المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع لطفية الدليمي

  
وديع شامخ
  

- من نهر ديالى إلى نهر دجلة العظيم ، وشيجة من ماء ومسلّة من حبّ ، حملتها ابنة ديالى"لطفية الدليمي "إلى بغداد ، الصبية التي عشقت الأدب والتمرد ورضعتهما معا منذ أن لامست شفتاها الأسرار المقدسة للكلمة ، فأبحرت للكشف عن السرّ وفك مغاليق الحلم والكلمة في مملكة الإبداع ..فكانت رحلة التيه أو الوهم أو المخيّلة. بدأت لطفية مبشرة بالحب منذ ان تعلقت بكتابها، التعويذة الأولى" ألف ليلة وليلة" وعجائبه وطقسه السحري ومخياله الفسيح، وغناه السردي، حتى وضعت يدها وقلبها على جرح الكلمة وسرها وجوهرها الحيّ وتشكلت مواقفها الفكرية و تبلورت رؤاها على مرّ السنوات وتنوع التجارب والمواجهات .. هي كاتبة مبدعة ومتفردة في الوسطين العراقي والعربي ولها بصمتها المميزة في الأدب العراقي، مبدعة متقدة الموهبة حادة البصيرة، تستخدم كل مجساتها للوصول إلى لذة الكتابة ومتعة الكشف .. لها من الأدوات والأسلحة في ميدان الإبداع والفكر ما يجعلها في وفرة واكتناز دائمين، ولنا في هذه اللمحة عن بعض انجازاتها ما يثبت صحة دعوانا ، فقد أصدرت في حقل الإبداع القصصي والروائي، - ممر إلى أحزان الرجال -قصص، بغداد – 1970، والبشارة- قصص - بغداد – 5197،-التمثال - قصص -بغداد – 1977 ،- إذا كنت تحب - قصص- بغداد -1980، - عالم النساء الوحيدات - رواية وقصص -بغداد- 1986،-من يرث الفردوس - رواية-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة و-بذور النار - رواية - بغداد – 1988، موسيقى صوفية- قصص- بغداد-1994- جائزة القصة العراقية القصيرة، - في المغلق والمفتوح- مقالات جمالية -تونس-1997-دار نقوش عربية، - ما لم يقله الرواة- قصص -الأردن -دار أزمنة- 1999،- شريكات المصير الأبدي-دراسة عن المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة-دار عشتار- القاهرة-1999، -خسوف برهان الكتبى-رواية- ط 1-اسبانيا دار ألواح-2000-ط 2-رام الله - دار الزاهرة-2001، -الساعة السبعون-نصوص-بغداد – 2000 ، -ضحكة اليورانيوم- رواية- 2001 ، 15-برتقال سمية - قصص- 2002- بغداد، -حديقة حياة- رواية- 2004 طبعة 1 بغداد طبعة 2 دمشق. وفي حقل الترجمة أصدرت -بلاد الثلوج-رواية- ياسونارى كواباتا- دار المأمون – بغداد 1985، -ضوء نهار مشرق- رواية- انيتا ديساى- دار المأمون –بغداد1989، -من يوميات اناييس نن- دار أزمنة - الأردن-1999-شجرة الكاميليا- قصص عالمية-بغداد2002. كتاب العودة إلى الطبيعة – دراسة في نمط العيش على وفق الفلسفات الشرقية – الآسيوية. وفي حقل الدراما أصدرت المبدعة الدليمي - مسرحية الليالي السومرية- قدمت على المسرح ونالت جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومرى- قراءة مغايرة لملحمة كلكامش - مسرحية الشبيه الأخير-1995 كوميديا سوداء - مسرحية الكرة الحمراء 1997،- مسرحية قمر أور- مسرحية شبح كلكامش - مسلسل تاريخي عن الحضارة الرافدينية ب 30 ساعة، 7-سيناريو صدى حضارة عن الموسيقى في الحضارة الرافدينية. ولها العشرات من الدراسات والمقالات التي نشرتها في معظم الصحف والدوريات والمجلات العراقية والعربية ، وعلى المستوى المهني فقد عملت لطفية الدليمي في حقل التدريس ثم انتقلت للعمل كمحررة في مجلة الطليعة الأدبية وبعدها عملت مديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية، وهي الآن رئيسة تحرير مجلة هلا الثقافية التي تصدر في بغداد وتوقفت الآن بعد مغادرتها العراق، شاركت في عشرات الندوات الثقافية العراقية وقدمت شهادات عن تجربتها الإبداعية في مدن عراقية وعربية وأوروبية، كما كانت ناشطة وفاعلة في حقل العمل النسوي إذ أسست سنة 1992 مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد وأسهمت في حوار عن أوضاع الإبداع النسائي مع كتاب وكاتبات من فرنسا،وأسست وأدارت من 2003 مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة وهي عضو مؤسس في المنبر الثقافي العراقى2005،وعضو مؤسس في الجمعية العراقية لدعم الثقافة 2005. وقد حظيت أعمالها الإبداعية بالدراسة والنقد حيث قدمت أطروحات ماجستير ورسائل دكتوراه عديدة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية، كما ترجمت بعض قصصها إلى الانكليزية والبولونية والرومانية والإسبانية والألمانية وترجمت رواية عالم النساء الوحيدات إلى اللغة الصينية.هذه المبدعة العراقية التي كانت ملكة حقا في حقلها الإبداعي وبيتها البغدادي الجميل، تعيش اليوم في شتات المدن الأوربية، من باريس إلى بيرن ، لا أحد يستوعب حلمها الذي تركته ينزف في بغدادها البهية، وفي هذا الحوار الخاص حاولنا أن نضيء بعضا من سيرة وإبداع هذه المرأة الشامخة كنخلة عراقية عنيدة وعصيّة على التدجين والقنوط.


