرة هي التجارب الابداعية التي انطلقت من رواياتك، ففضلا عن اقتباس احداها للسينما وتحويلها فيلما، وهي رواية "موسيقى الحظ"، حوّل الرسام الشهير آرت شبيغلمان "مدينة الزجاج" قصّة مصوّرة، ومن اعمالك ما حوِّل ايضا مسرحية وباليه وحتى اوبرا. فكيف تتفاعل مع رؤى الآخرين الخلاقة متقاطعة مع رؤاك؟

* فعلا، لقد حصلت معي امور غريبة، استثنائية، رائعة في هذا الاطار، ويعجبني ان توحي كتاباتي برؤية ما الى فنان آخر، أكان رساما ام موسيقيا ام مسرحيا ام راقصا ام سينمائيا. ربما أكثر هذه القصص تأثيرا فيّ هي تلك التي تناهت إليّ أثناء حصار ساراييفو في التسعينات، عندما كانت الحرب هناك في ذروتها، اذ اكتشفتُ أن أحد المخرجين المسرحيين قد حوّل روايتي "في بلاد الاشياء الأخيرة" مسرحيةً: أي ان كتابي ذاك تمكّن من تجاوز حدود الزمان والمكان ومن مخاطبة شخص يعيش ظروفا مأسوية في مدينة مدمّرة في جزء آخر من العالم. اجد هذا التفاعل الخلاق مع كتبي جميلا ومثيرا، وافتخر به طبعا.

* لكننا اذا اخذنا جانب تحويلها افلاما في الاعتبار مثلا، ألم تقل مرارا وتكرارا إن الافلام المقتبسة عن الكتب مخيّبة وتغمط الكتاب حقّه؟

* بلى، فأنا مقتنع أن ليس للافلام عمق الكتب، وغالبا ما ينقصها شيء. السينما فن ساحر وقوي وراق جدا، اذا ما استثنينا الصناعة الهوليودية التي أزدري مفهومها، لكني اجهل ما اذا كان يمكن حقا تحويل الروايات افلاما. طبعا لا يشمل ذلك كتابة السيناريو، وهو ما فعلته في "دخان" و"لولو على الجسر": فعندما تكتبين نصا بنيّـة تحويله فيلما، تكونين في طور "مشاهدته" أثناء كتابته، والنيّة هنا، أو "مصير" الكلمات، مهمّان للغاية. الافلام الجيّدة المقتبسة عن كتب غالبا ما تكون قائمة على روايات غير ناجحة في جسدها المكتوب. تروفو مثلا حقق افلاما رائعة استنادا الى كتب ليست رائعة على الاطلاق، بل هي من الدرجة الثانية، على غرار "عازف البيانو" مثلا. في المقابل، عندما يكون بين يدي المخرج نص ادبي معقد، من الصعب جدا عليه تحويله فيلما ناجحا وترجمته الى صور، خصوصا في ما يتعلق بي لأني روائي "غير سينمائي" الى حد كبير: اذ ليس ثمة حوارات كثيرة في كتبي، فضلا عن تقشّفي في الوصف الجسدي، واجتنابي الانتقال من مشهد الى آخر في تسلسل متوقَّع. كتبي سردٌ متواصل للشخصيات التي تسكنها.

* وكيف تطرد هذه الشخصيات بعد الانتهاء من كتاب ما؟ الا تسكنكَ أيضا وتحوم حولك باستمرار؟

* طبعا، كيف لا! خصوصا أني احتاج عادة الى وقت طويل جدا لكي اكتب رواية ما، وأفكّر فيها طوال أعوام قبل ان اشرع في كتابتها. أفكّر وأفكّر حتى تصبح تلك الشخصيات جزءا من حياتي وهواجسي ولاوعيي، حتى تعيش معي وأصير اعرفها جيدا كأنها شخصيات حيّة، لا بل ربما أكثر من الأحياء لانها لا تفارقني هنيهة. لكنّ الغريب في الامر هو أنّي عندما انهي الكتاب وأطلق سراحه بين الناس، تظلّ تلك الشخصيات داخلي، تعشّش وترفض الرحيل، ولا اظن انه سيمكنني التخلص منها يوما...

* لا بد انك إنسان "مكتظ" للغاية إذا، اذا ما فكّرنا في الجموع التي لا بدّ تسكنك منذ روايتك الأولى وحتى اليوم!

* (يضحك) صحيح، هناك عجقة في الداخل، ولكني أيضا شاسع وفسيح ولدي مناطق كثيرة غير مأهولة، لذك آمل في استقبال المزيد من الزوّار قريبا!

* احد "زائريك" كان بول اوستر نفسه، الذي استضفته مرّة في "ثلاثية نيويورك"، وتحديدا في "مدينة الزجاج". هل كانت تلك تقنية تهدف الى تصعيد غموض الرواية وغرابتها، ام انها تعكس مفهومك عن الكتابة وعن حتمية "تورّط" الكاتب في كتبه؟

* أحد ابرز الأسباب التي دفعتني الى فعل ذلك موجود في كتابي "المفكّرة الحمراء"، وهو اتصال هاتفي وردني مرتين ليلا من طريق الخطأ من جانب شخص يسأل عن وكالة تحرّ. من ذاك الاتصال الليلي ولدت فكرة الكتاب الأولى، وكان مفهوم توريط نفسي في القصة جزءا منها من الأساس. في الوقت نفسه، لطالما كنت مهتما الى ابعد الحدود بالانحناء على الفرق بين ذات الكاتب وذات الانسان، فهما شخصان مختلفان للغاية. قد يخيّل للقارىء انه يعرف الانسان لأنه يعرف الكاتب جيدا، لكنّ ذلك محض وهم. وكان بمثابة تحدّ لي أن احمل إسم الكاتب من الخارج، من موقعه المطمئن على الغلاف، وأن أضعه داخل الكتاب لكي ارى ما يمكن ان يحصل، وكيف يمكن ان يتفاعل الكاتب كشخصية مع عوالم كتابه وضغوطها. والطريف والمميّز في اوستر-الشخصية في "مدينة الزجاج" ان كل ما يقوله تقريبا هو نقيض تام لما يؤمن به اوستر-الكاتب. على سبيل المثال، ذلك الخطاب الطويل الذي يلقيه عن دون كيشوت لا يعكس رأيي الحقيقي في ذلك الكتاب ولا في الادب عموما. اعتقد اني حاولت من خلال اوستر الشخصية ان اسخر من اوستر الكاتب واوستر الانسان على السواء، أي ألا آخذ نفسي على محمل الجدّ. اوستر ذاك ليس انا. نعم، انه يشبهني، ويحمل اسمي، وله الزوجة والابنة نفساهما، لكنه ليس أنا. فرغم ان حياة الكاتب وادبه يصبحان لصيقين احيانا الى حد انه يستحيل الفصل بينهما، إلا أنني أشدّد على ان اوستر الذي يكتب رواياتي ليس نفسه اوستر الذي يدفع فواتير الكهرباء ويخرج النفايات الى الشارع ويغازل زوجته. انه بكل بساطة جزء مختلف مني.

