المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

ايمان علي و التعبيرية الجديدة

  
علي النجار
  
















لتعبير بالجسد, له نصيب وافر في تشكيل الستينات العراقي. تمثل في حركات الجسد العنيفة, المتشنجة بعض الأحيان, بالرأس المرفوع والقسمات المشدودة. كانت ثورة الجسد موازية لعنف الحوادث, موازية لقسوة شظف العيش ومسبباته. ولم يكن جواد سليم أو محمود صبري وبعض من معاصريهم بعيدين عن ذلك. كنا نبحث عن الفعل التعبيري في دوامة زمن له آليات ثقافية مختلفة عن زمننا هذا. ثم اختلفت أدوات التعبير باختلاف العقود الجديدة. فبالوقت الذي كان البوح. وكما المصطلح اليساري ( ثوريا ) علنيا. أصبح بمرور الزمن، وبهيمنة أنظمة القمع، باطنيا مستترا بركام أدوات مختلفة. لقد احتل الفعل الباطني بتلاوينه المتعددة مساحة كبيرة في التشكيل العراقي الأحدث عمرا. فاكتسحت التعبيرية التشكيلية, بمفهومها الحديث, وبإغراءات اشتغالاتها على الجسد, اجتهادات الكثير من التشكيليين العراقيين في زمننا هذا, كمتنفس للتعبير عن حدة اغترابهم. بعد ضغوط حجم الظروف المأساوية التي مر بها العراق, ومروا بها هم أنفسهم. ولم تكن أعمال الفنانة التشكيلية إيمان علي بعيدة عن فعل التعبير المتأخر العاصف هذا.

في منتصف الثمانينات من القرن الماضي لفتت انتباهي رسوم هذه الفنانة بما تحمل من اختلاف نسبي عن بقية رسوم التشكيليات العراقيات، رغم اشتغال عديدهن على مفردات محلية بمقاربات فولكلورية. رسوم إيمان بقدر ما تنأى عن استنساخ الموروث. إلا أن ثمة ملامح شكلية ولونية ليس من الصعب إقصائها عن مرجعيته. فهي وكنسيج لوني تمت بصلة ما لثقل وكثافة ملونته الشعبية الصريحة التي تستحوذ على مساحة العمل, كما تستحوذ الوحدات الزخرفية الشعبية على مساحة نسيج المنسوج الفولكلوري. لقد كانت (وكما لاحظتها وهي تنفذ رسما كبيرا لها) تعيد تقاليد الحرفة الفولكلورية بمنظور فني شخصي. فهي تتابع نسج(رسم) تفاصيلها حتى اكتمال العمل. وأنا الآن استرجع ما تكون لدي من انطباع عن عملها, أو ربما وهمه. لكن هذا لا يعني أن رسومها كانت فولكلورية مطلقا. واعتقد أن تنافذ التقاليد لحرفة ما, وخاصة ما لها من علاقة بالإبداع الصوري, بشكل من الأشكال, بحرفة تشكيلي حداثي(ولو بغير قصد). يعني أن ثمة وشائج سرية(محيطية) تعمل عملها في ذهن الفنان. بدون وازع إرادي منه. ربما لا يزال زمن النشأة البيئية الأولى وأجوائها المحلية(مؤثثات منزلية, أو أردية) كامنا في لاوعيها. ملتصقا بملونتها وتفاصيل بعض دقائق هندستها.

اختار التعبيريون الألمان الأوائل استعارة الأشكال الغوطية الخشنة البدائية الملامح. في مسعى لإزاحة الملونة الانطباعية وأشكالها القزحية, والنأي عن الأداء السريالي السائد. في محاولة منهم للتعبير عن الأزمة الإنسانية لبداية القرن العشرين. وانكسار الشخصية. لقد كانت أزمتهم عاطفية تحفر في العمق لتبحث عن غول جديد. يعادل غول استشعار الحرب, الخراب, التشظي. إيمان علي إن كانت لا تزال أحيانا على تماس ومحاولة استعادة جنتها الأولى المفقودة بما اكتسبته من درس التفكيك لعالم مؤثثاتها السابقة. إلا أن ثلما عميقا حذفها حتى تخوم الألم ليتصدع نسيجها العاطفي شظايا. شظايا ستبقى متماسكة بكفاءة مفرداتها وأشكالها التعبيرية المستترة خلف بوح سري, في وحدة أو وحشة ادراكها للتغييرات البيئية, كإقامة مغايرة ومتعارضة. فان كان الوطن رحما دافئا. فالوطن البديل لا يعدو كونه ملجأ مستعارا. بجغرافياه وتاريخه المتصادم. تاريخ القطيعة المتيقنة.
هل أيقنت إيمان من عمق جدية قطيعتها. رغم إدراكها الفائق بأن وشائج الوطن الأم لا تزال متشابكة وجذرها الإنساني. هي تفصح عن ذلك في حدة صوتها. حدة النبرة التي تفصح عنها هيئة رسومها وعنف ملونتها.