- في إحدى مقالاتك عن المرأة في الفكر العراقي القديم أشرت الى" أن النصوص الأسطورية الأساسية في الأدب الرافديني لم تستند إلى تمييز جنسي بين الذكور والإناث في الفكر الرافديني، فقد خلق البشر إناثا وذكورا-في قصيدة الخليقة – متساوين ، كما تميزت اللغة السومرية بظاهرة غريبة هي تعدد اللغات لفئات المجتمع المختلفة، فقد كانت هناك لغة خاصة للنساء تسمى ( eme sal ) ويعني شرحها في قاموس اللغة الأكادية والسومرية (Lisani siliti ) بمعنى اللغة السليطة أو لغة الشجار أو لغة العراك حسب اللغة الأكادية السامية التي تعد من جذور اللغة العربية الحديثة وهو توصيف فيه بعض من الهجاء الذكوري للغة النساء" في هذا العمق العراقي من حقوق المرأة وتميزها ما رأيك بما يحدث للمرأة العراقية من قتل علني تجاوز كل الحدود غير المعقولة و في البصرة تحديدا ، أليست هذه مفارقة ، أم مهزلة ؟ أما زلت سليطة اللسان لفضح ما يجري ؟
* لعلني أملك ما يكفي من الألسن وليس مهما أن يكون اللسان سليطا ليفضح ويعري ما يحدث، بل كيف ينطق هذا اللسان والى أية جهة يوجه خطابه وما هي تقنيات هذا الخطاب ..قد يكون صوت الرواية والقصة الآن مطموسا والجموع تكابد محنة العيش وسط التمييز العرقي والديني والطائفي والوظيفي محاطة بإطار من الانفجارات والجنائز والجثث المجهولة الهوية وهدير دبابات الاحتلال وتصريحات السياسيين المراوغة ، لكني وجدت أن مقالاتي الصحفية التي أنشرها في العراق وعلى مواقع النت تملك قدرة الإبلاغ وتصل إلى قارئات وقراء كثيرين وتؤشر على وجود تفاعل مع الكتابة الصحفية المتاحة لإطلاع عدد كبير من القارئين والقارئات . أثق إلى حد كبير بنظرية ( أثر الفراشة ) التي قال بها عالم الفيزياء ( ادوارد لورينز )،تحريك جناح فراشة في أوروبا قد يحدث إعصارا في البرازيل أو ربما في العراق ، الكلمة لها اثر الفراشة الخفيف لكنها تحفر مسارات خفية وتصل إلى الكثيرين ..نساء عراقيات وشباب عراقيون يكتبون لي وأرى عمق المرارة التي يعبرون بها عن استلاب حرياتهم وحقوقهم وتوقهم لتحطيم الأغلال التي يقيدهم بها المتطرفون والاحتلال والميليشيات ، و من جانبي اقترح عليهم قراءة ومتابعة ما يذكي توقهم للحرية،اكتب مقالات في هذا الاتجاه لصحف محلية تصدر في محافظات العراق التي اختطفها التشدد والعنف.
- بمناسبة نظرية الفراشة ، ما هو دور نساء العراق العاملات في البرلمان العراقي خصوصا بالدفاع عن حقوق فراشات العراق اللواتي يحترقن يوميا بألسنة اللهب الطائفي والتناحر السياسي والعماء القبلي وغيره الكثير ؟
* ما يشكل مفارقة صارخة في العراق هو تواطؤ النساء البرلمانيات المجللات بالسواد ضد حقوق النساء وقيامهن وبتنظيم مظاهرات ضد قوانين تنصف المرأة وسعيهن لإلغاء قانون الأحوال الشخصية لسنة 1958 الذي صدر بعد إعلان الجمهورية، فإذا علمنا أنهن يشكلن نسبة 25% من أعضاء البرلمان وغالبيته الراديكالية ،عرفنا كم هو حجم هذه المفارقة - نساء يصلن إلى البرلمان ويقفن ضد حقوق الإنسان وحقوق النساء .. لقد أتت بهن الانتخابات المستندة إلى فتاوى تحض على انتخاب قائمة معينة حتى ان بعض الفتاوى أشارت إلى حرمة المرأة على زوجها والى حرمان من الثواب إن لم ينتخبا كتلة معينة ودخلنا عصر ديمقراطية مرجعيتها فتاوى متشددة !! لقد حشدت الأحزاب الدينية هذا العدد من النساء لتقدم قائمة مرشحيها التي يشترط الدستور وجود نسبة الـ 25% من النساء فيها فكانت النتيجة وبالا على المرأة العراقية .. المرأة العراقية الآن من أكثر نساء العالم تعرضا للاضطهاد والعنف والقتل ويوم24 ابريل 2008 قتلت الميليشيات المتطرفة من جيش المهدي مابين 15 إلى عشرين إمراة في حي السلام ببغداد لأسباب تتعلق بنزع الحجاب وارتداء البنطلون ومزاولة العمل الوظيفي وتلقت معظم النساء العاملات في هذا الحي تهديدات بالقتل وأحرقت محلات الملابس النسائية .. جرائم قتل النساء وذبحهن وكتابة رسائل تجريم تترك على جثثهن تنتشر الآن في مدن عراقية مهمة – سجلت( البصرة) أعلى نسبة للنساء المغدورات -60 ضحية خلال شهرين ،وفي حي العامرية الساخن – قامت الميليشيات بحلق رؤوس النساء وضربهن لأنهم لا يرتدين الجلباب وتتعرض من ترتدي صندلا أو تنورة أو سروالا للقتل المباشر ..ما يثير الألم أن عدد النساء اللائي قتلن في العراق منذ 1991 حتى 2007 -حسب مصادر صحفية معتمدة على إحصائيات منظمات دولية بلغ 12500 إمراة قتلن لجرائم شرف أو لنزع الحجاب أو انتحرن تحت الإكراه في المناطق الكردية ، والمجزرة تتفاقم كل يوم. كانت المرأة العراقية رائدة في مجالات التحرر والصحافة والدراسات العليا والهندسة والأدب والطب منذ عشرينيات القرن الماضي وبرزت نساء كثيرات في العمل الدبلوماسي والتمثيل والفنون والموسيقى والعلوم إلا أن الحروب وهيمنة النزعات العسكرية وتلاشي الطبقة الوسطى والتردي السياسي ثم الاحتلال وانهيار الدولة واستبداد السلطة الدينية وميليشياتها، أعادت المرأة إلى حظيرة الحريم واضطر نصف عدد النساء العاملات والدارسات إلى ترك العمل والدراسة خلال العامين الماضيين بسبب العنف وفوضى الاحتلال وعدم وجود دولة مؤسسات مدنية.. وهناك صمت ولامبالاة من قبل البرلمان والحكومة إزاء إبادة النساء ، وليس من إجراء لحماية النساء اللائي تبلغ نسبتهن نحو60% من نفوس العراق.. بل ان وزارة التربية في الحكومة القائمة على المحاصصة الطائفية - تفرض الحجاب على الصغيرات في المدارس الابتدائية وتصدر التعليمات لحجر البنات في مفاهيم العار والعورة والتحريم وتحول المدارس في البلد الذي أسس المدارس – الإيدوبا -منذ خمسة آلاف سنة في سومر إلى سجون للعقاب المبكر وتدمير الذات الإنسانية تحت طائلة الترويع والتهديد وطرد التلميذات غير المحجبات من عمر السابعة وحرمانهن من التعليم.. وتقوم عوائل عراقية الآن بتعليم الأطفال إناثا وذكورا في المنازل خشية تشويه نفسياتهم الغضة بالتعاليم المتشددة أو اختطافهم أو قتلهم ..انه إرث الديكتاتورية الذي أضيف إليه الخراب المنظم الذي أنجزه الاحتلال والتعصب الديني و التناحر الطائفي وانحراف السياسات الحالية والأهم من ذلك ضعف القوى العلمانية وتشرذمها مقابل تحالف الأحزاب الدينية والكتل السلفية المتعاونة مع الاحتلال .. - يذهب – أفلوطين إلى (أن تعبر من حياة إلى أخرى كمثل النوم في أسرة مختلفة في غرف مختلفة، كما يرى بورخيس أننا ( في كل لحظة من حياتنا نحن نَنسخ ونُنسخ)، ونحن نكتب كتابا واحدا . إلى أي حد تضع لطفية الدليمي حدّا للتحرر من ضغط المؤثر الفكري والإبداعي السابق على تجربتها الإبداعية وكيفية تطويع المراجع الفكرية والحياتية لتكون ظهيرا للتجربة الإبداعية وليس عبئا عليها ؟