* لكنك موجود رغم ذلك في بعض اعمالك، وخصوصا في مقالاتك الطويلة في "لماذا أكتب" و"تقرير عن حادث"، فضلا عن أنك كتبت جوانب من سيرتك الذاتية في"اختراع الوحدة" و"أيام التقتير" مثلا...

* صحيح، ولكن رغم تناولي جوانب من حياتي في هذين الكتابين الأخيرين، لا اعتبرهما من نوع السيرة الذاتية. فـ"اختراع الوحدة" هو ما قد أسميه تأملا في بعض مسائل الحياة المهمة على غرار الآباء والابناء والحياة والموت. انه قصة من قصص حياتي، وانا داخله كجزء من السرد. أما "أيام التقتير" فأنا موجود فيه ايضا لكنه محض جزء مني: إنه على الاصح دراسة وتأمل في مسألة المال، او بالاحرى في مسالة الافتقار الى المال. لقد ظللتُ اهجس بهذا الموضوع أعواما طويلة، وكانت فكرتي الاساسية ان اكتب نصّا مجرّدا وفلسفيا عن المال، لكن فجأة اصبح الموضوع شخصيا وذاتيا للغاية. فنقلتُ في الكتاب جانبا من حياتي، الجانب الذي كافحت فيه لأعيش واكسب ما يكفي من المال لكي أكرّس نفسي للكتابة، خصوصا اثناء مرحلة اقامتي مدة سنتين ونصف سنة في مدينة باريس، وهي مرحلة كانت رغم صعوبتها رائعة لأنها أغنتني واتاحت لي تحقيق ما كنت بحاجة اليه آنذاك، ألا وهو الابتعاد عن بلدي ووضع مسافة بيني وبينه والتنفّس بعيدا عنه لكي اكتشف ما اذا كان في وسعي الكتابة حقا. اعرف ان الحديث عن المال هو بمثابة تـابو، لكنّ العيش من دون مال هو احدى اسوأ اللعنات التي قد تصيب الانسان في هذا العالم المادي والرأسمالي والمعولم الذي نعيش فيه، وذلك ما حفّزني على كتابة "أيام التقتير".

* لا بد ان الانفاق من مال الكتابة شعور رائع ومكافىء جدا، ففي عالمنا مثلا، مفهوم تحصيل لقمة العيش من الأدب غير منتشر وشبه غائب تماما ما عدا بعض الاستثناءات، ونشعر دائما بأننا مضطرون الى سرقة الوقت لكي نكتب. أما الآن وقد بتَّ تملك المال، علام يحلو لك إنفاقه؟

* يجب ان اعترف لكِ بأني اشعر أني محظوظ، محظوظ للغاية، لأني قادر على أن أعيل عائلتي من الكتابة. لم أظنّ يوما ان ذلك قد يكون ممكنا، ولم تكن الفكرة تخطر لي، حتى في اكثر أحلامي جنونا وفلتانا. طبعا، لم ابدأ في كسب المال الا عندما اصبحت في الاربعين تقريبا، وقد خضتُ معركة طويلة من الكفاح ومن الحرمان في حياتي. ما أملكه اليوم ليس هائلا، لكنه من دون شك يجعل حياتنا مريحة، واجمل وألذّ ما في الأمر هو انني بتّ أملك ترف عدم القلق في شأن المال بعد اليوم. اما على صعيد شراء الامور، فأنا لست انسانا استهلاكيا على الاطلاق. أكاد لا اشتري شيئا ويصعب علي الدخول الى المتاجر. لا انفق المال، الا اذا استثنينا الكتب والالبومات الموسيقية، ودفع الفواتير المترتبة علي. في ما يتعلق بثيابي مثلا، زوجتي هي التي تشتريها لي دائما. تخرج وتعود وتقول لي: اليك هذه القميص او هذا البنطلون، فأشكرها وألبسهما، هكذا بكل بساطة. لكني مطمئن واشعر حقا بأني محظوظ، وانا ممتن للحياة ولقرّائي على هذه المعجزة.


