المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

في تجارب محمد حسام الدين. من التركيب الى الوحدة

  
عادل كامل
  













تداخلات ووحدة

ما الذي يسبق الشكل ، في تكوّنه ، سوى محركات تامة الوجود . بيد ان الصّور ( الرموز ـ الإشارات ـ العلامات ) ستوّلد سلاسل الحوار : التراكم والحذف . إنها مادة الامتداد والمخيال . ومغامرة الفنان التشكيلي السوري محمد حسام الدين ، في الرسم ، النحت ، والخزف ، تكمن في النص . فالنص يبث ، مثلما يرى ، ويلمس .. فهو حاصل خبرة ، ترجعنا الى منتصف القرن الماضي ، عبر ثلاث قنوات للتعبير ، تتكامل ، وتتقاطع ، وتتنوع ، ولكنها ، مثل ديالكتيك الليل والنهار، الموت والميلاد، تحدد هوية الخطاب . إنها تعلن عن جدلها الجمالي ، على صعيد المنهج ، ومغزاها الباث ، على صعيد النص الفني ، جماليا ً . فالتجربة لا ترجعنا الى معناها ( في ذاتها ) إلا لأنها ذات الفنان وقد غدت فاعلة ، خارج انغلاقها . محمد حسام الدين ، يلخص دينامية الفن ، في زمن النص . فهو وريث حواس تلمست وجودها ، عبر التصادم ، والتواصل كي تمتلك مغزاها في الحضور ( في الوجود ) . انه لا يصنع فلسفة إلا لأن الفن ، بمعزل عنها ، يغدو مضادا للفن .. فمنذ أقدم الفخاريات ، حتى إنجازات الحداثة باختلافاتها وتناقضاتها ، مكث الفن ، يقول الذي يريد ان يمتد مشروعا للتعاقب والتواصل . انه لا يغلق المسار ، ولا يردم النبع . فهو يتجمع ن كي ينبثق ، ونصوصه ، عبر أكثر من نصف قرن ، تكمن في الامتداد . إنها تسمح لنا ان نعود نراها ، مرة بعد أخرى ، كأننا نراها تتشكل من جديد . فالفنان ينفي ذاته ، يجادلها ، يتوحد معها ، عبر عناصر وخامات تحكي [ 1 ] ان الذي لا يرى ، غدا مرئيا ً [ 2 ] وان الذي نراه ، يذكرنا بمحركاته : مثاليته الشفافة ، وأطيافه الواقعية [ 3 ] وان فنه ، لا يغادر مأوانا ، الأرض ، بيد ان الخيال [ 4 ] يسنح لنا بإعادة تشكيل كل هذا الذي يتشكل ، عبر التفاعل ، والانبثاقات . فكل نص ، لا ينغلق على الجنس الفني ـ أو المعنى ؛ انه يصير مســـاحة في سؤال ، وأسئلة تسمح للفضاء بالاتساع : إنها ـ بلغة النقد ـ تجمّع خارطة الخيال ، في بؤر و مشاهد تجاور حدود النص ؛ حدود مجموع اللامرئيات ، وباثاتها الجمالية .
• فضاء الرسم : البصر ومداه

لا يغادر محمد حسام الدين فضاء الرسم ــ اشتغالات البصر ــ ولا يقفز فوقها : ثمة مساحات شغلها بالسكن فيها .. فالرسام لا يلعب أو يتدرب أو يدخل في سوق الفن .. ولكنه عثر على مناطق راح يدوّن فوقها ، ألأمل ذاته ، الذي هو الرسم . فهو لا يحكي أو يقص ، ولا يقدم شهادة تتطلب الشرح . انه يلطخ ، ويترك أصابعه تنسجم مع امتدادات البصر . فالنص لا يقع خارج جغرافية القلب . وهنا يثار سؤال : ما الحداثة .. وأية مفارقة ستبقى كامنة بينها وبين أقدم تحول حدث في النوع البشري ؛ مفارقة تخص الاستعادة والتذكر ، وفي الوقت نفسه ، المغادرة .

