المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الكاتبة الروسية تاتيانا تولستايا

  
كريستينا روتكيرخ
  
ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز
  


ولدت تاتيانا نيكولايفنا تولستايا في 3 مايس عام 1951 في لينينغراد , وتربت في عائلة بروفيسور الفيزياء ن . ا . تولستوي ابن الكاتب الروسي المعروف اليكسي تولستوي . وجدها من أمها هو المترجم م. لوزينسكي . وكانت العائلة كثيرة الأطفال .
أنهت في عام 1974 الدراسة في قسم اللغة والأدب الكلاسيكيين في جامعة لينينغراد .
انتقلت إلى موسكو واشتغلت حتى عام 1983 في رئاسة تحرير الأدب الشرقي في دار نشر (ناوكا) .
نشرت ت. تولستايا أول قصة قصيرة لها تحمل اسم (جلسوا على مدخل الباب الذهبي ....) في مجلة ( افرورا ) في عام 1983 . وأصدرت أول مجموعة قصصية تحمل الاسم المذكور في عام 1987 .

غادرت في عام 1990 إلى الولايات المتحدة لتدريس الأدب الروسي, حيث قضت هناك العشرة سنوات التالية كلها تقريبا بواقع عدة أشهر في السنة. وتقوم منذ عام 1991 بكتابة عمود (برج أجراسي ) في أسبوعية (أخبار موسكو) , وهي عضو في هيئة تحرير مجلة ( الشمس ) . ترجمت قصصها إلى اللغات الانكليزية والألمانية والفرنسية وغيرها .
نالت جائزة النصر في عام 2000 بعد صدور رواية ((كيس...)) (كيس-هو صوت صراخ حيوان خرافي في الرواية يظهر بعد الحرب الذرية-م) . تقدم تولستايا حاليا البرنامج التلفزيوني (مدرسة الغيبة ) .


*


* بما انك حفيدة الكاتب الكسي تولستوي والمترجم البارز ميخائيل لوزينسكي – فما هو تأثير الوراثة على علاقتك بالأدب ؟
- الحقيقة , عندما قرأت أعمال الكسي تولستوي , فاني قرأت له بالذات . أما عندما قرأت الأشياء التي ترجمها لوزينسكي فاني لم اقرأ أعماله هو بل قرأت أعمال من ترجم عنهم .
وهذا لم يكن ممتعا لي في الطفولة لان اغلب تلك الأعمال كانت شعرا. والفرد في الطفولة لا يحب الأشعار لأنها ثقيلة بالنسبة للطفل الصغير . ويبدأ بتقويم الشعر في عمر معين وتصبح علاقته به من نوع آخر. أي أن هذه أشياء مختلفة تماما . وإذا ما بدأت شخصيا بكتابة شئ ما – فان ذلك ليس لأنك قرأت لأحد ما , بل لعوامل وراثية . ويصعب علي القول من أيهما وصلتني العوامل الوراثية أكثر .
* من هم الكتاب الذين كانت لهم أهمية في بيتكم ؟
- لم نناقش هذا الأمر . فقد كان والدي على قدر كبير من الثقافة ومثقفا في مختلف الاتجاهات : فهو فيزياوي وعالم لكنه في الوقت نفسه ذو ثقافة أدبية عالية . وكان يقرا كل شئ , ويعرف ثلاث لغات ومهتما بجميع العلوم الإنسانية سواء الأدب أو الشعر والموسيقى والفن إضافة إلى علم النفس والفلسفة . لهذا كان يتحدث عن كل شئ لكن عن الادب حديثه قليل . أما نحن فقد قرانا كتبا مختلفة واستلهمنا منه الكثير وحصلت لنا بعض التصورات والأفكار عن هذه الكتب. وكان لدينا ذوقنا الخاص بنا . وناقشنا بعض الأشياء الأدبية المعينة في حالات نادرة جدا. لان والديّ وخاصة أبي علمونا احترام أي عمل وكل إبداع.
كل عمل وكل إبداع كان عندنا محترما. إضافة لذلك لم نعرف الحسد للآخرين (هذا ما تربينا عليه وما ورثناه) ويفرحنا ما ينجزه الآخرون , وبعبارة أخرى كنا قادرين على قول إن الآخر رائع وماهر . ولم أرى في حياتي مطلقا أي ضل للحسد إذ انه لم يكن موجودا عندنا أبدا.
* معناه لم يدفعك احد في البيت الى التوجه للأدب.
- كلا, لم يوجهني احد للأدب أبدا. لكن المنزل كان مليئا بالكتب .
* باعتبارك احد أفراد هذه الأسرة, هل كان البدء بالكتابة صعبا أم سهلا عليك شخصيا ؟
- الحقيقة أني بدأت الكتابة وأنا عمري اثنان وثلاثون سنة. ولم اكتب قبل ذلك شيئا. وان كانت بعض الأشياء ضمن محيط الأسرة فقد كتب احدنا للآخر بعض القصائد في أعياد الميلاد ورأس السنة وأخرجنا بعض المسرحيات وابتكرنا أشياء ... ولكن كل هذا الإبداع للاستهلاك المنزلي ولم يرغب احد عرض ذلك للجمهور. أما عندما بدأت الكتابة لم أولي اسم العائلة واللقب أهمية , كان الأمر عندي سيان . كنت واثقة من نفسي ولولا هذا الوثوق لما حاولت اقحام نفسي في هذا المجال .

* ولكن كانت لديك اطر ومقاييس .