* وقرّاؤك هؤلاء، هل تفكر فيهم عندما تكتب؟

* لا، لكني أشعر بأني أتوجه الى احدهم، وبأن الكلمات التي اكتبها مرصودة لشخص آخر. لا اعرف من هو هذا الشخص، هو ربما القارىء المثالي، لكن لا شكل له. اؤمن كذلك بأن الكتب يصنعها الكتاّب والقراء معا. اجل، القارىء يصنع الكتاب ايضا، ولكل قارىء كتابه المختلف، اذ انه يحمل الى كتابي الذي بين يديه ذكرياته وافكاره وتجاربه واحلامه الخاصة. لا بل سأذهب أبعد من ذلك: إن القارىء هو الذي يخلق الكتاب في آخر المطاف، والجميل في الأدب، وما يجعلني اصرّ على انه لا يمكن ان يموت رغم كل ما يحكى عن موته المزعوم، هو أنه المكان الوحيد في العالم حيث يستطيع غريبان ان يلتقيا حول مواضيع حميمة جدا من دون أي حرج وان يشعرا بهويتهما الإنسانية المشتركة. هذا الشعور هو ما يجعلنا نذهب الى الكتب، هو ما يجعلنا نتوق اليها ونحتاجها. ولا تجربة فنية اخرى تضاهي هذه، لا اللوحات ولا الافلام ولا الموسيقى. في الكتب وحدها نستطيع ان نجد هذا النوع من الاستبطانية، من الالتفاف على الداخل، على جوهر الاشياء. القراءة لقاء بين شخصين، بين الكاتب والقارىء، بين كاتب وقارىء ربما غير متزامنين ولا ينتميان حتى الى العصر نفسه. وهي تجربة ذاتية للغاية لأن كل شخص يعيش ذلك اللقاء ويدركه على طريقته. والدليل الاكبر على اني اسعى الى هذا اللقاء بالذات في كل ما أكتبه، هو اني لم استطع يوما ان اكتب يومياتي. حاولتُ ان افعل ذلك حين كنت اصغر سنا، لكني لم استطع المضي قدما في التجربة لأني لم اكن "ارى" قارئي، ولم يبد منطقيا لي ان اكتب عن نفسي لنفسي، وألا يكون ما اكتبه مرصودا لآخر.

* ومن هو قارؤك الأول؟ أهي زوجتك سيري؟

* فعلا، سيري هي دائما قارئتي الاولى وشريكتي في كل عوالمي، وهي الناقدة الاهم بالنسبة لي ورأيها اساسي في ما اكتبه. أعرف اشخاصا كثيرين عاشوا تجربة الزواج من شريك من العالم نفسه وفشلوا، لكني لا افهم سبب هذا الفشل، حقا لا افهمه: اذ ما الذي يمكن ان يكون افضل واجمل من ان نعيش مع شخص يفهمنا ويحدس بما نقوم به، شخص ينتمي الى كوكب الاهتمامات والمشاغل الذي ننتمي اليه نحن؟ عندما التقيتُ سيري، كانت تجربة صادمة وحاسمة، اذ وقعت في حبّها بجنون منذ اللحظة الاولى، وعرفت انها "هي". لغزٌ كبير هو وقوع المرء فجأة في حب شخص بالكاد يعرفه. هي طبعا امرأة جميلة، لكن هناك جميلات كثيرات في العالم ولا اشعر بأي انجذاب نحوهنّ على الاطلاق، اذا ليس الجمال وحده هو الموضوع. انها شعلة التواطوء والشغف والانجذاب "القدري" التي تشعرين بها ازاء انسان آخر، والقدرة على التواصل معه، والتناغم الايروسي الجوهري طبعا، فضلا عن اهمية الثقافة والذكاء. فأنا لم أتمكن يوما من الوقوع في حب امرأة ليست ذكية او مثقفة، امرأة لا استطيع الحديث معها. عندما تجتمع كل هذه العناصر في امرأة واحدة، فتلك هي المرأة التي يريدها الرجل دون كل نساء الارض، تلك هي التي ينتظرها، ولا يمكن اي امرأة اخرى ان تحلّ مكانها، ولذلك تجدينني حريصا على الحفاظ على هذا الحبّ وعلى استحقاقه دائما وعدم التـفريط به.

* يبدو لي ان تجربتكما مميزة كثنائي، فسيري روائية ايضا، وعموما عندما يكون الزوجان من العالم نفسه قد تولد بعض المشاكل رغم لذة التواطؤ بينهما، اذ يغلب التنافس والنرجسية احيانا على الحب...

* صحيح، فكما ذكرتِ سيري روائية ايضا، لكني اؤدي معها الدور نفسه الذي تؤديه هي معي، فاقرأ ما تكتبه بدوري واعطيها ملاحظاتي. اتفقنا منذ البدء على ان نكون صادقين للغاية في ردودنا، والا ما جدوى مشاركة العمل مع الآخر؟ لا يعني التعليق السلبي انك لا تدعمين الشريك، بل ان ما يقوم به يهمّك الى حد انك تريدينه ان يكون افضل ما يمكن ان يكون. ولذلك تدفعينه الى ان يعطي اكثر ما عنده، تحرضينه، تستفزينه. في طور كتابتي رواية ما، انزع الى قراءة ما كتبته لسيري مرة كل شهر تقريبا. فعندما تصبح لدي 20 او 30 صفحة جديدة، نجلس معا واقرأها لها بصوت عال. القراءة بصوت عال تسمح لي ان أتلقى ما كتبته على نحو اكثر موضوعية وتجرّدا، وان ادرك مكامن القوة والضعف فيه، وتعليقات سيري مهمة جدا بالنسبة لي، حتى ولو اكتفت بأن تقول: جيد، جيد، تابع القراءة. فهي تعطيني احيانا ملاحظات دقيقة وصائبة وذلك يساعدني الى حد كبير على تحسين تواصلي مع قارئي. فمدهش هو اللقاء بين الكاتب والقارىء ومدهشة قدرة الكتب على مخاطبة قلوب الناس وعقولها في شكل مباشر، ولذلك علينا إعطاؤها افضل ما لدينا.

* لا بد انك تختبر هذا الشعور كقارىء بدورك. كيف يخاطبك كاتب او كتاب ما؟

* نعم، هذا شعوري ازاء دون كيشوت مثلا، فالكتب الحقيقية تعيش الى الابد، لا تنفك تولد من جديد وتتجدّد كلما لمسها وجدان قارىء من جيل جديد. منذ وقت قصير مثلا، نشرتُ كتابا لم يكن معروفا للروائي الأميركي من القرن التاسع عشر ناثانيال هاثورن، وقدّمت له بنص طويل. وقد وجدتُ انه من الرائع ان اعود الى الغوص في حياة هاثورن وكتاباته ومخيلته. وهو، من بين كل الكتّاب الاميركيين، اكثر من يخاطبني بعمق، وصاحب الصوت الأكثر قدرة على اختراقي. احبه كثيرا واقرأه باستمرار، وإن كان لا يعلم مدى تأثيره فيّ.
* ربما يعلم...
* أجل، ربما. من يدري؟ (صمت) تعرفين، أشعر الآن أننا في إحدى رواياتي (يضحك).