* التجربة الإبداعية لا تولد حرة خالصة بين يدي الكاتب فهي تتأثر بجماع ما أنتجته البشرية من أساطير ورؤى وتجارب عيش ومكابدات وجود ومواجهات مع الطبيعة والأضداد ،نحن لا نكتب كتابا واحدا كما يقول بورخيس ، ربما أود تعديل المقولة إلى :إن لكل كاتب مشروعا ممتدا يتوزع على مجموع كتبه ومواقفه ، وينهل هذا المشروع من منابع التجربة الحياتية العامة والتجارب الشخصية والمرجعيات المختلفة ، بالنسبة لتجربتي الممتدة في الكتابة استطيع القول إن كل عمل جديد لي هو أشبه بتعديل على جوانب من المشروع مع إضافات تعززه وتديمه وتجعلني أواصل التجربة ، بمعنى أن كتاباتي ليست أمرا ناجزا بل تجربة متواصلة ضمن مشروعي تستقي نسغها من تحولاتي الروحية والفكرية مثلما تخضع لمؤثرات كونية ووجودية مختلفة ،وكل تجربة لي في الكتابة تتأثر بالأمكنة والأزمنة التي أتعايش معها ،في بداياتي كنت أجد نوعا من الصعوبة في التحرر من المؤثرات الفكرية الضاغطة لأنني لم أكن قد طورت أسلوبا خاصا بي ورؤى تنتمي إليّ، ولكن التجريب والاختبار الشخصي للحياة والكتابة أفضيا بي إلى بلوغ مفهوم محدد للأسلوب، اشتغالي المثابر على خصوصية هذا الأسلوب واعتباري الكتابة نهجا وطريقة حياة أعانني في تطويع المراجع والتجربة الحياتية لتكون سداة مشتبكة مع خيوط النص الأساسية لا عبئا عليها ..
- لم اسمع منك ما يكفي عن المراجع الأولى" تجارب أو أشخاصا " والتي شكلت وعي لطفية الدليمي وصقلت موهبتها،ومن ثم كيف تعمل الخبرة لصالح طرد التقليد وانتهاج طريق خاص، إذا ما علمنا أن الكثير من التجارب قد طوقتها الخبرة بحزام ثقيل من الوصايا وصارت كالقبر الذي يضيق على روح الكاتب وإبداعه ؟
* المرجعيات كثيرة ومتناقضة تماما،أقرا كل أنواع الكتب من العلوم الصرفة فيزياء وفلك وجيولوجيا إلى الفلسفة والتاريخ والأساطير والتراث الشعبي والتصوف ، ولأنني سحرت بالكتاب منذ طفولتي المبكرة كان الكتاب اقرب إليّ من كائنات حية لا أجد سبيلا للتواصل معها وكنت ابحث عن إجابات لأسئلة تطاردني وغالبا ما كنت أجدني محاصرة بأسئلة جديدة بدل الإجابات المتوقعة وكما تعلم ليس المهم الحصول على أجوبة ، الأهم هو أن نواصل اجتراح السؤال.
- أعتقد أنك كنت تعملين منفردة من ناحية البحث والإبداع وتنتمين إلى جيل مجتهد ومبدع عموما من جهة أخرى؟
* كان جيلي محظوظا من جانب نشأتنا في محيط محتدم بالتصورات السياسية وأحلام اليوتوبيا الأرضية ، ووجود فسحات من الحرية كنا نعبر فيها عن أنفسنا – رغم المخاطر - بتجمعات ثقافية و مظاهرات وبيانات وكتابات تجريبية وتواصل مع تيارات فكرية مختلفة دون رفض أو مصادرة أي منها رغم الاختلافات الجذرية بينها،كان الحوار والنقاشات والحياة الاجتماعية المنفتحة والعلاقات الإنسانية الرحبة وبساطة المتطلبات سبيلنا إلى إدامة التمرد في عقولنا الفتية ، كنا جيلا جريئا،علمانيا ، لم يثننا الخوف عن إبداء الرأي أو العمل ضمن تنظيمات يسارية وماركسية كانت هي ( موضة ) جيلنا وفردوسه الجهنمي وحين تتحول التنظيمات إلى قوالب ضاغطة كما نفلت منها ونتحرر من قبضتها ،إلى جانب ذلك كانت الرقابة على الكتب متساهلة إلى حدّ مّا - فكنا نحصل على ما نشاء من الإصدارات الحديثة،كانت هناك مكتبة في ساحة الطيران ببغداد اسمها مكتبة الاورفلي وبجوارها مخبز شهير بالاسم نفسه يعد تنويعات من الخبز العربي والإيراني والأفغاني كنا نتزود بحاجتنا اليومية من الخبز والكتب معا حتى ارتبط الكتاب وعالميته لدي بنكهات القمح وأممية الرغيف( كما ارتبط كتاب ألف ليلة وليلة لديّ برائحة التبغ لأني عثرت عليه في مخزن للتبغ)،وكانت المكتبة تقدم تسهيلات لاشتراكات شهرية في جميع ما يردها من كتب ومجلات بدءا بمجلة الكاتب ومجلة السينما والمسرح ومجلة الآداب والطليعة المصرية وترجمات دار الآداب ودار العلم للملايين ومنشورات الفكر الاشتراكي وكتب الفكر الوجودي وسلاسل المسرح العالمي ، كان الجو السياسي العام يتقبل الاختلاف إلى حد كبير رغم الملاحقات والمحاكمات بين حين وحين.. وكان الوسط الثقافي مندغما بالوسط السياسي اليساري تقريبا أو أن معظم المثقفين كانوا من اليسار ثم حصل نوع من فك الارتباط عندما طغى الفكر الوجودي ثم ظهر كتاب ( الإنسان ذو البعد الواحد ) لهربرت ماركوز وأحدث زلزلة في موضوعة الانتماء لدى معظم جيلنا بعد الصدوع التي أحدثها كتاب اللامنتمي لكولن ويلسون .. كانت مكتبات الكليات ومكتباتنا الشخصية متاحة للجميع نستعير ونعير الأصدقاء ونزود بعضنا بكل جديد ، لم يكن الكتاب محتكرا بل كان مشاعا بين الأصدقاء والمعارف ، شأنه شأن الموسيقى حيث كنا نتزاحم على كونسيرتات الفرقة السيمفونية الوطنية ونتبادل مجموعات الاسطوانات لسيمفونيات من الشرق والغرب ، ونحضر العروض المسرحية ونشاهد أفضل الأفلام الفرنسية والروسية واليابانية ،ونرتاد المقاهي والنوادي للنقاش، لقد كنا جيلا ناشئا محظوظا إلى حد كبير وأتيحت لنا فرص لتكوين شخصياتنا بشكل مختلف عن الأجيال الحالية التي سحقتها الحروب والاستبداد بكل تنويعاته ورغم ذلك لم أكن منضوية أو قريبة من الوسط الثقافي بعد ذلك ، لأنني عندما تفرغت للكتابة آثرت العزلة وخيار العمل منفردة دون جماعات أو انتماءات ..