- اعرف عن ماذا تتحدثين , ولكني غير واثقة باني أخذت بنظر الاعتبار هذه الأطر . إننا جميعا نأخذ بعين الاعتبار بعض الحدود ... واني اعرف جيدا ما يعجبني وما لا يعجبني . أما اطري فانا التي أضعها . فـ الكسي تولستوي , على سبيل المثال , كان يحب من الكاتب تورغينيف أكثر من غيره وعندما بدا يكتب حاول متعمدا تقليد تورغينيف , وكأنه تحول إلى تورغينيف . وضن إن الناس سيلاحظون ذلك , وسيكون الأمر مرعبا وسيقولون هاهو يكتب مثل تورغينيف . بيد إن أحدا لم يلاحظ ذلك أبدا لان كتابته لم تكن مثل كتابة تورغينيف. أي انه لكي يكتب كان يجب إن يتصور نفسه تورغينيف . أما أنا فلا يعجبني تورغينيف . إذ لاشئ عنده ليعطينياه . وهذا واضح.
* قلت اثنين وثلاثين سنةعندما بدأت الكتابة. فأين كنت تسكنين آنذاك في لينينغراد ام في موسكو ؟
- في موسكو . لم يختلف الأمر سواء في موسكو أم في لينينغراد . حيث لم ينشروا في تلك السنين أي شئ ممتع . لم توجد مادة للقراءة سوى الكتب القديمة . أما الأدب الحديث فقد سحقته الرقابة . عمليا لم يوجد شئ يستحق القراءة الا في حالات نادرة . ظهرت في بداية السبعينيات رواية تريفونوف . نعم , تريفونوف يعجبني جدا . لكن ليس كل نتاجاته بل نتاجات السبعينيات فقط وليس كلها . وكنت اقرأ المجلات الأدبية طوال الوقت ويالردائتها . كل ما فيها لم يكن جيدا ويستدعي الاعتراض : لا يمكن الكتابة بهذا الشكل , ولا داعي لهذه الكلمات وهذه الصياغة غير ضرورية ولا حاجة لهذا الإطناب . لم يعجبني فيها شئ ألبتة .
* أتذكر جيدا عندما ظهرت قصصك في الثمانينيات وكأنها رياح منعشة من الشرق . وكيف تمت ترجمتها إلى الكثير من اللغات . لكن يبدو لي إن في روسيا لم يبداو بنشر أعمالك عن طيب خاطر ؟
- كلا , القضية ليست بهذا الشكل . فقد بدأت انشر أعمالي في عام 1983. وكان الأمر في ذلك العام انك كلما كتبت أفضل كلما قل حظك في نشر أعمالك. أي طالما أنهم لم يدعوك تنشر أعمالك فانك تستطيع إن تعد ذلك جائزة لك – لأنهم منعوك بلا سبب . كانت ظروفا صعبة لا إنسانية , لان كل شئ كان بيد المدراء وبيد الرقابة والاهم بالنسبة للمدراء – هو التسلط .وكانوا يريدون إن يكون كل شئ تحت سيطرتهم وان يكون كل شئ رمادي ومستقيم على نسق واحد .
الجميع في ضل النظام السوفيتي يجب أن يبدون دائما رماديين تماما وعلى نسق واحد – آنذاك يكونون بأمان , وعندها لا يكون وجود لأي شخصية بارزة . وإذا ظهرت عند احدهم شخصية بارزة فهذا يعني انه شخص خارج نطاق السيطرة , يجب إخضاعه , وعدم تركه يثير أي عواطف أو أفكار أو مشاعر ويجب إبعاده عن الأدب ! لهذا كان الدخول في مضمار الأدب صعبا للغاية . وعليه فقد بدأت في عام 1983 اتململ قليلا ولكن فيما بعد صار كل شئ على مايرام .

* اتضح أن توقيتك جيدا.
- نعم, اتضح إن التوقيت جيدا, وإلا فلا اعرف كيف سينتهي بي الحال. وطبيعي مثلما يوجد أبناء الجيل الجديد المتحررين في داخلهم يوجد كذلك كبار السن المعتادين على النظام القديم. ولم اسمع من كبار السن الا ماهو سيئ . أما من جيل الشباب فقد سمعت الرأي الجيد وما شاكله . ولكن لم اسمع دائما من هؤلاء المسنين العجائز .
السوفييت الا الحقد . وثم , بطبيعة الحال , ان مافعلته كان يثير الاعتراض والضغينة عند من اراد ان يفعل مثلي ولكن لم يتمكن , فقد اصطدمت ببعض الحالات المتمثلة بشئ قليل من الحسد .
* بسبب حب النقاد لك , اليس كذلك ؟
- النقد انواع . لا يوجد لدينا نقاد جيدون . هم قليلون جدا . الكثير ينقدون لكنهم ليسوا نقادا ماهرين . لا يوجد عندنا نقد لغوي ادبي بل يوجد نقد جرائد .
* والغرب كذلك فيه نقاد جرائد ؟
- كل شئ محتمل . المتخصصون بالسولافيات – هم طبعا متخصصون باللغة والادب . أما نقاد الصحف فهم , ربما , يعملون وفق بعض المبادئ الاخرى . ونقد الصحف لم يعتبر عندنا نقدا لفترة طويلة جدا على سبيل المثال في بداية التسعينيات . أي ان اهم شئ بالنسبة للذين يكتبون هذا النقد – هو ان يكتبوا بطريقة لا يفهم منهم احد شيئا . وان يبينوا كيف انهم يجيدون اللغة , وكان هذا هو مشروعهم .