* ومن يعجبك من معاصريك من الكتّاب الاميركيين؟ مثلا ما هو الكتاب الموجود قرب سريرك اليوم؟

* أقرأ الان كتابا اسمه "اختراع موريل" لكاتب ارجنتيني اسمه ادولفو كازاريس، هو صديق حميم لبورخيس. إنه كتاب مثير للاهتمام، رواية تتشابك فيها الفانتازيا مع المغامرات وتقف عند الحدود بين الهلوسة والواقع. لكن اذا كنتُ لاختار الكتاب الذي لا يفارقني ابدا ولا اتخلى عنه واعود اليه باستمرار فلا بد ان اقول انه "دون كيشوت" لسرفانتس. انه الكتاب الذي يحوي كل الكتب في رأيي، والرواية التي تستكشف فكرة الرواية على نحو اشمل من اي رواية اخرى قبلها وربما حتى بعدها. كنز لا ينضب من الافكار والعواطف وحس الفكاهة هو "دون كيشوت"، وتحفة أدبية حقيقة من دون شك. ستصدر قريبا ترجمة جديدة له بالانكليزية، وإني انتظر بشوق أن اعيد قراءته من خلالها. أما في ما يتعلّق بالشق الأول من سؤالكِ عن الكتّاب الأميركيين المعاصرين، فعالمنا واسع للغاية ومتنوع ومتشعّب وغني، وثمة اليوم عدد هائل من الكتّاب الذي ينتجون إما كتبا جيدة او جيدة جدا او ممتازة. هناك كتّاب يتلاءمون مع كل الاذواق الأدبية في الولايات المتحدة، والطريف في الأمر، أو المفارقة على الاصحّ، تكمن في أن اميركا هي على الارجح البلد الغربي الاكثر عداء للثقافة والأقل اهتماما بالفكر في العالم، اذا ما قورنت باوروبا وحتى بعواصم اميركا اللاتينية. ورغم ذلك ها نحن ننتج كتابا وفنانين عظماء، ولا اعرف السبب. لدينا عدد كبير من الكتّاب الجيدين، ولكن ليس لدينا عدد يوازيه من القراء. فالشغف بالكتب الى تراجع، وهو لم يكن يوما مرتفعا عندنا في اي حال. في بلدان اخرى، على غرار فرنسا مثلا، يظهر الكتّاب على شاشات التلفزيون، والناس يريدون رؤيتهم والاصغاء اليهم، أما هنا فلا يحصل ذلك قط. وما يميل الناس الى قراءته عموما هو الروايات الشعبية على غرار كتب ستيفن كينغ او دانيال ستيل. لكني من حين الى آخر اتلصص على عناوين الكتب التي بين ايدي الناس في الميترو، فألتقي بشخص يقرأ لتولستوي مثلا، وهذا يشعرني بسعادة غامرة.

* في رسالتك إليّ، كتبتَ تقول إنك ديناصور، ولا تستخدم الكومبيوتر، وقد لفت ذلك انتباهي في عصر يحكى فيه الكثير عن سهولة الكتابة على الكومبيوتر وفي بلد كأميركا يرعى التطور التكنولوجي بامتياز. كيف تكتب اذا، هل تستخدم القلم، ام الآلة الكاتبة؟ وهل عندك موقف من التكنولوجيا يجعلك تمتنع عن استخدام الكومبيوتر؟

* لا، لست ضد اجهزة الكومبيوتر على الاطلاق، بل اظن أنها مفيدة جدا، لكن الواقع المحزن هو اني شخص لا يجيد التعاطي مع الادوات التكنولوجية. اكتب بواسطة قلم الرصاص في دفتر- دائما استخدم الدفاتر- وفي آخر كل يوم، اذا ما حققتُ شيئا جديرا بالذكر، أطبعه على آلتي الكاتبة القديمة اولمبيا، عشيقتي الوفية التي ترافقني منذ زمن وتربطني بها علاقة مميزة. انا معتاد على هذا الروتين ويريحني الى حد انني لم اكلف نفسي عناء التغيّر. من جهة اخرى، عندما بدأ الناس في استخدام الكومبيوتر، سمعت قصصا مرعبة عن كبسة الزر الخاطئة او انقطاع الكهرباء اللذين يمحوان تعب أيام كاملة. وبما انني لا اتفق جيدا مع الآلات واخرق تماما في استخدامها، اعرف سلفا انه اذا كان ثمة كبسة واحدة يجب الا اضغط عليها، لا مفر من ان يؤول بي الأمر الى الضغط على تلك الكبسة بالذات! (يضحك)

* وهل عندك طقوس كتابة محددة، اعني المكان، الموسيقى، الكرسي، الخ...

* موسيقى؟ أبدا. انا طبعا شغوف بالموسيقى واحب الكلاسيكية منها والجاز وبعض انواع البوب على غرار توم ويتزعلى سبيل المثال، لكني احتاج الى صمت كامل كي استطيع الكتابة. خصّصتُ لنفسي غرفة في الطبقة السفلى من المنزل، غرفة صغيرة جدا ومحتوياتها متقشفة الى اقصى الحدود، اذ لا تتضمن سوى كرسيّ الأخضر و"عشيقتي" اولمبيا ورسمتين قامت بهما ابنتي عندما كانت صغيرة. قبالتي جدار ابيض تماما، من دون اي زينة، اما النافذة فورائي، أي انني انظر الى الجدار الأبيض وأكتب. عندما تدخلين في العمل يكف العالم الخارجي عن الوجود وتصبحين في مكان آخر. لكني قادر ايضا على الكتابة في امكنة مختلفة، فعندما نسافر مثلا، ابحث لنفسي عن زاوية هادئة واستقر واكتب ولا يشكل الامر فرقا بالنسبة الي. عندما اكون في صدد العمل على رواية ما، تسير الامور في ايقاع روتيني ممل من دون اي عناصر مفاجئة، اذ استيقظ كل صباح واشرب الشاي واقرأ الجريدة. انا مهتم بالرياضة، وخصوصا بلعبة البايسبول التي اتابعها عن كثب وهي اول ما اقرأه. ثم أطلع على السياسة أيضا كي أعرف ان الارض لم تزل تدور فينا. أخيرا انزل الى صومعتي وابدأ الكتابة. تكون الساعة آنذاك قد ادركت الثامنة او الثامنة والنصف، فأعمل حتى وقت الغداء. أتناول الغداء في وقت مبكر عموما، اي في الثانية عشرة والنصف او الواحدة، لاني لا اتناول طعام الفطور فأجوع سريعا. أتوقف عن الكتابة قليلا، واتمشى احيانا، ثم اعود واعمل الى نحو الخامسة بعد الظهر. وبينما اتصارع مع الكلمات في الصباح، فاكافح واناضل لكي اقول ما اريد قوله لأنها، اي الكلمات، تكرهني وتصدني، اعرف تماما ما يجب فعله عندما اعود اليها بعد الغداء، فأصحح ما اخطأت فيه وارى الامور بوضوح اكبر واستطيع التحاور مع شخصياتي في شكل اوضح.