- وكيف وطأت قدماك الطريق الخاص الذي تسلكينه الى الآن؟
* الطريق الخاص هو ما اجتهدت لاكتشافه عبر التجريب والبحث ، التوصل إلى أسلوب إبداعي ولغة تميزني ،تستطيع قارئا بذائقة حساسة أن تتعرف عبرها على نصوص هذه الكاتبة دون أن تقرا اسمها على النص ،هذا السعي لتأسيس أسلوب خاص و بناء معين للعبارة وموسيقى داخلية تتدفق في أجزاء النص هو ما اسميه الخبرة الذاتية في الإبداع ،والتي تعني التوصلات الشخصية لنسق كتابة معينة لا تنتمي لغير الكاتبة وأدواتها، ولا تقلد ولا تتماهى مع أحد بل تصر على أن لا تشبه إلا نفسها منعتقة من كل تأثر أيدلوجي ، الكتابة هي المضاد لكل عقيدة متشددة لأنها معبرنا إلى ممكنات الحرية، ووسيلتنا لتجريب هذه الحرية رؤيويا أن حيل بيننا وبين الحرية على الأرض التي يختطفها العنف والقمع ..
- أنت قاصة مبدعة ومجددة في المشهد القصصي العراقي والعربي ، لك بصمة خاصة وواضحة، نتعرف عليك من خلال قراءتنا لمجاميعك القصصية ونصوصك ورواياتك ربما حتى دون ذكر اسمك، وعلى سبيل المثال لا الحصر وفي قصة " سكان الفورمالين" صورت ببراعة فنية وأسلوب راقٍ وجرأة واضحة ولغة شاعرية موضوعة الحصار الذي أشهر مخالبه في أجساد العراقيين وعقولهم في العقد التسعيني من القرن المنصرم حتى كدنا نشم رائحة الدم والجثث المعلبة في سائل الفورمالين هل تعتقدين بوجوب تلازم الوظيفة الجمالية والإنسانية في الرسالة الأدبية؟
* دعنا لا نسميها رسالة لأنها تحيل إلى نوع من الوهم عن ادوار مفترضة للنشاط الإبداعي- وإنما هناك تطلع للتعبير عن مسار أو رؤية ذاتية عبر الحكاية ،هناك اشتباك وتداخل بين المسعى الجمالي والموقف الإنساني،فنحن نعيش عصر الآلام الكبرى والحروب الفاتكة والطغيان بكل تمظهراته من طغيان الحاكم إلى طغيان الميديا ،الكاتبة نجحت في أن تروي الحكاية لأنها لا تملك سلطة اكبر من مهنة الحكي ، كانت الحكاية وسيلتها ، وفي الحكاية شاركت الآخرين مأساة الجوع وأشارت إلى تماهي الكاتب المدجن مع سلطة الحاكم واشتراكهما في أعراض نضوب المخيلة وكان متوقعا حينها ألاّ تنشر هذه القصة حسب تحفظات المحرر في مجلة (الموقف الثقافي) التي نشرت النص ، لكن الحكاية مرت من خرم إبرة الرقيب .. وأذكر أن الكاتب الراحل غازي العبادي قال لي حين ظهرت القصة :"أنت أجرأ منّا جميعا ، أغبطك على شجاعتك ".
- هل كانت مقولات أقطاب حكومة العهد السابق "اكتبوا بلا خوف ولا تردد هي دليلك على هذه الجرأة؟
* لا أبدا.. كنت استغل تفشي مقولة أخرى شاعت في الوسط الرسمي (( لا تصنعوا من الكتاب أبطالا بمنع نتاجهم، فلن تسقط قصيدة أو قصة نظاما راسخا !!)) لكن في السنة التالية منعت قصتي (خسوف برهان الكتبي) من النشر .. وفي مرحلة التسعينات عشنا في العراق فترة الإذلال اللامعقول للإنسان وكنا نتساءل :كيف نواصل العيش في عدم وجود رؤية للمستقبل بسبب انشغال الإنسان العراقي في معضلة البقاء على قيد الحياة بأقل إمكانات العيش وأدنى مستوى للكرامة الإنسانية ، أن يجوّع شعب يملك أكبر احتياطي للنفط في العالم بينما تطعم خيول الطبقة الحاكمة التفاح الفرنسي المستورد وتطعم قطعان غزلانهم المدجنة بحب الهيل ليطيب لحمها في الشواء وتستورد لحوم الأفاعي من ماليزيا لمآدب الباربكيو التي يقيمونها في الصحراء أو عند البحيرات ، ثم تباع المعونات الغذائية التي تتبرع بها المنظمات الإنسانية العربية والعالمية في مزادات لصالح من استولى عليها من الطبقة الحاكمة وتحتكر أطنان الأدوية المتبرع بها من جهات العالم وتخزن حتى ينتهي تاريخ صلاحيتها دون أن توزع على المرضى ثم تباع إلى سماسرة السوق السوداء ، كل هذا يحدث لاستجداء تعاطف العالم مع شعب مرتهن ومجوّع من قبل السلطة والقرارات الدولية ، من جهة أخرى كان ثمة شعراء وكتاب تماهوا مع شخصية الحاكم أو دجنوا النصوص على مقاسات ترضي السلطة ليضمنوا هباتها ويأمنوا التأويل، كل ذلك كان يحصل على إيقاع النزيف اليومي للبشر رهائن السياسة الخرقاء والاستبداد والقرارات الدولية الفاضحة..