ان ما يجعل هذه التجارب ، متممة لأسلافها ، إنها حذرة من التحديق في المجهول . فما الدافع وراء رسام استغرقه العمل العمر كله ، إن لم يكن ، خال من الشك والاستهلاك المباشر . ففي ممارسة الفن ( عند الفرد وعندنا كجماعة ) توحد ، وتطهر ، وتبعثر ملموم .. مرة أخرى يفصح الرسم ان ماضيه بلا مسافة . فالحداثة لا تتوقف عند المصطلحات ، وتمايز ثقافات الشعوب ، بل تحافظ على تجاورها منذ اشتغل البصر ، وتكون ، وصار يحلم . ومحمد حسام الدين ، لا يستغني عن لذة عصر الصخور , والأرض ، والغابات ، فضلا عن نشوة الهواء الذي لم تلوثه حضارات قائمة على التصادم والمحو . انه يترك المخيال يرتب تآلفات الحواس ، بدل انشطارها ن وقهرها . هذا الرسم ، في الجغرافية العربية المعاصرة ، كما في تجارب فن الخزف ، يعّدل مصطلح ( الميتافيزيقا ) ولا يتركها مسحورة ، ومشروعا يدحرجنا حيث لا نهاية للعمل ، بل يوحدها بأكثر الحواس شفافية ، وصلابة . انه يجعل عمله مفتاحا كي نكتشف كيف نعيد قراءة المرئيات : ألوانها ، عطورها ، دخانها ، أشجارها ، بعد أن دخل النظام وراح يرتّب المصادفات ، في حدود نصوص لا تتجاوز مرجعياتها البكر .

هذا الانسحاب نحو المغارة الأولى ، يقابله ، تولع بالمناورة ، والتوحد بالأفق .. فما هو التوقيع الذي تتحدث عنه مناهج التفكيك وما بعدها ، وما الفلسفة بعد أن راح التصنيع وما بعده يسهم بقتل منجزات الحواس ورموزها وعملها ، سوى بحث عن امتلاء مشترك بين الباحث وموضوعه ونصه في الاخير . وقد يتساءل القاريء ـ المشاهد ـ : إنها استحالات وصعوبات وثمة ترف .. فماذا يريد الرسام ان يقول ويبلغ ويبث .. ؟ حقا ، ان الماضي لم يعد محض وثائق ولقى وبقع ألوان وإشارات .. الخ ـ : انه ذاته يتمم ذاته ، فالحاضر لا ينسحب ، ولا يتقدم ، انه ـ كما يرسم محمد حسام ـ كثافة الامتداد .. هو هذا الطيف الذي يتمتع بالصلابة .. وليست الشفافية ، في المعالجة ، الا علامتها . ما الشفافية وا الصلابة ..؟ الأخيرة ، تحرض ، وتقاوم ، والأولى ، تخترع أمجاد الطيف . ثمة عمل مشترك بينهما جعل النص مباشرا ً ، ولا ينتظر التأويل ، والشروحات . ان عمل الفنان ـ كرسام ـ لا يخفي مأزق الكائن في الوجود . فهو يفتح نصوصه كأنها تعوضنا عن الأصوات والكلمات . ثمة تموجات وأبعاد تخص الموسيقى في خطاب لا ينفصل عن خصائص نبضات القلب . لأن النص ، كل نص ، يرسم تتابعات واستبصارات الرائي ، داخليا ً ، كي تتفتح ، معنا .. ولا تمثل التقنية كونها تفكر ، بل لأنها تمتد ، بعد ان حررت ـ وأعادت ـ الحلم إلينا . إننا نحلم كي نتعرف في المرآة ، على خصائصنا ، لا ان نرى أشكالا مستعارة . فالمخيال ، كما قال اينشتاين ، يوّلد ضرورات البرهان . وحسام الدين ، يرسم ، وليس علينا ان نرى في المرآة ، الا فضاءات شغلتها عناصره ، هذا المدى والتعاقب ، والتشتت ، والتماسك ، يغدو كثافة . إننا ننزل مع ( اينانا ) – التي ولدت في الفرات – كي تكون كثافة العتمة ، في الأرض وفي الخرافة ، الا مفتاحا للعودة : أليس الرسم ، في اللاوعي الجمعي ن عند الرسام العربي منذ رسومات مصر القديمة وكهوف المغرب العربي وما نقش فوق جرار دلمون وجداريات سومر ، الا طاقة حداثة تولد للمقاومة : هو عيد الرسم وقد حفر بلغة قطيعة مع الموت . لأن الرسم ، كما هو عمل اكتشاف أبعاد ما بعد الزمن ، تجعل المستحيلات لا تنتظر البرهان : إنها حاضرة .. فهي كثافة كون يحلم عبر الرسم ، وأطياف تحوّم ، حيث منطق النقد ، ليس جمعا للمصطلحات ، بل دحضا للسكون . إننا مع نصوصه نحلم اننا نستعيد أحلامنا . أليس العجز في إدراك المستحيلات أو المطلق ، في نهاية عمر الحكيم ، يغدو إدراكا ً . هكذا تجاور تجارب الرسام السوري ، التجربة العربية في مسار الخروج من المرآة التي تنتظر ان نرى فيها : أطيافا ً تعلمنا ان الفن ليس ضرورة فحسب ، كما قال جان كوكتو ، بل وجودا لا يستبدل ، وليس أثرا للربح أو للدفن .

