المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الدكتور علي القاسمي *

  



.
د. علي القاسمي.. قاص وباحث عراقي. ولد في محافظة الديوانية سنة 1942 مقيم في المغرب منذ سنة 1978. تلقى تعليمه العالي في (جامعة بغداد)، و(الجامعة الأميركية في بيروت، وجامعة بيروت العربية)، و(جامعة أكسفورد)، و(جامعة السوربون)، و(جامعة تكساس).
حصل على بكلوريوس (مرتبة الشرف) في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في التربية، ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي. مارس التعليم في جامعات بغداد والرياض والرباط وتكساس، عمل مديرا لإدارة التربية ثم مديرا لإدارة الثقافة في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ثم مديرا للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي. يعمل حاليا مستشارا بمكتب تنسيق التعريب وعضوا في هيئة تحرير مجلته «اللسان العربي».
وهو عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. حائز على وسام الأسد السنغالي من الرئيس الراحل الشاعر ليبولد سنغور، للمساهمة في إنشاء مدارس عربية في داكار.


* في «دوائر الأحزان» زواجت بين الخيال والواقع.. وتوغلت بلغة ابداعية مشرقة في شرائح مختلفة من المجتمع العربي.. ترى كم من قنديل لزمك لتعري عتم مكامن الخلل ومواطن الزلل وتشخيص العلة في ازمة اخلاقية سببها أمية مهيمنة وجهل مطبق وفقر مهين ونخبة مسايرة مرتزقة ؟

- الخيال واللغة الشعرية هما الخاصيتان اللتان تميزان الكتابة الأدبية عن غيرها من أنواع الكتابة الأخرى، كالكتابة العلمية أو الكتابة التاريخية. فإذا بقي النص لصيقا بالواقعي والحقيقي والمعيش، ولم يحلق في طبقات الخيال ولم تزينه لغة أنيقة، فإنه يخرج من دائرة الإبداع الأدبي. فالمبدع، عالما كان أو فنانا أو أديبا، يختلف عن غيره في قدرته الذهنية على تخيل أشياء أو هياكل أو علاقات جديدة. فهو قد يستمد إنتاجه من عناصر موجودة في الواقع، ولكن خياله الخصب يمكنه من سبك تلك العناصر في عمل جديد يتجاوز الأصل والواقع. ويفرق بعضهم بين (الخلق) و (الإبداع)، فالخلق الذي اختص به الله هو إنشاء شيء جديد من عدم، على حين أن الإبداع هو إيجاد شيء جديد من عناصر موجودة.
وعندما يقدم الكاتب على إبداع نص أدبي، فإنه يحرص على صياغته بلغة مؤثرة موحية، تبتعد عن النمطي والمبتذل، وتومض بإشارات وتتوشى برموز، وتتخللها فراغات وبياضات، وتشوبها أسئلة معلقة تتطلب إجابة، وذلك من أجل أن يشحذ ذائقة المتلقي واستنهاض قدراته التخيلية، وحثه على المشاركة في عملية الإبداع عن طريق ملء الفراغات أو محاولة الإجابة على الأسئلة المثارة.
وعلى الرغم من أن الكاتب قد يمتلك قدرة على رصد الظواهر الاجتماعية المحيطة به، وملاحظ التحولات الفكرية والقيمية في مجتمعه، والتنبؤ بالأحداث المستقبلية أو تخيل عالم جديد يتوق إليه، فإنه لا يدعي امتلاك الحلول السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لأن ذلك خارج اختصاصه، إلا إذا كان ذلك الأديب سياسيا أو اقتصاديا في الوقت ذاته. ولكنه قد يعبر عما يشعر به اتجاه تلك الظواهر وتلك التحولات بطريقة لا تضحي بفنه وصنعته.

* كنت ممن اكتووا بنار البعاد عن اوطانهم فاستطعت بالكتابة توفير ملجأ لترميم الذات المشروخة.. حدثنا عن مواسم صقيع غربتك ؟

- كثير من الأدباء اكتووا بنار البعد عن أوطانهم، فأجج فراق الوطن والأهل والأحباب في نفوسهم أسمى مشاعر الحنين والشوق والمحبة. وغادر بعض هؤلاء الأدباء أوطانهم طوعا بسبب إحساسهم المرهف وتأثرهم بما يجري حولهم، وتوقهم الدائب إلى عالم أفضل، وبحثهم المتواصل عن أحلامهم. وللأدب العربي، ومنه الأدب العراقي، تاريخ طويل وتقاليد في الغربة والاغتراب. فقد رحل جلجامش السومري عن مدينته الورقاء بحثا عن نبتة الحياة والخلود. ومات امرؤ القيس غريبا في الأناضول ودفن بجانب قبر امرأة عربية، فخاطبها وهو يحتضر:
أجارتنا، إن المزار قريب وإني مقيم ما أقام عسـيب
أجارتنا، إنا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب
وكان أبو حيان التوحيدي أول من أشار إلى الاغتراب الفكري في كتابه «الإمتاع والمؤانسة» حيث قال: «أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه»، وهذه قضية زادها بحثا الفيلسوف ابن ماجة في كتابه «تدبير المتوحد»، وجسدها شعرا أبو فراس الحمداني بقوله:
غريب، وأهلي حيثما كر ناظري وحيد، وحولي من رجالي عصائب
ونالت الغربة من ادوارد سعيد حينما كان يعيش (خارج المكان) في أميركا وهو يضم منائر القدس وأجراس كنائسها في سويداء القلب وبؤبؤ العين، وازدادت غربته وهو يحاول إعادة بناء عالم طفولته وشبابه بمصطلحات عالم آخر. وهذا ما قاساه قبله أدباء المهجر. وأحرق محمد مهدي الجواهري الظمأ في غربته فقال:
يا دجلة الخير، يا نبعا أفارقـه على الكراهة بين الحين والحين
إني وردت عيون الماء صافية نبعا فنبعا فـما كانت ترويـني
وأنا مجرد فرد واحد من كثير من العراقيين الذين آلمهم فراق الوطن، وأحرقهم سعير الشوق إلى ربوعه. وقد أكملت رواية عن غربتي بعنوان «مرافئ الأحزان» أعدها للنشر.