ومع هذا فأن الحكاية لا بد أن تقرأ بمنظور فنيّ أيضا. أنت ركزت على المضمون لكن هناك الوحدات الأساسية في القصة والتي تقع في المدى الجمالي ، التقنيات والمجازات وتعدد الأصوات والأنظمة اللغوية فيها بمعنى أني لم أضحّ بالجمالي لصالح الثيمات وأعمل في تجاربي على تحقيق هذه الموازنة الدقيقة.. - عرف العراقيون لطفية الدليمي مبدعة راكمت منجزاً مبهراً في القصة والرواية منذ ما يقرب من الأربعين عاماً . وقد واجهت كامرأة ومبدعة أقدار التاريخ ومآسيه في خضم الزمن، كان أقل ما يقال عنه أنه زمن اللا فصل، ولكونها لم تعرف الصمت، فقد كابدت في ذلك الزمن شتى المرارات، وكانت بعيدة كل البعد عن الاسترزاق، فلم تخبُ جذوة الإبداع و وهج الأمل، فأقامت بأدوات الفن السردي عوالم في ميدان المعرفة، ضاجة بسحر الحياة وأنفاس البشر وذاكرة الحضارة الإنسانية في وادي الرافدين" . هذا ما جاء على لسان أحبتك من الأدباء العراقيين وهم يشاطرونك محنة الحفاظ على بيتك الذي تعرض إلى اقتحام وانتهاك من قبل القوات الأمريكية وما جرى من سرقة وتدنيس حرمة أركان ذكرياتك ، كما طالب الأدباء العراقيون رئيس الجمهورية، واللجنة الثقافية في البرلمان ببذل كل جهد ممكن لبسط حماية الدولة على البيت . فهو بيت لكل العراقيين ما بقي إبداع لطيفة الدليمي. . ما قصة بيت العراقيين، وما الذي تحقق بهذا الشأن من جانب الحكومة والبرلمان ؟ - كنت في عمان أحضر مؤتمرا نظمته مؤسسة فريدريش ايبرت الألمانية لمراجعة الدستور العراقي الجديد مع حشد من المعنيين وقدمت مداخلة عن غياب أية إشارة إلى الثقافة وآليات حرية التعبير وفق المعايير الدولية وضمان الحقوق والحريات الأساسية للفرد في الدستور المهيأ مسبقا والمفروض على العراقيين ، في هذه الأثناء اقتحمت قوات المارينز وقوات عراقية بيتي بعد أن كسروا الأبواب ببنادقهم وعاثوا قي المنزل وبعثروا مكتبتي وحطموا الكومبيوتر والبيانو وبعض اللوحات الفنية النادرة لرسامين عراقيين كبار وسرقوا تحفا وأشياء ثمينة وحطموا كل ما وقع تحت أيديهم وتركوا البيت والحديقة نثارا ، كانوا يبحثون في الحي عن أسلحة ومتشددين!! وأخبرهم جاري أن هذا بيت كاتبة معروفة وهي ليست هنا، أجابهم المترجم المرافق:- اخرسوا كلكم هنا إرهابيون...ادخلوا منازلكم وإلا أطلقنا عليكم النار..ثم أقاموا نقطة تفتيش قرب المنزل تعرضت النقطة لتفجير سيارتين مفخختين خلال أسبوع واحد مما تسبب في تدمير واجهة المنزل ،وفي صيف 2007 أتى متشددون للاستيلاء على المنزل وأنا في باريس بحجة إيواء عوائل (المجاهدين ) في المنازل المهجورة كانوا كل مرة يأتون للسؤال عني بالاسم ويريدون مقابلتي ويقولون متى تعود من سفرها، كنت مطلوبة من جهات أصولية ،وهكذا ترى كنت بين سندان الاحتلال ومطرقة التشدد ،ثم استطاع أحد الأقارب أن يحمي البيت بإسكان عائلة من المعارف فيه بعد أن نال منه الدمار وكنت أتمنى أن نحوله إلى منتدى ثقافي ومكتبة تضم مراجع مهمة تفيد الدارسين.. بيتي يقع في المناطق الحمراء الساخنة والحكومة والبرلمانيون قابعون في المنطقة الخضراء ولا أحد منهم معني بالثقافة وأهلها وروادها بالنسبة لهم ماذا تعني كاتبة أفنت حياتها في الجهد الثقافي وقدمت للإبداع نحوا من خمسة وعشرين كتابا..وأدارت مجلات وجمعيات ثقافية ؟؟ وماذا تعني مواطنة عراقية ؟؟ ولم يردّ أحد على البيان الذي أصدره الأدباء وقدمته الإذاعات ، وكنت حينها أسعى للحصول على تجديد لجواز سفري وفشلت ، وأطلب منحي إقامة في بلد عربي فلا أحصل عليها لأنني خارج اللعبة السياسية كلها ، لاشيء يدهشني... هي ذي لعبة الحياة والوضع البشري عموما في بلد محتل تحكمه الطوائف المتناحرة باسم ديمقراطية محرفّة..
- أعتقد أن بيت لطفية الدليمي يقع في منطقة العامرية وهي منطقة ساخنة كما يعرف الجميع، وأنا لا أقصد بيتا بذاته إذ لم يعد ملكا أو حيازة شخصية لك ، بقدر ما يفترض أن يتحول إلى رمز وطني ، هل شعرت بهذا الإحساس حين تضامن معك كل الذين يعرفون قدرك من الأدباء؟
* نعم انه في منطقة ساخنة في العامرية - الحملة التي قام بها الأصدقاء مثقفو بابل والمقالات والنداءات التي نشروها منحتني شحنات هائلة من القوة والاعتزاز ،وأشعرتني أن مواقف الأصدقاء الشجاعة ودعوتهم للحفاظ على بيتي هي أثمن جائزة أنالها في حياتي ، لم أكن أفكر بالأمر وإن بيتي يمكن أن يكون رمزا مّا فالوطن بأجمعه تعرض للدمار المنظم والثقافة العراقية ومصادرها أحرقت ونهبت ،وشارع المتنبي جرى تدميره وحرقه ، تعلم أن بلادنا العربية لا تعنى قط بالقيم المعنوية وأن بيوت الكتاب والكاتبات تتعرض للتبديد والإزالة وتباع مكتباتهم من قبل الورثة أو تدمر في الحروب الأهلية والعنف والاحتلال ، لا حكومة من حكومات العراق اهتمت بتراث مبدعي البلاد،الحماية توفر لمقرات الأحزاب وبيوت الساسة عادة وليس للمواقع الثقافية التي تقع في آخر اهتمامات الحاكمين . هل سمعت بحكومة أقامت متحفا لنازك الملائكة أو الجواهري ؟؟ أو اهتمت بتراث جواد سليم أو جمعت تراث المقام العراقي ؟؟أو احتفت بروائي رائد على مستوى غائب طعمة فرمان ؟؟ الذي يحدث أن أحزابا وتنظيمات سياسية تحتفي بكتاب وشعراء من أعضائها ليس لقيمة إبداعية مميزة لديهم بل لموقف سياسي محض ، إنها اللعبة ذاتها في كل آن ، وما كان يعاب على النظام السابق يتوارثه الحكّام الجدد وتمارس لعبة الإقصاء على أسس سياسية وطائفية وعرقية بامتياز كبير ..
