المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار فيرينا فون دير هيدين – رينش مع سيوران *

  
  

فيرينا : من زمان أنت يا سيدي مهتم للغاية بأليزابث النمساوية. أيّ أمر أثار أهتمامك في هذه الشخصية التي غالبما تكون مفهومة بصورة خاطئة ؟
سيوران : أرغب البدء بهذا الإستشهاد : “ التفكير بالموت ينقي ويقوم بوظيفة البستاني الذي يقطع الحشائش الطفيلية. إلا أن هذا البستاني يريد أن يكون وحيدا على الدوام و يغيظه حين ينظر الفضوليون إليه عبر الحائط . أنا أيضا أستر وجهي بالمظلة والمروحة كي يقدر الموت أن يعمل بهدوء في حديقته " .
هذه الجمل القلائل التي كنت قد قرأتها في عام 1935 أصبحت نقطة إنطلاق في الإهتمام البالغ الذي كرسته للقيصرة أليزابث. ( ...) وعبارة " العمل في الحديقة " لاتوجد في النص الألماني الأصلي بل إقتصر الكلام على " العمل " ببساطة. إلا أن اللادقة هذه هي أمينة جدا ، بالأساس ، لروح النص ، و قد منحته هالة شعرية ما لاحقتني الى درجة الهوس.
فيرينا : في مقدمته يكتب موريس باري Maurice Barres أن كلام سيسي Sissi والذي سجله خريستومانوس Christomanos يتألف " من قصيدة عدمية هي الأكثر إثارة للدهشة و التي عشناها في أي زمن تحت سمائنا " ، فهل ترى أنت أيضا يا سيدي أننا نلقى عدمية أم بالأحرى خيبة أمل desengano ؟
سيوران : وحتى لو عثرنا لديها على تعابير فيها شيء من العدمية ، فإن هذا المصطلح ، وفي حالة أليزابث ، و بالمعنى الفلسفي ، ليس بالصائب كثيرا. كانت هي خائبة الأمل desenganada ولم تملك أيّ أوهام في إنفصالها عن العالم. لم تكترث لنقاشات عصرها الآيدولوجية ، فتربيتها تمت بواسطة الأدب . وإستمدت ( فلسفتها ) بالدرجة الرئيسية ، من شكسبير وبالضبط من المهرجين الشكسبيريين. إذن ليس المقصود هنا العدمية بل أعلى درجة من السخرية و صحو soberness ملؤه اليأس.
وحين نفكر برؤياها للعالم يتبادر الى الذهن هاملت الذي يمجد أمام روزينكرانتس Rosencrantz وغيلدينستيرن Guildenstern روعة العالم والسماء والأرض والإنسان الذي هو كائن إستثنائي وقمة الخليقة ، مضيفا بأن كل شيء تراه عيناه مجرد " ترابٍ هو الأكثر نقاء ".
فيرينا : مارينا فاليريا إبنة سيسي المفضلة ترد مرارة أمها الى " خيبة ظنها بكثير من الناس الذين كانت تكنّ لهم الحب ". وكانت قد صوّرت أمها إمرأة شابة إمتلكت آمالا كبيرة إلا أن إنعدام الفهم وخيبة الأمل دفعاها الى الهروب من العالم وحتى الى إحتقاره. هل توافق على هذا الرأي؟
سيوران : لا أريد التقليل من دور حالات خيبة الأمل تلك ،إلا أنها لم تلعب الدور الأساسي هنا. وإلا لكانت هي قد لقيت حالات الخيبة في كل وضع. لقد ولدت خائبة الأمل. ولنفكر بالناس الذين يلجؤون الى السخرية في كل لحظة. من أين تأتي ؟ إن منبعها ليس خارجيا ، بل أنها تكمن فيهم ، في الداخل. هناك حاجة الى تدمير الأوهام والمؤكدات التي تعمل على خلق توازن زائف يعتمد عليه الوجود ، وهذه الحاجة تنبع من مصادر ما في الإنسان ، وهي الأعمق. قالت القيصرة " الجنون هو أكثر صدقا من الحياة "، وإستطاعت الوصول الى مثل هذا الإ ستنتاج وحتى من دون معونة أيِّ خيبة.