وقليل جدا منهم الذين فعلا يقراون النص بمسؤولية وبضمير , ويريدون إن ينقلوا للقارئ احساسهم بالنص , والذين لديهم منظومة داخلية يقومون وفقها للنص . انما يوجد عندنا , إن صح التعبير , خطاب خاص واحاديث خاصة , وعلى العموم لا توجد لدينا ثقافة نقدية . عندنا ناقد او اثنان يفكرون بالأدب وبالقارئ لا بخصوصياتهم .
* ثم تبدل الموقف – وطلبوا منك وصاروا دائما يطلبون نصوصا جديدة . فهل اثر ذلك عليك ؟
- الجميع دائما يطلبون مني كل شئ . ولكنهم الآن لا يفعلون , في السابق دائما كانوا يطلبون نصوصا جديدة . وهذا غير منطقي إن يطلبوا مني شيئا ما , أي اني لا اريد إن ادخل هذه اللعبة ابدا واعمل وفق القواعد التي وضعها بعض الكتاب لانفسهم . ومن هذا الذي يملك الحق بان يطلب مني نصا وكانه يقول اولدي بسرعة؟!
* هل يعيقك هذا ؟
- استطيع تجاوز كل شئ . ولا تهمني في الحقيقة المواقف الادبية التي تشكل , كما يقال , من حولي . وأنا لا انوي الاستعجال ولا اكتب اشياء متوقعة او اطرح كتابا في كل سنة ولا أبدا بكتابة رواية إذا لم أكن مستعدة لذلك , ولا اترك كتابة الروايات – أي اني سوف لن أقوم بما لا اريد . اني افعل ما اريده فقط وما اتمكن منه لاني مسؤولة امام اشياء في داخلي لا امام القراء والجمهوروالنقد .

* لقد ولدت ونشات في مدينة اسطورية ادبية . فهل يمكن فهم دقة اسلوب قصصك على انها مثال الكتابة البتربورغية بالذات ؟
- هل هي التقاليد ام لا ... يبدو لي إن الانسان الكاتب لا يمكن او لا يجب أن يعرف هذا – يجب إن يرى ذلك من الطرف الاخر .
عندما تكتب فانت لا تكون ضمن اطار تقاليد معينة , بل انك تبحث عن هذه التقاليد . وكانك تقوم بعملية ربط اجزاء لعبة الصور المقطعة . وسوف لن تربطها للاخر بل ستحاول إن تنهيها وان تكون الاخطاء اقل مايمكن . انها مسالة داخلية بحتة ولكنك لا تستطيع إن تجعلها تلائم بعض التقاليد او لا تلائم .
هنالك كتاب اخرون : واكثرهم كتاب طليعيون ؛ هؤلاء الكتاب يحاولون إن يبتدعون لانفسهم طريقة اخرى في الكتابة , أي انهم يكتبون من داخلهم بل يلعبون لعبة تركيب القطع . ولديهم في هذه الطريقة قواعدهم الخاصة وبياناتهم وتقاليدهم . وهم يسعون لتطبيق بعض التقاليد او بالعكس يحاولون رغم التقاليد إن يفعلوا ما لم يفعله الاخرون ابدا . ولكن هذا يسمى تجريبا . هذه ليست كتابة حقيقية - بل لعبة اخرى .
* وأنت , طبعا, تعملين بطريقة اخرى . وربما بفضل ذلك تظهر قصصك وكانها خارج الزمن ؛ حتى إن بعضها تبدو احيانا وكانها كتبت قبل الثورة . فكيف ترين قصصك المبكرة ؟
- انا راضية , تقريبا , عليها كلها . وعدد التي ادخلت عليها بعض التعديلات قليل جدا . وانا , ابدا , لا اعود إلى النص المكتوب ثانية واجري عليه تعديلات , الذي اكتبه يبقى كما هو . لا احب اجراء التعديلات .
* كيف ظهرت عندك فكرة رواية ((كيس...)), وكيف قررت القيام بمثل هذا العمل الصعب جدا ؟.
لقد بدات كتابة تلك الرواية في عام 1986 , وقبل ذلك بقليل فهمت اني استطيع كتابة قصص طويلة اكبر من السابق . شرعت بكتابة قصة قصيرة ولاحظت انها ناقصة لاني يجب إن اقول هذا الشئ وذلك وان اوضح شيئا اخرا . أي اني ايقنت اني اكتب رواية لا قصة مطولة ولا قصة قصيرة بل رواية . والحقيقة انك عندما تكتب مشهدا ما او بداية ما فستعرف كم ورقة تستغرق الكتابة لكي يكون النتاج كاملا . وبامكانك ملاحظة ذلك لان وتيرة الكتابة تكون بشكل اخر . عند ذلك فهمت اني اذا اتممت الكتابة فستخرج عندي رواية . لكني لا ازال لا اعرف كيف اكتب الرواية .