* شخصياتك هذه، قلت مرّة انك عاجز عن الكتابة عنها ما لم تكن تحبّها، وانّك تحبّها حتى ولو لم تكن جديرة بالاعجاب". لم تيار الحب هذا بينك وبينها ضروري الى هذا الحد؟

* لانه من دون تيار العاطفة والارتباط هذا، لا يمكن الكاتب في رأيي ان يدخل الى رأس الشخصيات وافكارها. يجب ان يكون الكاتب قادرا على ان يسكن شخصياته، ان يصبح هذه الشخصية او تلك عندما يكتب عنها. فإذا كان الكاتب يجد شخصا ما منفّرا او جديرا بالكره، لن يسعه ان يكون عادلا ازاء انسانية ذلك اشخص.

* لكن بعض الكتّاب خلقوا وحوشا بالمعنى الأخلاقي والسلوكي. فأليس امتناعك عن تجسيد تلك الشخصيات تجاهلا من جانب الروائي لأحد تجليات واقعنا الإنساني؟

* صحيح، ولكن حتى لدى الوحوش وجه إنساني يجب ان يسعى الكاتب الى ان يفهمه ويدركه ويحبّه. في أي حال اميل شخصيا الى عدم الكتابة عن هؤلاء الوحوش الذين ذكرتهم، ودائما احرص على ان يكون لشخصياتي وجه انساني مشعّ يضيء لهم الطريق في دهاليز هذا العالم.

* دائما نواجه في كتبك دهاليز متشابكة ومعقدة كالبازل، وعددا لا متناهيا من الاحتمالات والطرق، والكثير من الغموض. هل يشبه عالمك الداخلي عالم رواياتك، هل هو على الدرجة نفسها من التعقيد، وهل تعتبر نفسك رجلا غامضا؟

* لا اعرف، انا عاجز عن رؤية نفسي من الخارج. طبعا لي تعقيداتي على غرار الجميع، فليس هناك انسان مسطّح في رأيي، وما نسميه الشخصية او الطباع هو كلام مبهم وغير دقيق. اميل الى ان ارى الانسان كمجموعة اطياف، وهناك اجزاء مختلفة منا تظهر وتعبّر عنا في اوقات مختلفة. نحن لا نشبه أنفسنا في كل الظروف، وكل واحد منّا هو اشخاص مختلفون في ظروف مختلفة. لسنا متماسكين، لسنا منطقيين أوعلى تناغم مع صورة واحدة محددة عنا، بل نحن دائمو التناقض مع ذواتنا. قد نحاول ان نكون ثابتين لكن ذلك مستحيل، فللانسان كما قلت اطياف كثيرة ولذلك فإن مفهوم الشخصية الضيّق والمحدود لا يفيه حقه لأنه يسجنه في اطار محدد ذي تجليات محددة. واني مقتنع بأن معظمنا، واشمل نفسي بهذا الكلام، لا نفهم انفسنا جيدا، بل نحن حتى سر غامض لذواتنا قبل ان نكون لغزا للآخرين.

* وهل تكتب لكي تفهم نفسك افضل؟ هل بالكتابة تتلمس الطريق الى حقيقتك المتعددة الوجه والتعبير هذه؟

* لا، لا يشغلني الموضوع على الاطلاق ولا افكّر فيه، بل يعجبني ان اكون لغزا لذاتي، هكذا احتفظ بالقدرة على مفاجأة نفسي من حين الى حين. اسوأ ما في الحياة هو أن تكون ردود فعلنا متوقعة، لا متوقّعة من جانب الاخرين فحسب، بل من جانب انفسنا ايضا وخصوصا. يجب الا يكون نبش الذات مهمة الانسان الاساسية، فعلى غرار كل المسافات الذكية، من شأن المسافة بيننا وبيننا ان تحفظ نار حبنا لانفسنا مشتعلة. من جهة أخرى، اعتقد اني كاتب لاواع الى مدى بعيد، واللغة هي بالنسبة لي محض اداة، وليست العالم في ذاته. انها الأداة الوحيدة التي نملكها لفهم العالم، لكنها ليست مرادفا للعالم، لا بل انها في شكل ما تحرمنا إياه. اللغة تبسّط وتصنّف وتمنهج، اي انها تحدّ. عالم ادراكاتنا معقد جدا، واشياء لا تحصى تتدفق الينا في اللحظة الواحدة، لذلك فإن اي وضع او حالة او شعور نعيشه لا بد ان يكون ابعد من متناول الكلمات. نحاول ان نطال باللغة العالم وانفسنا، لكنها في رأيي محض مقاربة او تخمين. وافضل ما يمكن الشعراء والروائيين فعله هو تدوين الكلمات على نحو يجعلها توحي على الاقل بكل الاشياء الغامضة التي لا يمكن التعبير منها قط، اي بما هو ابعد منها ويتاح لها ان تلمّح الى وجوده. ذلك هو العالم. ليس ما نكتبه بل ما لا نكتبه. ليس ما نفهمه بل ما نعجز عن فهمه. أنا مثلا لا اعرف كيف تولد قصصي او من اين تأتي ولماذا اشعر بأني مدفوع الى كتابة هذه القصة بهذه الطريقة او تلك. انه أمر لا يمكن تفسيره.