- لطفية الدليمي المسكونة بالحب والجرأة والتي سطّرت عن هذين البعدين أسفارا من الوجع والبوح الإنساني والاستعاري بمؤلفات قصصية تربو على خمسة وعشرين كتابا ، غير المسرحيات والدراسات والمقالات في مناحي شتى في حقل الإبداع . ماذا تقول في وحشة الإنسان وعزلته أمام هذا الخراب ؟
* عندما تكون حرا وغير خاضع لعملية استلاب تستطيع أن تقاوم العزلة وخراب العالم ، وحشة الإنسان لا يمكن تجاوزها إنما بوسعنا التخفيف منها عن طريق الحب والتساند الإنساني والألفة ، لأنها عرض وجودي لمغامرة الإنسان في العيش ، الحب ليس بحدوده المقننة بين كائن وآخر ، إنما بكونه أسلوبا للتواصل وطريقة للحوار بين العقول والأرواح والأجساد ، الحب الذي يقوم على ركيزة واحدة دون حضور الحوار الفكري والتواصل الثقافي والتجدد ينتهي إلى الإعاقة ثم العجز عن التحليق من أفق لأفق ، الحب هو المضاد الأساس للموت ، يفضي غيابه إلى التحارب والتجاوز على حياة الآخرين ، إيروس الحب وثاناتوس الموت ، هما قطبا التصارع في كل العصور وبينهما تنمو الحضارات وتتطور أو تتدهور بغلبة احدهما على الآخر – فرويديا- هذا هو سر تواصل الحياة وسحرها وعذابها وتراجيدياتها ..ومقاومة الخراب تقوم على رغبة عارمة في الحياة والتواصل بين قطبي الجنس البشري،الخراب وجه من وجوه الموت المتعددة التي تفقس عنها نزعة الإقصاء ورفض الآخر وهي تتعهد بتدمير المختلف ،لو عرف الإنسان كيف يحب لما تكاثرت المقابر في بلادنا ، خراب العالم ما هو إلا ناتج لانعدام قدرة البشر على الحب، وما الجرأة كما افهمها- إلا اقتراف الحب في أقصى تمظهراته : حب يشمل الكون وما فيه كما يفعل البوذيون ، شخصيا أقاوم خراب عالمنا بالحب وجرأة المغامرة لأكسب الحياة كما اشتهيها وكما تعينني على استمرار كينونتي ، ولأنني شهدت من الخراب ووحشة العيش وسط الحروب والعنف والاحتلال ما لا يوصف ،أجدني أكثر تفهما لموضوع الوحشة وأكثر قدرة على تجاوزها أيضا ، نحن عشنا منذ ثمانية وعشرين عاما في حمأة الحروب -ربما عشت أنت بعضها في جبهات الموت - أما أنا فعشتها حياة تجاور الموت وتتعايش معه لحظة بلحظة ، لذا كان عليّ أن أرتقي بقوتي لأبقى موصولة بالحياة ومحتفية بالجمال عبر الكتابة والحب ..
- لطفية الدليمي كاتبة متفردة حقا في خلق مناخ رؤيوي لإبداعها بالانطلاق من مرجعيات عراقية صرفة أولا ، على عكس الكثير من الكتاب الذين انبهروا بالمرجع الأوربي ، هل يشكل هذا العمق العراقي جناحا للطيران في تجربتك ، ولماذا يتقدم المرجع المحلي على العالمي ؟
* مرجعياتي المحلية ترتبط بمجمل تشوقاتي كما ترتبط بمخزون الذاكرة واللاوعي ، أنا أعيش بيئة ووسطا اجتماعيا له خصائصه وأتأثر بموروث شاسع من الآداب الرافدينية التي أنضجتها حضارات متعاقبة وأنتجت معطيات ثقافية أساسية و ثرية جدا ، لأنها ذات طيف لوني واسع يمتد من الأساطير والملاحم السومرية والبابلية والتراث الشعبي إلى نتاج الفترة العقلانية في القرن الثالث والرابع الهجريين (المعتزلة والمتكلمة) ثم التصوّف إلى التراث السرياني والموروث الشرقي المؤثر والمتأثر بالثقافات المتزامنة والمتجاورة ، مرجعيات تأتلف في معظمها في طرح أسئلة الوجود ومعضلة الموت كما تأتلف مع المرجعيات العالمية في سؤال المصير الإنساني ، حسب ظني إن المرجعيات الإنسانية ملك متاح للبشرية كلها ، إلا أن احتفائي بالعمق الرافديني في أعمالي - حسب ما أرى – هو الذي حدد سمات أعمالي وأشار إلى خصوصيتها ، المرجعيات الرافدينية أساسا هي مراجع هامة في الثقافة العالمية بخاصة الأساطير والملاحم التي تسرب معظمها إلى أسفار العهد القديم والتي تأثر بها شعراء ومبدعون أوروبيون تاليا ، استطيع القول إن العمق الرافديني والمرجعيات المحلية لديّ تأتي كنتيجة منطقية للعيش في البيئة ذاتها التي أنتجت تلك المرجعيات ، فلا افتعال ولا إقحام لموروث أو مرجعية غريبة عني تبدو كسيحة وفي غير موطنها إذا وظفتها في سياق أعمال محلية السمات ..خذ مثالا مسرحيتي ( الليالي السومرية) التي قدمتها الفرقة القومية في عامين متتاليين ،هي قراءة معاصرة وجذرية لملحمة كلكامش، طرح مناقض للعظمة التاريخية والقداسة الأسطورية لكلكامش ملك أوروك الجبار، تشظىّ فيها وضع المرأة الموازي لوضع الرجل إلى عدد من الشخصيات النسوية تناسلت من شخصيات الملحمة الأصلية ، ساقية حانة الإلهة (سيدوري) ذات الموقف الأبيقوري من اللذة،والبغي (شمخت) أداة الملك لترويض الضد ،والخالقة(اورورا) وربة المعرفة (نيسابا) والعاشقة كلهن،كن يحركن المصائر ويدفعن بمغامرة البحث عن لغز الموت والخلود إلى أقصاها لتصل إلى نقطة التفجر النهائية. عملي المسرحي الآخر ( قمر أور) قصتي الطويلة ( الشهود والشهداء) عن محنة الرأي في مأساة الحلاج،قصتي (ما لم يقله الرواة)عن رؤيتي المتقاطعة لحقيقة الراوية شهرزاد التي تضاد الحكاية المدونة ، قصتي عن ( ديك الجن الحمصي )، أعمال تستند إلى جذور ومرجعيات محلية برؤى حداثية لأن الجذر المرجعي المنتقى يصلح لأزمنة مختلفة ، وتشمل إشعاعاته الفكرية التجربة الإنسانية الوجودية على مر العصور ..