* وكانت البداية كما في رواية (بينيديكت يسحب الجزمة ...) ؟
- نعم هكذا بدأت ولكني لو وصفت البداية لقلت انها ذات وتيرة معينة , وتيرة بطيئة . واصورها تقريبا بهذا الشكل : ها , احتاج هنا هذا العدد من الشخصيات وهذا العدد من المشاهد , ويجب إن اغطي تفاصيل هذا الجزء من حياة البطل وذاك الجزء ؛ ويجب وصف هذا الشئ وتفسير ذاك . اذن احتاج إلى كتابة مئتين او ثلاثمائة صفحة كحد ادنى رغم إني أحاول إن اكتب بطريقة مختصرة – فانا لا احب الاسهاب والاطناب لكن بعض الأشياء تحتاج وصف مفصل . وهذا معناه يجب إن اكتب رواية بينما اناغير مستعدة لذلك لاني لا اعرف كيف اكتبها . لنرى . اخذت اكتب واثناء الكتابة تعلمت إن اكتب الرواية , أي اني سمعت نداء مختلفا تماما يدعوني من داخلي . وقد شغلني ذلك سنين طوال , لاني احيانا كنت اضطر لتاجيل الكتابة والتفكير في الموضوع . واحيانا كنت اصمت سنة او سنة ونصف . وكنت غير قادرة على الكتابة , لاني عشت في امريكا ويجب إن ادبر حالي بطريقة ما وان اعمل وادرس واكتب مقالات للمجلات الاميركية – وهذا شئ مختلف تماما . إضافة لذلك هناك صفة ذميمة اخرى هي انك تكتبين باللغة الروسية وطالما إن ذلك سيذهب إلى الترجمة , فلماذا تجتهدين بكتابة النص الروسي – بينما انا لا اقدر الكتابة دون السعي لاخراج النص متقنا – ولكنك تكتبين وهذه الكلمات ستسقط اثناء الترجمة .
* نبقى ايضا عند الرواية . هنالك راي يقول إن رواية (( كيس) ) لا ترتبط بشئ مع نثرك في الثمانينيات – هل تتفقين مع هذا الرأي ؟
- اظن , نعم .
*لكني أرى شيئا مشتركا , على سبيل المثال , الشعور بالحزن العميق في قصصك القصيرة وفي رواية ((كيس)) على ماضاع من روسيا .
- نعم بلا شك , في هذا الخصوص . أما مايخص اللغة فالعامل المشترك بين الرواية والقصص قليل ولكن في الفكرة طبعا يوجد مشترك بينهم .
*يبدو لي فيما يخص اللغة , رغم إن مابين السطور يختلف تماما لكنك تستخدمين بعض عناصر اللغة على السواء في القصص المبكرة وفي الرواية , على سبيل المثال , تستخدمين الاقتباسات الادبية وحروف الربط؟
- نعم ولكن استخدامها في القصص القصيرة , طبعا , اقل بكثير مما في الرواية . ثم إني لو ادخلت الاقتباسات في متن القصة فساكون كالذي يحوك . وكان العملية حياكة وذلك ليكون المقتبس جزء من القصة , نعم , لكي
يكون النسيج مترابطا – مثل التطريز . أما في الرواية فالعملية معكوسة , يجب إن يتعارض النصان : انها حياة اخرى تتارجح وسط هذه الحياة الجديدة .
* كثيرا ما تتحدثين في قصصك بلسان الرجل . واستعملت هذه الطريقة كذلك في رواية (( كيس)) .
- الامر عندي سيان سواء كان على لسان الرجل او المراة . ثم إني لا اتحدث بلسان الرجل المتكلم بل بلسان الشخص الثالث - الرجل . انا لا اتحدث بلسان المتكلم . والحقيقة إني اصف حياة الرجل واحيانا المراة . وعليه يكون الحديث أما من وجهة نظره هو او من وجهة نظرها هي . الذي يهمني في الامر هو حقيقة هذا الانسان لان في داخل الانسان لا يوجد جنس (ذكر او انثى) . الروح ليس لها جنس معين . نوع الجنس يوجد في النواحي الاجتماعية والجنسية المختلفة . بينما الروح ليس لها جنس . الامر ينحصر في كون المشاهدة من وجهة نظر معينة تكون أكثر ملائمة . أما لماذا البطل في رواية
(( كيس )) رجل ؟ لان لديه امكانيات اكبر في الحركة . وذلك يعني انسب لنا إن نشاهد من خلال عينيه . ثم إن عليه إن يكون احمقا وغبيا . ولو كانت الغبية امراة ستتقلص امكانيات تاليف الرواية . لان حياتها الاجتماعية مختصرة جدا . المراة لديها البيت فحسب . أما الرجل فهو يفترض انه يملك العالم كله ويضم ملكه العلم والفن والفلسفة والعمل وكل مايخطر على باله , وهو يتصادم مع مختلف تفاصيل الحياة . وبالنتيجة لا يفهم أي منها . وهكذا يكون الامر هنا أكثر متعة وملائمة وتكون امكانية ارساله إلى اماكن مختلفة اكبر .