* عجيب كم انك محاط بالاشياء التي لا يمكن تفسيرها. ففي كتبك ومقالاتك على السواء حضور قوي للمصادفات والحظ والقدر، ونعثر على احداث غريبة للغاية.

* صحيح ولكن لم العجب؟ الأحداث الغريبة تقع لنا باستمرار. نحن فعلا محاطون بأشياء لا يمكن عقلنا تفسيرها، والمصادفات هي واقعنا الوحيد. احاول في رواياتي ان امثل العالم الذي اعيش فيه، وان اكون مخلصا لمفاجآت الحياة فأنقلها بوضوح وشفافية. اشدد على كلمة وضوح لأنها في رأيي اكثر الصفات تخريبا وتشويشا. ليس ثمة جمل اكثر وضوحا من جمل كافكا، لكنه في الوقت نفسه اكثر الكتّاب إخلالا بنظام الاشياء وبعثا على البلبلة. لقد قمتُ لسنتين او ثلاث سنوات خلت بمشروع تحت عنوان "مشروع القصة الوطنية"، وكان يقوم على ارسال الناس إلي قصصا من جميع انحاء البلاد، قصصا غريبة تحصل معهم، وقد اخترت أفضلها ونشرتها في كتاب تحت عنوان "كنت اظن والدي إلها". وفضلا عن كون ذلك المشروع رؤية متعددة الوجه عن الولايات المتحدة، هو ايضا تجربة فلسفية، اذ كنت اريد ان ارى ما اذا كانت حياة الآخرين مجنونة وغريبة بقدر حياتي. واكتشفتُ أنّ كل شخص تقريبا يواجه امورا غريبة. تلك هي طريقة عمل الواقع: انه دائما يتحدى توقعاتنا. نريد ان نؤمن بأن ثمة نظام متماسك ومنطقي يحمينا، لكن الامور لا تحصل على هذا النحو. لا اعتقد ان للمصادفات معنى ما، اكان فلسفيا ام وجوديا ام ميتافيزيكيا ام دينيا ام روحيا، بل تلك هي الية تعاطي الواقع معنا، بكل بساطة.


* وهل هناك حدود بين الواقعي واللاواقعي؟ كالفينو مثلا كان يعتبرهما متداخلين.

* اللاواقعي جزء من الواقعي ونحن كبشر جزء من الواقع وعقولنا جزء منا، وما هو موجود في عقولنا ومخيلاتنا، حتى الامور التي لا توجد في العالم المادي الملموس، هو موجود في الواقع. لذلك لا يمكن الفصل بين الخارجي والداخلي، بين الواقعي واللاواقعي. الواقع في الحقيقة هو بمثابة يويو، والتغيير هو الثابتة الوحيدة في الحياة. العالم في رأسي، وجسدي في العالم، اي أن رأسي وتخيلاته ولاوعيه ولا واقعيته هي بدورها جزء من العالم ومن الواقع. ابذل كل جهدي لكي اصوّر في كتابتي الهوة بين الداخل والخارج لكن البعض لا يفهمونها لأنهم يخافون الأمور غير المألوفة. قلتُ مرة ان الكاتب لا بد ان يشعر بأنه منفي، فهو يعيش حياته وفي الوقت نفسه هو خارج حياته ويتأملها تحدث. يشاهد العالم بعين باردة وموضوعية من دون ان يستطيع المشاركة. انها لعنة في معنى ما، اذ يشعر بأنه وحيد ومستبعد ، لكنه ولد هكذا ولا يستطيع تغيير نفسه. تلك هي طبيعة الكاتب وتلك هي علاقته مع الكلمات. علاقة انتماء ومنفى على السواء.

* وما قصتّك مع العناوين؟ فأنت تردد دائما انه من المستحيل ان تبدأ مشروع كتاب من دون ان يكون العنوان في ذهنك سلفا، لكأن العنوان الخلية الاولى من الجنين التي منها تتكاثر الخلايا حتى تشكل انسانا كاملا. وإذا اعتبرنا ان هذا العنوان هو بمثابة نقطة انطلاق، كم تحيد عنه في ما بعد؟

* جميل جدا تشبيهكِ هذا للعنوان بالخلية الاولى من الجنين، وهو صحيح ودقيق في ما يتعلق بي. تصوّري، لم اغير يوما عنوان الكتاب الذي حددته سلفا، ما عدا مرة واحدة ربما، كان ذلك في "موسيقى الحظ"، الذي لم اجد عنوانه الا بعدما صرت في منتصفه. ولكن رغم ان العنوان لا يتغير، لا يعني ذلك ان فكرة الكتاب ومفهومه لا يتغيران، بل يتعرّضان لتحوّلات كثيرة في طور الكتابة. عندما ابدأ على مشروع جديد، اظن انني عارف تماما ما افعله، ثم يروح كل شيء يصبح مختلفا عن تصوري الاساسي. العنوان هو ذلك العنصر الذي يتردد صداه في كل صفحة من صفحات الكتاب، ولذلك هو مهم للغاية ويساعدني. فأنا في الحقيقة اشعر بأني مبتدىء كلما شرعت في مشروع رواية جديدة، كما لو أن ما فعلته سابقا غير مهم. كل مرة احاول الذهاب في اتجاه جديد واستكشاف ارض جديدة. اولد كل مرة من جديد وهذه الخلية التي ذكرتها ليست الخلية الاولى من الرواية فحسب بل هي الخلية الاولى من بول اوستر كذلك. كل الخلايا مترابطة في ما بينها لانها تملك البصمات نفسها، انها توائمي المتعددة، فمهما حاول الكاتب الهرب من نفسه لا مفر من ان يكتشف ذاته من جديد. وهواجسي وشغفي هي حبل السرة التي يربط وجوهي واوراقي.