- كتابك "خسوف برهان الكتبي ، أوجاع برهان الكتبي أمام حصار السلطة وحصار العيش متماهيا مع (الفيلسوف الكندي الذي أمر المأمون بجلده مائة جلده) لسوء تأويل نصوصه أو لسوء تلقي مواقفه من الوشاة وامتزاج الحالتين : المثقف المعاصر الذي انسحق تحت وطأة الإكراهات والسلطة ،الآخر والعارف الفيلسوف الذي دفع ثمن المعرفة سجنا وجلدا وحرق مؤلفاته من قبل الخليفة العباسي الذي لا يجيد القراءة . ما هي قصة برهان الكتبي ولماذا لم تنشر في مجلة الأقلام العراقية حينها ؟
* هي قصة كانت ستظهر في مجلة الأقلام سنة 1999وصححت البروف النهائي الذي أرسله لي رئيس التحرير قبل دفع العدد للمطبعة ولكن عدد الأقلام ظهر ولم تنشر القصة فيه ولما سألت ، قيل لي إن احد المحررين كان متحفظا عليها كونها تمس النظام ، ثم علمت أنهم أرسلوا مخطوطة القصة إلى وزارة الإعلام لمراقبتها ومرت على اثنين أو ثلاثة مدراء عامين ووزير!! ولا أعلم من غيرهم، وعادت مزركشة بتأشيرات بالقلم الأحمر والقلم الأخضر ، وعليها ملاحظة : تحجب عن النشر .. بعد أسبوعين اتصل بي محرر من الأقلام وهو زميل قاص وروائي طلب مني المشاركة في ملف التجريب في القصة العراقية (بصفتك من الكتاب البارزين في مجال التجريب القصصي) فقمت بكتابة رسالة مفادها( شكرا لاهتمامكم بالجانب التجريبي في القصة العراقية الجديدة – أرسل لكم طي رسالتي قصتي الجديدة خسوف برهان الكتبي باعتبارها أنموذجا لمسعاي التجريبي في العقد التسعيني وهي بديل شهادة عن فهمي لموضوعة التجريب) وصمتوا ولم يردوا .. بعدها قمت بكتابة فصل ثان للقصة حتى تحولت إلى نوفيلا – رواية قصيرة ، تابعت فيها مصير القصة ومصير الرجل الذي كان كلما باع جزءا من مكتبته فقد بعضا من ذاكرته حتى فقدها تماما وتاه في المدينة ومن خلال ضياعه كشفت عن الوضع الإنساني في مدينة مجوّعة يبيع فيها الناس أعضاءهم ليعيلوا أسرهم ، ويستخدمون أقنعة مختلفة حسب المكان والزمان وضرورات التمويه وتبيع المرأة جسدها في الأزقة ويبيع الرجال تاريخهم وذاكراتهم ، وقد قمت بعون من الأصدقاء بطبع مائة نسخة طباعة يدوية بجهاز الاستنساخ وقمنا بإهدائها إلى معارف وأصدقاء داخل العراق وخارجه وتبنت دار ألواح العراقية في اسبانيا إصدار طبعة أولى للرواية ، ثم قام بيت الشعر الفلسطيني في رام الله بإصدار الطبعة الثانية لها عن دار الزاهرة ..
- أعتقد أنها كانت مجازفة منك في ذاك الوقت بتحدى سلطة النظام الثقافية؟
* نعم إنها مجازفة حقا ، وكانت إحدى المحاولات لقول (لا ) وإشهارها بوجه القمع ، عبر أقنعة النص المختلفة التي تقول خطاب المواجهة بهدوء دون ضجيج إعلامي وتبشيري مجازفة وليست بطولة فأنا لا أؤمن بالبطولة وأبعادها ،أنا كاتبة فقط والكتابة فعل مجازفة دائم ..
- ولكن الذي حدث انك الآن تعيشين مرارة المنافي ،ما الذي يحصل للطفية وهي تقتلع قسرا من عشها البغدادي الدافئ الأمين ؟
* تصور أن تكون قد أسست حياتكَ واسمكَ الأدبي ومكانتك المرموقة في بلدك وكان لك بيت ومكتبة غنية وقدر بسيط من ضمان العيش ونشاط ثقافي متصل وعمل في مجال حرية المرأة ومجلة ثقافية ترأس تحريرها ومشاريع إبداعية تعمل على إنجازها ولك أصدقاء وأناس يساندونك وآخرون يقومون بالخدمات اليومية وبغتة تجد نفسك مهددا بالقتل واسمك مشهر كضحية محتملة وأنت بلا موطئ قدم وبلا سقف يؤويك ولا تحصل على إقامة في بلد عربي وتعيش عيشة المشردين كلاجئ في بلد أوروبي وتتحول إلى ذرة رمل في متاهة أو مجرد رقم مدون على بطاقة الإقامة ويتعذر عليك أن تجد غرفة تؤويك وتتنقل بين الفنادق ،وأن مشاريعك الإبداعية مجهضة ووحدتك في الغربة مريعة ووحشة اللغة تلتهمك ، أنت تعلم أن انتماءنا الكولونيالي في العراق كان انكليزيا ولا يزال ، ولغتنا الثانية في العراق هي الانكليزية ،وليس بمقدوري في هذا العمر أن أتعلم لغة جديدة من لغات أوروبا القارة ، سواء الفرنسية او الجرمانية ، هذه إشكالية البيت اللغوي التي توازي إشكالية البيت المادي ..
- وهل أثر هذا اللاستقرار على عطائك الإبداعي؟
* نعم .. التنقل واللا استقرار يعيقان مواصلة العمل في الرواية ،الرواية تتطلب حدا من التثبت في المكان ، على الضد من القصة القصيرة والمقالة اللتين يثريهما التنوع المكاني والترحال،وجدت الاقتلاع القسري من البيت المجاز والمادي أقسى عليّ من مواجهة الموت في شوارع بغداد ، لو أتيحت لي فرصة الإقامة في بلد عربي لكنت في دفء العلاقة اللغوية والثقافية قادرة على أن أعوض شيئا من وطن يتبدد في الاحتلال والعنف اليومي ، و لما كابدت كل هذا القسر الروحي في غربة مكتملة الأركان، أعد وضعي الراهن كلاجئة - نوعا من انتحار بطيء على المستويات كلها وهو وضع مرير لولا قوتي وعنادي ..رغم مواصلتي الكتابة ، المتاهة مثل فم التنين وأنا أحارب لهبها المتقد بلا وسائل مادية ، لا املك غير تاريخ إبداعي أفضى بي إلى المتاهة ، ومن منعطف إلى آخر يتسع فم التنين ويتهدد وجودي الروحي والجسدي ..