* إن تشكيلة العالم اللغوي لرواية (( كيس )) هي ماثرة لك باعتبارك كاتبة . فكيف كنت تعملين ؟ وهل استعرت الكثير من الفلكلور ؟
- كان عليّ إن اجعل لغة الرواية ادبية وغير ادبية في الوقت نفسه . واصعب مافي اللغة الادبية هو خلطها بشئ محدد من الصيغة اللاادبية المتمثلة بالفلكلور واللهجة القروية ولغة الشارع الدارجة . انها ليست فلكلورا بل لغة اخرى – هي لغة الشارع . وكنت مضطرة إلى إضافة الكثير لكي اعطي النثر صبغة خاصة , على إن لا تكون هذه الصبغة في الوقت نفسه كثيفة جدا وتقليدية , لأني لا أحب التقليد في الاسلوب . فما هي الأشياء التي استخدمتها ؟ استخدمت عدد كبير من المفردات الجديدة (عدد كبير من هذه المفردات هي مفردات موجودة سابقا لكن تم تحريف معناها , أما الكلمات الجديدة فعلا فلم تزد على عشر مفردات او خمسة عشر مفردة لا أكثر) . إضافة لذلك التشويهات الأدبية . فلغة الشارع الدارجة هي لغة السوقة والجهلة الذين لا يفهمون معنى الكلمات كما هي . انهم يفهمونها بالاشتقاق الشعبي . ثم استعملت بعض صيغ الافعال التي سمعتها , مثلا , من مربيتنا , وهي من محافظة بسكوفسكايا . حيث ان اللهجة هناك تختلف قليلا فقد ضلت فيها بعض الصيغ القديمة . اضافة لذلك استعملت لغة مراسلات ايفان الرهيب وكوربيسكي لان لغة القرن السادس عشر تتلائم مع النص ... وهي لغة مختلفة ... انها لغة روسية اخرى لا يمكن قرائتها دون ترجمة . وقد حصلت على نخسة جيدة لهذه المراسلات تحتوي على النص الاصلي والترجمة . اي انك عندما تنظر الى النص تشاهد فيه منظومة قواعدية اخرى وفيه بعض الصيغ النحوية التي لا تستعمل اليوم . وهي رائعة . اني لم اعالج
هذه النصوص لغويا , بل قراتها كثيرا لكي اعطي الاحساس بالنص المكثف والواضح لان ايفان الرهيب كان يكتب بجراة كبيرة . والرواية فيها تقلبات مفاجئة بالافكار من موضوع الى اخر وهذا ينعكس بدوره على تركيب الجمل : فالشخص لم يكمل حديثه وتفكيره حتى النهاية واذا بافكاره تتقلب وتتحول وذلك لظهور شعور لديه بذلك . وياخذ بالحديث عن شئ ما وفجاة يشعر بالاهانة ويستذكر تلك الاهانة واذا به يقطع حديثه ويتحدث عن تلك الاهانة . ان هذه التقلبات تاتي بعد الشعور – اي انها بلبلة وعدم وضوح واختلال بالتركيب – والاهم هو كيف تتم صياغة ذلك ؟
* وهنا يظهر التناقض الغريب بين الأسلوب والموضوع بحيث يكون لدينا تغير لغوي سريع وتدمير للموروث الحضاري.
- كان يجب علي التمسك بسرعة التطور هذه. لكن عندما يكتب الإنسان لا يعرف كيف يكتب ولا يمكنه واقعا أن يفهم كيف يكتب.

* متى قرأت رواية (( كيس))آخر مرة ؟
- اعتقد قبل سنتين. فقد قرأت مسودة الطبع لإعداد طبعة أخرى للرواية.أحاول عادة أن لا اقرأها فترة طويلة لكي أنسى التفاصيل واقرأها كشئ جديد.لأني تعبت وصرت لا اعرف ما مكتوب في الرواية. أما عندما الفتها كان علي أن أتذكر كل ما كتبته سابقا لكي لا أقع في التكرار وعدم الدقة. ولم أتمكن من فعل أكثر من ذلك وكان علي أن أتقدم بالعمل أكثر وهذا الأمر صعب جدا.

* الأدب عندك لا ينجي، فالشعار في الرواية هو((الفئران سندنا)) - لا الثقافة ولا الكتب؟
- نعم، رغم أن المسالة تبدو قابلة للجدل،لان وجهة النظر الأوربية القديمة هذه للأشياء كانت معتمدة طول حياتي وعلى مدى الستينيات والسبعينيات وحتى قبلها: فالتعليم يساعد الإنسان لأنه لو استطاع أن يفرق بين الخير الشر سيصبح جيدا ويكفي تربية وتعليم الإنسان بصورة جيدة ليصبح كل شي رائعا،وفي هذا يحصل الارتقاء. لكن كل هذا اخذ ينهار بحيث انهار القرن العشرين كله ، رغم أن الجميع رائعين ومتربين لكن الحقيقة ظهرت ليست كذلك . فمثلا الشيوعية عندنا....لا ليست الشيوعية. بل السلطة السوفيتية (يجب أن نفرق بين هذين المصطلحين). عندما صارت تتكسر هذه السلطة وتنتهي،توهم الكثيرون انه لو يتم الآن السماح بكل شئ ،الكتب الجيدة والنصوص الممتازة ،فان الشعب سرعان يصبح أفضل وأكثر ذكاء لأنه كان محروما من هذا الشئ و سيسمح له بكل ذلك.لكن العكس هو الذي تحقق.فاليوم تطبع عندنا أعداد هائلة من الكتب.ومحلات بيع الكتب تكاد تنفجر من كثرة الكتب(إنتاج الكتب لا حد له) بينما الناس صاروا أغبى ؛فهم يختارون الاسوء من الكتب وحتى لا يريدون مشاهدة الكتب الجيدة. وتقلص عدد نسخ أكثر المجلات الجدية إلى الصفر . فلو أخذنا على سبيل المثال مجلة((العالم الجديد)) في نهاية الثمانينات نجد أن عدد النسخ في السنة ثلاثة ملايين !أما الآن فثلاثة آلاف. ونشكر الله إذا كان عدد النسخ ثلاثة آلاف . أين ذهب الناس الذين كانوا يريدون القراءة ؟! أصبحوا لا يريدون القراءة، صارت لا تعني لهم شيئا.وصار الناس يرون أن لا حاجة بهم للقراءة ابدآ.فقد كانوا سابقا يقرؤون لأنهم لا متعة لهم غير القراءة مثل الشخص الذي يعيش في قرية في الشتاء، يقوم بمشاهدة برامج التلفزيون طوال الوقت لأنه لا يملك
متعة غيرها. لان الكثيرون ليسوا بحاجة إلى الكتاب لأنهم يمارسون الرياضة ويتسابقون بالسيارات وهذا يمثل متعة لهم.