* الخزف : باثات الأرض

إذا كان ثمة للمصادفة ، بمعزل عن نظامها ، أثر في بناء نصوص الرسم ، فان محمد حسام الدين ، في الخزف ، لا يترك لها حريتها مع اشتغال الحرفي في صياغة خطابه . وإذا كان اللون ، قد غادر تجاوره مع الأرض ، وأساطيرها ، فان خامة الطين ، مهما صنّعت ، فإنها تبقى مع المركز . إننا نستعيد ، بعيدا عن وظائف الخزف ، المعنى الذي مكث يتكلم ، كي لا ينغلق ، وكي يبقى يمتد مع الحذف والإضافات .

واشتغال الفنان المضني ، اليومي ، في مجتمع الصدمات والتحولات ،وعلى مدى نصف قرن ، رافق مفهوم الثقافة ـ المعرفة ـ بصفتها : طريقة في الوجود . فالخزف لم يعد ـ رمزا ً ـ حاملا للأسرار فحسب ، بل معرفة ترتقي بالحرفة نحو فضاءات الفن ، وتجعل الجمال نظاما يرتب ـ في الفن ـ بنيته بعلاقات داخلية لا تتقاطع مع الأشكال ، فالجدل الشفاف ، وتحولات الأشكال ، ينسجم وتعددية التقنيات : أسرار الطين ، وتنويعات التعبير النحتي ، ورهافة ألوان الطيف .. كلها تجد تجانسها العضوي . ان حسام لا يغادر طيف الكائن الخفي ، بين التضاد والانسجام ، فالجمال ، مثل وثبات الطيف ، يكوّن مأواه ، ولكن للاستذكار وليس للسكن أو الإقامة . ان أصعب الفنون ، وأكثرها حضورا يوميا ، يبقى يحمل خفايا تكوّن البذور البكر للتدفق .. فالخزف لم يقتل ، كما في سلاسل قتل الأب والإله والفن في بعض حداثات الغرب ، بل ينبثق مادة مضادة لطابعها الاستهلاكي . وكما في الرسم ، ثمة هذا المرور الخفي للنبض ، فان خزف الفنان ، يوحد الرائي ـ كامتداد ـ مع وعيه للمرئيات . فالخامات تنتظم لتقول الذي لا يتوقف عنده القول .. الا يحق للمشاهد ان يتساءل ، عبر تدفق النصوص ن حول ما إذا كانت الذاكرة الجمالية سابقة على الوعي .. أم ان تحولات النوع ن جعلت التدفق عنصرا لا ينفصل عن البناء ..؟ ان حسام الدين / كمعلم خزف ، له أثره في مسارات فن الخزف في سورية ، بيد انه ، لم يغلق بنية وعمل الحرفة ن بل جعلها تنفتح : ان المعرفة لا تغادر ، لأنها ـ مع الفن ـ تسكن الأرض وقد استحالت نذورا ، لغة تجعل النص منفصلا ، ولكن ، متصلا بدور المخيال . ان الجمال في تساميه يحذف شروحا ته ، كي يكتمل ، وكأنه صار سرا ً . انه الخزف يتكلم كيف يبصر ، كأقدم رمز حمل الروح الى الأرض ـ لأن الخزف بين يديّ الآلهة كان نورا ً ـ وصار يشارك صانعه نعيم الزوال والانبعاث ، جحيم المحنة ولذائذ الولادات .فثمة موت ، يتكرر ، ولكنه يبقى يتدفق بموت لا يموت .