ولماذا كانت تكن مثل هذا الحب لمهرجي شكسبير ؟ ولماذا كانت تزور ، في كل مكان وجدت فيه ، دور المجانين ؟ لقد كانت تملك ميلا قويا واضحا لكل ما هو متطرف وما يبتعد عن الظواهر العادية و يتواجد في الهامش. لقد عرفتْ بأن فيها جنونا ، ولربما وجدت فيه إطراءًً . و تحسسها بغرابتها أعطاها قوة إضافية وسندا ، و المآسي التي أحاقت بعائلتها قد عمقت قرارها بالهروب من البشر ومن واجباتها, وهذا مثال نادر في العالم على الفرار ( ...) .
فيرينا : إعتبرت سيسي الحب شيئا لا ينبغي معاملته بصورة جادة ، وكانت تعرف كيف تكون باردة المشاعر وحتى إزاء اطفالها ماعدا ماريا فاليريا . كيف تفسر يا سيدي بأنه عاملت بصورة جادة مغامرتها العاطفية مع باهير Pacher الذي إنشغل بها ، وحتى أنها كتبت عنه قصائد حب ؟ هل كان ذلك مجرد سرحات خيال إمراة محبطة ؟
سيوران : أنا أجدها إمرأة لم تكن قادرة على تحسس أهواء حقيقية. و إنفصالها عن الأوهام كان بالنسبة لها أمرا غير ممكن. ربما عشقت من أجل التسلية. مع مرور الوقت أصبحت علاقاتها مع الناس أكثر فاكثر غرابة. لقد بحثت عن الشبيهين بها في مكان آخر... كانت تسمي الأوقيانوس " كاتم أسرارها " ، وشجرة معينة في غيديلي Godollo كانت ، كما ذكرتْ ، " كاتمة أسرارها " و " أفضل صديق " وشخصا موضع الثقة " يعرف كل شيء فيّ وكل ما يحدث فيّ أثناء الفراق ". وأضافت : “ وفي الأخير أنا لن أبح لأيّ أحد أبدا ". من ناحية واحدة فقط كانت تذكرنا بالملك لير.
لم تحتمل الناس عدا البسطاء من الشعب - صيادي السمك و القرويين ومجانين القرى. كانت تنساق الى عواطفها عندما تكون وحيدة مع أفكارها. وهي تذكرني بشخصية معينة غالبما ما كنت أتحدث معها في أيام الشباب في حديقة دار المجانين في سيبين في ترانزلفانيا . كانت فنلندية في عمر حوالي الأربعين. كنا نتحادث بالألمانية فهي لم تكن تعرف الرومانية ولا الفرنسية. كان من عادتها التنزه وحيدة في درب موحش. وهناك سالتها مرة : “ ماذا تفعلين هنا يا سيدتي طوال اليوم ؟ " . أجابت : أتقمصُ هاملت Ich hamletisiere “. والشيء نفسه قد تقوله سيسي.
فيرينا : شخصية اليزابث هي اليوم راهنة من جديد. أيّ شيء قد يكون السبب ؟
سيوران : قيل مئات المرات إن سقوط النمسا هو تجسيد مسبق لسقوط الغرب. وحتى أنه قيل عن أن ذلك السقوط كان ( البروفة النهائية ) قبل العرض الأول... وما لقيناه ، الفصل الأول من التراجيديا التأريخية لأوربا ، قد حدث قبلها في فيينا التي صارت منذها رمز السقوط والخراب. وبدون هذه الخلفية المثيرة لما كانت سيسي مجرد موضوع مثير لكاتبي السير أو معبودة للناس المهدمين روحيا . وروسيا القيصرية في حقبة غروبها لم تقدر على أن تفخر بإنسان بمثل هذا المستوى ، فآخر قيصرة كانت محض إمرأة مريضة نفسيا ، غروتسكية و تدعو الى الرثاء.
في التأريخ تثير إنتباهنا حقب الإضمحلال فقط. ففيها ترتسم بأوضح شكل ، قضايا الوجود وعموما قضايا التأريخ كتأريخ. كل شيء يكتسب مرتبة التراجيديا ، وجميع الأحداث تأخذ بسرعة ، بعدا جديدا. الهواجس والنزوات والتصرفات الغريبة لواحدة مثل سيسي لايمكن أن تكسب معنى لها إلا في عصر كان عليه أن يكون الذروة لكارثة نموذجية. لذلك بالضبط تكون شخصية القيصرة بمثل الأهمية ، فنحن نفهمها بصورة أفضل من فهم معاصريها.

* أجرت فيرينا فون دير هيدين – رينش Verena von Der Heyden- Rynsch الحوار في باريس في كانون أول 1983. ونشر في كتاب :
Vienne 1880 -1938 , L Apocalypse joyeuse , Paris , 1986

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6225821   Visitors since 7-9-2002