* أو لديهم أعمال كثيرة!
- نعم،وعندهم أعمال كثيرة .إن من يتعب لا يستطيع أن يستوعب الأدب لأنه يتعارض مع عمله.لكن حتى من لديه إمكانية عدم العمل يجد لنفسه شاغلا آخر. الحقيقة إن الأدب ضروري لإعداد قليلة من الناس في العالم اجمع لكن،طبعا، بعض الإمكانيات موجودة.فمثلا في أمريكا يصدر الكثير جدا من الكتب الجيدة (أما في أوربا فلا استطيع الحكم لأني لا اعرف عنها الكثير). رغم انه ليس بالضرورة
أن يكون الأدب ساميا أو أدبا فنيا راقيا إنما هناك كتب وثائقية وأبحاث رائعة ناهيك عن كتب الصحافة الاستقصائية...
* نعم،اعتقد لا توجد هنا مثل تلك الكتب...
- كلا. يوجد عندنا هذا الفن لكنه تافه،أي أعمال غير جدية. لا يريد المؤلف أن يذوب في مادة الموضوع ولا يريد أن يعد المادة إعدادا كاملا بحيث يعرفها ويقدمها بصورة صحيحة ويتم عملها إنما يريد أن يستعرض نفسه لا أكثر. لا يزال هذا الفن غير متطور ابدآ عندنا.
* ولكن مع ذلك صارت رواية (( كيس ))الكتاب الأكثر رواجا.
- نعم.
* وحصلت عليها على جائزة(( النصر))...
- نعم.
* لقد عملت على هذه الرواية كثيرا في الخارج،في الولايات المتحدة بالذات. فهل ساعدك في ذلك البعد عن الوطن؟
- نعم وكلا. لأنه أحيانا ضروري أن تبتعد تماما لكي تتمكن من الكتابة بهدوء وتبتعد عن الارتباط. أما من الناحية الثانية فتحتاج سماع اللغة في بلدك لأنك عندما تعيش خارج روسيا تبدأ بنسيان بعض الأشياء في اللغة وتبقى لغتك فقط اللغة الأدبية لغة المثقفين بينما لا تستطيع سماع لغة الشارع ، لعدم وجود الشارع الروسي هناك. أما هنا فالأمر بسيط جدا ما أن تسير في الشارع حتى تسمع هذه اللغة...وتصيح:آه اصطدت هذه الكلمة! إذ أني لا اعرف لغة الشارع هذه- اسمعها فقط. وبالنتيجة هذا يساعدني كثيرا. أما هناك فأنت تعيش في عزلة لغوية-أدبية. أثناء غيابي عن البلد ظهرت الكثير من الكلمات الجديدة التي لا اعرف لحد الآن كيف استعملها.
* استمتعت لسنوات طوال بقراءة مقالاتك في مختلف المجلات الأمريكية الجدية،ولقد انتهيت للتو من إعادة قراءة مقالتك الهزلية الرهيبة((الروليت الروسي)) التي يبدو لي انك قد نشرتيها كذلك باللغة الروسية.وهي برأيي ليست مقالة صحفية بل فلسفية.فكيف تعلقين على هذا النص؟
- كلا، لم انشرها باللغة الروسية،اضن لا داعي لذلك. لقد نشرت باللغة الروسية مقالتين فقط من تلك المقالات التي كتبتها للصحافة الأمريكية. لان المتلقي يختلف. إن الكتابة للصحافة الأمريكية أيضا
صعبة جدا لأنك تكتب لجماعة من الناس الذين لا تفهم عنهم أي شئ ولا تعرف ما هم ولا تعرف ماذا يعرفون وماذا يجب أن توضح لهم. فبعض الأشياء تستطيع أن تختصرها بالروسي بكلمة واحدة بل حتى بنصف كلمة،مثلا عندما تستند بكلامك على بوشكين تقول فقط((بوشكين)) ولا توضح أكثر من ذلك،أما للجمهور الأمريكي فيجب أن تقول بوشكين هو شاعر روسي عظيم. يجب أن تفسر لهم دائما الأشياء لان عليك أن تتصور دائما إنهم محتملا يعرفونها. لا استطيع أن أقول الكلمة واسكت
يجب أن أوضح لماذا قلت ذلك أو أن أغيرها بعبارة أخرى. أي أني اكتب لجمهور غريب افترضه لنفسي انه الجمهور الأمريكي المثقف.
* هل تقصدين زملائك في الجامعة هناك؟
- ليس المتخصصون بالسولافية فقط .نعم، حتى زملائي المتخصصون باللغات السولافية لا يعرفون شيئا! اجل حتى هم لا يعرفون شيئا! فقد شاركت في مؤتمرات سولافية وشاهدت فيها ضيق الأفق! فالكل منشغل بالفترة المتخصص فيها والمادة الاختصاص رغم وجود أذكياء جدا من بينهم لكنهم لسبب ما يعاندون أن يسمعوا شيئا. فلو قلت لهم ((إن هذا غير دقيق أو هذا غير صحيح))لا يقبلون ذلك ويدافعون عن رأيهم... تعجبني أكثر الكتابة للجمهور الروسي.
* ماذا تريدين الآن أن تكتبي باللغة الروسية؟
- تستهويني مشاريع مختلفة. وأنا اكتب بصورة بطيئة جدا وطويلة لهذا لا أتمكن من فعل كل ما أتمنى فعله.
فهناك بعض الناس الذين يجلسون ويكتبون ويخرج نتاجهم رائعا. بينما أنالا استطيع ذلك- أنا اعمل بصورة بطيئة جدا.