استبدلت أيمان الصور الشعرية الرقيقة, كما رقة رسوم بعض زميلاتها من التشكيليات العراقيات. بصور المشاعر. فالصور الشعرية موغلة في تصورها, أو فنتازياتها. على الضد من صور المشاعر, بعمقها, وعتمة قاعها أحيانا. باتت موغلة في ذاتيتها, تناور الهمس بالبوح بصوت عال. وبدل ملامسة السطح والانسحار بنعومة ملمسه, اندفعت حتى العمق من قاع النفس. مفضلة الحفر في جراح مصوراتها. لقد أتقنت درس(صرخة) المعلم (مونش), رغم انعدام ملامح الصرخة. فطرتها دائما تسعفها في استعادة الصور مساحات لمحيط مستفز, مغلق على دراما أسراره الخفية. رغم أن ثمة بوح يتسرب عبر خطوط تماس أشكالها العنيفة. عنف مخبوء في بئر أسرارها. هي البداءة تعلن عن نفسها بدون زيادات أو تجميل.

*
وجه : من أعمالها لعام2011

الوجه(وكنموذج مثالي) يحتل مساحة واسعة في رسوم إيمان. هو ليس وجه لنموذج شعبي, أو أنثى مثالية الجمال, ولو بنسبة ما, للجمال الشرق أوسطي. بل هو من سلالة أقنعة أقوام اندرست معالمهم. أو سحقت بكارثة طبيعية. هو خشبة سنديان عبثت بها ريح هوجاء فخدشت وعرت قشرتها أخاديد عميقة. هو قناع استعار من الزنج قسوة ملامحه وخشونته البدائية, وبعض من سحر غرابته. لكنه يبقى, رغم كل هذه الإحالات ينتمي أيضا لهيئة رسوم الأطفال, خاصة المتوحدين منهم, (حسب تجربتي الشخصية في هذا المجال). تغطية مساحة اللوحة بقسمات الوجه فقط, هي نفسها في بعض من أجرأ رسومهم للوجوه. الوجوه المألوفة أو المحببة لديهم. استحواذ المساحة هنا يعادل الاستحواذ العاطفي بامتلاك الفضاء كله. لكن بالنسبة لأيمان, فقد تفجر لديها الفعل التعبيري بكثافة ملونته حدوده القصوى, فاستحوذ على المساحة البيضاء, ليشطب بياضها كله إن لم تكن العين دامعة كما في بعض رسومها, وهي إشارة واضحة على عمق وتجذر الحزن (النسوي). فالعين هنا حفرت بميلان بوصلة الألم في ساقية الأنف, الذي هو وحده نهر, بحيادية لونه, وسط تضاريس بركان ملونة الوجه كله. الأنف وهو العلامة الأكثر إفصاحا عن ملامح الوجه. تحول في هذا العمل إلى النقيض من ذلك. هو الأكثر انبساطا من غيره. بل هو العلامة السرية الفارقة, وسط صخب الانفعال الذي بلغ ذروته في خط الفم المزموم على قسوته. الم يفصح هذا الوجه بمساحته الكبيرة ( * ) عن وضوح مساحة الاغتراب في العتمة من مناطقه.

أخيرا إن بحثنا عن مقاربات أسلوبية لأعمال إيمان. وغالبيتنا مولع في إيراد المقاربات ، ولع أحيانا ما يكون اعتباطيا. لكن في هذه الحالة, فاعتقدها الأقرب إلى طبيعة أعمال مجموعة الكوبرا الشمالية ، ولو لكونها تشترك في مصدرها الطفولي الخفي الذي وهو في العلن بالنسبة لفناني الكوبرا. أعمالها التجريدية هي الأخرى لا تشذ عن هذا التصور. وتبقى مساحة اختلاف واردة في قدرة وملامح طبيعة أدواتها التعبيرية التي تميزها عن أقرانها من التشكيليين التعبيريين العراقيين, هي دالتها الكبرى الأكثر وضوحا. وما يهمنا هو أنها أثبتت ان ليس هناك فن نسوي مغرق في نسويته الافتراضية, وآخر ذكوري. لقد خاضت تجربتها, وخاصة المتأخرة منها في منطقة هي الأعنف تعبيرا في مساحة التشكيل العراقي.


(*) سم (120 x 150)


 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225024   Visitors since 7-9-2002