* النحت : كثافة الفجوات

على الضد من وظائفية الفخار ، كأقدم منجز مصّنع ، كان النحت يذهب ابعد ، في المخيال الجمعي . انه لم يولد تمثلا ً لتصورات واستبدالات رمزية ، وكفى ، بل ، لماذا لم يكن مركزا للجذب ، وبعد ذلك مشروعا لازم التحولات .؟

إن حسام الدين ، كنحات ، لا ينظر في مرآة مكشوطة ، أو حديثة الصنع . انه ، في سياق مرجعياته وتكونه الوجودي ، كعربي تلقى ما يكفي من التحديات ، والانكسارات ، يسهم بصناعة مرآة ، لكن ، كي لا تماثل مرآة نرسيس الذي رأى محياه فصار مثال نفسه .. هذا الجهد في النحت ، عبر آلاف السنين ، منذ قرى الجزائر ومصرا لقديمة وأعالي الفرات وجنوبه ، مرورا بالجزيرة العربية التي مازالت لغزا بصفتها صانعة أسئلة ، يلخص مسارا للفطرة وللمسلمات . لماذا قهر النحت الزمن ، زمن الثبات ، وصار يعرّفنا بالإنسان ، أكثر من الآخر الباحث عن أثر : عن امتداد ؟ أليس النحت ، بمنطق الانحناء ، أقدم ولاء تتجانس فيه الرغبات والثقافات المثالية . إن حسام الدين يختار هذا السياق ، ويبعث في النحت ( الشاخص / الشاهد ) الرمز ، النبض الذي يذهب مع الوثبات ، الإنسان وطيفه ، أو الطيف الذي لم يبق عند العربي ، إلا ان يسكنه بعيدا عن ويلات الدمار . ففي منحوتاته ، يتكلم الكائن الذي كان ، والذي يريد ان يكون : الجسد والمرآة ، والأمومة ، وكل موضوعات التأمل والمحنة . فالمسافة بينهما اتسعت ، ولكنها صارت تحدق فينا . فأي وهم عابر حاول شطب ديالكتيك النحت ، بعد ان كانت نشأته، مع نبضات بذور التدفق ، تتكلم بمادة الانحناء والطاعة . ان محمد حسام الدين ، لا يتباهى بالجسد ، أو بالمحاكاة ، أو بصناعة واقعيات برهنت انها وليدة عواملها الزمنية ، بل بالنحت كسلطة ، تسكنها المعرفة والمحنة معا ً : الوجود الذي أنتج المرآة ، والمرآة التي راحت تدوّن تاريخها . أية سلطة لم تدرس ، لفن النحت ، يجرنا إليها النحات السوري ، ويجعلها في عمق ما بعد الحداثة ، بعد ان صارت ( العولمة ) حاضرة منذ خط ماركس تنبؤاته حول المركز ( الرأسمال ) ومصائره : من الحلم الى الأشياء . ان النحت ، هنا ـ وهو مشروع النحت العربي منذ محمود مختار وجواد سليم ـ يتوقف عند الفجوات : الفضاء الذي لا تتحول فيه الكتل الى أوثان . فالمحرك ، في هذه المجسمات ، يتوحد بخاماته : انها تترك خطاب السرد / منحازا ً ، لكون بشري يتآكل ، يتفتت . وفي هذه الجادة ، تبرز إضاءة مضادة لثيوقراطيات لازمت حرفة النحت . فثمة آليات للخيال العنيد ـ وللطيف هنا ـ تنتظم في أشكال تمتلك سلطتها . ان النحت يولد بحذف زوائده ، انه يكثف كل تلك التي تذهب ، وتعبر : حدود أكثر الشفافيات مقاومة للتملك والقهر . فالنحات يعيد ـ عبر مرموزات العصور وفنون لا زمت النحت كالرسم والمعمار والخزف والمشفرات الشعبية وتأملات الحكماء وتوقدات أسرار النبل والأمل ـ مغزى ان يأخذ النحت موقعه متجانسا مع الامتداد : اتساع الذاكرة وعملها نحو الأمام ، والمخيال في صلابته المنطقية ـ الشعرية .
ان محمد حسام الدين يتجمع ، كذات ، كما تتجمع عناصر رؤيته ، في عصر صار ( التفكيك ) يفكك كل الذي له سلطة الثبات ، وبعد طغيان عصر الاستهلاك ، هذا التوغل في الدوافع والمرئيات ، يكوّن أبعاد نصوصه ، بعد ان جعلها لا تؤدي وظائف مرآة عمياء . فالنص يولد بمرجعياته ( موروثات / حداثات / بيئة / أزمات ) بعد ان صار الدافع يعمل عمل المحرك : المركز ـ النص ؛ كي يسترد خطاب الفن عمل أطيافه : ثمة ، في النهاية ، كما في البدء ، مساحة تجمعت بالأسئلة ، ولكن بإجابات تتوخى الا ينقصها الامتلاء .

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6277373   Visitors since 7-9-2002