* بعد عودتك إلى الوطن أصبحت((نجمة استعراضية)) حيث تقدمين البرنامج الحواري الاستعراضي المشهور((مدرسة الغيبة))الذي نال في عام 2004جائزة أفضل برنامج حوار استعراضي.هنا يبرز لدينا تساؤل: (( لماذا تولستايا تلعب هذا اللعب العنيف، وهي التي تكاد تعتبر احد الأدباء الكلاسيكيين الأحياء؟))
- ها...ها...ها.(تضحك).
* هكذا كتبوا عنك. السؤال يبقى مطروح.
- هذا العمل يعجبني- انه الجواب. أما لماذا يعجبني؟ لان هذه طبيعتي- أحب أن أجرب مختلف الأشياء. فانا أحب،على سبيل المثال،التحدث مع أشخاص حيويين في أجواء حيوية. وهذه التجربة تغني الفرد في باطنه. إذ أني لا أشارك أبدا في ندوات الحوار ولم اذهب لحفلات الاستقبال أو اللقاءات المسائية.ابدآ! حضرت هكذا أجواء مرة أو مرتين في حياتي لان كان علي أن التقي أحدا من المعارف. كانت تمضية غبية للوقت لا تطاق بحيث سرعان ما صرت اشعر أما بهستريا داخلية أو شعور بالنعاس لكي لا أرى ذلك! أضف لذلك إن مئات وآلاف الأشخاص يأتون لتلك الأماكن
ويعتبرون ذلك اعتياديا مثل الذهاب إلى الأسواق وشراء الخبز. وأجيبك على سؤالك:ان الحوار الاستعراضي بالنسبة لي هو تواصل حي وشخصي مع الإنسان. فلا داعي اذآ لتلك الحفلات التي لا معنى لها ولتبادل النظرات ولمشادة الناس ماذا يرتدون ولأكل الشطائر-لا داعي لضياع
الوقت الذي هو محسوب من عمرك على هذه الأشياء! هذا هو الجواب! وكذلك لان بهذه الطريقة يعيش تسعة وتسعون بالمائة ممن تحاورهم من الكتاب والوجوه التلفزيونية ،إنهم ينتقلون مثل الفراشات من زهرة إلى أخرى.وهذا مرعب!...ولا ترى هناك إنسانا حيا . إذن بأي طريقة ستراه؟هل اقترب منه في الشارع واطلب التعرف عليه؟كلا. أنا بحاجة إلى نوع من الاتصال بالناس الأحياء الآخرين. وهذا الاتصال يكون فقط عن طريق الحوار،لأنك تستجوبه وتوجه إليه الأسئلة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، استفزازية أو متعلقة بردود فعله أثناء الجواب على هذه الأسئلة،وعلى ضوء ذلك تتضح شخصيته.وتتاح له الإمكانية لتجاوز هذه الأسئلة أو يحتمل انه لا يتمكن من تجاوزها. ويستطيع الإنسان في النقاش إبراز شخصيته. وهذا ممتع . إن مراقبة الإنسان كفرد هي متعة بحد ذاتها . أما الحوار مع عامة الناس فليس ممتعا.لهذا انا مهتمة بهذا الأمر.إضافة لذلك فيه ملابسات. وإلا لكنت تركت العمل بهذا البرنامج من زمان بعيد.
* لأن هذا العمل،ربما، يتطلب وقتا كثيرا؟
- كلا. ليس لهذا السبب. سابقا كان يتطلب مني جهدا كبيرا،ثم تعودت عليه.وأصبح الآن اقل متعة بالنسبة لي لان الناس اخذوا يتكررون وأجوبة الأسئلة كذلك. ومادة البرنامج أخذت تنضب من جانب ومن جانب آخر لا يوجد العدد الكافي من الناس الممتعين الذين يوافقون على المجئ إلى البرنامج:قسم لا يريد المجئ – وهذا حقهم!وقسم لسبب ما لا يستطيعون، وقت البرنامج يتقاطع معهم.إضافة لذلك الرقابة الرهيبة!هناك رقابة بشعة على التلفزيون والناس يخافون أن يقولوا ما يفكرون به. وأنا لست بحاجة إلى الأجوبة الحذرة.ذلك لا يعتبر حوارا.
* نعود إلى السؤال حول الروح إن كان لها جنس أو لا. كتب احد النقاد في الصحيفة المستقلة: ((مجتمعنا لا يحترم النثر النسوي مثل ما لا يحترم المنطق النسوي والمرأة التي تقود السيارة)).يبدو لي انك شخصيا تخلصت من مثل هذا التعريف.فما رأيك بهذا الأمر؟
- هذا حديث مختلف تماما.توجد خرافة (في السابق لم تكن كذلك.والآن أصبحت خرافة) حول النثر النسوي ولكن هذه فرضية عمل.لنأخذ القرن التاسع عشر: فسنلاحظ إن عدد النساء اللائي كن يكتبن قليل جدا لأسباب كثيرة ومختلفة. النساء تعرضن لتحديدات اجتماعية كثيرة، فلم تكن عند المرأة هوية، ولم تستطع فعل شئ إلا بموافقة الزوج أو الأب . وكان حقها في الميراث يختلف من دولة إلى أخرى. سواء في روسيا أو في أوربا ترث شيئا أو لا ترث البتة يرجع إلى قوانين الدولة. فلو سمحوا لها بشئ منعوها من شئ آخر.حسنا تجري حركة تحرير المرأة:أعطيت المرأة من الحقوق....بعبارة أخرى قد تحررت.ولكن من أي شئ تحررت؟ هل تحررت من الأطفال؟من المطبخ؟من الواقع النسوي كما يقال؟لا يمكن أن تتحرر من ذلك!أكثر ما تستطيع امرأة تحقيقه هو المساواة الاجتماعية المحدودة أي أنها تستطيع أن تقوم بالعمل الذي يؤديه الرجل وتستطيع الحصول
عليه على المبلغ الذي يحصل عليه الرجل-وهذا الأمر جيد لو كان كذلك. وبإمكان المرأة عمل بعض الأشياء الأخرى لكنها لا تستطيع فعل بعض الأشياء الأخرى حتى النهاية!