* وهل تصاب أحيانا بعارض "الورقة البيضاء"؟ هل تخاف من ان تذهب الكلمات الى غير رجعة، ومم تخاف عموما؟

* ثمة مراحل، اسابيع او حتى اشهر، انضب فيها تماما ولا استطيع ان اجد ما اكتبه. ثم فجأة تنتهي الازمة واعود قادرا على الكتابة من جديد. ينبغي الكثير من الصبر ومن فن الانتظار لتخطي تلك المراحل المعتمة، اذ لا يمكن الكاتب فعل شيء ازاءها سوى ان ينتظر مرورها. عندما كنت اصغر سنا كنت ارتعب كلما وقعتُ فيها، اما الان وقد تقدمت في السن بتّ اعرف انها مرحلة وتمضي ولم اعد اخافها. اما ما اخافه حقا، فهو اولا ان يخرج العالم عن السيطرة تماما ويموت المزيد من الابرياء، وايضا من ان يحصل شيء كريه للاشخاص الذين احبّهم، ومن ان افقدهم.
* وانت، هل تشعر بمرور الوقت وتهجس بموتك؟

* نعم، لقد مرت حياتي بسرعة هائلة، ورغم انني اعيش دائما في الحاضر، لا اصدق اني اصبحت في هذه السن المتقدمة. انا اليوم في السادسة والخمسين، ولكن جزءا مني يشعر انه ما زال في الخامسة والعشرين. وفي كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا تحت عنوان "ليلة الوحي"، كل الشخصيات في اوائل الثلاثينات، اي اكثر شبابا مني، لكن احداث الكتاب تدور عام 1982. يطرح الكتاب علاقة الكاتب مع كتابته، وهو مختلف عما سبقه في انه مكثف جدا والشخصيات قليلة ولا يحتل زمنيا سوى اسبوعين، وسوف يصدر في الثاني من كانون الاول هنا في الولايات المتحدة. والحقيقة اني شرعت في كتابته قبل روايتي الاخيرة "كتاب الاوهام"، ثم وضعته جانبا لاني لم اكن اعرف ما العمل به. لكني ظللت اهجس بالقصة حتى أصبحت جاهزة لكي تُكتب. فكما تعرفين، للكتاب توقيته الذي يفرضه وعلينا احترامه، لا ان نستعجله وندفعه دفعا الى الخروج من رحم الصمت. كتابي الجديد هذا يتناول ايضا مسألة الوقت. نعم، انا اشعر بمروره، ولا مفر من ان افكر بالموت واخافه، فالناس تموت من حولنا كل يوم. ادوارد سعيد مات حديثا وكان استاذي في جامعة كولومبيا واعرفه جيدا وحزنت جدا لرحيله، وايضا توفي منذ بضعة ايام صديقي جورج بليمبتون مؤسس مجلة “The Paris review” ورئيس تحريرها منذ عام 1953. وقد عشت شخصيا تجربة غريبة مع الموت لستّ سنوات خلت. فقد ظننت اني تعرضت لنوبة قلبية لكني اكتشفت لاحقا انها لم تكن كذلك. لكني شعرت بآلام مرعبة في صدري، واذكر اني كنت اكتب آنذاك، ثم انهرت فجأة على الارض وفكّرت في نفسي: "ليس سيئا ان ارحل الآن. فقد عشت واحببت وكتبت، واذا كان وقت رحيلي قد حان فأنا قابل بذلك". وربما هذا ما سأشعر به عندما تحين لحظة الموت الحقيقية. آمل ذلك في اي حال، آمل ان تجدني تلك اللحظة مع عائلتي، في بيتي ومدينتي اللذين اعشقهما.

* في الحديث عن المدينة التي تعشقها، هل تصف نفسك برجل مديني؟ اشعر مثلا انك مغرم بباريس وبنيويورك، أليس كذلك؟

* تماما، انا فعلا رجل مدينة، ولا اتخيل نفسي قادرا على العيش في الريف مثلا لوقت طويل. قد احب التنقل بين الريف والمدينة، لكني اعلم في قرارة نفسي اني ابن المدينة رغم اني اكتب في شكل افضل في الريف. اعشق السير في شوارع المدينة بلا هدف محدد مع كلبي العزيز جاك، الذي يبلغ من العمر عشر سنين والذي أعطيته هذا الاسم تيمنا ببطل رواية لتوماس ناش تحت عنوان "المسافر السيىء الحظ". باريس هي المدينة الثانية المفضلة عندي، وقد اكتشفت أخيرا انها باتت اكثر شبها بنيويورك من اي وقت مضى، اذ لم يعد وجهها متجانسا. بل بتنا نرى فيها قسمات من كل انحاء العالم، مهاجرين أفارقة وعرب وآسيويين، مما غيّر نسيج المدينة، واجد ذلك رائعا للغاية. لكن نيويورك هي مدينتي الأولى وانا متعلق بها الى اقصى الحدود، انها مدينة تحوي العالم كلّه بكل بساطة، ولا اعرف اذا كان هناك مكان آخر يشبهها في الأرض كلها. ليست نيويورك مدينة يمكن ان توصف بالجميلة شكلا، وهي لا تقارن ببعض المدن الاوروبية من حيث الجمال الهندسي والطبيعي، بل هي حتى بشعة في بعض نواحيها، صاخبة وقاسية ومتعبة جدا، ولكن رغم بشاعتها ما من مدينة اخرى تضاهيها جمالا، وهي خصوصا مركز وحي وإثارة وتجدّد. ثمة قدر هائل من الطاقة في هذه المدينة لا نشعر به في اي مكان آخر. انصحكِ حقا بزيارتها. أتعلمين ان هناك جالية لبنانية كبيرة هنا؟