* لماذا ادخلت في قصة «عصفورة الأمير» ثقافتك التربوية في تكثيف سردي أخاذ لمناقشة عدد من قضايا حضارتنا الاصيلة مثل : الانسان والحب، الجمال، الحلم، الحرية والعدل.

- إن «عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طي النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان» هي وليدة محبتي لأطفالنا ووطننا العربي. إذ ان الغرض منها تعريفهم بمفاهيم حقوق الإنسان والتنمية البشرية وتعويدهم على احترامها وممارستها. وشريحة الأطفال الذين تستهدفهم هذه القصة، تتكون من الفتيات والفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين سن الثانية عشرة والثامنة عشرة. وأنت تعلم أن الكتابة للأطفال هي جزء من العملية التربوية الشاملة ولها
أسسها وضوابطها. فهي تسعى، بالإضافة إلى إمتاعهم وترقية ذائقتهم الفنية، إلى تعميق إدراكهم لقيم الحق والخير والجمال، وتنمية شخصيتهم، وتعزيز قدراتهم اللغوية، الاستيعابية منها والتعبيرية. فقد قدمت هذه القصة كثيرا من المفردات والتراكيب اللغوية الجديدة، لمساعدتهم على إدراك دلالاتها واستعمالاتها من فحوى السياق الذي ترد فيه، وجعلها جزء من حصيلتهم اللغوية عن طريق تكرارها في سياقات متباينة متعددة في القصة.

* برايك ثمة مشكلة كتاب ام كاتب في خضم موجة تزايد الفجوة بين الطرفين في شرقنا ؟

- لهذه المشكلة أسباب كثيرة في طليعتها ثلاثة:
أولا، إن العصر الذي نعيش فيه، يحتفي بالعلم والتكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، أكثر من احتفائه بالأدب والشعر، كما في عصور سابقة.
وثانيا، إن وسائل الاتصال المعاصرة، مثل الفضائيات والحاسوب والشبكة الدولية للمعلومات، تنافس الكتاب وتحل محله،
وثالثا، إن السياسات الإعلامية في بلادنا العربية المتجسدة في وسائل الاتصال، تميل كفتها بشكل كبير إلى الألعاب الرياضية والغناء والرقص، وتهمل البرامج الثقافية والأدبية، و تحط من قيمة اللغة العربية الفصيحة التي تعد أساس وحدة شعوبنا العربية، وذلك بتغليب اللهجات العامية في البرامج، واعتماد اللغات الأجنبية في التعليم العالي وكثير من الأنشطة الحياتية.

* نلاحظ هجرة لا حدود لها للمثقف العراقي قبل الاحتلال وبعده ما هي مقومات عودته لحضن الوطن ؟

- هجرة المثقف العراقي هي جزء من هجرة الأدمغة العربية إلى الغرب. والظروف التي مر بها العراق خلال العقود الأربعة الأخيرة ضاعفت من هذه الهجرة بشكل مريع.
إن عودة المثقف العربي إلى بلاده رهينة بتغييرات جذرية في مجتمعاتنا في طليعتها احترام حقوق الإنسان، وإعمال الديمقراطية، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق التنمية البشرية التي يستطيع المثقف العربي أن يسهم فيها ويخدم وطنه.

* حدثنا عن الجديد من ابداعك الادبي المنتظر؟

- ستصدر لي «دار الثقافة المغربية» هذا كتابا في النقد بعنوان «الحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية». ويتناول كتابي العلاقة بين الحب والإبداع والجنون من خلال دراسات تتناول بعض الأعمال الأدبية المتعلقة بعدد من الأدباء العرب، مثل : مي زيادة، أدوارد سعيد، جمال الغيطاني، عبد الكريم غلاب، عبد الرحمن مجيد الربيعي، محمد عز الدين التازي، صموئيل شمعون.
لقد دلت آخر الأبحاث الطبية إلى وجود علاقة بين الإبداع والجنون. فقد وجد أن الذهان، وهو نوع من الجنون، ينتقل من الوالدين إلى الطفل عن طريق المورثات (الجينات). والذهان اضطراب عقلي ينتج عنه اختلال في شخصية الفرد بحيث يصبح عاجزا عن التكيف لواقعه. والسمات الذهانية هي العنصر الأساسي في الإبداع الأدبي، لأن الجنون يبدأ من حيث ينتهي العقل المرتبط بالواقع، والأدب يبدأ من حيث ينتهي الخطاب الواقعي.
كما سيصدر لي المركز الثقافي العربي في بيروت، هذا العام، مجموعة قصصية عنوانها «إنه الرحيل، يا حبيبتي»، تدور قصصها حول موضوعة الموت. فقد كانت مجموعتي القصصية الأولى «رسالة إلى حبيبتي» حول موضوعة الطفولة، والثانية «صمت البحر» حول موضوعة العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، والثالثة «دوائر الأحزان» حول بواعث الحزن في وطننا العربي.



* أجرى الحوار عادل محمود ، و نُشر في صحيفة ( الرأي ) الأردنية .
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057065   Visitors since 7-9-2002