لماذا يساوون المرأة بالرجل؟انها تختلف عنه تماما!

*هل تختلف المرأة باعتبارها كاتبا؟اولا هي امرأة ومن ثم كاتبة فقط؟
- هنا يكمن مربط الفرس، عندما تظهر مثل هذه الخرافة تلائم بعض الشخصيات السياسية. فهناك أنواع مختلفة من المساواة،مثلا في احد أنواع المساواة لا تختلف المرأة عن الرجل في أي شئ. وفي النوع الآخر للمساواةعلى العكس إنهما مختلفان لدرجة أن كل شئ فيهما مختلف بما في ذلك النثر. وان تصور النثر النسوي باعتباره نثرا يختلف قد جاء من هذه الخرافة السياسية. ربما إن النثر النسوي السئ يختلف عن النثر الرجالي السئ مثلما يختلف الرجل عن المرأة. أما إذا كان النثر حقيقيا فلا يهمنا من كتبه رجل أم امرأة. فقد ألف ليف تولستوي قصة ((الفرس)). هل كان تولستوي يوما ما فرسا. وصور روح المرأة في رواية ((انّا كارينيا) أفضل مما تقوم به أي امرأة على مدى تاريخ الأدب. مثلا الكاتبة الرائعة سيغريد اونديست. لكن ليف تولستوي كتب قبلها وسمح برؤية بعض الأشياء والكتابة عنها....الخ. الأدب الراقي لا يعتمد على جنس الكاتب. بينما
الأدب الهابط يعتمد لأنه يهتم بالتفاصيل وهذه الصفة عند الغالب الأعم من النساء. وهذه الصفة تكون ممتازة في الأدب الجيد وسيئة في الأدب السئ. والرجال يميلون إلى التراكيب المجردة وهذا بدوره سئ جدا في الأدب الهابط.
* أنا محقة عندما قلت انك شخصيا تخلصت من هذه السمة؟
- ليس في كل مكان.إني دائما ارفض هذا- لم يكن هذا موجودا عندنا أبدا. إن وجود نثر نسوي كان يعد فكرة هامشية جدا. وعندما بدأت كل هذه الاتصالات مع مختلف الحركات النسوية ومع الأسواق الدورية الأوربية ،قرر بعض نقادنا: ((طالما ان هذه بدعة أوربية وإنهم في أوربا يتبنونها،نحن سنتبناها أيضا وسنتابع كل شئ من خلال هذا الثقب)). وصاروا يمارسون ذلك. رغم أن كل تلك الأبحاث هي أشياء هامشية تماما. فيها فضاء واسع للحمقى.رغم أن بالإمكان بحث أشياء ممتعة ومعمقة فعلا. لكن كل الحمقى اندفعوا في هذا المجال لان الحصول على الخبر فيه بلا عناء! ويحددونني في بعض الأحاديث في النثر النسوي بالذات. حيث أتواجد أحيانا في مختلف المؤتمرات والحلقات النقاشية – انه شئ لا يطاق! دائما ما يكون الحديث عن المرأة ويحاولون استخدامي في بعض المواقف التي لا تلائمني تماما! فقد انعقدت هنا ندوة الاقتصاد العالمي ودعيت إلى الطاولة المستديرة لاتحدث عن انجازات المرأة في الأدب. ولكن لماذا المرأة هنا؟
وكتبت لهم : (( أنا كاتبة- لا اقتصادية. ولا استطيع أن اجمع اثنين واثنين وتكون النتيجة واحدة في كل مرة. اعلموا أن قضيتي تختلف!)). إن كنت امرأة أو رجل هذا لا يعني أحدا. إن النساء يكسبن من الأدب ليس لأنهن نساء،بل لان كتبهن يتم شراؤها أولا – وهذا أمر تجاري. مارينينا تكسب أكثر من الجميع وتستطيع بناء قصور متعددة الطوابق (والحمد لله) ولكنها امرأة. وبعض الرجال أيضا يكسبون مثلها. والآخرون يكسبون قليلا.

* عندما سجلت لقاءا صحفيا معك قبل عدة سنين كنت نشطة في الحياة السياسية وهذا استثناء بين الكتاب الروس. ما هو وضعك الآن؟
- أصبحت الآن لا توجد أي سياسة- كل السياسة انتهت. ولا حاجة للحديث الآن عن الحياة السياسية. فلهذا صرت لا أشارك أبدا في أي شئ. أي أن هناك متعة في المشاركة في السباق الشريف أما عندما تكون كل الأماكن مشتراة مسبقا فلا متعة أبدا فيها.
* هذا محزن.
- نعم ، انه محزن ومرعب في الوقت نفسه.وغير مفهوم تماما ماذا سيحدث مستقبلا. والكل يتنبأ باسوء الأشياء. وجميع المحللين الجديين وغير الجديين يقولون إن هذا الوضع سوف لن ينتهي بأي شئ جيد.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057074   Visitors since 7-9-2002