* طبعا، وهل انت على اتصال ببعض هؤلاء اللبنانيين؟هل تعدّ اصدقاء بينهم؟

* في هذه اللحظة بالذات، اي اثناء حديثنا، ثمة في الغرفة المجاورة شاعر لبناني شاب في الثالثة والعشرين اسمه جميل. جميل صديقنا ويأتي مرة كل اسبوعين ليساعدنا في حساباتنا، وهو من عائلة لبنانية، لكنه ولد في الولايات المتحدة. من جهة اخرى، عندنا في حيّنا متجر متخصص بالمأكولات اللبنانية اللذيذة التي اعشقها، واسم المتجر "النكهة العالمية"، وهو ايضا ملك عائلة لبنانية وغالبا ما نشتري حاجياتنا منه.
* وهل قرأت يوما لكتّاب عرب؟
* لا ليس حقا، اعرف نجيب محفوظ مثلا، وبضعة اسماء اخرى مترجمة الى الانكليزية، لكن جهلي على هذا المستوى فظيع، ويحرجني الامر لاني مؤمن بأنه على ثقافاتنا الانفتاح الواحدة منها على الاخرى. فصحيح اننا نمر في اوقات مؤلمة ومعتمة اليوم، لكني متيقن من ان هذا وضع موقت ولا بد سنتخطاه. الامر الجوهري الذي يجب على العالم فعله الآن هو ايجاد حلّ للمشكلة الفلسطينية- الاسرائيلية. يجب على اسرائيل العودة الى حدود 1967 وتفكيك المستوطنات، حتى تقوم الدولتان على اسس سليمة وتتوقف اعمال القتل الوحشية المتبادلة. كذلك تحتاج اميركا الى قيادة جديدة، والى تغيير سياستها في مجال الطاقة، فعندما تكف بلادنا عن الاعتماد على نفط الشرق الاوسط ستكف أيضا عن دعم الانظمة الديكتاتورية في تلك المنطقة، وربما آنذاك تتغير الاوضاع في تلك البلدان الى الافضل. كوكبنا صار فاسدا ومهترئا وهو في حاجة ماسة الى العودة الى زمن البراءة والطفولة.

* هلا تحدثنا قليلا عن طفولتك؟ كيف تتذكرها؟ هل تعتبر انها مرحلة صاغت ناحية مهمة من هويتك ككاتب؟

* طبعا، جميعنا مطبوعون بطفولتنا، وهي مرحلة زمنية مهمة في حياتنا. طفولتي كانت سعيدة وطبيعية وهادئة الى حد ما، اذ لم تشهد مآس حقيقية، رغم انّ والديّ لم يكونا على اتفاق وانفصلا. كنت مقرّبا جدا من والدتي التي فقدتها فجأة في العام الماضي، ومن شقيقتي جانيت المصابة بمرض فصام الشخصية وتصغرني بثلاثة أعوام ونصف عام. اعتبر اني كنت محظوظا في طفولتي، خصوصا عندما افكّر في والدي وفي كل العذاب والفظاعة التي عانى منهما بسبب قتل جدّتي لجدّي. إنه لأمر رهيب، وقد أثّر الموضوع عليّ طبعا وإن في شكل غير مباشر، أي من خلال تأثيره المدمّر على والدي. لم تكن طفولتي استثنائية عموما، واذا كنت لأتذكرها، فهناك ربما حادثتان بارزتان فيها وقد رويتهما في "لماذا اكتب": الحادثة الاولى هي عندما التقيت بلاعب بايسبول احبه، فأردت الحصول على توقيعه لكني لم اكن احمل قلما وفوتت على نفسي الفرصة. ومنذ ذلك اليوم صرت لا اخرج من البيت الا والقلم في جيبي، وأعتقد أن هذا التجاور الحميم والمستمر مع القلم أغراني بالشروع في استخدامه. اما الحادثة الثانية فهي تجربة احتكاكي مع الموت للمرة الاولى عندما قُـتل احد اصدقائي في المخيم امام عينيّ بسبب البرق، وقد غيّرت تلك الحادثة الصادمة الطريقة التي ادرك فيها العالم وتركت فيّ بصمة لا تمحى وشعورا بهشاشة الحياة. يومها فهمت اني لن اعيش الى الابد، وما ان نفهم ذلك حتى نتغيّر في شكل جذري ولا يمكن ان نعود كما كنّا.

* سؤال أخير: روايتك "مدينة الزجاج" رفضت من سبعة عشر ناشرا، اما اليوم فأنت حلم اي ناشر، ومترجمٌ الى لغات لا تحصى، والناس يتطلعون الى صدور رواية جديدة لك. فهل تشعر أنك حققت "انتقامك" في شكل ما لأنك أصبحت كاتبا ناجحا ومشهورا وواسع الانتشار؟ وماذا تعني لك الشهرة؟

* نعم، يمكن ان اقول إني سعيد لأن الناس الذين رفضوني ونبذوني في الماضي يتآكلهم الندم الآن! إنه شعور لذيذ (يضحك).أما من حيث الشهرة، فأنا في الواقع لا افكر في نفسي بتلك الطريقة، بل ارى نفسي الرجل البسيط الذي لطالما كنته، ذلك الذي يكافح ويناضل في عمله. ذلك هو واقعي وحقيقتي، اما ما يحصل في الخارج فلا يؤثر بي. أنا اكتب عن رغبة وحاجة، مدفوعا الى الكتابة بأسباب لا اعرفها. والكتابة ليست قراري، بل قدري. لم اخترها بل اخترت منها. حتى انني أشعر في بعض اللحظات، على غرار كل الكتّاب، ان ما اقوم به هو بلا جدوى. لكني دائما اعود لادرك أن جمال الفن وقوته تكمن تحديدا في لاجدواه هذه. وانه لأمر رائع طبعا أن تحصل معي امور كالتي تحصل الآن مثلا، اي ان اكتشف فجأة ان اشخاصا في بيروت يقرأونني ويتابعونني. يسعدني جدا ان يجمعنا هذا الحوار اليوم، ولكن عندما سأغلق السمّاعة ساعود الى حياتي الطبيعية مع زوجتي وابنتي وآلتي الكاتبة وكلبي جاك. ولا تستطيع اي شهرة ان تغيّر حقيقة بول اوستر تلك.

...............

تنشر المادة بموافقة الكاتبة والشاعرة جمانة حداد
عن جريدة النهار
موقع جمانة حداد


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225858   Visitors since 7-9-2002