- لكل كاتب حكاية مع الكتاب الأول والذي يمثل الإشعاع الجاذب للدخول في مملكة الكتابة. ما هو الكتاب الذي أثرى مخيلتك ؟
* هي كتب عديدة لا كتابا واحدا ، لكن الأول بامتياز سحره كان كتاب ألف ليلة وليلة ، الذي اكتشفته وأنا في التاسعة بمحض مصادفة قدرية - سوف أتحدث عنها في شهادة أنشرها لاحقا- هذا الكتاب كشف لي عن بذرة القصّ والحكي لدي ، وكنت أعيش في أجوائه السحرية وأغيب في متاهات أزمنة متخيلة وأتوغل في أقبية ومسالك ورحلات، هو الحجر الذي ألقته المصادفة في ماء طفولتي الساكن ولا يزال أثره يتردد في أعماق مياهي ويشحذ مخيلتي ، سحر الحكي وتناسل القصص من بعضها في ألف ليلة وليلة كان نقطة الجذب التي دفعتني لعشق الكتابة ، كنت مأخوذة بقدرة تلك المرأة على الحكي طوال الليالي الألف وكنت أقول لنفسي سوف أتوصل إلى أن أكون راوية قصص مثلها ، اعترف انه الكتاب الأهم الذي أثرى مخيلتي وأنا صبية صغيرة ودفع بي إلى اقتراف مجازفة الكتابة حتى هذه اللحظة..
- لطفية الدليمي شاهدة فاعلة وضحية معا ، كيف تكتبين اعترافاتك على كرسي الزمن؟ وما يطلبه منك الأصدقاء أن تكتبي كل ما شهدت . هل تكتبين هذا فعلا؟؟
* يقولون لي اكتبيها قبل أن...؟ قبل الموت أو بعد النجاة ؟؟ هل تروني نجوت؟؟ ..لا ليس من ناجين ابدا!! الذين لم يموتوا هم الضحايا الحقيقيون للحروب.. الموتى هم الناجون بامتياز راحتهم الأبدية.. كتابة الحرب تشبه تجرع الموت على دفعات .. تشبه أن نحتسي اللهب بكأس من جمر ..كم حربا مرت على تضاريس قلبي ؟؟ كم ابنا ابتلعته المتاهة؟؟ كم صديقا تناهبه الحريق ؟؟ كم ديكتاتورا وكم قاتلا مرّغوا لغتي بالرماد والدم..؟؟ كم رجلا تبدد في حروبهم اللعينة..؟؟ كم بيتا وكم وطنا طالته وحشية أبطال الإبادة وتركونا بلا جدار ولا وطن ولا ملاذ ؟؟ كم من الأحلام تهاوت على إيقاع مارشات الموت الزائد عن حاجة الحياة والمقابر..؟ هل أعلق الروح على (نصب الحرية ؟؟) أم أدع الجسد يتبدد في التيه كغمامة ضالة حتى أتفرغ لكتابة تاريخ الألم ؟؟ الحرب مثل حكايات الحب لا تنكتب إلا بعد انتهائها ، وهاهي لا تزال بكامل براهينها تعتاش على شجن النساء وعويل الشرفات ولحم الحرية المصاب بالغنغرينا منذ خمسة عقود من سبي البلاد.. أنا لست سوى إمراة تكتب ، إمراة منتبهة إلى زمنها وسادرة في حزنه العميق ، إمراة لا تجيد سوى خرق الكراهية بنيازك الحب ، فكيف لي أن أدون ذاكرة موت الإنسان في حروب القتلة .. ؟؟ هل تبقت لي ذاكرة بعد كل هذه الميتات الألف؟؟ سلطة الموت تربعت في نواة العقل حيث يتبرعم الحزن كزهور البرتقال في حدائقنا ،الوعي وحده يختبئ في الكلمات النازفة ليدوّن ما تخونه الذاكرة والحواس المستباحة . هل مازالت الحواس تتعرف إلى المؤثرات؟؟ وهل تنتشي وتفيض وتراوغ وتشتاق وتبوح ؟ هل أقفل الموت مزاداته المعلنة على المشانق ودروب الفجر المتوحشة؟لست متأكّدة من ذلك .. فالميادين افترشها الأنين والجداول حفرت لتوفير احتياطي من الدموع والليل تناسلت ظلماته ليكفن ملايين الضحايا بالسواد ..مكتبتي فاض رمادها على ياسمين السياج وشجر النارنج، أصابع الأصدقاء تساقطت من رسائلي على المرايا المهشمة وعيون المؤلفين لبثت تحدق في بصيص من ربيع.يقول أصدقائي إنهم رأوني أتجول ليلا بين الأشباح واقتفي حفيف الأقفاص التي سجنوا فيها الكلمات.. ويقسم رجل أنه تبعني إلى شارع المتنبي- شارع المكتبات الذي فجره الإرهابيون - ورآني أتبدد بين الأنقاض دخانا ابيض اسود .. بعضهم عثر على وجهي في إعلان عن مطلوبين للموت وآخر تعرف عليّ في لائحة موتى مجهولي الهوية ..فكيف سأدون ذكريات تحجبني عن العقل وتطيح بالوعي في بئر السموم ؟؟ مرة شرعت في تدوين وقائع حرب من حروبهم اللعينة فابتلعتني دوامة الدم تحت جسر الجمهورية وسط بغداد واحترقت الأصابع بماء الجحيم في الباب الشرقي تحت نصب الحرية، قلت دعك أيتها المحذوفة من نعيم الموتى ، لا تدوّني الحرب حتى تموت الحروب ..ولكن الأصدقاء يطالبونني أن احتسي اللهب بكأس من الجمر لأنني شهدت كل شيء ... بعض الذين لم يشهدوا الحروب الثلاث والانقلابات الغبية والجنون العقائدي ودوغما القطيع .يحرضونني على استعادة أوجاعي بتدوينها ناسين أنها مدونة في رجفة الدم وجرح الفقدانات وأنّ تدوينها ثانية يتطلب مني استحضار صور قياصرة القتل وطغاة الزمن وأرتال الموتى الطويلة، ومأتم المكتبات وحريق الجمال وانتحار الجسور الملكية ، أي إن عليّ تكرار عيش الكارثة وحدي دونما شهود على دورة الألم وهذا شبيه بفعل سادي يقترفه المختلون إزاء أنفسهم ..ومع ذلك قد يكون ممكنا إقامة وليمة للدموع في كتاب ..
- وليمة للدموع.!هل للحب والحرية أثر في دفتيّ كتابكِ المبلول هذا؟
* وهل بدون هذين الاقنومين تقوم الحياة ؟؟ أو ينولد كتاب؟؟ أو يعاش الأمل ؟؟ في الحب مبالاة كاملة بمصير العالم وكتابي عنهما فقط إن شئت الدقة ،الشاعر يانيس ريتسوس يتساءل :- كيف يعيش الموتى بلا حب ؟؟وأنا أكتب عن الحياة لأهزم كوابيس الموت ، مع الحب كل شيء ممكن ، لأنه لا شيء ممكن قدر المعاصي الجميلة .وكل كلمة تنضج خطاب الحب تحيي ذكرى الحرية المهدورة ، إن أحد إخفاقات الموت الكبرى صعود الحب بين كائنين في الكوارث والنهايات القصية....






 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6223035   Visitors since 7-9-2002